islamaumaroc

المسرح الكلاسي

  المكي

68 العدد

دعاني إلى كتابة هذه المقالة دافعان : أحدهما عام والآخر خاص. أما الدافع العام فأمل ملح في أن تفتح «دعوة الحق» أمام قرائها آفاقا جديدة من الأدب والفكر، لعل من واجب كل من يقدر مسؤوليته في معركة الثقافة أن يكشف لهم عنها بقدر ما يستطيع. وأما الدافع الخاص فمناقشة حول مفهوم المسرح الكلاسي ومقوماته، دارت بيني وبين أحد طلابنا المعتنين بالتمثيل، يبدو من خلطه بين أفكار ومعلومات لم تختمر بعد في ذهنه أنه حديث عهد بدراسة هذا اللون من الأدب وربما دراسة الأدب على وحجه العموم.
وإذا عدنا إلى معاجم اللغة نتتبع معاني الكلاسية أو الاتباعية كما يترجمها بعض الباحثين العرب، وإذا حصرنا مواكن استعمال الناس لها، ألفينا أن مفهومها قد تحدد في الأذهان والكتب على عدة معان :
أولا : ما يعلم في الفصول الدراسية .Classes
ثانيا : ما يسير وفق قواعد وقوانين معينة.
ثالثا : التعليم الذي يعتمد على اللغات الكلاسية (اللاتينية واليونانية).
رابعا : الكتاب الكبار الذين ظهروا في القرن السابع عشر.
خامسا : كتاب الطبقة الخاصة.
سابعا : كل كاتب كبير.
ثامنا : أحباء القديم.
ولو تعمقنا قليلا في البحث لوجدنا أن المعنى الخامس كان أسبق هذه المعاني جميعا، ففي مؤلف لأحد كتاب القرن الثاني اللاتينيين يدعى أولوجيل (تـ سنة 163 Aulu Golle)، وهو أول من استعمل مصطلح الكلاسية، وردت هاتان العبارتان : Scriptor classicus أي الكاتب الذي يكتب لطبقة خاصة من الناس هي الطبقة المثقفة Scriptor proletrius أي الكاتب الذي يكتب لطبقة العامة.
ومع هذا، فقد عاش المعنى الأول قرونا عدة في أذهان الناس، واستنتجوا من مدلوله أن الكلاسية تشمل كل ما يمكن بحثه وتعلمه ف يالمدارس والمعاهد، وأنه ليس غير روائع الأدب اليوناني والروماني جديرا بالبحث والدرس، وبالتالي جديرا بأن يكون كلاسيا.
ولعنا نستطيع أن نتبين المعنى الحق لهذا المصطلح إذا عرفنا أن علماء الإسكندرية اليونانيين حين رأوا أنفسهم قاصرين عن إبداع آثار أدبية شبيهة بما لأبدعه عباقرة الشعر والمسرح في أثينا وغيرها من مدن الإغريق، حولوا اهتمامهم إلى دراسة إنتاج هؤلاء العباقرة يحللونه ويقننونه، وبالتالي –ومن غير أن يعلموا- يضعون قواعد وتحديدات للمذهب الكلاسي.
ثم تحول السلطان إلى رومة، فبسطت الدولة الرومانية سيادتها على كل شيء ما عدا الأدب والفكر، فقد ظلت زعامتها لليونان. ولا عجب فالأدباء الرومانيون وخاصة في العصر الأغسطي (63-14 ق م) معجبون بروائع إنتاج الإغريق، يعرضونها ويرونها مثلا عاليا للتقليد والاحتذاء، شأنهم في ذلك شأن أدباء
 الإسكندرية، يقلدون الإغريق ويقدسون آراء لأرسطو في المسرح والعشر، فهم يدعون للصنعة والتقيد بالقواعد والمناهج، ويدرسون النفس الإنسانية ويبحثون في الطبائع والأهواء ويومنون بالموضوعية ويحكمون المنطق والعقل ويخفون العاطفة والخيال ويبرزون نماذج بشرية من خلال الخصائص الإنسانية العامة التي يدرسونها.

كذلك ساروا في المسرح على دستور القدماء فخضعوا لهذه المقومات :
أولا : قانون الوحدات الثلاث : La règle des trois unités
1- وحدة العمل Unité d"action بمعنى أن تضم المسرحية فعلا واحدا تكون له بداية ووسط ونهاية. وهي وحدة اشترطها أرسطو (384 – 322 ق م) سواء للملحمة أو القصة المسرحية.
2- وحدة الزمان Unité de temps وقد حددها أرسطو حين فرق في الزمن بين الملحمة والمأساة. فالملحمة لا تحدد مدتها، في حين أن المأساة تحد بدورة واحدة للشمس أو لا تتعداها إلا قليلا.
3- وحدة المكان Unité de lieu وقد أضيفت فيما بعد قياسا على وحدة الزمن إذ لم ينص عليها أرسطو في كتاب الشعر.
ثانيا : عظمة الشخصيات، بمعنى أن يكونوا من الآلهة وأنصاف الآلهة والملوك والأمراء ومن في طبقتهم ممن تتفق مكانتهم مع نبل الموضوع.
ثالثا :  نقاء اللغة وخلوها من كل ما لا ينسجم وعظمة الشخصيات، وهذا يقتضي أن تكون شعرا قويا واضحا ينضم على طريقة القدماء.
رابعا : وحدة النغم Unité de ton بحيث لا يخلط الجد بالهزل في عمل مسرحي واحد.
خامسا : خضوع الأحداث القضاء والقدر.
سادسا : معالجة مشكلة إنسانية عامة.
سابعا : خمسة فصول عند الرومان بدلا من ثلاثة أو أربعة عند الإغريق.
ثامنا : أبعاد مناظر القسوة والعنف من المسرح باعتباره مكان احترام وتقديس والتعويض عن تمثيلها بالوصف والأخبار.
تاسعا : إبعاد مناظر الخلاعة والدعارة.
وقد كتب لآراء القدماء وأرسطو خاصة أن تغمض طوال العصر الوسيط لسباب ربما كان من بينها خطأ الترجمة التي نقلت بها كتبه(1) ولكنها لم تلبث أن بعثت في إيطاليا عند منتصف القرن السادس عشر أثر الهجرة التي قام بها أساتذة الأدب الإغريقي إلى إيطاليا، ولكن لا للمحافظة على المذهب الكلاسي كما عرفه أدباء رومة والإسكندرية، فقد كانت النهضة في إيطاليا قومية في طابعها وجوهرها، وإنما لخلق حركة جديدة تستوحي روحها وأغلب قواعدها منه، سماها الباحثون فيما بعد : كلاسية حديثة : Nélo-classicisme.
تبلورت هذه الحركة في فرنسا كوال القرن السابع عشر حين أحس الأدباء الفرنسيون بضرورة خلق أدب قومي لاسيما بعد أن فقدوا على إثر الحروب الدينية(2) صلاتهم بالبلياد Péliade التي كان قد أنشأها رونسار (Ronsard 1524 -1585) لحماية اللغة الفرنسية وتنميتها. ولم يكن هذا الأدب تقليدا أعمى لأدب الإيطاليين والقدماء، وإنما كان محاكاة فاحصة وناقدة لروائع هؤلاء ودراسات أولئك، ومحاولة صادقة لمعرفة أسباب الروعة والإبداع فيما أنتج القدماء. وقد لمع في هذه الفترة كورني (84-1606 (Corneille ومالرب (Malherbe1555-1628) وديكارت (Descartes 1596-1650) ثم راسين (Racine 1639-1699) وموليير (Molière 1662-1673) وبوالو (Boileau 1622-1711) وغيرهم من الأدباء الذين وضعوا بإنتاجهم الخصب الغزير قاعدة ثابتة لهذا المذهب.

وانتقلت العدوى إلى انجلترا ولكن دون أن يكون لها أثر كبير، فقد كان الإنجليز بطبيعتهم على أهبة واستعداد لحركة أخرى ستظهر فيما بعد. ثم إن الكلاسية في إنجلترا لم تكن تعبيرا عن فن أرستقراطي كما كان الحال في فرنسا، وإنما كانت مرآة تعكس أفكار الطبقة المتوسطة من الناس. أما ألمانيا فقد سارت في طريق الكلاسية حين بزغ فجر نهضتها في القرن الثامن عشر حيث نجد الناقد لنسج 1729-1781 يدعو إلى مقررات اليونان ويدافع عنهما في تحمس واقتناع.

ومع أن زعماء هذه المدرسة لجأوا إلى الشكل المسرحي القديم وإلى تاريخ الرومان وأساطير الإغريق يقتبسون منهما موضوعاتهم، فإنهم لجأوا كذلك إلى بعض التعديل في قواعد القدماء، فقد رأوا إمكان إعطاء أدوار لشخصيات غير أرستقراطية وإمكان تمديد وحدتي الزمان والمكان وإضافة وحدة أخرى دعا لها كورني هي وحدة الخطر Unité de péril ولم يروا ضررا من وجود عقد تضاف إلى العقدة الأساسية شريطة أن تكون متماسكة، وأن تؤدي إلى غاية واحدة، وإلا تضعف من العقدة الرئيسية. وفي رأي كورني أنه يجب أن تعتمد المأساة على الصراع بين الأهواء وشيء آخر أقوى منها كالواجب أو الوطنية، يكون النصر فيها للعاطفة النبيلة والإرادة القوية، فالعواطف والأهواء تحل محل القضاء والقدر وكأنها أدعى للعبرة النفسية مما تفرضه الصدفة والحظ.
ويبدو تحكم القضاء والقدر في مصير الإنسان واضحا عند سوفوكل (497-405 ق م (Sophocle  في مأساة أوديب، ومجملها أن لايوسا ملك طيبة رزق بولي للعهد تنبأ الكهان أنه سيقتل أباه ويتزوج أمه، فأراد الملك أن يتخلص منه فسلمه لأحد الراعاة ليقتله ولكنه أشفق عليه وسلمه لراع من مملكة كورنث لم يلبث أن ذهب به لملكه الذي اتخذه لعقمه وليا للعهد. ويكبر الطفل ليكشف له أصحابه في ليلة خمر أنه مجهول الأصل، فيذهب إلى أحد الكهنة فيهبره بحقيقة أمره، فيهيم في الأرض حتى إذا وصل إلى مفترق طرق قابل ركبا يصر على أن يمر قبله فتنشب معركة يقتل فيها كل أصحاب الركب دون أن يعرف أنه ركب أبيه الذي كان في طريقه إلى الكهنة ليسألهم عن سبيل للتخلص من وحش يقطع الطريق على كل من لم يجبه على لغز. ويلقى أوديب هذا الوحش فيحل اللغز ويقتله ويريح أهل طيبة منه، وكانوا قد نذروا أن الذي يخلصهم منه يجعلونه ملكا ويزوجونه ملكتهم. ويتولى أوديب ملك طيبة ويتزوج والدته وينجب منها. وتكر السنون ويصاب البلد بطاعون يرى الكهنة أنه لن يزول حتى يتخلص البلد من قاتل لايوس ومدنس فراشه، وتنكشف الحقيقة لأوديب فيفقأ عينيه أما أمه فتنتحر.
ويتمثل الصراع بين الحب والواجب في كثير من مآسي كورني. ففي هوراس مثلا نجد الإخوة هوراس الثلاثة، وهم محاربون رومان، يخوضون حربا ضد مدينة ألب يكون أطرافا لهم فيها الإخوة كورباس الثلاثة على الرغم من أن أحدهم مرشح للزواج من كامي شقيقة الإخوة هوراس ويهلك إثنان من الهوراس ويفر الثالث ليقتل الكورياس الثلاثة فتثور أخته ويحدث صراع، ولكن أخاها لا يطيق ثورتها فيقتلها، أما رومة فتعترف له بالواجب الذي أداه لوطنه وتغفر له جريمة قتل أخته.

ويتخذ هذا الصراع شكلا آخر عند راسين، فيصبح صراعا بن العواطف والأهواء الجامحة. ففي أندروماك مثلا نجد سلسلة من العواطف والنزوات تبدأ من أورست وتنتهي عن هكتور. فأورست يحب هرمبون التي تحب بيروس الذي يحب أندروماك التي تحب ابنها السجين استباناكس والتي تضطر في سبيل إطلاق سراحه إلى قبول الزواج من بيروس، وينتهي هذا الصراع العاطفي الحاد بقتل بيروس وانتحار هرميون وجنون أورست. أما أندروماك فتعتلي عرش اليونان بعد أن أصبحت وارتثه الشرعية.
وإذا كانت المأساة قد اقتفت آثار الإغريق والرومان، فإن الملهاة لهذا العهد في فرنسا (القرن السابع عشر) كانت بدورها تقتفي آثار القدماء، وكانوا في الملهاة لا يطبقون القواعد المتبعة في المأساة فأرستوفان (445-387 ق م (Aristophane مثلا يتحلل من قانون الوحدات الثلاث وعظمة اللغة والشخصيات، ولا يعتمد على غير المنطق في نقد الحياة اليونانية وتصويرها تصويرا مضحكا قد يبلغ درجة الإفحاش. وكذلك شارت الملهاة اللاتينية التي كادت أن تتحلل من كل قيد لولا أنها حافظت على وحدتي الزمان والمكان.
أما موليير فالبرغم من أنه عاصر كتاب المأساة الكلاسيين فإنه لم يسايرهم في تطبيق كل القواعد والقوانين التي كانوا يتبعونها، فهو يصور عصره ويعني بمجتمعه ويدرس مشكلاته ويكشف شخصيات شعبية ووقائع محلية ويتحلل في الشعر من قيود كثيرة ويعمد إلى استعمال النثر وأحيانا إلى استعمال لغة التخاطب واللهجات المحلية الخاصة بشخصياته. وقد يستغني عن حبك العقدة ويكتفي بعرض جذابة من الحياة، ثم هو بعد هذا لا يخفي ذاته وشخصيته وإنما يكشف عنها في كثير من الوضوح. ومع ذلك، فهو يطبق قانون الوحدات الثلاث، ويبرز من خلال صوره نماذج بشرية على طريقة معاصريه من كتاب المأساة. وقد ظلت الملهاة تسير في هذا الطريق الذي خطه موليير إلى أن تطور عند ماريفو (1763-1688  (Marivaux إلى ما يسمى بالملهاة الباكية التي تصور الجانب المؤلم من حياة الناس الخاصة، غير أن هذا النوع وجد مقاومة تزعمها بومارشيه (99-1732 (Beaumarchais الذي حاول أن يعود بالملهاة إلى خط موليير، ولكن محاولته لم تصمد طويلا لتيار التجديد.

ولم يكد القرن السابع عشر يقرب من الانتهاء حتى تعرضت الكلاسية لهزات عنيفة. فالأزمات السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية من جهة، وظهور آثار الفلسفة الديكارتية التي بدأت تستخدم في نقد الدين وما صاحبها من انتصار المنطق والذوق على التزمت والتقليد من جهة أخرى، ثم المعركة الطويلة التي نشبت بين القدماء والمحدثين حين ثار هؤلاء على تقديس القديم من جهة ثالثة، كل هذه كانت علامات إنذار بقرب نهاية المذهب الكلاسي. فلم يكن ينتصف القرن الثامن عشر حتى ظهر روسو (78-1712 (Rousseau يدعو إلى الطبيعة وعدم التقيد بالقواعد والتقاليد، وظهر شاتوبريان (1848-1768 (Chateaubriand ومدام دوستال (1817-1766 (Mme de Staël يجددان في الشكل والتعبير، وظهر دوماس الأب (1870-1803 (Dumas père وألفرد دفني (1863-1797 (Alired de Vigny يكتبان مسرحيات إبداعية تثير النقاد، ولم يكد هيجو (1885-1802 (Hugo يخرج رواياته حتى بدا واضحا أن المذهب الجديد قد أخذ مكانه في القلوب التي ضاقت درعا بكل قيد وغدت تواقة للحرية والانطلاق.
ومع ذلك فقد ظل كثير من الأدباء يسيرون في تيار المذهب القديم يعتمدون على المنطق والعقل ويعتبرون التفكير الديكارتي قادرا على خلق نظرة جمالية كما هو قادر على خلق نظرية فلسفية. غير أنهم على عكس عباقرة الأدب الكلاسي الذين استطاعوا أن يبرزوا كيانهم، لم يكونوا يومنون بقدرة الفنان على الخلق والإبداع والإحساس بالجمال فلم ينتجوا غير أدب جامد لم تلبث الحركة الرومانسية أن أخذت مكانه وقضت عليه.

لقد ثارت الحركة الرومانسية –أو الإبداعية كما يترجمها بعض الدارسين العرب- على وحدات الزمان والمكان والنغم وعلى موضوعات التاريخ القديم وعلى أرستقراطية اللغة والشخصيات وأصبحت تستوحي التاريخ المعاصر وتصور الحياة بأحداثها الواقعة وألوانها المحلية ومظاهرها العنيفة وشخصياتها الشعبية ومشكلاتها الاجتماعية المألوفة وتبسيط الأسلوب الشعري وترفض كل المحسنات التي تحول دون وضوح التعبير بل ترى أن النثر أنسب للمسرح في مجتمع قضت فيه الثورة على الطبقة الأرستقراطية.

(1) يكاد يجمع الباحثون على أن العصر الوسيط كان يعتمد في أرسطو على ترجمة ابن رشد وأن هذه الترجمة كانت مليئة بالخطأ وسوء الفهم.
(2) Les guerres de religion وهي ثمانية حروب دارت بين الكاتوليك والبروتستان من 1562 إلى 1598.

  

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here