islamaumaroc

استقلال الشخصية الإنسانية في الإسلام

  عبد العزيز بن ادريس

12 العدد

أول تحويل في أسس الدين قام به الإسلام ودعا له هو الاحتفاظ بشخصية الإنسان إزاء الدين بل وتقويتها وتنميتها.
ذلك أن الطابع الذي كانت تنطبع به الديانات قبل الإسلام هو طابع التسليم وإهمال الفكر وانعدام الشخصية، والاستعباد العقلي، فلم يكن الرؤساء الدينيون يسمحون لأتباعهم أن يسألوا عن الأسباب والعلل ولا أن يحركوا أفكارهم وعقولهم فيما يملونه عليهم، بل كانوا يفرضون عليهم قبول كل ما يلقى عليهم واعتقاد أنه الحق والصواب مهما كان بعيدا عن المعقول أو مخالفا لأبسط قواعد المنطق، ويعدون الخروج عن هذا المنهاج هرطقة وإلحادا.
وهذا الطابع من أكبر الأسباب التي جعلت القبائل العربية بعيدة عن التأثر بالديانات الثلاث التي جاورتها قرونا عديدة، فلم تنفعل لها النفسية العربية لأنها مطبوعة على الصراحة والوضوح وحدة الذكاء، التي تتنافى مع السكوت والتسليم وإهمال العقل، تلك الصفات التي اكتسبها العربي من سمائه الصافية وحياته البدائية البعيدة عن كل تزويق وزخرفة.
ولا يقدح في هذا المراكز التي كانت اليهودية والنصرانية سائدتين فيها، فإنها -زيادة على ندرتها- تكونت من المهاجرين اليهود الذين اضطروا إلى النزوح عن فلسطين، أما النصرانية فلم توجد إلا في مشارق الشام والعراق وفي اليمن.
فلما أعلن النبي عليه السلام الدعوة الإسلامية اعتمد على أساس وجود الشخصية الإنسانية معترفا بأهميتها، فوجه الخطاب إلى العقل، وأحيى الضمير، وجعل لكل كيانه الخاص، وحمل كل فرد مسئولية نفسه أمام الإلاه، وأسقط الوسائط بين الإنسان وربه مهما كانت قيمتها، وقضى على الدكتاتورية الدينية، ومنح الإنسان الرشد الفكري والاستقلال العقلي.
وبالجملة فإن إعلان الدعوة الإسلامية يعتبر-بحق- حجرا أساسيا في طريق القضاء على العبودية الفكرية وإخضاع الإنسان للإنسان، ونقطة الانطلاق في ميدان التحرر الفكري، وليس هذا أمرا كماليا في الإسلام، بل هو أمر حيوي وشيء أساسي، ومن الأمور الضرورية التي لا يمكن للمسلم أن يكون إسلامه مقبولا من ناحية العقيدة إلا بالاعتراف بها، بل هو أول لوازم المدلول الأولى لكلمة الشهادة التي تنزع الصبغة الإلاهية عن جميع المخلوقات، ويرجع إلى مبدأ إلغاء أفضلية شخص على آخر وتفوقه عليه بغير الوسائل العادية والأسباب الطبيعية.
والمتتبع لنصوص الإسلام وتشريعاته يصل إلى درجة اليقين بأن هذا الطابع سار فيها سريان الدم في الجسد والماء في الأغصان.
ومن الممكن استنباط ذلك من الأمور الآتية :
1) قوله تعالى في سورة سبأ آية (46) يخاطب المعاندين ويدعوهم إلى التأمل والتفكير: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)
 فأنت ترى أن هذه الآية لم تطلب منهم استعمال عقولهم فقط، بل أشارت بتكوين ظرف للتفكير أدعى إلى الاستقلال وإثبات الشخصية، ذلك بالابتعاد عن الظروف التي تضعف فيها الشخصية، والانفراد حالة التفكير ليتمكن منه باستقلال عن جميع المؤثرات.
2) قوله تعالى في سورة القيامة آية 14، 15: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)، وهاتان الآيتان أعطتا للإنسان -كشخص مسؤول عن تصرفاته- قيمة واقعية كبرى، فقد جعلته رقيبا على نفسه يتحمل تبعات عمله وحده، ولا ينفعه إقناع غيره بحسن سلوكه متى كان ذلك مخالفا للواقع ولو استطاع ستر نفسه بضباب المعاذير.
3) وأبرز شيء في هذا الموضوع هو إكثار القرآن الكريم من استعمال الكلمات الدالة على حركة الفكر مثل العقل، واللب، والتفكير، والتدبير، والعلم، والفقه، والنظر، والاعتبار، والتذكر، ومدح الذين يفكرون ويتدبرون ويعقلون. وذلك لا يوجد في كتاب سماوي غيره.
4) احتفاظ المرأة بشخصيتها إزاء زوجها، وإعطائها الحرية التامة في التصرف المباشر في شؤونها المالية من دون أن توجب عليها الرجوع إليه وأخذ رأيه، وذلك تركيز لاستقلالها الشخصي وإعطائها مكانتها بصفتها كائنا بشريا له نفس الوضعية والقيمة التي للرجل.
كل ذلك وغيره يدل على أن الإسلام يريد من الإنسان أن يكون مستقلا في تفكيره لا تذوب شخصيته في غيره ولا يضمحل وجوده مهما كانت الظروف التي تحيط به والقوى التي يتفاعل معها.
كان لهذه الخطة أثرها الملموس العاجل في عقلية المسلمين فلم يجد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه غضاضة في أن يخاطب الحجر الأسود بقوله: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.
ولم تجد المرأة مانعا من أن تقف في وسط المسجد وتعلن معارضة عمر في تحديده للمهر، ورأى ذلك عمر أمرا عاديا فقال أصابت امرأة وأخطأ عمر.  ووجدت جميع ضروب التفكير المهد الوثير والملجأ الأمين في الوسط الإسلامي، وترعرعت الفلسفة على اختلاف ضروبها في المجتمعات الإسلامية، وكل ذلك في إطار الإسلام بل وبمباركته وإشرافه.
ونبغ في العالم الإسلامي فلاسفة كبار، ومفكرون عظام، جالوا في جميع ميادين التفكير من غير أن يروا في معتقدهم الديني ما يحجر عليهم تفكيرهم ويضيق نطاق عقولهم، ومن دون أن يروا في مذهبهم الفلسفي ما يخرجهم عن نطاق الإسلام وتعاليمه.
وهكذا خرج الإسلام بالإنسانية من طور الخمول والظلام والركود إلى طور كله حركة وبناء ونور وإشراق، وحاز المسلمون شرف الاحتفاظ بالحضارة القديمة ونقلها بأمانة إلى الأجيال التي بعدهم، بل لم يكن دورهم مقتصرا على النقل، فقد استطاعوا أن يكتشفوا مجاهل في نطاق المعرفة كانت هي الأساس الذي مهد لهذه الحضارة طريق الظهور والكمال.
وبرزوا في ميدان الدراسات الروحية وأتوا فيها بالعجب العجاب واستطاعوا أن يغوصوا في أعماق بحار لم يستطع غيرهم حتى الوقوف بسواحلها.
وتمكن المسلمون بتطبيق هذا المبدأ القرآني من الاستمرار في قيادة الفكر وزعامة العالم في الحضارة والتمدن أكثر من ألف سنة.
وهكذا أخذ الإسلام في طور نقاوته الطابع الحقيقي الذي بينه الله في كتابه العزيز سواء في صريح آياته، أو في مستلزم قضاياه.
وقد أخذ هذا الاتجاه يتحول شيئا فشيئا وبصفة تدريجية، حتى أصبح لمفهوم كلمة الدين معنى آخر غير هذا المعنى الذي كان لها يوم أرسل الإسلام أشعته الدافئة على المعمور.
أصبح الطابع العادي للدين هو تطبيق مجال العقل وتحجيره ومنعه من آية حركة تحريرية، وحجزه عن الولوج في كل الميادين الذي ولجها المسلمون يوم كان الإسلام في نضارته وإشراقه. وقد استمر هذا الاتجاه يعمل علمه حتى أصبحت المثالية في الإسلام هي الانقطاع عن الحياة والبعد عنها، فأحرى البحث فيها ومحاولة استكناه حقائقها.
أصبحت المثالية في الإسلام هي أن فلانا يقاطع أكل البطيخ، لأنه لم يعرف الكيفية التي كان يأكله عليها الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن فلانا اشترى السراويل ولم يلبسه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه فعل ذلك، واعتبار ذلك مثالية في الاهتداء ونفاذا إلى صلب الدين.


وأخذ المؤمن المثالي صفة سلب الإدارة والقضاء على الشخصية وتوقيف العقل على العمل واعتبار القيام بأية حركة فكرية حائلا دون التقدم في ميادين المعرفة والتقوى، لأن فيه إغضابا للأستاذ وحطا من قيمة الشيخ، وتعرضا لسخط الله ونقمته، وبذلك صارت وضعية الشيخ أو الأستاذ تتقارب إلى حد بعيد مع وضعية الراهب أو الكاهن وغيرهما من زعماء الاستعباد الروحي.
وهناك كلمة جرت على ألسن العامة كان لها الأثر الكبير في نفوس عامة المسلمين وهي قولهم (سلم للخاوي تنج من العامر) تكررت على الأفواه وكأنها ءاية قرآنية محكمة أو حديث متواتر، وكانت تقضي على كل محاولة لتحريك الفكر وتسكت كل نأمة للتحرر، إلى غير ذلك من مظاهر الإسفاف وضروب العبث.
والأسباب التي أدت في نظري إلى هذه الوضعية أمور:
1. اعتقاد المسلمين أن القرءان الكريم قد أدى مهمته وانتهى منها وأنها قد تبلورت في كتب الفقه والتصوف، فلم تعد هناك فائدة في تدبره ولا في تلاوته إلا على سبيل التبرك.
2. وانتهى هذا الاتجاه إلى تحريم تفسيره وفهمه، واعتبار أنه ربما أدى إلى الخروج عن دائرة الإسلام!! ولم يتردد شياطين هذه الدعاية من استغلال السياسة لتركيزها في أذهان الناس فأعلنوا أن تفسير القرءان الكريم فيه إساءة كبرى للسلطان لأنه يؤدي إلى موته، وقالوا نفس القول في صلاة الاستسقاء، ولم يقض على هذه الدعاية المسمومة إلا جلالة الملك محمد الخامس، فأصدر أمره بدراسة التفسير في القرويين كما أصدر أمره بإقامة صلاة الاستسقاء عند الحاجة إليها.
3. إقبال جمهور المثقفين على كتب ألفت في عصور الظلام والتحجر الفكري مطبوعة بطابع الجمود ومشحونة بالتحذير من كل حركة عقلية أيا كان نوعها، نازعة من المسلم كيانه الشخصي، محبذة له الذوبان في غيره.
4. ما فعلته العناصر الهدامة التي تسربت إلى أوساط المسلمين، فقد عملت على القضاء على روح الإسلام، وبث تعاليم أخرى باسمه لا صلة بينه وبينها وإنما هي رواسب متحدرة من  أديان وثنية سابقة.
       كل هذه العوامل فعلت فعلها في أوساط المسلمين وصار الدين الإسلامي من الوجهة الفكرية شديد الشبه بالأديان التي سبقته، وتحقق بذلك ما تنبأ بع الرسول عليه الصلاة والسلام يوم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع»
وهكذا ران على المجتمع الإسلامي الركود المفجع والنوم العميق، بعد أن كان يعج بالحركة والنشاط، وأصبح المسلمون أشبه شيء بالموتى، وأوساطهم أِِشبه شيء بالمقابر.
وبذلك انحرف جمهور المسلمين عن الطريق الذي سنه لهم قرآنهم الكريم المبني على التحرر، وتمجيد العقل، على طريق كله تنكر للعقل وهضم للشخصية ومحو للاستقلال الذاتي.
وقد كان لهذه الوضعية نتائجها الحتمية وعواقبها الوخيمة في المستوى الفكري والثقافي للمسلمين، فانكمشوا على أنفسهم ورضوا بواقعهم، وتحجرت عقولهم وأغلقوا على أنفسهم جميع منافذ الحياة ومنابع النور، بعد أن كانوا قد خطوا الخطوط الكبرى لبناة الحضارة الحديثة.
وبما أن من سنن الله التي بثها في خلقه أن ينال كل جزاء عمله، وأن يقع تحت حكم ما قدمت يداه، فقد تأخر المسلمون عن ركب الحضارة وتنازلوا عن زعامة العالم، وانتزع منهم غيرهم رايتها، وهذه الحالة من أكبر الأسباب التي جعلت كثيرا من المستشرقين ينظرون إلى الإسلام بمنظر وضيع ويحملونه مسؤولية تقهقر المسلمين رغم ما يجدونه في أصوله من نصاعة ونقاوة وحيوية وقوة، وصاروا يحاولون إقناع المسلمين بالتخلي عن الإسلام كما تخلوا هم عن المسيحية إذا أرادوا اللحاق بهم والوصول إلى حيث وصلوا.
وهكذا يسيء الجامدون إلى الإسلام من حيث أرادوا الإحسان إليه.
والخلاصة أن الإسلام دين العقل والقوة والصراحة والاعتراف بالشخصية الإنسانية وتكوينها تكوينا صحيحا، وكل ما لاكته ألسن الجامدين من المتأخرين، إنما هو خروج عن الجادة الكبرى التي خطها الإسلام وانحراف عنها باسم الدين إلى أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، فعلى قادة الفكر في الإسلام أن ينظروا من جديد في ينابيع الإسلام الأولى الصافية، وأن يزيلوا عنها الطفيليات التي اختلطت بها وكادت تخفيها إلى غير رجعة، لولا أن الله تكفل بحفظ شريعته من الاندثار يوم قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here