islamaumaroc

على هامش «صرخة الجزائر»

  بقلم ملاحظ

12 العدد

قرأت ضمن محتويات العدد الماضي من هذه المجلة، مقالا نقديا للسيد محمد الحلوي حول قصيدة موكب الربيع للسيد عبد الكريم التواتي، وقد أعجبني المقال كمحاولة «لتدشين» ميدان النقد الأدبي الذي ظلت هذه المجلة تشكو فراغها منه منذ صدورها، أي منذ سنة كاملة.
كما قرأت في نفس العدد، لكاتب المقال أيضا، قصيدة طويلة بعنوان «صرخة الجزائر» وفي رأيي الجزل، الذي يستهويك فيه ما أودع من عواطف جياشة، تتمثل في صور بديعة، ناطقة بجمال الفن. ولطافة التعبير، وقوة التأثير، فهي ترسم في دقة الجو الرهيب الذي يعيشه الشعب الجزائري الشقيق، والآلام التي يتجرع مرارتها صباح مساء، والمظالم التي لا ينفك الاستعمار يقذف بشواظها في وجهه.
وقد يكون من الطبيعي أن قصيدة تقنيف على الستين بيتا كقصيدة السيد الحلوي لابد أن تختلف مقاطعها قوة وضعفا، وأن يكون للتكلف وانعدامك الطابع الشعري أثر ظاهر في بعض أبياتها، فخذ مثلا قوله يخاطب ابن الجزائر :
زعموا أرضك الجزائــر ملكــا
                    لفرنسـا تسلمتــه اغتنامـــا
فما زاد الشاعر على أن ردد هنا صدى ما نمعه كل يوم على أمواج الأثير ضمن تصريحات وتعاليق عادية. واستمع إلى هذين البيتين :
لم يرعـك العـدو يفتـك بــالشـ
                      ـعب ويسبي النسـاء والايتامـا
يصعـد الاه مـن فظائعـه الـسـ
                      ـود، ويشكو من عسفـه الآلاما
فأينا يستسبغ هذا الخلط في الضمائر ؟ ففي  يفتك ويسبي-في البيت الأول- ضمير يعود على العدو، ولكنه في يصعد-بأثرهما في البيت الثاني- أراده الشاعر أن يعود إلى الشعب، رغم أن محور الكلام، أو المسند إليه كما يعبر أهل البلاغة-هو العدو-. ويقول الشاعر :
كلما هالــه اقتحـام المنايــا
                     في مجالاتهــا وهاب الصدامــا
وهنا أسال السيد الشاعر عن مجالات، من أين له هذا الجمع ؟ أهو قياس على مقامات، والقياس-فيما اعمل- هنا لا يجوز، أم هو محض ابتكار شخصي ؟ فاللغة لا تعرف هذا الجمع، ثانيا ماذا يعني بالصدام ؟ إذا كان يعني أنه مصدر لصارم فليس بموجود، اللهم إلا إذا التجأ فيه-هو أيضا- إلى قياس على صارعه وقاتله واشباهما، غذ الموجود في اللغة أن الصدام داء في رؤوس الدواب، وحال أن يكون هذا المعنى مراد للشاعر.
واقرأ معي هذين البيتين :
كلمـا مــر عــام ترجــوا
                       لانتصاراتهم على الحق عامــا
وانتصار الضلال والباطل الزاهـ
                        ـق شيء يقـارب الاحلامــا
فأية طلاوة الشعرية تجدها فيهما ؟ وأي معنى جميل احتوياه ؟ وما السر في عطف الباطل على الضلال ثم أليس في الأخبار (بشيء) في البيت الثاني منتهى الابتذال ؟ ما ابعد البيتين عن الأسلوب الشعري الأنيق الذي تلمسه في بعض مقاطع القصيدة.
وهل يعفني السيد الحلوي فيطلعني على ما يريده بقوله-مخاطبا المستعمرين :
فارقبوا منه لعنــة ملؤها الخــز
                            ي تعضـون بعدهـا الاقدامــا
الذي اعرف أن الغريزة البشرية تجعل الإنسان بعض بنانه-لا قدمه- ندما، فمنى أصبحت الأقدام تعض ولو من فرط الندم ؟ أهو شيء جديد في الغريزة الإنسانية ؟ أم هي صورة من وحي عبقرية الشاعر ؟؟ أما أنا فقد قصر خيالي عن تصور ملعونين يعضون الاقدام... وقد توقفت مليا عند قول الشاعر :
إن الله أعينـا تتقراكـم وبطـ
                        ـشا يزجـي به الايامــا
فهل لا يرى القارئ معي أن كلمة يزجي في البيت أكرهت على مكانها أكراها وإلا فأي معنى مستقيم يكمن في قول الشاعر : إن الله يزجي بالبطش الأيام ؟.
أما قوله :
ارمها يا فتى الجزائـر نــارا
                       تسكن الذاعر الائيـم الرجامـا
فأظن أن الصناعة البلاغية تستنكر فيه فقدان التوازن بين الذاعر-وهو مفرد- والرجام وهو جمع، وأنا اربأ بالسيد الحلوي أن يلجأ في رد هذه الملاحظة إلى بعض الافتراضات المتكلفة، التي نمه-مثلا- أن (الـ) في الذاعر للجنس فهو على نية الجمع، فمثل هذا إذا استساغه الذوق الأدبي قبل اليوم، فلا ينبغي بأي حال أن نعتمده في تحليل شعر يتسم بالطابع العصري، كما لا استحسن-لنفس السبب- الحذف والتقدير في قوله :
واسق أرضـا قد كان قبلك اجـ
                       ــداد سقوها دماءهم أن تضاما
وعلى أي فهذه ملاحظات اشهد أنها لا تفسد جمال القصيدة، ولا تذهب برونقها ورشاقتها.
                                                     ***
بقي هناك شيء، طالما كنت أود أن أهمس به في أذن السيد الحلوي، ذلك أنني لا اعرف كيف أوفق بين صفتين متناقضتين فيه، فهو شاعر مطبوع، ما في ذلك عندي شك، إلا أنه لا تكاد تسلم قصيدة واحدة له من خلل في الوزن تمنى به في البيت أو أبيات، بل لم تسلم منه حتى بعض قصائده التي نالت فيما اذكر جائزة العرش، وعلى سبيل المثال تحضرني القصيدة التي نشرت له في العدد التاسع من هذه المجلة تحت عنوان : (يوم أبصرتها) ولا أريد أن أعود إليها بعد أن مضى على نشرها أكثر من شهرين. «وصرخة الجزائر» نفسها لم تسلم من تلك العاهة المشؤومة، بل لعل حظها منها كان أوفر، كما لم تسلم من تكرار بعض القوافي، الشيء الذي يمجه الذوق الشعري السليم، وأن كان مباحا عند العروضيين وفق شروط
وإلى القارئ الأبيات «المرضوضة» مع استسماح الشاعر في إعادة نشرها بنصها :
ويشبونها جحيما علـى الــرا
                    عي ليلقي من قبضتـه الزمامـا
                          *
كلمـا مـر عـام ترجـــوا
                    لانتصاراتهم على الحق عامــا
وارى القوم كيف تفترس الغيـ
                    ـد ويخشى المستأسدون الرئاما
أرسلي النظرة الحنون شواظـا
                    يتنـزى ويزدري الاعجامـــا
                         *
لهفي للأيدي النواعـم كـانت
                    تنسج البرد أو توشي اللثامــا
لهفي للأيدي النواعم تدميــ
                    ــها قيود المستعمرين انتقاما
                       *
واظنني في غنى عن تنبيه الشعار إلى مواطن الكسر في الأبيات، ولعله-وهو فيما قيل لي- مدرس العروض بالقرويين ! يعرضها على محك (الخفيف) حتى إذا تبين له ما أصيبت به من رضوض، جبر كسرها، وأقامها على نسق بقية الأبيات الأخرى.
                                                                             

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here