islamaumaroc

الخيال

  محمد الصباغ

11 العدد

سعت إلى عدة رسائل من بعض القراء والأدباء ومحبي الثقافة والأدب في بلادنا، يسألونني فيها عن بعض قضايا تمس حركتنا الأدبية، على إثر فصول أدبية كنت أنشرها من حين إلى حين في جريدة «العلم
وكم كان يلذ لي أن أتعرض في هذه الفصول لبعض المشاكل الأدبية الدقيقة التي أرمي من ورائها إلى أثارة النقاش والجدل الأدبيين، اللذين ينتفع بهما سوقنا الأدبي. وقد قدر لبعض هذه الفصول أن تثير حركة أو شبه حركة من النقد والردود والتعقيبات على صفحات نفس الجريدة، ومع بعض رفاقي في مجتمعاتنا وأسمارنا الخاصة. وقد لمحت من خلال بعض هذه الرسائل عدم اطمئنان أصحابها لحقيقة بعض المعاني والأفكار في كتاباتي التي يغلب عليها الخيال المسرف، أو «التمويهات» في دنيا الأحلام اللاهية المترفة بالألوان والظلال والأنغام والطيوب كما يزعمون.
هؤلاء وغيرهم، وياما أكثرهم تحت قباب البلاد العربية، اليوم وقبل اليوم، الذين تدهشهم كلمة «الخيال» في شتى الفنون الحسية، التي تعتمد أول ما تعتمد على الخيال، الخيال الخصيب الحاد، الذي يفتق في جريانه ذرات مستحيل الوهم.
وقد يأتيك هؤلاء في تعنت يتحدى، بعدما عجزوا عن فهم خاطرة شعرية، أو نغم مجنح في قطعة موسيقية أو تسريحة رمزية في نحت، أو رسم، أو رقص، طالبين منك شرح حقيقة تلك الخاطرة الشعرية، أو ذلك الرمز المنطوي على امتداد ظلال رسم، أو انحناءة نهد في نحت. وقد تلبي رغبتهم مسرورا، فتطيل الحدس-إن كان هناك ما يدعو إلى الحدس الحسي- في هذا الشعر، أو في ذلك النحت، أو في تلك القطعة الموسيقية لاستخلاص الفكرة، وأحيانا تعمد إلى التقمص في ذات الفنان لتحاول أن تعيش تجربته وإحساسه اللذين أوحيا إليه بفكرة ما. حتى إذا أنت لمست هذه الفكرة، وشرحتها لهم على نور حدسك. أجابوك :
دعنا من هذا الخيال المسرف، دلنا على الحقيقة الملموسة فيه. لأنفع لنا من الخيال ان لم ينطو على الحقيقة. فأشفق من تجمد عواطفهم، وخشونة ذوقهم وقصر خيالهم الذي يعجز عن اللحاق بهم إلى سماوات الفن العلا. فقبل أن يلوموا الخيال، فالأحرى بهم أن يلوموا الطبيعة التي  بخلت عليهم بخيالها الصاعد إلى ما أبعد من السماء، والنجم، والحلم الملتهبة في موقد الشفق، وبذوقها الخصيب في شجيرات السرو التي تنتصب مع النسيم كفوارات أوراق خضر.
الا ليت هؤلاء عرفوا أن بين دنيا الفنان الخلاق، ودنيا القارئ اختلافا كبيرا، ومدى واسعا. ويشتد هذا الاختلاف، ويتسع هذا المدى حتى ما بين القراء أنفسهم نظرا لمستوى ثقافتهم، وتكوينهم، وطبائعهم، وأذواقهم، وأمزجتهم، والتيارات الزمنية التي تحيط بهم، كما هو الشأن أيضا في جميع الفنانين الذين يختلفون عن بعضهم، ويفترقون-من حيث الاتجاه، والأداء، والتكوين، ودرجات العاطفة، والإحساس، والخيال، وصفاء الروح، وقوة النور في النفس، وما إلى ذلك من المقومات الفنية-ليجتمعوا في دائرة الفن السحرية الخيالية التي يندهش منها هؤلاء الذين يكيلون لها من اللوم ما يكيله ذلك الجاهل إلى الشيء الذي يجهله كما في المثل المشهور.
على أن أعداء الخيال، والناقمين على الخيال، معذورون لكونهم زيادة على ما أسلفت، يجهلون الإلهام المستنزل على الفنان، والذي اسميه أنا بـ «الإشراق الروحي» ساعة الخلق؛ حيث العاطفة تكون في هيجان، والإحساس في حماس، والخيال يسبق أوهام البرق والضوء. وإذا العالم بما فيه عار من كل الحجب والأستار، متجرد من مقاييس الزمن، ومكاييل الأبعاد، وموازين الأحجام، كل ما يحويه حتى الأشياء الدقيقة-التي يعجز عن رؤيتها أكبر الميكروسكوبات الالكترونية في أكبر المراصد، وأعجب المختبرات العقلية- تبرز عارية، واضحة، صافية، مشرقة وقت هذا الهيجان الروحي الذي يستولي على الفنان فيعتقه من سلاسل ذاته الأرضية فيرى أشياء لا يمكن أن يشاركه في رؤيتها كل الناس، وينفعلوا بها كما ينفعل هو بها ويعيشها.
والذين تمرسوا بالإلهام من أدباء وشعراء وموسيقيين ونحاتين وراقصين وغيرهم، يعلمون هذه الغيبوبة الروحية التي تكشف عن عوامل من الجمال، والمتعة، والنشوة الهاجعة فينا، وفيما حولنا. ولا يطيب لهم الاستمتاع بلذة هذه الغيبوبة إلا إذا هم شاركوا غيرهم فيها ممن لا يستطيعون رؤية هذه العوالم المحجوبة عن بصائرهم. إذن لا لوم على أعداء الخيال ولا تثريب. فالنسر المرفرف في رفيف النجوم، لا يتقله ظله الملقى على الأرض، والزهرة عندما تطلق عبيرها عفوا، لا تفكر فيمن سيستنشق هذا العبير، وهو في طريقه صاعدا هابطا إلى الحقول والجداول والجبال .
مجدوا معي الخيال. مجدوه في كل ما تنظرون، وتلمسون، وتحسون، وتسمعون وتحدسون.
مجدوه في قطرة المطر التي تحمل إليكم أسرار البحار، والجبال، والزهور وعروق الغدران، وانباض الصخور، وخفقات الجذوع، وجذور الظلال. وهي فيما تحمل أسرار إنما تحمل إليكم أشواقكم ونزعاتكم. وأرهفوا أذانكم لسماع هذه الأسرار العجيبة التي تحدثكم من بعيد الأزمان، وشاسع الآفاق، بلسان من ذوب السحر الحلو. واملأوا بجمال هذا الحديث نفوسكم. لأنكم قبل أن تستووا بشرا، كانت ذواتكم موزعة مبثوثة في هذه الآفاق التي تطلع عليكم. وما هذه الآفاق إلا انتم أنفسكم على أشكال وصور وألوان أخرى. فشعورنا بالشعاع الذي يجوب الكون، وكل ما في الكون، هو دليل على وجود إحساسنا في كل شيء يتألف منه الكون، حتى النسيم الحالم بالعاصفة بين الأغصان. فلنفتش عن حقيقة أنفسنا وأشواقها ونزعاتها وأحلامها.
 لنفتش عنها في دروب الحياة. ولنجنح إلى هذه الدروب على رجوحة الخيال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here