islamaumaroc

ميدان العمل

  دعوة الحق

66 العدد


وقفت عند هذا العنوان كما يمكن ان يقف كل مغربي - حائرا مترددا متفائلا متشائما ومتسائلا عما إذا كان هنالك ميدان وحيد للعمل في هذا المغرب الحبيب أو ميادين أعمال عديدة شاغرة تتطلب من همم الرجال انا تتدارك فراغاها فتعمل جاهدة لملء هذا الفراغ. وانتهيت من بعد الحيرة و التردد بشيء من يقين إلى انه ليس هنالك من ميدان وحيد للعمل مكثف بموجوداته من رجال و اموال و انما هي ميادين أعمال كبيرة على الحصر لم يفكر احد في ملئها بله استغلالها لا تطالها يد مغربية لانها لم تملك عليها بعد اليد الطولي من علم و فن وتجريب.
وهنا وجدتني بين مفهومين اتننين متعارضين ينتهيان من بعد حلهما الى تعيقد و من بعد النظر المتفائل جدا إلى نظر آخر مفرط في تشاؤمه فلو شئت  أتفاءل لقلت بلسان المتفائلين هي «ميادين أعمال» عديدة ارتادها الناس جميعا بما اوتو من ذكاء وموهبة وعلم و فن، يتنافسون - متحاين- لخدمة الصالح العام الذي لا يعني بحال من الاحوال هضم الصالح الخاص ولا المساس به البتة.
هي ميادين حرة لا حق لاحد ان يتضايق فيها من احد او يحسده على علم اوتيه او معرفة اكتسبها او ذكاء فطر عليه او فن مهر فيه.
هي ميادين خير من حق مرتاداها على الأمة  تشجيعة و تقديمه و تاهيله لما هو اهل له لانه خير على الأمة كلها أفرادها و جماعاتها.
هي ميادين فلاح لا يحق لنا انا نتضايق من مرتاديها او نتبرم بظلالهم لان ذلك لا يليق بامة تحترم نفسها و كرامتها و لن امتال هدا الظلال قليلا ما يجود  بها الزمان فهي ظلال و أرفة وسط جحيم الجهلة و سعير الأمية.
  أن العليم العارف الذكي المفتي رجل الأمة وضالتها المنشودة يرتاد الميادين ليمل منها فراغا او يكمل فيها نقصا او يرتق لها صدعا او يترك فيها ذكرا.
ولو شئت امضي متشائما لقلت بلسان المتشائمين
هو «ميدان عمل وحيد» معمور يكاد يضيف بأفراده الذين سبقوا اليه، فهم فيه الى ما شاء الله.
هو ميدان مقصور على طائفة من الناس يعرفون  أصول تسييره و توقيفة ومن العسير جدا على غيرهم ان لم يكن من المستحيل عليهم ولوج هدا الميدان.
هو ميدان شر على مافيه من خيرات و أموال وبركات لما يجر وراءه من معقبات منهمكة ومسؤوليات جسيمة و قلق كبير ليس له من سبيل الى راحة بال او هدوء ضمير.
هو ميدان فقر و بؤس يخرج الخارج منه كما دخل إليه أول مرة بائسا محروما ان لم يزده ذلك بؤسا إلى بؤسه و شقاء الى شقائه.
و العقلاء من الناس من يعرفون ذلك و يكتفون  بالسماع عن التجريب ويتركون هدا الميدان الموحش
«لأربابه» الذين يفضلون المضي في «التضحيات» غير ضانين بها على اخوانهم الآخرين.
والحقيقة انه من الصعب  على انسان يرى العمل جهدا بدنيا و عقليا مبذولا بوعي من اجل الا نتاج والازدهار ان يجنح بسهولة الى هذا الرأي و يصدق مزاعم هؤلاء المتشائمين عن ميدان العمل الوحيد فليس حقا ما يزعم هؤلاء من ان ابواب العمل قليلة وظروف البطالة كثيرة اذ في وسع كل انسان أن  يبذل جهده بوعي في ميدان العمل البدني اذا كان محدود الثقافة والعلم ويبرع في ميدان اختصاصه كل صاحب فن في النحت فن النحت أو البناء أو الخياطة أو الحياكة أو الحدادة أو النجارة لا يضيق بأحدهم ميدانه بل تجده دائما في حاجة ماسة  واكيدة إلى «متعلمين» جدد تزداد الحاجة اليهم مع زيادة المهارة وازدهار الرواج.
 إن لكل إنسان الحق في إن يبذل جهوده الواعية في سبيل الإنتاج والازدهار، وبذل الجهد الواعي يفتح له أبواب العمل الكثيرة وينوع أمامه فرص الاشتغال و الافتنان المتعددة ذلك لان العمل يخلق العمل و الجهد يستدعي الجهد إلى غير نهاية .
وانك لتجد من بين هؤلاء العاملين المحدودي الثقافة والعلم من يتساءل في سذاجة بريئة عن مصير هذه الجمهرة الفقيرة من أبناء الوطن المقبلة على مدارس التربية ومعاهد التعليم صباح مساء، ويخامره شك مريب في اتساع أبواب الإدارة لجميع هؤلاء «المتعلمين» وانه إذا كان بالإمكان التماس العذر لمن فهم هدا الفهم فانه ليحق لنا ان نهزأ ساخرين ونسخر هازئين من أنصاف المتعلمين الذين يبدون نفس التساؤل و يرددونه زاعمين ميدانا وحيدا، ثم يطمئنون بعد ذلك إلى أمثال هذه التساؤلات يوسعون من معانيها و يروجون لها في أوساطهم  ومحافلهم.
ليس على تلك الطاقة الساذجة البريئة من حرج إذا تساءلت عن فائدة التربية و التعليم بالنسبة للجماهير الوطنية في بلادنا و لكنه ليس من شأن كثرة هذه الجماهير المتعلمة أن تروع أحدا او تدعوه إلى الشك المريب خاصة إذا علمنا ان المثقفين اذا كثروا في بلادنا لن يكونوا مشكلة بل سيكونون عاملا على حل مشاكل الوطن العديدة وسيقتسمون فيما بينهم _ بعدل _ ميادين أعمالهم ويخلقون الجديدة منها إلى غير نهاية ليكون منهم المعلمون والموظفون العاديون والمهندسون الفلاحون والتقنيون والأطباء والمحامون والقضاة والمختصون في الرياضيات والكيمياء والمعادن والكهرباء والفيزياء والصناعة والمستشارون في المالية والاقتصاد وشؤون المصارف والشركات والمتفرغون للبحت في العلم والثقافة والحضارة واللغات و القائمون على الهندسة والرسم والتخطيط والساهرون على شؤون الفن والتأليف في الآداب والفنون الشعبية وما يستطيع احد أن يزعم أن ميدانا واحدا من هذه الميادين يضيق بأصحابه بل على العكس من ذلك يستطيع احدنا ان يقول مطمئنا الى صدق قوله: أن تسعة أعشار هذه المراكز المذكورة هاهنا تمثيلا لا حصرا فارغة فراغا و يملأها الأجانب.
 لذلك نقول لهؤلاء المتسائلين البرآء: تلك هي ميادين العمل التي ينبغي أن يتوجه إليها أبناؤكم و أصدقاؤكم و معارفكم في ظل الوطن الحبيب.
و الذي يلمس بكلتا يديه هذا الفراغ الهائل يستطيع ان يؤكد أن جيل الخمسين سنة المقبلة
اذا توجه كله بجد ووعي إلى هذه الميادين لن يملأ من فراغها شيئا ولن تضيق هذه الميادين أبدا بأصحابها في يوم من الأيام.
أن العمل وظيفة اجتماعية بمعني أن على الإنسان واجب العمل الاجتماعي وشغل الميدان الذي يصلح له، ومن حق الإنسان على مجتمعه ان يتقبله عاملا نشيطا و يفسح له صدره و يساعده على أداء وظيفته الاجتماعية على أحسن وجه .
ليس من مانع أبدا أن يتثقف جميع الناس ويتعلم جميع الناس في هذا  الجيل وفي الأجيال القبلة بعده، فسيجد هؤلاء _ جميعا_  بثقافتهم وعملهم وجهدهم الواعي الخلاق ميادين عمل يرتادونها في كل وقت وحين.
أما الذي لا يجدي عملا او يسمح له ضيق تفكيره بأن يعتقد أن ميادين العمل عامرة فإنما هو كسلان أو جهول ليس له حظ من ثقافة أو علم أو وعي. وليس من حقه أن يقف -بتشاؤمه- حجرة عثرة في ميادين العمل يغلق أبوابها بجهله و ضلاله في أوجه الناس العاملين؛ كما  أنه ليس بنافعه شيئا وقوفه في وجه تيار الثقافة المنتشر وسيل الحضارة الممتد لقد تبدل الفكر غير الفكر وأصبح المجتمع في حاجة إلى عمل كل عضو عامل من أعضائه بغض النظر عن نوعية العمل سواء كان مجهودا بدنيا أو عقليا  أن مجتمع هذا القرن أسرة واحدة متكاملة و متضامنة، والناس فيه ذهاب لا إلى خلود لذلك فان في عنق كل واحد من أبنائه أمانة العمل ورسالة الحضارة يورثها لمن بعده من الأجيال  فلا يجعلن احدنا العمل حبسا على نفسه لان العصر يكره أنانية الإنسان و يحمد فيه غيرته و تعاطفه مع بني جلدته وليس يليق بأحدنا أن يضيع حضارة بلاده بالتفريط في صانعيها...اذ الحضارة من صنع العاملين الواعين الذين يشغلون ميدان عملهم فيملأوه.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here