islamaumaroc

تاريخ حملة البرتغال على المغرب في المصادر البرتغالية

  دعوة الحق

66 العدد

ظل البرتغاليون على عهد ملكهم «جواو الأول» مشغوفين بمثل الفروسية وقصص الأبطال ومقبلين على تقديس المقاتلين في سبيل الدين والوطن. وكان لهذا الملك ثلاثة أبناء يرغبونه في تدريبهم على القتال والتبريز فيه فاستقر رأيه بعد تفكير طويل على غزو المغرب فكانت البرتغال أول الممالك النصرانية اعتداء على بلادنا بشروعها في حملة الفتح بالاستيلاء على سبتة باعتبارها تسيطر على المدخل الغربي إلى البحر الأبيض المتوسط، ونظرا إلى أن احتلالها سيحول دون اغارات السفن المغربية على سواحل إسبانيا والبرتغال وأسرها للمراكب النصرانية العاملة في البحر المتوسط والبوغاز والمحيط جميعا. ثم إن التجارة كانت رائجة في سبتة التي يجب أن يصبح احتلالها استمرارا منطقيا للحملة الصليبية التي أدت قبل قرن ونصف إلى طرد المسلمين من بلاد البرتغال.
وأخذ «جواو الأول» يجيش الجيوش ويجمع المراكب بعد أن التزم بتسديد تكاليف الحملة من ماله الخاص مخافة أن يؤدي طلب الاعتمادات من مجلس «الكورطيس» إلى افتضاح السر الذي أحيطت به كل الاستعدادات التي بلغت درجة أقلقت الدول النصرانية المجاورة حتى أرسلت سفراءها إلى ملك البرتغال الذي أكد لهم أنه لا يضمر لأقطارهم شرا.
وحدث لما كان الأسطول جاهزا لمغادرة لشبونة أن ظهر فيها الطاعون فأهلك عددا كبيرا من الناس حتى أصاب الملكة «فيليبا» التي كانت تستعجل زوجها وأبناءها لمواصلة الحملة. وغادر الأسطول العاصمة يوم 23 يونيه عام 1415 والوباء لا يزال متفشيا فيها. وبلغ سر هذه الحملة أن معظم رابنة السفن وقادة الجيش لم يكونوا يعلمون عن حقيقة الوجهة التي سيولي الأسطول وجهه شطرها.
وكان الملك يعتزم مهاجمة سبتة أواسط شهر أغسطس فأمر السفن بالاتجاه نحو الجنوب حيث هبت على الأسطول رياح معاكسة ألزمته بالتوقف على مقربة من جبل طارق، ولم يصل اليوم العشرون من هذا الشهر حتى أصدر الأمر فجأة إلى المراكب بأن تولي وجهها شطر الجنوب فاجتازت البوغاز بسرعة وأنزلت الجنود على مقربة من المدينة. وقد فوجئ المغاربة بهذا النزول فلم يكن دفاعهم قويا لأنهم لم يتمكنوا من جمع القوات الكفيلة برد ذلك الجيش العرمرم. وكان الأمير «هنريكي» مع المقاتلين في الفصيلة الأولى التي دخلت سبتة فرفع علم البرتغال على أسوارها. وقد غنم الجنود غنائم كثيرة في هذا الفتح لأن سبتة كانت على اتصال تجاري بالعالم الإسلامي كله ومع جزر الهند الشرقية أيضا.
ولما انتهت أعمال النهب أمر الملك بإعادة معظم الجنود إلى بلادهم، اذ لم يترك بسبتة إلا حامية قوامها ثلاثة آلاف رجل أسند قيادتهم إلى «بيدرو دي مينيسيس»، وقد حاول المغاربة استرداد هذه المدينة المحصنة بعد ثلاثة سنوات فلم يكتب النجاح لتلك المحاولة لأن الأسطول البرتغالي سارع إلى اجتياز المضيق وإمداد الحامية امدادا مكنها من الصمود أمام الهجومات المغربية كلها.
واعتبر الأمير «هنريكي» وأبناء جيله أن فتح سبتة يجب أن يصبح بداية عصر جديد في تاريخ البرتغال وأنه مطوق بأداء رسالة تاريخية عظمى فأعرض عن التفكير في الزواج والركون إلى حياة الأسرة والقصر، وقد كان له ذكر خالد في تاريخ بلاده حيث اشتهر بلقب «الملاح» لقيامه على تخطيط برامج الفتح والاستكشاف وتوجيه الإرساليات.
وإذا كان عهد «جواو الأول» في الملك قد استمر ثمانية وأربعين عاما وانتهى في السنة الثالثة والثلاثين من القرن الخامس عشر فقد خلفه الملك «دوارطي» الذي لم يزاول السلطة إلى مدة خمس سنين اقتنع في أواخرها بالنتائج لاحتلال سبتة قبل عشرين عاما. فإذا كان موقعها هاما للغاية فإن احتلالها قد أصبح حملا اقتصاديا ثقيلا لأنها فقدت أهميتها التجارية التي كانت لها من قبل ولن يخفف من تكاليفه على الخزينة إلى احتلال مدينة طنجة أيضا، خاصة وأن أطماع مملكة قشتالة لم تعد مقصورة على الجزر الخالدات، بل أصبحت تطالب بالمغرب كله منذ حين، وهذا أمر ما كان للبرتغال أن تقبله بأي حال. وكان ضعف السلطة المركزية في المغرب آنذاك مما أغرى البرتغاليين بالاستيلاء بسهولة على طنجة ليعززوا مكانة سبتة وليسبقوا القشتاليين في نفس الوقت أيضا. ثم ان الامير «فرناندو» وهو أصغر أنجال الملك كان حريصا على المشاركة في فتح طنجة بعد أن لم تكتب له المساهمة في اغتصاب سبتة لحداثة سنه آنذاك.
واستشار الملك أهله ومجلس «الكورطيس» في هذا الأمر قبل أن يعقد قيادة الجيش للأميرين «هنريكي» و «فرناندو» اللذين أمرا في شهر أغسطس سنة 1437 بإنزال الجنود في سبتة ليسيروا منها برا إلى طنجة تحت حماية الأسطول القريب من الشواطئ. ولما رأى الأميران أن المدينة على استعداد لمواجهة هجومهما أمرا القوات بأن تعسكر في مكان لم يكن قريبا من الساحل فكان ذلك خطأ عسكريا كبيرا اذ أصبح الأسطول عاجزا عن حماية الغزاة. وقد دارت معركة مريرة استمرت سبعة وثلاثين يوما اضطر البرتغاليون في أعقابها إلى الاستسلام بعد أن حاصرهم الجيش المغربي القوي من كل جانب. وقبل الأميران شروط الاستسلام المفروضة عليهم حتى لا يمس الأسرى أي مكروه. وكانت هذه الشروط تقضي بتسليم سبتة وببقاء الأمير «فرناندو» أسيرا في أيدي المغاربة الغالبين إلى أن ينفذ هذا الاتفاق.
وكان لنبأ هذه الهزيمة الكبرى صدى بعيد في البلاد البرتغالية كلها، فقد جمع الملك المجلس «الكورطيس» لاستشارة أعضائه واستفسارهم عما إذا كانوا يقبلون إعادة سبتة إلى المغاربة أو يؤثرون بذل تضحية مالية كبرى لافتكاك الأمير الأسير. وقد اختلفت الآراء في هذا الاختيار، أما الأمير «هنريكي» فقد دعا إلى استعمال كل الوسائل لأداء فدية أخيه باستثناء التخلي عن سبتة... وكانت النتيجة أن الملك قد توفي قبل أن يقرر شيئا فخلفه في العرش ولده «الفونسو الخامس» بعد فترة الوصاية، وأن الأمير قد ظل في الأسر إلى أن هلك في أحد السجون المغربية.
وعزم الملك عام ثمانية وخمسين وأربعمائة وألف على القيام بحملة أخرى على المغرب لاحتلال بلدة القصر الصغير عند البوغاز فاستدعى عمه الأمير «هنريكي» للمشاركة فيها رغم تقدم سنه لخبرته بالشؤون المغربية. وقد اضطر المغاربة إلى الاستسلام بعد حصار شديد فأكرهوا على مغادرة تلك البلدة الشاطئية الصغيرة التي لم يتركوا فيها الا الأسرى النصارى الذين كانوا معتقلين في قلعتها.
وعرف «الفونسو الخامس» بلقب «الافريقي» لأنه قصر أعماله الحربية على المغرب حيث حقق بعض الانتصارات. وشجعه اغتصاب القصر الصغير على البحث عن فتوحات أخرى، وخاصة بجوارها، فحاول الاستيلاء على طنجة سنة أربع وستين وأربعمائة وألف ومني بهزيمة كبيرة صرفته خلال بضعة أعوام عن التفكير في مواصلة هجوماته على المغرب. وحدث في السنة الحادية والسبعين من القرن الخامس عشر أن نشبت حرب أهلية ببلادنا فوجدها ملك البرتغال فرصة مواتية واجتاز البوغاز في جيش عرمرم استولى على أصيلا ثم طنجة بعد أن تغلب على المقاومة المستميتة التي أبداها الجنود المغاربة. وقد ظلت طنجة في قبضة البرتغاليين إلى أن سلمها ملكهم «الفونسو السادس» إلى «تشارلز الثاني» ملك انجلترا في السنة  الحادية والستين من القرن السابع عشر باعتبارها من مهر أخته فمكثت تحت السيطرة البريطانية ثلاثة وعشرين عاما قبل أن يسترجعها المولى اسماعيل. وأصبحت مدينتا أزمور وآسفي تعترفان بسيادة «ألفونسو الخامس» عليهما، ونجح هذا الملك في استرجاع جثمان الأمير «فرناندو» مقابل الإفراج عن بعض الوجهاء المغاربة الذين وقعوا في أسره، فنقل جثمانه في حفل مشهود إلى البرتغال حيث دفن بدير مدينة «باطايا» التاريخية.
وظهر  خلال بضعة أعوام من عهد الملك «مانويل الأول» الملقب بـ «السعيد» أن البرتغال كانت بصدد تأسيس امبراطورية لها بالمغرب، فقد كانت تحتل خلال القرن الخامس عشر مدن سبتة والقصر الصغير وطنجة وأصيلا في الشمال بينما كانت مدن أخرى على  المحيط تقبل أداء الجزية. ثم دخلت آسفي في حكمهم كبقية المدن الأخرى بعد أن كانت قد احتفظت بشيء من استقلالها الإداري على عهد «الفونسو الخامس»، إذ لم تحل السنة الثامنة من هذا القرن حتى استقرت بها حامية برتغالية فشيدت حصنا كبيرا بوسط المدينة. وعلينا أن نقول أن حكم البرتغاليين للجديدة قد دام مائتين وستين عاما تقريبا، اذ لم يكتب افتكاكها إلا في السنة الثانية من القرن الهجري الثاني عشر على يد السلطان مولاي محمد بن عبد الله رحمه الله.
وقد أراد ملك البرتغال أن يتخذ هذه المدن الشاطئية قواعد لتوغل جيوشه داخل البلاد، فكان أول ما قام به احتلاله لمدينة أزمور التي كانت تحت السيطرة النظرية للبرتغال من قبل فجعلت تماطل في أداء الجزية. وقد تم احتلال هذه المدينة في السنة الثالثة عشرة من القرن السادس عشر بعد أن جلا المغاربة عنها. أما العمل العسكري الجريء الذي أقدم عليه البرتغاليون فقد حدث في السنة التالية عندما قامت فصائل برتغالية بهجومها المباغث على مدينة مراكش بعد أن اقتفت مجرى نهر «تنسفت»، إلا أن المغاربة قطعوا الطريق على البرتغاليين الذين نجحوا مع ذلك في الانسحاب دون أن تلحق بهم خسائر كبيرة. وكان للبرتغاليين عون مغربي يسمى «ابن طوفافة» فأدى اغتياله سنة 1518 إلى  انهيار الامبراطورية البرتغالية التي برز في إقامة قواعدها والتمكين لنفوذها. فقد كان قسم هام من بلادنا خاضعا للسيطرة البرتغالية أو يؤدي الجزية لقادتها. وكان اغتيال ذلك المتعاون وهلاك «نونودي اطايدي» قائد قوات الزحف على مراكش في طليعة الأسباب التي ذهبت بآمال الملك «مانويل الأول» في إقامة امبراطورية برتغالية بالغرب تكون جديرة بالفتوحات التي حققتها قواته بالشرق. وتوفي هذا الملك في السنة الحادية والعشرين من هذا القرن بعد أن حكم البرتغال ستة وعشرين عاما وجعلها أول البلاد التي أسست الإمبراطوريات العالمية الحديثة.
ولما توفي «مانويل الأول» آل الملك إلى «جواو الثالث» الذي حكم البرتغال ستة وثلاثين عاما أخذ نفسه خلالها بالمحافظة على الإمبراطورية كيف ورثها بعد أن تيقن من عجزه عن توسيع أطرافها. وقد نصحه بعض مسشاريه بالانسحاب عن آسفي وأزمور للتخفيف من التكاليف المالية الناتجة عن احتلالهما، إلا أنه انساق لأقوال بعض المتعصبين الداعين إلى ضرورة الصمود مهما كان الثمن. وقد طلب المعونة المالية من صهره «كارلوس الخامس» ملك إسبانيا فعجز عن تقديمها إليه لأن حالة الخزينة الإسبانية لم تكن أحسن من حالة الخزينة البرتغالية.
وكان ساعد السلطة المركزية المغربية قد اشتد في هذه الأثناء فلم يكد رأي «جواو الثالث» يستقر على القتال حتى عاجله المغاربة بالهجوم فجعلوا يهددون كافة المراكز البرتغالية تهديدا ألزم الغزاة بالانسحاب عن آسفي وأزمور أولا، ثم عن القصر الصغير وأصيلا بعد أن دكوا كل واحدة من هذه المدن دكا، وأسف الملك على هذه الخسائر المتوالية أسفا عظيما حتى اعتبر نفسه خائنا للبرتغال وللنصرانية جمعاء فأرسل إلى البابا متوسلا أن يجود عليه بعفوه وغفرانه. وهكذا أصبح الوجود البرتغالي في المغرب مقصورا على طنجة وسبتة.
ولما توفي الملك سنة سبع وخمسين وخمسمائة وألف اعتلى العرش «سيباستيان» الذي اشتهر بلقب «الملك الفارس الشهم» لأنه أخذ على نفسه عهدا ببعث عظمة البرتغال وبالإشراف شخصيا على سائر برامج الدولة. وكانت البرتغال قد اقتنعت على عهد جده الملك «مانويل الأول» بضرورة الإقلاع نهائيا عما تبقى لها من مصالح في المغرب، إلا أن «سيباستيان» قد قرر استئناف المغامرة معرضا عن الاستماع لآراء مستشاريه الذين كانوا ينصحونه بالتزوج حتى يخلف ولدا يتولى العرش من بعده. ولما بلغ سنه العشرين عام أربعة وسبعين وخمسمائة وألف زار المغرب فاشتبك مع المغاربة في مناوشات بأحواز المدينتين الأسيرتين عند البوغاز عاد على إثرها إلى البرتغال وقد صح عزمه على استئناف الحملة الصليبية على بلادنا.
وأعد «سيباستيان» جيشا قويا استكتب له عددا كبيرا من المرتزقة الأجانب لما رأى الحرب الأهلية بالمغرب وجاءه استنجاد الفئة الضالة به. أما خاله «فيليبي الثاني» ملك إسبانيا فقد وعده بعون طفيف بعد أن نصحه بعدم الإلقاء بنفسه في هذه المغامرة الخطيرة. ولما حل شهر يونيه سنة 1578 غادر الأسطول ميناء لشبونة وهو يحمل عشرين ألف رجل كان ما يزيد تقريبا على نصفهم من المرتزقة الألمانيين والهولنديين والبلجيكيين والإيطاليين والإسبانيين.
وتقول كتب التاريخ البرتغالية أن السلطان مولاي عبد الملك قد تخوف أول الأمر من مواجهة هذا الجيش العرمرم فجعل يتراجع تراجعا منظما محكما ليبتعد بالجيش البرتغالي عن قواعده في سبتة وطنجة أولا، وليرغمه على التوغل فيما وراء مدينة أصيلا توغلا ينهك قوة الجنود واحتمالهم فيما بعد. وفجأة هجم المغاربة يوم خامس أغسطس على الجيش البرتغالي عند وادي المخازن بالقرب من مدينة القصر الكبير فلم تكد الشمس تغيب حتى كان الملك سيباستيان قد قتل ولم يبق من جيشه القوي إلا مجموعات صغيرة من الجنود الفارين الذين يتسللون لواذا نحو الشاطئ طلبا للنجاة.
وفقدت البرتغال ملكها وجيشها بالإضافة إلى الأموال الكثيرة التي دفعتها لافتكاك المآت من النبلاء والأعيان الذين وقعوا في قبضة المغاربة، فقد تراوحت فدية كل واحد منهم بين خمسة آلاف وستة عشر ألفا من «كروزادوس» حتى أن عددا من الأسر الغنية أصبحت تشكو الفقر والحاجة من جراء ما أنفقته للإفراج عن أفرادها الأسرى. ولم تقف عواقب هذه الهزيمة عند ما ذكر، بل ان البرتغال قد فقدت استقلالها بعد عامين لما آل الملك فيها بحكم الوراثة إلى «فيليبي الثاني» ملك إسبانيا الذي عرف في تاريخ البرتغال باسم «فيليبي الأول». وقد ظلت البرتغال خاضعة لإسبانيا ستين عاما تعاقبت عليها خلال هذه المدة ثلاثة ملوك إسبانيين هما «فيليبي الثالث» و «فيليبي الرابع» بالإضافة إلى «فيليبي الثاني» السالف الذكر. ولم تسترجع البرتغال استقلالها إلا في السنة الأربعين من القرن السابع عشر، إلا أن الحرب استمرت أعواما طويلة على الحدود بين الدولتين المتجاورتين. أما معاهدة الصلح فقد أبرمت بلشبونة أوائل سنة 1668 حيث اعترفت إسبانيا باستقلال البرتغال مقابل بقاء سبتة تحت السيطرة الإسبانية...

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here