islamaumaroc

إبراهيم المازني

  دعوة الحق

68 العدد

كان نحيلا ضئيلا ولكن أدبه كان ملء السمع وملء البصر جميعا، وكان رائدا من رواد القصة والمقالة في الأدب الحديث، له قدره وله أثره وخطره في تاريخ الأدب الحديث، وكان له أسلوبه الخاص الذي عرف به، وامتاز به على أقرانه من أدباء العصر، فهوت إليه القلوب ونفذت منه العقول، وذلكم هو الأديب الراحل إبراهيم عبد القادر المازني.
ولد إبراهيم المازني في عام 1889 وكان والده على نصيب من الثراء وحظ من الجاه وكان يقطن في بيت كبير وصفه المازني في كتابه (خيوط العنكبوت) فقال : «كانت بوابته كباب المتولي كبيرة هائلة، تغطيها المسامير الضخمة التي يعدل رأس الواحد منها رأس الطفل وكان له رتاج غليظ يدخل في جدار عظيم السمك».
ويظهر أن أسرة المازني كانت عربية الأصل وأية ذلك ما أشار إليه في كتابه عن «رحلة الحجاز» فهو يصف وصوله مع أصحابه إلى مكة ويقول أنهم دخلوها دخول الغريب أما هو فلم يشعر بشعورهم لأنه على حد مكية زوجوها وهي بنت عشرين سنة رجلا مخلا من أهل المدينة فنشزت فطلقوها، ثم احتملوها إلى مصر بعد وفاة أبيها وخراب بيته وتجارته، فتزوجت جده، ويفخر المازني في كتاب «صندوق الدنيا» بنفر عظيم من أجداده الذين يحملون لقبه المازني واشتهروا وذاع صيتهم في أنحاء الجزيرة العربية في العصور الإسلامية المختلفة وقد ذكر منهم مالك بن الربب بن حوط المازني، وهلال بن الشعر المازني وغيرهما.
والتحق المازني بالمدرسة الابتدائية وتنقل في مراجل التعليم إلى أن وصل إلى مدرسة المعلمين ويحكي المازني عن نفسه أنه بعد أن أتم دراسته الثانوية رغب في الالتحاق بكلية الطب كما كانت تسمى وقتئذ وما إن دخل قاعة التشريح حتى سقط مغنيا عليه فانصرف عن الطب واتجه إلى الحقوق ولكن مصروفات مدرسة الحقوق كانت باهظة إلى أبعد حد فاضطر إلى الالتحاق بمدرسة المعلمين، ولنترك المازني نفسه يكمل ترجمة حياته في أحد كتبه فيقول :
 «ومضت الأيام أعني الأعوام وصرت معلما، وتسلمت من الوزارة الشهادة لي بذلك، ولكني لم أخرج بها لأن ذاك كان بكرهي، كما صار من لا لأذكر اسمه في رواية موليير طبيبا على الرغم من أنفه، فعينتني الوزارة مدرسا للترجمة بالمدرسة السعيدية الثانوية وكنت صغير السن ولم تكن لي لحية ولا شارب، فكنت أحلق وجهي بالموسى ثلاث مرات في اليوم لعل ذلك يعجل بإنبات الشعر، فقد اشتهيت أن يكون لي شارب مفتول، وخدان كأنما سقيا عصير البرسيم ولكن الموسى لم تجد في فتيلا».
أما ثقافة المازني فكانت متنوعة متشبعة تجمع بين الثقافة العربية والغربية، إذ قرأ كتب الجاحظ والأغاني، قراءة واعية فاحصة، كما قرأ الجرجاني وتأثر بالشريف الرضي وابن الرومي ونشر بحثا عن بشار بن برد، كما قرأ ديوان ابن الفارض وجمال الدين بن نباته المصري، وكان يقبل على القراءة في شغف عظيم، ولهف شديد، ويعتقد أنها غذاء لقلمه، وفي ذلك يقول مداعبا : «ما أظن إلا أن الله جلت قدرته قد خلقني على طراز عربات الرسن التي تتخذها مصلحة التنظيم.. خزان ضخم يمتلئ ليفرغ، ويفرغ ليمتلئ، أحس الفراغ في رأسي وما أكثر ما أحس فأسرع إلى الكتب ألتهم ما فيها، وأحشوا بها دماغي حتى إذا ما شعرت الكظة وضايقني الامتلاء، رفعت يدي عن ألوان هذا الغذاء وقمت متناقلا، مشفقا من التخمة، فلا ينجيني مننها إلا أن أفتح الثقوب وأهرب..» ويبدو من كتابه حصار الهشيم ـن ابن الرومي أحب شعراء العرب إليه وأعزهم عليه ولذلك فليس أعذب ولا أشهى لديه من أن يقضي ساعة معه ولو كل أسبوع.
ويدل كتابه «بشار بن برد» على فهم دقيق لشخصية بشار وعلى حال الأدب العربي في العصر لعباسي بل في عصوره المختلفة، وقد اهتم في بحثه ببشار الشاعر، أما سيرته فهي على سولها وقبحها لم تكن شرا من سيرة معاصريه، وممن تلاهم من الشعراء وغيرهم، وإنما تبدو أسوأ لأنه كان أشهر وعلى الله لا علينا حسابه.
أما ثقافته الغربية فكان المازني من أتباع المدرسة الإنجليزية التي خرجته وخرجت العقاد وعبد الرحمن شكري، وكان أعلام الحركة الرومانسية في إنجلترا هم أهم الذين أثروا في أدبه، وكما كان كتاب الكنز الذهبي لكونجرف الذي يضم باقة من الشعر الرومانسي المرجع الأول لثقافته وثقافتهم الغربية.
ويقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد أن المازني بارع في الترجمة عن الإنجليزية إلى أبعد حد، ويضيف قائلا : لست أغلو إذا قلت أني لا أعرف فيما عرفت من ترجمات للنظم والنثر أديبا واحدا يفوق المازني في الترجمة من لغة إلى لغة ويملك هذه القدرة شعرا كما يملكها نثرا ويجيد فيها اللفظ كما يجيد المعنى والنسق والطلاوة».
وقرأ المازني وليم هازلت الناقد الإنجليزي المعروف كما قرأ ماكولي وأرنولدولي هنت وشارلز لام، وسويفت وأديون وغيرهم من كتاب المقالة، كما قرأ ديكنز ووالترسكون وشكسبير وغيرهم من أعلام القصة والمسرحية.
وصدرت للمازني مجموعة ضخمة من الكتب نذكر منها «حصار الهشيم» 1924 «وقبض الريح» 1927 و«صندوق الدنيا» 1929 «وخيوط العنكبوت» 1935 كما صدرت له دراسة في الشعر : غايته ووسائطه وبحث عن شعر حافظ 1921 واشترك في كتاب الديوان عام 1921 مع الأستاذ عباس محمود العقاد، ونشر مسرحية غريزة المرأة فمجموعة قصص سيدو وشركاه عام 1943 وثلاثة رجال وامرأة عام 1943 وقد صدرت له إبراهيم الكاتب عام 1932 وإبراهيم الثاني عام 1944 وأقاصيص عام 1944 و «ع الماشي علم 1944 ومن النافذة عام 1949 وهي السنة التي توفي فيها».
وتعتبر قصة «إبراهيم الكاتب» أبرز إنتاجه الأدبي وهي في الواقع صورة لحياته ولو أنه حاول أن يبعد كل شبهة بينه وبين بطا القصة كما حاول أن يخلق مجموعة من المتناقضات بين سلوكه وأخلاقه الخاصة، وسلوك وأخلاق بطل القصة.
فيقول في المقدمة : «ولست أحتاج أن أقول لست بإبراهيم الذي تصفه الرواية ذلك أنه يتناول الحياة باحتفال، وأنا أتلقاها بغير احتفال، وهو يعبس للدنيا وأنا أستقبلها بأعذب ابتساماتي وأحس السرور بها يقطر من أطراف أصابعي كالعرق وهو مغرم بالتفلسف وأنا الواحد من هذا الطراز مرزؤا يستحق المرنية وهو وعر متكبر وأنا سمح متواضع وهو عنيد وأنا ريقي سلسي وهو نفور وأنا عطوف وفي نفسه مرارة وأنا مغتبط بالحياة راض عنها قانع بها وهو كأنما يريد أن يخلق الدنيا والناس على هواه، ولذلك تراه قليل التسامح ضيق الصدر وأنا لا أرى في الإمكان أبدع مما كان». 
والقصة تصور جانبا من الحياة المصرية بتقاليدها وعادتها، وخيرها وشرها، وحاول المازني في قصته أن يتجنب اللغة العالمية ما استطاع إلى ذلك سبيلا بيد انه استخذمها في مواضيع قليلة حينما بدا له أنها تكون أقوى في التصوير واضوأ في التعبير، لأنه كان يعتقد أنه ليس من الضروري أن تكون الكلمة جاهلية ليجوز لنا أن نستعملها ويرى أن هذا جمود يؤذي اللغة، وكل لغة في الدنيا، تقتبس ألفاظا من اللغات أو تضع وتسك ألفاظا جديدة تستمدها من حياتها الجديدة ولا يضرها ذلك أو يرزي بها أو يفسدها بل يزيدها سعة ومرونة وقدرة على الأداء.
وقد تجلت براعة المازني في السباق والحوار في هاتين القصتين لولا ما ينقصهما من حبكة فنية متينة كالتي تجلت في قصته عود على بدء هذه البراعة واضحة هنا ملموسة وكان حواره لذيذا شيقا فأسهل القصة على هذا النحو : قالت امرأتي ونحن ندنو بالسيارة من طنطا بعد زيارة السيد البدوي صل بنا بيت الشيخة صباح لسلم عليها، قلت : لا صباح ولا مساء الوقت ضيق، قالت : أرجوك لأجل خاطري، قلت : يا امرأة ألا تثقين في هذا العبد الصالح الذي سخره الله لخدمتك وخدمة بنيك ؟ قالت متهكمة ضاحكة : أنت عبد صالح قلت : من حسن الحظ انه لن تنصب امرأة لنا الميزان يوم الحساب على كل حال نحن الآن بعد العصر وما زال علينا –علي أنا- أن نقطع مائة كيلومتر وزيادة قبل أن نبلغ القاهرة وأخشى أن يحل بي التعب إذا أدركنا الليل قبل أن نفرغ من الطريق أم ترى تعبي راحة لك ؟ ثم إنك قد سلمت عليها منذ أربعة أيام ليس إلا، فما حاجتك إلا سلام جديد ؟ أهو زاد تتزودين به في الطريق؟ قالت وكأنها تحلم : لست أشبع من النظر إلى حسن وجهها –وقد صدقت... »
وهكذا مضى المازني يشوقنا إلى طلعة الشيخة صباح بهذا الأسلوب المشوق العذب المتسلسل ولم سكن يأنف أن يستخدم العبارات الدارجة ما دامت لا تخرج عن نطاق العربية الفصحى مثل «لأجل خاطري» و«تعبي راحة لك» وما إلى ذلك.
والحق انه استطاع بأسلوبه الرشيق أن يبعث اللهفة في نفوس قارئيه لمتابعة قصته حتى النهاية.
وهذه البراعة في الحوار ظهرت كذلك على نطاق واسع في مسرحية «غريزة المرأة التي قدمتها فرقة السيدة فاطمة رشدي على المسرح والواقع أن هذه المسرحية لا تنطوي على جديد ولا عمل للخيال على حد تعبير المازني نفسه في صيانتها لأنها تصور النفور بين الزوجين وما يؤدي إلى ذلك في الأحيان الكثيرة من الشقاء وخيبة الأمل في الحياة ويؤخذ من هذه المسرحية أن الوفاق بين المرأة والرجل لا يكون إلا إذا فهم كل منهما طبيعة الآخر وما تتطلبه كل من الغريزتين فالشقاق نتيجة العجز عن هذا الفهم وقد تؤدي أسباب أخرى إلى الخلاف والجفوة ولكن من المحقق العجز عن إدراك مطالب الغريزة النوعية في المرأة يؤدي بلا أدنى شك وفي كل حال فساد ما بينها وبين الرجل والفهم الصحيح لا يكون إلا بدراسة المرأة دراسة علمية سليمة وليست الغريزة النوعية في المرأة فوضى فإن لها قوانين قد يلحقها الاضطراب أحيانا ويصبها الشذوذ ولكن حتى في شذوذها واضطرابها غير مستعصية على الدرس.
ويؤخذ من هذه المسرحية كذلك أن دفاع الزوجة عن نفسها لم يكن متاحا بل هي لو تقدمت إلى المحكمة بما يصلح أن ينهض عذرا لها لقضى ولكنها فقيرة مكروبة ممزقة الأعصاب تكتفي بالفرار مما تكره، وليس من شك في أن هذه المسرحية تدل على جرأة في التفكير ويظهر فيها تأثر المازني بالكاتب المسرحي النرويجي الشهير «هنريك ابسن» الذي كان يعتقد أن الإنسان يعيش في جو من التقاليد والعرف وأنه لابد أن يحطم هذا الإطار الزجاجي ويزيل الغشاوة على عينيه حتى يرى الحقيقة واضحة لا زيف فيها ولا خداع.
وقد نادى المازني في هذه المسرحية بوجوب النظر إلى الغريزة وهذه دعوة جريئة لم تكن تتاح لغيره من الكتاب الذين كانوا يتبادلون فنون الكتابة في الفترة التي عاش فيها.
وللمازني ديوان من الشعر وله شعر لم يطبع وقد بدا في نظم الجزء الأول من ديوانه عام 1910 وطبعه عام 1912 وطبع الجزء الثاني في أواخر عام 1915 وأوائل 1916 ويقوم المجلس اظلعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بجمع شعر المازني كله تمهيدا لنشره في كتاب وقد وصف العقاد أسلوبه الشعري فقال :
«فإن قلمه يتحرى الفخامة في اللفظ والروعة في حول الشعر كما تتحرى نفسه –على لطافتها- الفخامة في المشاهد والروعة في مظاهر الكون والطبيعة» ومن ألطف شعره هذه الأبيات :
 
ودعتــــــــــه والليـــــــــل يخــفرنـــــــا         والبــــــدر يرمقنــــــي ويرمـــقـــــــ
ــــــه
والمـــــــــاء يجــــــري في تـــــدفقـــــه         ويكـــــــــــاد مــــــــاء العيـــــن يسبقــــه
والــــــــــــــده بنــــهــــــــاه تمنعـــــــه         والـــــــحب بـــــــأمـــره تـــــرفقــــــــــه
 

وشعر المازني يدل على ثقافة أصيلة وقراءة متصلة في الأدب العربي والغربي، كما يصور مذهبه في النقد فهو يعتقد أن الشعر مجاله العواطف لا العقل والإحساس ولا غنى للشعر عن الفكر بل لابد أن يتدفق الجيد الرصين منه بفيض القرائح ولكن سبيل الشاعر ألا يعني بالفكر لذاته ورزانته بل من أجل الإحساس الذي نبهه أو العاطفة التي أثارته ولابد للشاعر من عاطفة يفضي بها إليك ويستريح أو يحركها في نفس القارئ ويستثيرها ومادام الأمر كذلك فقد خرج من الشعر كل ما هو نثري في تأثيره أو ما كان في جملته أو تفصيله عبارة عن قائمة ليس فيها عاطفة ولا هو مما يوقظ عواطف القارئ ويحرك نفسه ويستفزها كشعر الحياة اليومية وشعر المديح كله الذي اكتظ به دواوين شعر العرب.

تلك هي نظرة المازني إلى الشعر.. وهذا هو الثوب الذي حاول أن يسبغه على نفسه من شعر فحالفه التوفيق حينا وخالفه حينا، ولكن العقاد يصر على أن المازني شاعر أكثر منه كاتبا، وهو عنده لا يضارع في التعبير عن إحساسه نظما مهما يكن الموضوع.

وعندي أن قول العقاد صادق في بعض شعره ولا أقول كله.. ولكن أسلوبه الساخر وثقافته الواسعة وتهكمه اللاذع، وسخريته التي نجمت عما ألم به من شدائد، وطاف به من أحداث، خلقت منه كاتبا ممتازا، رجحت به كفة الميزان.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here