islamaumaroc

قطرة مائك الوطني ليست هي محيط العالم (تر. م.السرغيني )

  دعوة الحق

68 العدد

(إن مقالة السيد (ألان كربي) : «الأدب المتابع بالسياسة» تلك التي نشرت في «الإكسبريس» في عدد 19/12/1963،ى قد أثارت مناقشات حامية على منبر الصحافة الأوربية كلها، سواء كانت شرقية أو غربية.
وننشر اليوم جوابا للسيد (خوان كوتييصولو)، زعيم القصاصين الاسبانيين الناشئين، ذلك الذي يبحث عن مجاوزة المعركة بين المجددين، وبين المدافعين عن الدب التقليدي، وذلك بإظهاره الدور المختلف الذي يقوم به الكاتب في كل من البلدان الصناعية، وفي البلدان التي هي في طريق النمو، حيث تكون الحريات غير مضمونة).
في أثناء الاجتماعات الدولية الأخيرة للكتاب والفانين –وليس فقط في لينينغراد، وفي أدنبورغ، وفي فلورانسا، بل في فورمانطور، وفي مدريد أيضا- كان موضوع المناقشات هو العلاقات بين السياسة والأدب، ومعطيات الفن، وهل إنتاجه يكون لغاية نفسه، أو أنه ينتج ليكون في خدمة اتجاه من الاتجاهات أن تحفظا مطرد النمو، إزاء القيم الأدبية، يدفع عددا مهما من الكتاب إلى البحث عن أسباب بعيدة عن الفن لتبرير فعلهم.
إن المواقف المدافع عنها لا يمكن جبرها، كما أن الملاحظ النزيه يعتقد غالبا أنه يشاهد معركة خرساء في هذه الاجتماعات، يقول الأولون : «إن الأدب والسياسة شيآن مختلفان» في حين يجيب الآخرون : أن الأدب بمجرد ما يولد، يكون مظهرا اجتماعيا، فهو بهذا الاعتبار يقوم بمهمة سياسة.
وحديثا أيضا، كتب (ألان روب كريي) في «الإكسبريس»، و(لوسيان كولدمان) في «مجلة معهد بروكسيل لعلم الاجتماع، و(جيروم لاندون) وتطرقوا جميعا على مفهوم الفن الملتزم نفسه، وتخلصوا على القول : «بأن التزام الكاتب لا يكون إلا في فنه» ويرى (ألان روب كريي) على الخصوص : أن الكتاب ليسوا سياسيين بالضرورة، ومن دون شك، فهل من الطبيعي أن تكتفي الأغلبية في هذا الصدد، بأفكار صغيرة وسطحية ؟.
 ولكن، لماذا يصرون على التعبير عن هذه الآراء أمام الجمهور في كل مناسبة ؟ ذلك لأني اعتقد بكل بساطة أنهم يخجلون من كونهم كتابا، ولكونهم يعيشون في فزع دائم من أنهم ربما عيب عليهم ذلك، أو سئلوا لماذا يكتبون ؟ ولماذا يصلحون ؟ وما هي مهمتهم في المجتمع..؟ عن الكاتب لا يمكنه أن يعرف وجوه صلاحيته فالأدب بالنسبة إليه، ليس وسيلة يتوصل بها إلى جعله في خدمة بعض القضايا..).
عن ملاحظات الواضع الرئيسي للأسس النظرية «للقصة الجديدة» هي بلا شك مصيبة، ولكنها في حاجة إلى بعض الإيضاحات، لإعطائها أبعادها العادية إذ يظهر قبل كل شيء، أنه من الضروري جعلها في محلها من المحتوى التاريخي : كتعبير ثابت عن أماني الكاتب في مجتمع محدود.
صيغة فارغة : أنه في فرنسا، حيث حرية التعبير والتفكير واقع، وحيث المساواة في الحقوق السياسية ليست صيغة خالية من أي معنى، فعلاقات القصاص مع الجمهور تختلف اختلافا كبيرا عن العلاقات التي توجد بينهم وبينه في اسبانيا مثلا، أو في أقطار أميريكا اللاتينية، والسبب في ذلك بسيط.
فعندما يمكن للمعارك السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تلك التي تكون القوة التطورية والحيوية في أي بلد، أن تعلن عن نفسها بحرية في الجرائد التي تمثل المصالح المتنازع عليها، يكون واجب الكاتب مغايرا لواجب الكتاب الذين ينتمون إلى حكومات لا يمكن معها التعبير عن مصالح وأماني المجموعات المختلفة.
إن البناء الخاص للمجتمع الفرنسي –الآن وقد اختفى ذلك الخطأ التاريخي للحروب الاستعمارية وأمكن تجنب الخطر الثوري بفضل التحول العجيب الناتج عن تبني الرأسمالية الجديدة- يساعد على تفتح أدب لكي ينهج منهج (فيتوريني) فإنه يميل إلى إطار المرور في المواساة وقيادة الضمير، إلى إطار تلمس البحث إلى لإطار الجواب الخصب، وأخيرا، إلى إطار العلم.

وعلى العكس، ففي البلدان المتخلفة، أو التي هي في وضع موطئ للنمو –كما هو الشأن في اسبانيا- فإن الأدب يجهد نفسه ليعكس المواقع السياسي والاجتماعي (وإهمال هذا الواجب، سيؤدي إلى نتيجة عاجلة، هي نضج النتاج المقلد البسيط الذي ينسج على منوال بلدان مثل انجلترا، وألمانيا، أو فرنسا، تلك البلدان التي وصلت إلى مستوى عال في السياسة والثقافة والاقتصاد، وعلى هذا، ينسى هذا الأدب تطوره كضرورة تقنية، الشيء الذي يسهل منطقيا نمو النتاج الذي يصور الواقع بأدوات عتيقة، وصيغ بالية، فيصير محاكاة لطبيعة أجدادنا.

وفي هذه النقطة بالذات، فإن الإلحاح الذي حمل (روب كريي) على إظهار قيمة عامل التقنية في الفن نفسه، يظهر لي صحيحا، وليس في أدب بلده فقط، بل حتى في جميع الآداب التي تضحي بتقنية الفن، في سبيل التعبير عن الواقع، وذلك لأسباب مختلفة، وربما متناقضة في بعض الأحيان.

على أن (روب كريي) أخطا تكبرا حين قال : (بهذه الوطنية الخاصة بالكتاب الفرنسيين، أولئك الذين يميلون إلى مزج الأدب الفرنسي، بالأدب البحث) –كما ذكر (بلوش ميشيل) في «الحاضر الإشاري»- أنه يدعى تطبيق تجربته –التي هي نتاج وضعية فرنسا خاصة- على بلدان يبعد أن يكون مستواها السياسي والاجتماعي والثقافي، معادلا للعناصر التي استخدمها كأساس لتحليلاته.

وحين تمنع السياسة بإرادة حكومية رسمية –كما في اسبانيا- أو تفرض على المجموع ليكون لها المقام الأول عند الدولة في خدمة المجتمع –كما كان الحال عليه في الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين- فإن الصحافة لا تعكس الحرارة المثمرة والتناقض الحيوي للمجتمع، وحين لا تقدر المجموعات الاجتماعية (كما هو الشأن في اسبانيا دائما) على إظهار عاطفتها، ولا الدفاع عن مصالحها بحرية، فإن الكاتب يصير على الرغم منه لسان هذه الحيوية وهاته العواطف، وتلك المصالح، أنه يلعب دورا سبيها بعض الشبه بمدخنة السيارة.

ولقد وضحت في مناسبة أخرى كيف أن مأساة الرقابة الاسبانية قد ضيقت الخناق على القصاصين، فلم تجعلهم يشبعون لهم الجمهور بإحاطته علما بالحقيقة وذلك بأن يعرضوا عليه في كتبهم، ذلك الواقع المناقض للا واقع، الذي ينعكس على الصحف، وبعبارة أخرى فإنهم يقومون بواجبهم الذي يتحتم القيام به في فرنسا وفي بلدان أخرى على الصحافة، أن انتقادات (روب كريي) التي تتعلق بتحكيم السياسة في الكتاب، تفقد كل جدواها في هذه الحالة. 

مسيو جوردان : وبينما التحكم السياسي في فرنسا هو نتيجة للاختيار الحر للكاتب، -باعتبار أن مهمة الأدب هي هنا «بحث» أكثر منها «مواساة» وباعتبار أن الكاتب المتخلص من كل ضغط حثيث من لدن قرائه، يمكنه أن يتجنب عكس الواقع السريع ليركز انتباهه على تنمية فنه كتقنية- فإن التحكم السياسي في الاتحاد السوفياتي أو في اسبانيا، قد حدد مقدما لأسباب مختلفة، بالوضعية الخاصة للفنان في مجتمعه، وبمتطلبات مهيئة واضحة من لدن جمهوره.
السياسة إذن، تغير لون الفن، والكاتب أحب أم كره، يتحول إلى متكلم باسم القوات التي تكافح في صمت ضد ضغط طبقة اجتماعية، أو ضد احتكارية إيديولوجية تحولت إلى عقيدة، وهكذا فالأدب الاسباني المعاصر، مرآة للكفاح المظلم المتواضع اليومي، من أجل الحرية الضائعة، كذلك الشعر السوفياتي الناشئ، فإنه أخذ يهيئ طريق الثورة الفنية للأجيال الجديدة ضد الجنون الستاليني، وهكذا، فالسياسة والأدب يمزجان معا أسلحتها في معركة تحررية واحدة، والنثر أيضا، شبيه بالشعر عند (مسيو جوردان)، فالكاتب متسيس دون علمه بذلك.
ولقد حلل (لوسيان كولدمان) بكثير من التبصر، تلك العلاقة التي توجد بين تحول الشكل القصصي وبين التطور الاقتصادي المعاصر، فالقصة وقعت في أزمة في نفس الوقت الذي وقعت الفردية فيها، تلك الفردية التي كانت صالحة كدعامة لها، وذلك لأنها صارت تعبر عن فكرة أتت نتيجة للإصلاح، ولانعكاس المعارضة التي تفاقمت بين الإنسان والمجتمع بعد سقوط الحضارة المتوسطية.
وكان سقوط واختفاء الشخوص واستقلال الشيئية المتزايد، ابتداء من (جويس) وكا(فار و(كامور) على (روب كريي) وغيره ممثلي «القصة الجدية» ملائما حسب رأي (مولدمان)، لتحلل الفردية والحياة الفردية، واندماجهما في البناء الرأسمالي الاحتكاري الذي ازدهر في الثلث الأول من القرن العشرين، قرن الرأسمالية الجديدة، ولقد عرف هذا الاتجاه في الأدب الماركسي باسم Réfication وهكذا كانت أعمال(بيتور) (وروب كربي) (ونتلي ساورت) المحكوم عليها بالتقليد في الغالب، تعبر تعبيرا أحسن من القصة النفسية في القرن التاسع عشر، عن الواقع الصناعي التقني لعصرنا، رغم وضعه المنحرف الذي لا يقبل النقد، بالنسبة إلى هذا الواقع.

الميثاق الفني : ويرى (كولدمان) أن (روب كريي) يدافع عن : (تحكم يكاد يكون فنيا) محدد في مشاكل القصة –تحكم طالب به ميشيل ليريس- ولكنه في الوقت الذي يضيف فيه : (بأن مشاكل : مثل الحرب، والوعي الاجتماعي.. إلخ) تمس حياتنا الوطنية، (تلك تبتدئ من اللحظة التي نضع فيها صوتنا في صندوق الانتخابات) والتي تضع الصيغة الفارقة بين الفنان والمواطن –هذه التفرقة، لا يمكن أن تطبق على البلدان التي تنعدم فيها الحريات السياسية الطبيعية، -كما في اسبانيا- أو التي تتبنى إيديولوجية ثورية، لتكون في خدمة ديكتاتورية ذات ميل شخصي –كما كان الحال عليه في الاتحاد السوفياتي على عهد ستالين- فإنه يرغم الجمهور على استعمال الأدب كمدخنة السيارة، ويدفع الكاتب الحقيقي إلى أن يحتل الصدارة في معركة تتجاوز الإطار الأدبي المحض، لتكون طورا جديدا لكفاح الشعوب المستمر من أجل الحرية. 

 
علام يدل هذا الميثاق إذن، على مستوى «الكتابة» بالنسبة إلى القصاصين الناشئين الاسبان، وبالنسبة إلى (استيريا) أو كتبا أميركيا اللاتينية، إذا كانت الأمية والظلم الاجتماعي وعنف الحكم، تمنع من مزاولة الحقوق المدنية ؟ أو إذا كانت المطالبة الصريحة بالحرية الممنوحة من لدن حكوماتنا المحافظة في القرن التاسع عشر، جرما، فمن يستطيع أن يتكلم بدون خوف من البلبلة ؟.
وحينما تنعدم الحرية السياسة، يصير كل شيء سياسة، فيختفي الفرق بين المواطن والكاتب، في هذه الحالة، يقبل الأدب أن يكون سلاحا سياسيا، أو يتوقف عن أن يكون أدبا، ليتحول على تقليد مصطنع لأدب مجتمع آخر ذي مستويات مختلفة (أن ازدياد عدد كتاب مثل (روب كريي) في اسبانيا، وفي المكسيك، وفي البرتغال، أو في الأرجنتين، بعد وجود جماعة مثل «فولكنر» و«كافكا» لهو خير مثال يؤيد ما أقول..).

ويكفي أن نلقي نظرة بسيطة حولنا، لنعرف أن النتاج الأدبي في أربعة أخماس العالم، محكوم عليه بالتمسك، طبقا لقوة الأشياء، بإطار «المواساة وقيادة الضمير» وبأن يكونكما قال «بافيسي» في عهد الفاشية : «دفاعا ضد آثام الحياة»، وإذا كان تحليل «كولدمان» صحيحا، -وهذا ما أعتقده شخصيا- فإن الميثاق على مستوى الكتابة، يؤدي على مذهب تقدمي يعتنقه الكتاب في المجتمع التقني المعاصر، سواء كان النظام السياسي لهذا المجتمع، اشتراكيا أم رأسماليا جديدا.

نموذج من النماذج : إن استحصال الحريات العامة في اسبانيا، وفي أغلبية مجموع بلدان العالم الثالث، وأن نهاية الاحتكار الفني للواقعية الاشتراكيةـ وضغط الدولة –بفضل نمو الثقافة المتوسطة- في البلدان التي تخضع اليوم لديكتاتورية بروليتارية، هي التي تسمح وحدها بقيام أدب للاكتشاف، تكون موجة «القصة الجديدة» لا تمثل فيه غير نموذج واحد فقط دون أن تكون قاعدة لقانون فني مقدس، قد ورثناه على الخصوص من الجماعة الصغيرة من كتاب «القصة الجديدة» أولئك الذين يتحلقون حول دار «نصف الليل» للنشر، هذا الدب الذي يعكس المظاهر العديدة لارتباط (الإنسان –الشيء) هو حلقة بسيطة للتطور الصناعي الكبير، وللتصميم والبيروقراطية العمياء : أجله –أنه عالم الرأسمالية الجديدة المعاصرة، أو عالم  البناء الأولى للاشتراكية، هذا العالم الذي سيكون عالمنا حتما، إلى أن تتهدم اقتصاديات الدول الغربية (وهذا غير محتمل) أو تصل إلينا دعوة الشيوعية الروسية.

وكما هو معروف، فالأدب كتجربة، وكشيء مستحيل التحقيق، بل كحدث وكهروب، يلعب دورا سياسيا واقعيا، حينما يكون في أصله كتلة من القرارات والمشاريع التي من شأنها أن تبدل وتحول وجه العالم، ولكن هذا الدور، هو في الواقع مبهم وفيه التباس، وكما قال (موريس بلانشو) : (فالكاتب يكتب قصصا تتضمن بعض التأكيدات السياسية بشكل يجعله جزءا مرتبطا باتجاه ما، أما الآخرون الذين لهم ارتباط مباشر بهذا الاتجاه، فإنهم مدفعون إلى اعتبار الكاتب واحدا منهم، ورؤية الدليل في إنتاجه على أن الاتجاه اتجاهه بالذات، ولكنهم بمجرد ما يطالبونه به، يشعرون بأنه لا يرتبط بأي اتجاه، وبان الاتجاه الحق، لا يكون إلا منهن إذ ما يهمه منه، هو عمليته الخاصة).

كتاب وقلميون : والتقاء الأدب بالسياسة، يضمحل في نفس اللحظة التي تتوقف فيها تلك العوالم التي تسببت في هذا الالتقاء –مثل الاضطهاد السياسي وتحكم العقيدية الفنية، إلخ- غلا إذا هجر الكاتب الأدب، وهكذا يحدث عادة في الكتلتين، الغربية والشرقية، ليتخلص جدا وروحا إلى صياغة أمداح أدبية مزيفة للاتجاه الذي يعتنق مذهبه، ولكنه بعد ليس بكاتب، إذ ليس هو غير حامل قلم، وبضاعته ليست من الأدب في شيء.

وفي هذا الوقت –أحب (روب كريي) أم كره- فإن الكتاب الاسبانيين وزملائهم السوفييت، أو الذين ينتمون إلى أغلبية بلدان العالم، باستثناء بعض الدول الغربية الديموقراطية، سيعيشون لمدة طويلة متابعين بالسياسة.   
 
هذا وأن رأي زعم لعكس هذه الفكرة، سيكون كما أكده (بلوش ميشيل) متحدثا عن واضعي نظريات «القصة الجديدة» كحمل قطرة من مائهم الوطني، إلى محيط العالم، أو صبهم تعبهم الخاص في يأس الإنسانية كلها) 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here