islamaumaroc

سياسة المغرب الخارجية في عهد بني مرين

  دعوة الحق

69 العدد

1) مع باقي أقطار المغرب العربي:
من الطبيعي أن تكون الصلات الثقافية والسياسية والاقتصادية مع الحفصيين وبني عبد الواد أوثق منها بالنسبة إلى المغرب مع دول أخرى. وقد كان بنو عبد الواد دولة قوية يحسب لها المرينيون حسابها منذ البداية، والواقع أن المنافسة بين الفريقين ترجع إلى عهد قديم حتى أن عبد المومن قد أخضع المرينيين بفضل مساعدة بني عبد الواد، مما جعل المرينيين يلتجؤون إلى الصحراء وينتظرون أول فرصة تسنح لهم حتى يزحفوا شرفا وشمالا لمجابهة بني عبد الواد والموحدين عند ضعفهم حتى إذا بدأ المرينيون يشكلون نواة دولتهم كان بنو عبد الواد يساعدون الموحدين وهم في النزع الأخير من دولتهم، على صد الزحف المريني، ومن أهم أسباب التوتر التي ظلت قائمة بين الجانبين التجاء بعض الثوار من هذا الفريق إلى الآخر، وكان هدف المرنيين من بسط نفوذهم على المغرب الأوسط، وضع حد لفتنة الأعراب وتوحيد السياسة والإدارة في القطرين معا، وفي جميع الأحوال ظلت العلاقات الاقتصادية والثقافية أقوى ما تكون بين المغرب الأقصى والأوسط فكثير من علماء هذا القطر تنقلوا للتدريس والعمل بالقطر الآخر وبالعكس.
أما تدخل المغرب في إفريقية فقد كان نتيجة لانضمام المغرب الأوسط والأقصى تحت حكم دولة واحدة هي الدولة المرينية، ولم يكن ثمة من مبرر للتدخل أفضل من قيام وزير الحفصيين ابن تافراكين بهذه البادرة فهو الذي شجع أبا الحسن على التدخل في إفريقية، ومع ذلك فقد أحجم أبو الحسن عن هذا التدخل قبل حدوث أزمة ملكية نشأت بعد وفاة صهره أبي يحيى والواقع أن أبا الحسن قد أحسن صنعا عندما صاهر العائلة الملكية بتونس فقد وطد بذلك العلاقات التقليدية بين المغربيين الأدنى والأقصى، كما أتيحت الفرصة للعلماء الذين صحبهم إلى إفريقية عند فتحها، حتى يطلعوا إخوانهم الإفريقيين على ما وصلوا إليه من تقدم فكري ويتعرفوا هم بدورهم إلى علم وأفكار زملائهم بتلك الديار، وقد جدد فكرة توحيد المغرب العربي أبو عنان الذي لم يجد تضامنا يذكر، من وجوه دولته في سبيل تحقيق هذه الخطة، وحاول أبو فارس الجوطي بعد أن بلغت الدولة المرينية دور الضعف والانحطاط أن يحقق الفكرة نفسها كما فعل أجداده مع الملوك الأولين من بني مرين ولكنه اكتفى بسيطرة رمزية بعد أن بدأ تدخله في المغرب بشكل مباشر، ومن ثم ففكرة توحيد المغرب العربي لم تكن تراود أحلام ملوك المغرب الأقصى فقط، بل كانت مبدأ لأكثر الدول التي حكمت في مختلف ممالك المغرب العربي.
أما عن العلاقات الثقافية مع المغربين الأوسط والأدنى فقد كان كثير من طلبة العلم ينتقلون للدراسة في هذا القطر أو ذاك، كما تنقل كثير من علماء الأقطار الثلاثية للتدريس، فأحمد بن عيسى القاضي درس عليه عالم تلمسان أبو العباس الغبربني، وكانت وفاته بتونس سنة 682ه وأحمد بن مرزوق الخطيب لقي حظوة عظيمة في بلاط المرينيين وهو عالم تلمساني توفي سنة 781ه وأبو محمد عبد الله المرجاني كان من أساتذة محمد بن الحاج الفاسي صاحب المرحل ومحمد بن سليمان السطي من قبيلة أوربة أخذ عنه ابن عرفة من علماء إفريقية والمقري وابن مرزوق من علماء تلمسان، وقد توفي غريقا مع حاشية أبي الحسن، والفقيه محمد الحسني السبتي المتوفى سنة 760ه من أساتذة ابن زمرك الأندلسي وابن لدون وغيرهما، وابن عبد الله العبدري صاحب الرحلة درس على عدد من علماء المغرب الأوسط والأدنى كابن المعطي أستاذه في الأدب وهكذا فإن سلسلة علماء وأدباء المغرب العربي الذي تنقلوا فيما بين أجزائه لتلقي العلم أو تدريسه يصعب ضبطها.

2) مـع الأندلـس:
بدأ تدخل المرينيين في الأندلس سواء في الميدانين السياسي أو العسكري بشكل مباشر منذ عهد يعقوب حيث عقد الصلح مع المسيحيين مرتين بطلب منهم على أن يعقوب لم يشرع في تدخله بالأندلس قبل أن يستصرخه على النصارى بنو الأحمر أنفسهم سنة 573. ولا يمكن إثبات ما إذا كان يعقوب يرغب في مجرد توسيع مملكته بهذا التدخل، على أن أحدا من ملوك بني مرين لم يفكر في إقصاء بني الأحمر عن الحكم، ولو لم يكن لعمل يعقوب بالأندلس من نتيجة أكثر من إيقاف زحف النصارى لأمد طويل على الأقل لكان ذلك كافيا في حد ذاته من طرف دولة كانت لا تزال في نشأتها، أما أبو يعقوب فقد سلم إلى بني الأحمر كل الأراضي التي كانت تحت حكم والده باستثناء رندة والجزيرة وطريف، وفي الواقع رد ملك غرناطة على هذا الجميل بأن تعاون مع القشتاليين على الاستيلاء على طريف سنة 691ه.
ومنذ عهد يعقوب انتقل بنو إدريس بن عبد الحق إلى الأندلس، فرارا من بطشه، وأصبح لهم نفوذ ظاهر في تلك الديار منذ عهد يوسف وشجعهم على تزعم المرينيين هناك ملوك بني الأحمر الذين فوضوا الزعامة الرسمية إليهم ابتداء من عبد الحق بن عثمان، وكانوا يتولونها بظهير يوقعه ابن الأحمر(1) ويصادق عليه عادة سلطان المغرب، واشتهر منهم عثمان ابن أبي العلاء الذي عينه محمد بن الأحمر على سبتة أغاظة لبني مرين وكان الملك الغرناطي قد استولى عليها في عهد يوسف الذي عجز عن استرجاعها ثم إدريس بن عثمان الذي قتل خنقا في سجن مكناس سنة 770ه على أن المرينيين كان لهم دائما ممثل حكومي في الأندلس، ويختار عادة من الشخصيات البارزة في الدولة، ومنذ عهد أحمد بن أبي سالم بدأ سلطان غرناطة يباشر شؤون الغزاة بنفسه، وبذلك سقطت وظيفة شيخ الغزاة التي كان يتولاها بنو إدريس المرينيون.
ومن البديهي أن تظل الصلات بين المغرب والأندلس في مختلف الميادين وثيقة كذي قبل خصوصا في الميدان الثقافي، وهكذا فإن مالك بن المرحل درس على عدد من علماء الأندلس من بينهم أبو علي االشلوبي كما درس ابن الخطيب على جملة من علماء المغرب كالقاضي حسن بن يوسف السبتي(2) وعبد المهيمن الخضرمي الذي استكمل هو نفسه ثقافته بالأندلس على يد علماء وأدباء كأبي جعفر بن الزبير وأبي إسحاق الغافقي.

3) مع السودان:
كانت المغرب بالسودان في عهد المرينيين تتسم بطابع الود والمجاملة، ففي عهد السلطان أبي سعيد عثمان حج ملك مالي كونكو موسى ثم رجع من حجه سنة 725ه (1325م) فمر بالمغرب وصحب معه الشاعر الساحلي الغرناطي الأصل، وكان فتانا معماريا مشهورا وكانت مساكن بلاد مالي يومئذ عبارة عن نوايل من الطين وسقوفها من القش فبنى له جامعا بمحراب هرمي الشكل وكان بناؤه من الآجر المجفف بواسطة الشمس وكان أول بناء أثري من نوعه، وقد ظل هذا النموذج السوداني منتشرا حتى الآن(3).
ولما فتح أبو الحسن تلمسان أرسل كونكو موسى وفدا  لتهنئته يصحبه ترجمان من الملثمين المجاورين لمالي(4) وأكرم أبو الحسن وفادة السفارة المالية أعد لسلطان مالي هدية من تحف المغرب مما كان في ملكه الخاص ثم بعث بدوره وفدا يحمل هذه الهدية، ومن بينه مولاه عنبر الخصي وكاتب الديوان أبو طالب ابن محمد بن أبي مدين وصحب الوفد عدد من أعراب معقل الذين كانوا يعيشون في الصحراء.
ولما وصلت هدية أبي الحسن إلى مالي انشغل البلاط السوداني بفتنة داخلية حتى تولى منسا جاطة فرد على هدية المغرب بأخرى وكان ضمنها زرافة جميلة، وقد وصلت هذه الهدية في عهد السلطان أبي سالم سنة 762ه فجلس بمجلس العرض وأمر أن يحتفل سكان العاصمة بقدوم الوفد، ثم نادى الناس في الخروج إلى الصحراء لمشاهدة الزرافة، وقام عدد من الشعراء بإنشاء قصائد في مدح السلطان والتنويه بهذه المناسبة وكان الوفد يحثو التراب على رأسه تحية للسلطان وتقييدا لهم إذا ذاك، وأقاموا في ضيافة ملك المغرب مدة طويلة ثم رجعوا عن طريق مراكش والسوس إلى بلادهم(5).
وفي أواخر عهد أبي زيان الأول التجأ الأمير عبد الحليم الثائر بسجلماسة إلى ملك مالي دياتا سنة 1366م ولما كان المرينيون قد بدأت تضعف دولتهم يومئذ فإنهم لم يقوموا برد فعل ضد مالي بسبب لجوء هذا الأمير إليهم، لذلك ظل حسن الجوار مستمرا بين الدولتين.

4) مع المشرق:
كانت مصر محطا للحجاج الأفارقة القادمين من الديار المقدسة وإليها، وكان المغرب يوفد إلى البقاع المقدسة وفدا رسميا يصحب ركب الحجاج، وفي عهد السلطان أبي يعقوب تشكل أول وفد رسمي في الدولة المرينية(6) وأمر السلطان بانتساخ مصحف راتق الصنعة كما يقول ابن خلدون «واستكثر فيه من مغالق الذهب المنظم بخرزات الدر والياقوت» وبعث بهذا الوفد سنة 703ه يصحب المصحف المذكور مع هدايا قيمة ضمنها الخيل العراب و400 من المطايا، وصحب الوفد قاض شهير هو محمد بن زغبوش ودليل يدعى أبا زيد الغفائري وتوجه الوفد إلى مكة لتسليم المصحف إلى شريفها لبيدة بن أبي نمى أما باقي الهدية فقد وجه إلى السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي رد عليها بهدية أخرى ثمينة ضمنها ثيابا وفيلا وزرافة، وترأس وفد الأمير التليلي الذي وصل إلى المغرب سنة 706ه وكان يصحبه عدد من أفراد الترك، وقد استقبل الوفد المصري بالمنصورة حيث حظي بتكريم السلطان الذي لم يلبث أن توفي فتولى خلفه أبو تابت البر بهم وأحسن صلتهم حتى إذا كانوا عائدين سنة708ه اعترضهم أعراب بني حسن ونهبوا ما كان معهم بدسيسة من أبي حمو صاحب تلمسان وقد ظل المغرب محافظا على حسن صلاته بالمشرق رغم توقف مصر مدة طويلة عن إرسال وفودها إلى المغرب بسبب ما لحق وفد الناصر من إهانة.
على أن أفضل مرحلة مرت بها العلاقات بين المشرق والمغرب هي عهد أبي الحسن الذي تبدل مع ملوك الشرق سفارات عديدة، وقد ذكرت بإيجاز أمر هذه السفارات في أخبار أبي الحسن، وكانت أولاها سفارة أبي الحسن سنة 736ه التي ترأسها أبو عبد الله محمد بن الجراح وكان القصد منها إخبار الملك الناصر بعزم والدة أبي الحسن على الحج واطلاعه على انتصاراته وجهاده بالشمال الإفريقي والأندلس.
وفي سنة 738ه توجهت حظية والد أبي الحسن إلى الحج(7)، وصحبت معها هدية جليلة قال عنها المقريزي في السلوك: نزل لحملها من الإسطبل السلطاني (بمصر) ثلاثون قطارا من بغال النقل سوى الجمال وكان ضمنها أربعمائة فرس وسيف ذهب مرصع ولجم مسقطة بالذهب والفضة، وقدرت هذه الهدية بما يزيد على مائة ألف دينار، ومن الطريف أن ننقل بعض ما أورد المقريزي عن ضيافة ملك مصر المحرة ومن صحبها من وفد السلطان ابن الحسن فقد «كان مرتبهم كل يوم عدة ثلاثين رأسا من الغنم ونصف إردب أرز وقنطار حب رمان وربع قنطار سكر وثمان فانوسيات شمع وتوابل الطعام وحمل إليها برسم النفقة مبلغ خمسة وسبعين ألف درهم وأجرة حمل أثقالهم مبلغ ستين ألف درهم الخ...».
وتقول رسالة الناصر إلى أبي الحسن في موضوع هذا الاستقبال:
«فقد استقبلناهم على بعد بالإكرام وأحللناهم من القرب في أعلى مقام وصرفنا إلى تلقائهم وجه الإقبال والاهتمام وعرفنا حقهم أهل الإسلام ونشرنا لهم بفنائها الأعلام ويسرنا لهم باعتنائها كل مرام وأمرنا بتسهيل طريقهم وتوصيل البر لفريقهم....».
ثم يقول بعد كلام آخر:
«وشوهد من تعظيمنا لهم ما يحسدهم عليه ملوك الزمان بكل مكان وكتبنا على أيديهم إلى أمراء الأشراف بالنهوض في حقهم والوقوف.... وكذلك كتبنا إلى أمراء المدينة المشرفة الخ..».
وقد رجع هذا الوفد بهدية من الناصر إلى أبي الحسن وضمنها أقمشة من الحرير وخيمة عظيمة صنعت بالشام وتحتوي على مختلف المرافق من غرف للنوم وأبراج للإشراف على الطرقات، وتمثال مسجد بمحرابه ومئذنته وخيمة أخرى تظل أكثر من خمسمائة فارس(8).
وفي سنة 740 وجه أبو الحسن مصحفا ثانيا وقفه على قراء المدينة المنورة، وفي شعبان 745ه وجه أبو الحسن إلى الصالح بن الناصر سفارة جديدة تصحب ركب الحاج مع الأميرة مريم أخت أبي الحسن ويرافقها الكاتب أبو الفضل بن أبي مدين وكان ضمن رسالة أبي الحسن إلى الملك الصالح تعزيته في والده الناصر وطلب تدخل الملك المصري من أجل مراقبة الأوقاف التي وقفها أبو الحسن على المصحفين اللذين حبسهما على الحرمين الشريفين، كما تعرضت الرسالة لموضوع جهاده في الأندلس واحتلال النصارى للجزيرة الخضراء ثم يهنئ أبو الحسن زميله الشرقي بتولي الملك ومما جاء في هذه الرسالة الطويلة قوله:
«وعند عودنا من تلك المحاولة تيسر الركب الحجازي موجها إلى هنا لكم رواحله فأصدرنا إليكم هذا الخطاب إصدار الود الخالص والحب اللباب وعندنا لكم ما عند أحنى الآباء واعتقادنا فيكم في ذات الله لا يخشى جديده من البلاء وما لكم من غرض بهذه الأنحاء فموفى قصده على أكمل الأهواء موالي تتميمه على أجمل الآراء».
وجاء في جواب الملك الصالح الذي كتب في رمضان 745ه من إنشاء خليل الصفدي قوله:
«وأما ما وصفتموه من أمر الجزيرة الخضراء وما لاقاه أهلها ومني به من الكفار حزنها وسهلها فإنه شق علينا سماعه الذي أنكى أهل الإيمان وعدد به نوب الزمان كل قلب بأنامل الخفقان وطالما فرتم بالظفر ورزقتم النصر على عدوكم يجر ذيل الهزيمة وفر ولكن الحروب سجال وكل زمان لدوائه ولرجاله رجال ولو أمكنت المساعدة لطارت إليكم عقبان الجياد المسومة وسالت على عدوكم أباطحهم بقسينا المعوجة وسهامنا المقومة(9).
وتتناول رسالة الصالح فقرات خطاب أبي الحسن بالجواب واحدة تلو الأخرى وتتخلل عباراتها عواطف الود والإخاء شأن رسالة أبي الحسن أيضا.
وفي سنة 747 وجه أبو الحسن ركبا آخر مع سفارة على المشرق وكان قاضي المركب هو تقي الدين عبد الله الهرغي(10) ووجه السلطان المغربي مع هذا الوفد مصحفا ثالثا إلى بيت المقدس وهو يتألف من ثلاثين جزءا وقد كتبه بخط يده كما أجرى أوقافا وأرزاقا على حفاظه والساهرين عليه وهذا المصحف موجود حتى اليوم ببيت المقدس وهو في مجلدات ضخام ومكتوب بحروف كبيرة بيد أنه يتم نسخه كله بخط أبي الحسن.
وفي سنة 479 وجه أبو الحسن سفارة إلى الحسن الناصري ملك مصر آنذاك يطلب منه اعتقال ابن تافراجين وزير الفحصيين وكان قد ظاهر العرب على أبي الحسن عند دخوله إلى إفريقية.
ولما كانت سنة 739 زار أحد أمراء معقل واسمه يوسف بن علي ملك في ذلك العهد وهو الظاهر برقوق فتدخل ابن خلدون الذي كان في بلاطه ليبعث معه هدية إلى السلطان أبي العباس أحمد بن أبي سالم (11) فاصحبه قماشا وطيبا وقسيا وطلب منه(12)أن ينتقي له خيولا عرابا من المغرب وكعادة ملوك بني مرين فقد جلس أبو العباس العرض لاستقبال هدية الظاهر وعرضها بمحضر أفراد الشعب وبدا بدوره يهيئ هدية أخرى ضمنها الجياد المطلوبة ليحملها يوسف بن علي المذكور إلى السلطان برقوق بيد أن المنية عاجلته فبعث الظاهر برقوق رسولا تركيا هو قطلو بغا إلى كل من ملك تونس وتلمسان والمغرب سنة 799 وحمله إلى كل منهم خطابا واستقبله السلطان أبو عامر المريني بالحفاوة واستكمل الهدية التي كان قد أعدها أبو العباس ثم سفرها مع المبعوث التركي.
وفيما يخص العلاقات الثقافية فقد ظل التبادل العلمي قائما بين المرينيين ودول المشرق، وهكذا فإن أحمد بن عيسى الغماري تابع دراسته بالمشرق على يد علماء أجلاء كالعز بن عبد السلام، واتصل ابن بطوطة خلال رحلته إلى المشرق بعدد من شيوخه وعلمائه، كما ذاكر العبدري خلال تجواله بالمشرق أيضا كثيرا من علمائه كزين الدين المالكي والمحدث العرافي وكان لأبي عبد الله محمد بن الحاج الفاسي صيت عظيم بمصر حيث توافدت عليه طلابها لتلقي العلم عنه كما كون مدرسة دينية مذهبها كما يقول الأستاذ كنون(13) «أن تعنى بأعمال القلوب أشد العناية وتعمل على تنمية الأجور بالنيات الحسنة فضلا عن ملازمة سبيل السنة في الحركات والسكنات وإسقاط الدعوة بالمرة وتحكيم الشرع في الظواهر والبواطن وعدم الاغترار بلوائح الغيوب أو الكرامات».

5) مع الدول المسيحية:
كان للدولة المسيحية علاقات متنوعة مع دولة بني مرين ولم تكن الحروب التي جرت بين المرينيين ونصارى إسبانيا لتمتع من إنشاء روابط سليمة بين الجانبين وقد عاش في المغرب كثير من النصارى من مختلف بلاد أوربا منذ عهد الموحدين على الخصوص ثم تكاثرت جالياتهم في عهد بني مرين مختلف نواحي المغرب فكان خطرهم بداخل البلاد أكثر من خطرهم الخارجي ولا أدل على ذلك من ثورة الإسبان بسلا في عهد يعقوب بن عبد الحق سنة 658ه ثم النفوذ الذي بلغه جيشهم لدى الدولة، وفي عهد هذا السلطان انعقد   الصلح مرتين بين المغرب وقشتالة سنة 676 و681 ثم انعقد للمرة الثانية مع سانشو سنة 684 في عهد يعقوب أيضا ومع أن الحرب استؤنفت بعد ذلك بين المرينيين ونصارى اسبانيا فلم يمنع ذلك من التعامل بين الجانبين في الميدان الاقتصادي والتجاري.
وكأن لجمهوريات إيطاليا صلات تجارية واقتصادية وطيدة مع المغرب وقد أهدى بعض الجنوبيين إلى السلطان يوسف حوالي سنة 692 هدية قيمة من بينها شجرة مموهة بالذهب أهدي مثلها للمتوكل العباسي وصنعت أطيار تصوت عليها بحركات هندسية(14).
وكان لأبي سعيد عثمان اتصالات دبلوماسية بفرناندو ملك أراغون(15)أما أبو عنان فقد اقترح على ملك البرتغال أن يعقدا حلفا عسكريا ضد قشتالة وأن يجتمع أسطولهما ببحر الزقاق (البحر الأبيض المتوسط) وأهدى إليه أبو عنان كثيرا من تحف المغرب ومصنوعاته ومركبا ذهبيا أنيقا بيد أن الهدية لم تبلغ إلى صاحبها حيث هلكت بتلمسان(16).
وللمغرب علاقة قديمة مع فرنسا وأقدم المستندات التي عثر عليها بهذا الصدد ترجع إلى القرن الثاني عشر م وقد بدأت محاولة عقد صلات تجارية لمرسيليا وغيرها من إقطاعيات فرنسا مع المغرب منذ عهد علي بن يوسف، ففي سنة 1138 عقدت مرسيليا مع جمهورية جنوة معاهدة تجارية، ووعد المرسيليون الجنوبيين أن يؤدوا لهم تعويضات لمدة عشر سنوات عن كل الخسائر التي قد تحل بهم إذا هم تمكنوا من عقد معاهدة سلمية لصالحهم مع علي بن يوسف على أن يلتزموا هم من جانبهم بمنع قراصنتهم من مهاجمة السفن المغربية التي تقترب من إقليمهم.
وخلال القرن الثالث عشر كان ميناء سبتة محط أنظار مختلف جمهوريات ودول أوربا كالجنوبين والبنادقة والمرسيليين والمونتبولبين، وكان المرجان وسمك الطون يجذبان الصيادين الأجانب الذين كانوا يأتون لاستيراد بضائع مختلفة من المغرب كالصوف والخرفان والخيل والجلود والزرابي والأحزمة المزخرفة والقطن والشمع بينما يصدرون إلى المغرب الحرير والكتان والسلاح أحيانا والخمر والخردوات والملف وكان للمرسيليين فندق خاص بهم في سبتة خلال هذا القرن.
وقد عمل يعقوب المنصور المريني على عقد حلف مع فيليب الثالث الملقب بالجسور إذ في أيام المنصور ثار دون ساتش (سانجة) على والده الفونس العاشر الذي طلب مساعدة خصمه السابق المنصور وكان يومئذ بالجزيرة الخضراء وبالفعل ساعده المنصور على استرجاع عدة مدن كان ولده قد احتلها، وحينئذ وجه المنصور خطابا إلى فيليب سنة 1282م يطلب منه أن يساعد بدوره الفونس العاشر وذلك لصالح أبناء أخته ورثة عرش قشتالة، كما يذكره الخطاب بضرورة التعاون والتآزر وأنه ساعد الفونس العاشر من أجل الواجب رغم اختلاف دينهما لا من أجل مصالح سرية. على أن المصادر العربية القليلة لا تذكر شيئا عن سرية. على أن المصادر العربية القليلة لا تذكر شيئا عن  هذه الرسالة التي حفظ نصها العربي وعرض سنة 1946 في معرض ديبلوماسي بفرنسا، وقد كتبت سنة 681 وتقع في أربع صفحات من القطع الكبير.
وفي عهد أبي الحسن سنة 1339 عقد المغرب معاهدة سياسية تجارية في تلمسان مع وفد ملك ميورقة وكذا مع ممثلي ملكي مونتبوليي ورسيون.
وينص هذا الاتفاق على وجوب عدم التعرض بسوء من الجانبين لرعايا الطرفين والبواخر الغريقة التي يملكها أحد الفريقين، كما سمح لرعايا ميورقة بالتجارة في المغرب ولكن منع عليهم أن يصدروا منه القمح والسلاح والخيل والجلود المملحة والمدبوغة.
وقد ضعفت العلاقات الاقتصادية مع فرنسا في النصف الثاني من القرن 14 م ثم استؤنفت في أواخره وخلال القرن الخامس عشر.
كما عثر على نص رسالة وجهها شارل السابع إلى ملوك وأمراء المغرب وبجاية وتونس ووهران وكان سلطان المغرب يومئذ عبد الحق آخر ملوك بني مرين ولم يضبط تاريخ هذه الرسالة الذي يرجح أنه كان سنة 1456 وهي تطلب من سلطان المغرب عقد صلات تجارية وأن يسمح للموانئ المغربية باستقبال البواخر الفرنسية ويضمن سلامة الرعايا الفرنسيين، كما يضمن شارل للمغرب نفس الامتيازات.
وتعتبر الرسالة المذكورة أول خطاب موجه من ملك عام لفرنسا إلى ملك مغربي، بشأن صلات بين بلديهما.

(1) نفح الطيب ج 1 ص 427.
(2) نفح الطيب ج 7 ص 156.
(3) هبريس 1924 والناصري ج 3 ص 152.
(4) ابن خلدون ج 7 ص 554.
(5) ابن خلدون ج 7 ص 644.
(6) ابن خلدون ج 7 ص 468
(7)النفح ج 6 ص 138.
(8) التعريب بابن خلدون ملحق ج 7 ص 1168.
(9) نفح الطيب ج 6 ص 120 و129.
(10) نفح الطيب ج 6 ص 135.
(11) ابن خلدون مجلد 7 ص 1170.
(12) مجلة تطوان ع 1 ص 139.
(13) محمد بن الحاج الفاسي من سلسلة الأستاذ عبد الله كنون ص 10.
(14) الاستقصاء ج 3 ص 74.
(15) هبريس 3 سنة 1960.
(16) ابن خلدون ج 7 ص 633.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here