islamaumaroc

مسرحنا بين الاقتباس والتأليف

  دعوة الحق

66 العدد

مسرحنا بين الاقتباس والتأليف

من جديد، تطرح أزمة مسرحنا. فالموسم قد ابتدأ بمسرحيتين: «لعزارا» ألفها محمد الإدريسي، وقدمها مع مجموعة من الشبان المتخرجين من معهد التمثيل للشبيبة والرياضة. و«مخالف سعده» اقتبسها البشير سكيرج عن مسرحية L’étourdi لموليير.

وقبل إبداء بعض الملاحظات التي استوحيتها من هذه البداية، وقبل التحدث عن مهرجان المسرح الذي نظمه كتاب المغرب العربي، أريد أن ألخص المسرحيتين المشار إليهما آنفا، لنتخذ منهما منطلقا لمناقشاتنا.

تعرض مسرحية «لعزارا» مشكلة جماعة من الشبان الذين يعيشون منفردين، وهم يواجهون قلق الوحدة، ومشاكل المرأة، ومجابهة الحدود الفاصلة بينهم وبين الزواج. والحدث الأساسي في المسرحية يتصل بأحد أصدقاء هؤلاء الشباب الذي سافر إلى الخارج، وتزوج أجنبية، رغم أنه يعرف عداء أبيه الشديد «للنصارى».. وقد أرسل لهم يطلب منهم أن «يهيئوا» الأب المتشدد لقبول الأمر الواقع.. ومن أجل ذلك يلجأ المؤلف إلى خلق شخصية ساحر هندي، ويحاول من خلال خرافاته، أن يطوع عقلية الأب...
أعتقد أن الملاحظة الأساسية التي تستحق أن تثبت بالنسبة لمسرحية «لعزارا» هي أن المؤلف (وهو المخرج في نفس الوقت) قد حشد كل معلوماته وإمكانياته في رواية واحدة... فجاء الإخراج والأداء خليطا من أفكار المدرسة الكلاسيكية، ومدرسة بريشت، ومسرح الطليعة... وهذا «الشحن» غير المنسق، جعل المسرحية تفقد عنصر التوازن والوحدة، وأحالها إلى مجموعة مناظر متفككة.. يضاف إلى ذلك أن الموضوع اقتصر على طرق فكرة مكررة، هي غلاء المهور. وهو غلاء «معترف» به من لدن الجميع، وله أسباب متجذرة في البنيات المجتمعية، ولا يفيد الوعظ في تغييره.

أما مسرحية «مخالف سعده» فتصور مشاهد من المحاولات التي كان خادم ذكي يقوم بها لمساعدة سيده الشاب على الفوز بحسناء توجد في حوزة تاجر مجاور. وكان هناك شاب آخر يسعى بدوره للتزوج منها... وكلما مهد الخادم الطريق، جاء سيده ليفسد الخطة، ويهدم له ما بنى.. وتستمر هذه المفارقات المضحكة إلى أن يتم الزواج (بطبيعة الحال).

الاقتباس والإخراج موفقان.. ولكن الموضوع مبتذل. بل إنني أذهب إلى أبعد من ذلك، فأزعم بأن موليير قد فات أوانه... وأن مسرحنا يجب ألا يظل مشدودا إلى عجلة موليير. فمنذ 1924 ترجم المهدي المنيعي الطبيب بالرغم منه، وبالبخيل، وطرطيف.. ثم أعيدت ترجمتها فيما بعد عدة مرات، وقدمتها فرقة الإذاعة وفرقة الشبيبة والرياضة.. وحتى عندما شارك المغرب سنة 1956 في مهرجان الأمم بباريس، فإنه لم يجد سوى موليير الذي اقتبس عنه أحمد الطيب العلج «عمايل جحا». أريد أن أقول إننا أكثرنا من استهلاك موليير، وانه قد آن لنا أن نغفله، خصوصا وأن المبررات التي تدفع إلى إعادة تمثيل مسرحيات موليير في فرنسا، ليست متوفرة عندنا. إن موليير لا يشخص ، وإنما لتشخيص عصر برمته، بما كان يشتمل عليه من عادات وتقاليد ومن ألفاظ ذات دلالات خاصة، ومن ملابس متميزة..

غير أن مقتبسي مسرحيات موليير في المغرب، لا يرمون من وراء ذلك إلا إلى الإضحاك.. لقد ترسخ في أذهانهم أن جمهورنا يقبل على الكوميديات المسلية، فاكتفوا بأن يزودوه بالضحك المجاني..

أفبعد هذا لا يكون مسرحنا في أزمة؟

لقد كانت فكرة تنظيم مهرجان للمسرح مبادرة طيبة من اتحاد كتاب المغرب العربي، ولكن الشكل الذي تم فيه المهرجان لم يكن ـ في نظري ـ موازيا لحدة الأزمة، ومتطلبات الدور التوجيهي.. ذلك أن المهرجان كان يفتقر إلى الدراسات النقدية العميقة، وإلى الاستعانة بخبراء أجانب في الميدان.. كما أن النماذج التوضيحية لم تكن ملائمة ولا متنوعة.. فاقتصر المشاركون ـ وجلهم من الممثلين والمخرجين والمقتبسين ـ على ترديد الأسباب التي يرونها أساسا لهذا التدهور المسرحي.. وهذا ما يجعلني أعتقد أن التدهور المسرحي.. وهذا ما يجعلني أعتقد أن المهرجان كان عبارة عن ندوة في «حلقات».
إن أزمة المسرح لا يمكن إرجاعها إلى سبب واحد.. فادعاء عدم وجود جمهور، غير صحيح.. بدليل أن ما يقدم ـ على ضحالته ـ يلاقي إقبالا.. والتأليف لا يستحيل أن يوجد، بل لعل مسرحيات صالحة موجودة، ولكن أنانية مخرجينا تجعلهم لا يكلفون أنفسهم البحث عنها... والاقتباس نفسه يجب أن يخضع لعملية اختيار واعية..

والظاهرة التي تبعث على القلق، هي انقسام الفئة الممتازة من ممثلينا ومخرجينا إلى فئات تشبه «ملوك الطوائف». فكل مخرج يجمع حوله بعض العناصر، ويقدم رواية خاضعة لإمكانياته المحدودة.. وكثيرا ما يتولى الاقتباس والتمثيل... وعدم التخصص في المسرح ينتج عنه ضعف ملحوظ في المسرح. ونحن لا ننسى هنا ضرورة المساعدة التي يجب أن توليها الدولة لحركة المسرح، ولكننا نحمل الفنانين القسط الأكبر من المسؤولية.. لأن المسرح ليس حرفة تمارس بعد توفر الأجواء الملائمة، بل هو فن يسهم في خلق القيم، وتدعيم الثقافة القومية، ومناص له من أن يضطلع بهذه الرسالة وتبعاتها..
وعلى مدى تفهم رجال مسرحنا لهذه الرسالة، يتوقف مستقبل الحركة. ان وضعهم هو كما حددته مقالة نشرت في مجلة افريقيا الفتية:
«... رجال المسرح المغربي موزعون بين الرغبة في إرضاء الكل، وبين الخوف من عدم التوصل إلى ذلك. إنهم ينظرون تارة إلى الماضي وأخرى إلى المستقبل في حين هم يتعثرون في الحاضر، محاولين التوثيق بين تجاربهم المختلفة، وإنجاز إنتاج شخصي أصيل. وأكيد أن الطريق صعب.. إنها نصيب جميع شباب الأقطار التي مسخت شخصيتها في فترات معينة، ثم بعد تحررها أخذت تعمل على الملاءمة بين الجدود، وخلفهم، وذلك بخلق ثقافة جديدة..»(1).

«الداد يزم» اليتيمة
في شهر ديسمبر الفارط، انطفأ تريستان تزارا، مؤسسة حركة «دادا» عن عمر يناهز 67 سنة.. وقد خصصت معظم المجلات الأدبية صفحات للحديث عن الداديزم ومنشئها، وأجمعت على أن هذه الحركة تموت للمرة الثانية، بعدما انتهت سنة 1922..
لقد كان مولدها في مقهى بمدينة «زوريخ» سنة 1916 حيث كان «تريستان تزارا» مجتمعا مع جماعة من أصدقائه الألمانيين والفرنسيين.. وكانوا يبحثون عن اسم لحركتهم، فاتفقوا على أن يفتحوا القاموس ليختاروا منه كلمة ما، ولو كانت بدون معنى.. وصادفتهم كلمة «دادا» Dada فاحتضنوها عنوانا لحركتهم... وهذا المظهر العابث، المخالف للمواضعات الفكرية، طبع «الداديزم» بميسم الاستهتار، والمناوشة، وأحالها إلى بدعة للتسلية.. في حين أن تريستان تزارا وأتباعه، كانوا يهدفون إلى أداء رسالة فكرية مجتمعية، وإحداث تغييرات معينة في روح العصر.
كان اوار الحرب العالمية الأولى مضطرما، والعالم يبدو وكأن الزمام قد أفلت من يد قادته الروحيين والزمنيين على السواء.. والأفكار العديدة، المتعارضة التي تمخض عنها القرن التاسع عشر تتصارع في حدة (الرأسمالية + البرجوازية + الاشتراكية + الشيوعية)؛ في هذه الفترة كان لينين موجودا أيضا بمدينة زوريخ يهيء ثورة أكتوبر 1917، ولكنه كان يقول عن المذاهب الأدبية الجديدة إنني أجهل كل ما ينتهي بـ (Isme). وكان المذهب الواقعي مايزال يحتفظ بنفوذه بعد أن تحول إلى اتجاه طبيعي على يد إميل زولا..
في هذه الفترة بالذات كان تريستان زارا وأصدقاؤه يشعرون بأزمتهم المتمثلة في الإحساس بالعجز، وبالعزلة أمام مجازر الحرب.. المثقف يشعر

 

(1)Jeune Afriques”, 22 – 12 – 1963.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here