islamaumaroc

الدعوة إلى تأسيس مجمع علمي

  دعوة الحق

68 العدد

تلعب المجامع العلمية في كثير من الأقطار العربية والبلدان الأجنبية دورا كبيرا في نشر العلم وبث المعارف وتشجيع المواهب الفتية وتكوين المثقفين والعلماء والمؤرخين وإحياء التراث الوطني وتأسيس المكتبات العلمية والخزانات الوطنية.
والمجامع العلمية خلايا نشيطة في الميدان الثقافي فهي تؤدي رسالة عظيمة في كثير من الأمم لأنها تلم شتات العلماء وتجمع شمل الأدباء وتكون النخبة الممتازة من كبار المثقفين والمفكرين الشاعرين بالواجب الوطني الذي يتعين عليهم أداؤه وسط أمتهم ولصالح بلادهم.
والمجامع العلمية مرآة ينعكس عليها نشاط الأمم في ميادين العلم والثقافة لأنها المحور الرئيسي والمحرك الأساسي لكل نشاط ثقافي وكل حركة علمية.
ولو لم يكن لهذه المجامع دور مهم في تحريك النشاط الثقافي وتكوين المجتمع تكوينا صالحا متينا لما رأينا الكثير من الأقطار المتقدمة والمتخلفة تعمل على تأسيسها وتجد في تشجيعها ومد يد المساعدة إلى أعضائها حتى يؤدوا واجبهم على الوجه الأكمل. فلا غرابة إذا رأينا مثلا فرنسا والجمهورية العربية المتحدة والعراق وسوريا تتوفر على مجامع علمية مهمة تضم أحسن العناصر المثقفة وأجود المؤلفين والكتاب والشعراء المنتجين وأكبر الخبراء بشؤون العلم والأدب والثقافة وتسهر على النشاط الثقافي والعلمي باهتمام كبير واعتبار عظيم.
ولولا الجهود الكبرى التي بذلتها هذه المجامع في الأقطار المذكورة لما رأينا تلك الأقطار تتوفر اليوم على إنتاج أدبي رفيع غزا أسواق العالم أجمع وملك الباب المثقفين في كثير من بقاع العالم.
عن الفضل الأكبر في الشهرة العلمية التي أدركتها تلك الأمم يرجع إلى هذه المجامع العلمية التي استطاعت بفضل نشاط رجالها واجتهاد أربابها واشتغال أعضائها أن تكون طبقة من العلماء والأدباء والمفكرين الذين وجدوا منها ومن أعضائها التشجيع المادي والأدبي الكبير الفعال والتوجيه الصادق والمراقبة اللطيفة والحث المستمر والمعونة المتواصلة.
فالمجامع العلمية تستحث الهمم وتقوي المواهب الفتية وتزويد رجال الفكر بالمواد الخام إذا أمكن استعمال هذا التعبير في مضمار الثقافة والعلم. وهي بالإضافة إلى كل ذلك تسهر على وضع التخطيطات المستعجلة للنهوض الفكري والنمو الثقافي والازدهار العلمي.
والحقيقة أن المجامع العلمية حلقة يتصل فيها العلماء والأدباء ليتدارسوا فيما بينهم ويتباحثون مستقبل الثقافة في بلادهم ويتناقشوا في مواضيع فكرية ومشاريع ثقافية كما يستغلون فرص تجمعهم فيعرض كل واحد منه على الآخرين إنتاجه ليعرف رأيهم فيه وحكمهم عليه فيحظى بإرشاد زملائه وتوجيهات المجمع ويستمع لملاحظات الأعضاء؛ ومما لاشك فيه أن أمثال هذه المجامع تدعو إلى التنافس والتسابق في ميدان التأليف والنشر والإنتاج؛ ولن ينتج عن هذا التنافس إلا الخير العميم والفضل العظيم.
إن نظرة خاطفة على ما حققته الأكاديميةالفرنسية منذ نشاتها إى الآن وإلى ما قام به غيرها من المجامع العلمية يعطينا الدليل القوي والبرهان الحقيقي على ما يمكن أن تقوم به هذه المجامع من نشاط ثقافي حافل وما تستطيع أن تؤديه من الأعمال الجليلة والخدمات المثمرة لصالح البلاد وخير العباد.
لقد بدأت الأكاديمية الفرنسية تعمل عملها الثقافي المحمود منذ سنة 1634 عندما دعا الكاردينال دوريشليو صديقه فالأنتان كونرارط الذي كان يجتمع في بيته عدد من الأدباء والمثقفين كان همهم الوحيد الاهتمام بالأدب والتعرف على كل حركة أو نشاط يهدف إلى خدمة العلم والثقافة كما كانت
 غايتهم عرض إنتاجهم على بعضهم لمعرفة رأي الجميع فيه. وقد ابتدأت هذه الاجتماعات منذ سنة 1629 وكان هؤلاء المثقفون يجتمعون في كل أسبوع في بثت زميلهم فالأنتان كونرارط الذي أصبح يعتبر بعد تأسيس الأكاديمية أب الأكاديمية الفرنسية. 
ومنذ سنة 1634 أصبح النشاط الثقافي في فرنسا يحظى بالتأييد الكامل من الدولة وبالتشجيع الكافي ومن كبار المثقفين الذين ساروا متفرغين للقيام بهذا العمل مستعدين لكل ما يتطلبه من اجتهاد وكد متحملين أعباءه بأكملها حتى استطاعت فرنسا بواسطة هذا المجمع وأعضائه أن تغزو العالم بمثقفيها وإنتاجاتها الأدبية والعلمية.
وقد ساعدت الأكاديمية الفرنسية بنصب وافر على ذيوع اللغة الفرنسية وآدابها ومؤلفاتها في العالم حتى أصبح الفرنسيون يتكلمون عن عالمية اللغة الفرنسية وسيادتها على باقي اللهجات واللغات.
أفلا يدل هذا على أهمية هذه المجامع وفعاليتها في رفع المستوى الثقافي في مختلف القطار ؟ أولا يليق بالمغرب أن يحذو حذو هذه المم ليكمل نضجه الثقافي ؟ أو ليس من مصلحة بلادنا أن تحظى هي بدورها بمجمع علمي يضم كبار أدبائنا وعلمائنا ومؤرخينا ومثقفينا ؟ ألم يحن الوقت بعد لتسلك الطريق الذي سلكه غيرنا حتى يكون لنا مجمع علمي نباهي به المجامع العلمية الموجودة وسوريا والعراق ؟
فالمغرب ولله الحمد يتوفر على نخبة ممتازة من العلماء والأدباء والمؤرخين الذي يبذلون كبير الجهود ويستغلون كل إمكانياتهم الخاصة في ميدان التأليف والنشر ومضمار البحث والتاريخ ويطرقون سائر الأبواب من قصة وشعر وفلسفة مساهمين بذلك في تكوين مكتبتنا الوطنية وخزانتنا العلمية القومية؛ ولكن جهود أدبائنا مبعثرة ونشاطهم مشتت وعملهم غير منظم ولا يسير على نسق يتفق وحاجيات المغرب لأنهم لا يتوفرون على مجمع يضم شتاتهم ويوحد نشاطهم ويحدد الأهداف البعيدة والقريبة التي يتعين إدراكها في وقت معلوم وإبان محدود. والعمل كيف ما كان نوعه وشكله في حاجة إلى ضبط وتنظيم وتحديد وتصميم، والنهوض الثقافي جدير بهذا النوع من التنظيم والتصميم وقد يكون أولى بالعناية والاهتمام وأجدر بالإتقان والإحكام.
وليس من المعقول أن يظل المغرب الذي اختير عدد من كبار علمائه وأدبائه كأعضاء دائمين في مجامع علمية ومنظمات ثقافية دولية غير متوفرة على مجمع علمي يجمع شتات رجال العلم والفكر والثقافة ويضم شملهم ويوحد عملهم وينظم نشاطهم.
وليس من المعقول كذلك أن يظل المغرب الذي تتوفر كثير من الإدارات والوزارات فيه على أقسام ثقافية ومراكز للبحوث العلمية ومصالح للعلوم والفنون ومعاهد للآثار والتنقيب بدون مجمع علمي يجمع شمل تلك المراكز والمعاهد والأقسام المهتمة بكل ما يمس الثقافة والعلوم ويحركها والمسؤولين عنها للقيام بعمل ثقافي موحد يكون باكورة حسنة في سبيل ازدهار ثقافي وتطور علمي نطرب جميعا لعواقبه الحسنة وآثاره الطيبة.
وسيكون مجمعنا العلمي بغدارة خير في طريق رفع مستوى إنتاجنا الثقافي وفتحا جديدا في مجالي العلم والفكر والثقافة تتفجر بواسطته طاقات المغرب الفكرية وتندلع منه شرارات مضيئة تثير لنا دياجي الفكر وغياهب العقل وتحرر عقول مثقفينا ومفكرينا فتنطلق الأقلام المغربية وتنتشر آراء رجالاتنا في الداخل والخارج ويصبح للفكر المغربي والإنتاج الوطني وجود وكيان نساهم بهما في مضمار الثقافة العالمية.
إن اعتقادي الحازم أن المجمع العلمي سيكون سبب انتفاضة فكرية عارمة تتضح مجاليها في المستقبل وتتعدد مجاريها في القريب العاجل بحول الله. وسوف لا يجني المغرب من وراء تأسيسه إلا الخير الكثير.
إنني أرسل هذه الصيحة إلى آذان المسؤولين حتى يفكروا في هذا الموضوع بصفة جدية إيجابية ويدرسوا الفكرة بإنشاد وحكمة حتى لا يصطبغ تكوين هذا المجمع بالفوضى والارتجال لأن تكوينه على هذا الشكل قد يحطم كل الآمال المعقودة عليه ويجعله يسير من بدايته إلى نهايته في طريق غير سوي وسبيل غير مستقيم.
فعسى أن تجد هذه الدعوة آذانا صاغية وقلوبا واعية لدى المسؤولين عن تطور أمتنا ورقي بلادنا وعسى أن يكون لها وقع حسن لدى أبائنا ومثقفينا ومفكرينا حتى يشاركوا في الدعوة من أجلها ويقوموا بحملة واسعة في سبيل تحقيق هذا المشروع الذي لن يضر إذا كررنا القول للمرة الأخيرة بأنه عمل هام ذو فوائد جمة ومنافع كثيرة.
 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here