islamaumaroc

الخوف والتربية الحديثة

  الحسين وجاج

11 العدد

* إن علماء النفس غير متحدين في إطلاق الغريزة على كلمة الخوف إطلاقا واضحا وصريحا، ففي الوقت الذي نرى البعض منهم يتحدث عن الخوف كعنصر وجداني ملازم للغريزة التي هي الهرب لديه بدل الخوف، بحيث لا يتكلم عن الخوف إلا باعتباره الحالة الوجدانية التي تصحب الهرب، نرى البعض الآخر يخالفه في الرأي فيطلق الغريزة على الخوف، معتبرا الهرب سلوكا يرمي إليه الخوف عند وجود المثير. 
وأظن أن الرأي الأخير أوضح من الرأي الأول، لكون الخوف هو الناحية الوجدانية المسيطرة على نواحي الغريزة وقت الهرب، كما انه الموجود دائما عند ظهور المثير الخارجي، أما الهرب فقد لا يحصل في بعض الاحايين، ويقع ذلك حينما يتوجه سلوكنا من انفعال الخوف إلى الصراخ أو البكاء أو مجرد تغير أحوال الجسم، كإضراب القبل واصفرار الوجه وارتعاد الفرائص وغير ذلك.
وعلى كل فنحن نرى الإنسان ينفعل عند وجود بعض مثيرات الغرائز التي فطر عليها، فيغريه هذا الانفعال باتخاذ سلوك يظنه ملجأ ومنقذا من تيار الغريزة الجارفة، مثل غريزة الخوف التي تحتل المنزلة الثانية بين الغرائز، والتي هي أقواها وأشدها أثرا في حياة الإنسان، إذ هو يرغمه على توقي الضار ويدعوه على التخلص بكل وسيلة ممكنة من مواقف الخطر، على أن الخوف متأصل في الإنسان، يصحبه من أيام طفولته إلى أن يسلمه على القبر المخيف، وهو يتصادم مع الغرائز الأخرى كالغضب وحب الاستطلاع والميل الجنسي، فتمنعه من الظهور تماما، أو تكون على الأقل سببا في التردد.
ولقد أزالت هذه المدنية الحديثة التي يتمتع بها الإنسان في الوقت الحاضر كثيرا من أسباب الخوف التي كان الإنسان المتوحش يخاف منها من قبل، ولكنها أوجدت أسبابا أخرى يخاف منها المتمدن رغم ثقافته الواسعة وتضلعه في العلوم، فهو يخاف من الأمراض والميكروبات كما كان المتوحش يخاف من الرعد والبرق والكسوف والخسوف ونحوهما.
وعلى هذا فالخوف غريزة وراثية ملازمة للإنسان في مدنيته ووحشيته، يخاف على نفسه وعلى ملكه، ومن الأوهام التي يتخيلها كما يخاف من الفقر والصعلكة وكبر السن والموت، فهو عبد للخوف حتى يزور اللحد المنتظر.
وقد يصل الخوف مرتبة الوجل المميت، أو يرغم الإنسان على الجري السريع المؤذي بالحياة، فهو الغريزة الوحيدة التي لها السيطرة التامة في اثارة جميع الأجهزة الجسمية، وحمل الإنسان على القيام بما يعجز عن القيام به في أحواله العادية، فهو يؤثر في الإنسان من ناحيتين، إما أن يحمله على السكون والانزواء فتقل ضربات القلب، وإما أن يدعوه إلى الحركة والجري فتزداد، وفي تغلب كل ناحية على الأخرى ما لا تحمد عقباه من هلاك متوقع وموت محقق وكثيرا ما يفقد الإنسان شعوره عند انبعاث غريزة الخوف، فيعتريه جنون أو مرض عصبي، يجعله يخاف كل شيء مهما كان حقيرا غير ضار.
وتظهر آثار الخوف منذ عهد الطفولة الأولى، وأظن أن الذي يتمتع بلقب الأبوة يشاهد طفله وهو في الشهر الأول من حياته يرتعد نتيجة خوفه من بعض الأصوات المرتفعة، كما يرى بعينيه على طفله آثار الخوف من الوقوع إذا لم يحمل بعناية تامة.
ولكن هذا الخوف سرعان ما يزول بعد بضعة أسابيع، نظرا لما يشاهد على الطفل كذلك من حب شديد تعلوه رغبة ملحة في أن تتناوله الأيدي وتقذف به في الهواء ثم تتلقاه منطلقا من القيود الخوفية المتينة، أضف إلى هذا ما يتمتع به من جرأة فائقة وإقدام غريب بعد ما يكبر ويصبح قادرا على المشي، حينما يحب أن يرمي بنفسه من فوق كرسي وغيره من الأشياء المرتفعة ارتفاعا نسبيا، وعندما يكون الطفل بين الثالثة والرابعة من عمره تبلغ غريزة الخوف أشدها، ويقوي خيال الطفل فيجني عليه بتصور مالا وجود له البتة من الأشباح المخيفة، أو بالخطإ في تأويل ما يرى في الظلمة أو في الضوء القليل، لقلة بروزه أو بعده عن بؤرة الشعر.
والخوف الشديد الذي يظهره الأطفال من أحدهم إذا تربى بزي غريب مع كونهم يعرفون القائم بتلك المثيرات، ويدركون أن غرضه في ذلك ليس إلا محض لعب وتسلية، يدلنا على أن الخوف فطري فيهم غير مكتسب.
على أن الخوف يضعف على مر الأيام بمقدار كثرة تجارب الطفل وغزارة علمه بما يحيط به، وإذا كان من المستحيل مفارقة الخوف لبني الإنسان، فهو يتعدل ويتحول إلى خلق نافع كالحزم والحذر وأخذ الحيطة للمستقبل، على أن أحسن أنواع الخوف ذلك النوع الناشئ عن ضمير حر، وصادر عن نفس أبية تخاف القبح لقبحه، بقطع النظر عما يترتب عليه من العقاب.
ولا يمكن أن يتصف بهذا النوع من الخوف وهو الخوف الأدبي إلا الإنسان الذي يتمتع بنصيب وافر من الرقي الفردي والتقدم الاجتماعي، لأن هذا النوع لا ينتشر بين الأفراد إلا إذا اتسعت دائرة علومهم ومعارفهم، وكثرت وسائل الأمن لديهم، وعرفوا أن هناك قوانين يخضع لها المواطنون سواسية، اذ ذاك يضعف الخوف الغرزي، ويقوي الخوف الأدبي الذي بانتشاره يقوي شأن المجتمع وتعلو منزلته الأدبية.
وللخوف الغرزي مثيرات توقظه من سباته، فالمسموعات والمبصرات الغربية، كثيرا ما تثير الخوف وتبعثه لغرابتها وقوتها، مثل أصوات الريح المرتفعة، وصوت الرعد، كما أن بعض الأطفال يخافون من بعض المرئيات المنزلية كالقطط والكلاب إذا قربت منه ولو كانت لا تنوي الاضرار بهم، وليست الظلمة أقل من المسموعات في إثارة الخوف في الإنسان، بل هي من الأشياء الغربية التي توقظ هذه الغريزة أيضا.
وللأحلام المزعجة القدح المعلى في إثارة الخوف عند الطفل، إذ كثيرا ما تستولي عليه هذه الأحلام التي ليست إلا مجرد أفكاره المخيفة وذكرياته التي هي من آثار تجاربه الحقيقية أو أوهامه الخيالية الحافلة بسير العفاريت.
وبما أن الخوف من الغرائز القوية يجب على المربين أن يعتنوا به اعتناء متزايدا، وينظروا إذا كان من الممكن استخدامه والانتفاع به في ميدان التربية والتعليم، كما يجب عليهم أن يعلموا ما إذا كان من الضروري تشجيع هذه الغريزة أو إضعافها، حتى تكون مفيدة للنشء الذي تتطلب منهم التربية الحديثة بذل مجهودات جبارة في سبيل اصلاحه وتدريبه وتثقيفه وتعديل غرائزه.
وإذا كانت التربية الحديثة تحبذ دفع الخوف عن الطفل، فمن واجب المربين-قبل تفكيرهم في الأسباب التي تزيله وتدفعه- أن يبحثوا في الخوف نفسه، ليعلموا الخوف المضر فيجتهدوا في دفعه، كما يجتهد الطبيب في دفع المرض عن المريض، والخوف النافع فيشجعوه وينموه كعامل من عوامل التربية التي تصلح الإنسان وتعينه على النجاح في أطوار حياته.
هذا وقد اتضح بعد البحث المتواصل أن الخوف الذي يضر هو الخوف الشديد الذي يتجدد عند رؤية الطفل أي شيء مخيف مهما كان صغيرا، والذي يضعف الجسم، ويحدث البلادة وسوء الأخلاق، ويجعل الإنسان شقيا وجبانا متقاعدا قليل المنفعة وضيع المنزلة إلى غير ذلك من الأوصاف القبيحة التي تأبى التربية الحديثة انتشارها في القرن العشرين.
أما الخوف الضعيف المعقول، والذي يدعو الى الرزانة والتبصر في الأمور، فهو خلاف الخوف الشديد، يجب تشجيعه حينما يبلغ الطفل السن الكافية والمنزلة العقلية المناسبة، كما تشجع في الطفل غريزة حب الإطلاع.
هذا وأول ما يجب على المربين الذين ينشدون أسباب دفع الخوف عن الطفل، أن لا يلجأوا إلى تخويف الأطفال إلا عند الضرورة، ثم إذا اضطروا على التخويف يجب عليهم أن يرعوا ما استطاعوا في إزالته، وإيجاد روح التقة في نفوس الأطفال حتى لا يطول عليهم الأمد فينشأوا على الجبن والذلة.
ومن الأسباب المعينة في دفع الخوف عن الطفل، فرض مراقبة صارمة على الأطفال، حتى لا يختلطوا بمن طبعوا على الخوف والوجل، لتأثرهم السريع بقرنائهم الذين يخافون، فكما يخاف الطفل عند رؤية الأشياء المخيفة أو عند تخيلها يخاف أيضا عند ما يخاف صديقه الذي رأى وتخيل أحد المثيرات.

* هذا ومن الخطأ الفاحش-ونحن نحاول دفع الخوف عن الطفل- أن نردعه في كل مناسبة أو نسخر من أعماله أو نتهكم بمجهوداته، خصوصا إذا كان يصدر منا كل هذا على مرآى ومسمع من زملائه وأصدقائه، إذ ليست السخرية والتهكم والازدراء إلا سلاحا يتسلح به من يحب قتل شخصية يحتقرها بطريق غير مباشر، والتربية الحديثة تحاول كل من يريد إصلاح الأفراد بهذه الوسيلة الرذيلة، وتطلب منه أن يصلح بالتي هي أحسن.
ولا يجمل بنا كذلك أن نقص على الأطفال الحكايات الخرافية التي يرد فيها ذكر العفاريت والجان وأعمالهم الغربية، كي لا يتجه خيالهم إلى ناحية مخيفة ضارة به، بل الواجب علينا بدل هذا، أن نقص عليهم قصص الأبطال والشجعان، ونسرد عليهم سير الأولاد المستقيمين الذين يثابرون على أعمالهم الحسنة، لنبعث فيهم روح المنافسة الشخصية وندعوهم إلى الإقدام.
كما لا يجمل بنا أن نتغاض عن أقوال الطفل، أو ألا تعبأ بما يظهره من الخوف، وما يقصه علينا من خيالاته وأوهامه، بل ينبغي لنا أن نتفاهم معه، ونحاول أن نقنعه بأنه مخطئ فيما ظنه مخيفا، ثم نجتهد في إزالة كل ما يكون سببا في خوفه، بأن نعرض عليه ذلك الشيء أو نحرضه على الذهاب إليه أو رؤيته وغير ذلك مما هو أدعى إلى زوال الخوف عنه، إذ مما لا شك فيه أن من الأسباب التي تدعو إلى زوال الخوف من الأشياء المخيفة، أن يقرب الإنسان منها ويحاول لمسها ويسلك معها نفس الطريق الذي كان يسلكه من قبل، حتى تتغير وجهة نظره نحوها، وتتكون عنده عادة الإقبال عليها، فيزول الخوف منها وتصير عنده كالأشياء المألوفة التي لا تزعج ولا تثير الخوف.                       
وأفضل طريقة لتبديد مثيرات الخوف عن الطفل، هي تلك الطريقة التي سلكها (روسو) حينما قام بمحاربة الخوف عن طفله : ايميل. تلك الطريقة كلها ممثلة في عرض الأشياء الغربية تدريجيا على الطفل ليألفها ويشب جسورا لا يخاف.
على أن المربين في الوقت الذي ينادون بطرد الخوف عن الطفل، ينادون كذلك بتعديه حتى يكون صالحا للإنسان، إذ كثيرا ما يحمله على النجاح في أعماله خوفه من ألم الفشل، أو من تهكم الأعداء الذين يودون الإيقاع به في نفسه وأخلاقه وكرامته.
كما أن أخلاقه قد تكون عرضة للفساد إذا لم تكون محصنة بالخوف المعتدل، ذلك الخوف الذي ملأ المصلحين غيرة على أممهم، وجعلهم يتحملون كل مكروه في تنفيذ إصلاحات يرونها مناسبة ومفيدة للإنسانية وضامنة كرامتها وكيانها.
لهذا يجب على المدرسة أن تبدد مثيرات الخوف الغرزي، وتقوي الخوف الخلقي النافع، كما يجب على المدرسين أن يعلموا أن إرهاب الأطفال من اكبر الأسباب التي تؤدي إلى قطع العلاقات الروحية التي ينادي المربون بوجوب إيجادها بين المدرس والتلاميذ. وعليهم أن يعلموا أن الخوف-رغم استعماله في العصر القديم كوسيلة يستمر بها انتباه التلاميذ- وما يزال من أشد العوائق التي تعوق الأطفال عن إدراكهم للحقائق من جهة، وإبراز ميولهم ومواهبهم من جهة أخرى.
لهذا يرى التعليم الحديث وجوب طرده عن الطفل وتعويضه بمختلف المشوقات التي تجذب انتباه التلاميذ، وتجعل التعليم جذابا ومحبوبا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here