islamaumaroc

أضواء على آيات قرآنية-3- (سورة البقرة )

  دعوة الحق

62 العدد

سورة البقرة
بسم الله لرحمن الرحيم «ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه.. إلخ» هذه القطعة من القرآن، من هنا أو قول الله عز وجل «ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم» تسمى سورة البقرة، وقد سماه ملك بذلك نزل على النبي (ص) وبحضرته جبريل كما في صحيح مسلم، ولعل حكمة تسميتها بذلك التذكير بقصة البقرة المذكورة فيها، والمعجزة التي وقعت لسيدنا موسى عليه السلام ببعض تلك البقرة كلما سميت هذه السورة سورة البقرة، وذلك لأن هذه القصة غير مذكورة بعينها في التوراة التي بيد نبي إسرائيل الآن، نعم قد ذكر فيها حكم، ما إذا جهل القاتل، وهو أن تذبح بقرة غير ذلول في واد دائم السيلان، ويغسل جميع شيوخ المدينة القريبة من محل المقتول أيديهم على المحلة التي كسر عليها عنق البقرة في الوادي، ثم التنكيت على اليهود في إنكارهم معجزات النبي عليه السلام الدالة على نبوته، فكأنه يقال لهم كلما سميت هذه السورة سورة البقرة، إذا كنتم تنكرون معجزاته عليه السلام فمالكم لا تنكرون معجزة البقرة التي وقعت لموسى عليه الصلاة والسلام بين أظهر سلفكم مع أنه ما وقعت له هذه المعجزة في غفلة منهم، بل في حضورهم وتشبتهم في أمرها وإلحاحهم بالسؤال عن هذه البقرة ووصفها حتى كانوا على بينة من أمرها.
ثم إن لفظ (ألم) هنا، وفي غيرها من السور، وكذلك (المص) و(حم) و(حمعسق) و(كهيعص) و(طه) وما شاكلها من الألفاظ المفتتح بها بعض السور هي ألفاظ مبهمة المعنى، لم تتضح دلالتها ولا متسمياتها انضاحا لغويا سواء من حيث حروفها المقطعة، أو تراكيبها، أو سياقها، أو قرائن الأحوال المتعلقة بها، وقد كان ظهر لي في لفظ (طه) على الخصوص لاسيما على قراءة من آمال الهاء كاملة كقراءة ورش، أن طأ مهملة مختزلة من لفظ طأطئ بمعنى طأطأ رأسه ولفظ هي ضمير مبتدأ خبره محذوف تقديره حضرة القدس، ويعد الأمر طلبني بالطأطأة على ما فهمناه من لفظ طه، وإشعاره بأنه في حضرة القدس وذلك شيء يوجب الدهشة والرعب، ذكره عليه السلام ما يؤنسه ويذهب عنه روعه ودهشته، وذلك قوله تعالى «ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى» وبعد هذا التأنيس والتطمين أعيد للنبي عليه السلام ذكر جلال اله مصحوبا بجماله، وذلك قوله تعالى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلا، فهذا الجلال والجمال قوله تعالى : «الرحمن على العرش استوى» أي هو رحمان في ملكه، وإن كانت له شارات الملوك العظام وخواصها المرموز إلى جميعا بالعرش، ثم أعيد ذكر ما يقتضي الجبروت والجلال، ذلك قوله تعالى : «له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثري» وإنما فهمنا هذا الفهم بقرينة قصة موسى عليه السلام المذكور بأثرها ومخاطبة الله له بقوله : «إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى» ومع ذلك فإني لا أجزم بأن هذا المعنى هو المراد من لفظ (طه) وأقول كما قال الأئمة : الله أعلم بمراده من ذلك، بأن العجز عن الإدراك إدراك. 
ومعلوم أن الله مالك الملوك سبحانه، والملوك لهم مع خواصهم أسرار لا ينبغي أن يطلع عليها عوام الناس، فيمكن أن يكون القرآن قد استعمل هذه الألفاظ رموزا للنبي عليه السلام أسرار بينه وبين ربه، هذه مدة نحو ثلاثة عشر قرنا وسبعين سنة، ثم ترى اليوم الدول المتمدنة تنهج هذا المنهج الذي نهجه القرآن مع أخص خواص الله وهو النبي (ص) في مخاطبة خواص الموظفين بالتليفون والتلغراف مخافة أن يطلع بعض الناس على أسرارها. كما نرى الأجانب يصطلحون كل يوم على لفظة يفتتحون بها مخاطبتهم اللاسلكية ويعلقونها بين أولئك الموظفين الكبار، وقل مثل ذلك في ألفاظ الحكومات الرمزية التلغرافية فإنها أسرار بين الحكومات وموظفيها، وقد كان أخبرني هذه مدة من نحو أربعين سنة رجل كان موظفا بقنصلية ألمانيا في فاس أن القنصل الألماني إذا أتاه تلغراف من حكومته أو موظف كبير منها مثل السفير، أغلق عليه محله واختلى بنفسه لفك رموز ذلك التلغراف.
وبهذا المعنى الذي أوضحناه في هذه الألفاظ الرمزية المفتتح بها بعض السور، يظهر أن تقسيم الأئمة رضي الله عنهم ما نزل على النبي عليه السلام من قبل ربه إلى ثلاثة أقسام، قسم نزل عليه لمصلحة الخلق وإرشاده، فهو مأمور بتبليغه، وقسم نزل عليه لغير ذلك وأمر بكتمه ويكون منه هذه الرموز السرية الواردة في القرآن، وقسم خير فيه بين التبليغ وعدمه، ويظهر أن التخيير في هذا القسم إنما هو بحسب ما يظهر للنبي عليه السلام من استعداد الأمة لقبوله، وذلك كالصحيفة التي حاول النبي عليه السلام عند موته أن يكتبها فلما نازع الصحابة رضي الله عنهم ليده في كتبها أمسك عن ذلك، وعلم أنهم غير مستعدين لها، وبذلك يعلم أن معنى قوله تعالى فيما بعد وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم.. إلخ ليس على عمومه بل إنما يشمل القسم الأول والثالث فقط.
وقد اهتديت بفضل الله، إلى أنه من أول السورة إلى قوله سبحانه : «سيقول السفهاء من الناس» هي خطبة الكتاب العزيز غذ في هذه القطعة إجمال لما فصل في جمعيه شأن غالب المؤلفات التي هي بين أيدينا، فإنه يذكر في ديباجتها إجمال ما فصل في جميعها، فقد قسمت هذه الخطبة البشر أمام القرآن إلى ثلاث فرق مومنين بالغيب الذي جاء به الإسلام على لسان النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو روح الإسلام ولبه ومبدأه الوحيد الذي لا يتصور بدونه، وكافرين مجاهرين بالكفر ويضد ما جاء به الإسلام، ومنافقين مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء يظهرون الإسلام ويرون الكفر.
ثم بنيت أن القرآن سلم للفريق الأول مادح له بإظهار مزاياه وفضائله على سبيل الأنموذج كإقامة الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله، وحرب للفريق الثاني دام له بإظهار أهم قبائحه على سبيل الأنموذج كذلك كالختم على قلبه أي جعله غير قابل للإسلام ولا مهيا لقبوله مهدد له بالعذاب العظيم، وحرب للفريق الثالث كذلك.
غير أن الفريقين الأولين لما كانت أحوالهما ظاهرة  للعيان لا لبس فيها ولا تدليس أوجز القرآن في ذكرهما ووصفهما أيما إيجاز، وذلك من قوله تعالى «هدى للمتقين» إلى قوله «عذاب عظيم»، ولما كان الفرق الثالث بالتوائه وتروغه في أقواله وأفعاله قد تخفى أحواله وما يضمره على كثير من الناس أطنب القرآن في وصفه وذمه وتبيين مبادئه، وضرب الأمثال فيه تحقيرا لشأنه واستضعافا لما يتخذه من الحيطة في شأنه، وذلك من قوله تعالى «ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمومنين» إلى قوله سبحانه «يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلفكم» إلخ، ثم خاطبه بقوله تعالى : «يا أيها الناس اعبدو ربكم إلخ» ثانيا تألفا له وتذكيرا بما أنعم عليه به من خلقه وجعل الأرض فراشا له، والسماء بناء وإنزال الماء له من السماء، وإخراج النبات به ثم حاجه بعد ذلك في كفره بقدرته عليه في ضمن قدرته على خلقه وإيجاده من العدم، ثم إعدامه بعد الوجود، ثم خلقه بعد ذلك وصيرورته إلى رحمته أو نقمته، وبقدرته عليه أيضا في ضمن قدرته على أي خلق، له ما في الأرض جميعا في ضمن جميع البشر ثم استوى إلى السماء فسواها سبع سنوات، ثم ذكره بتشريفه إياه وتمييزه بشيئين هما خلافة جنه في الأرض، وسجود الملائكة لأبيهم آدم عليه السلام، وذلك على عادة القرآن من مزج القوة باللين، والوعد بالوعيد، والانتقام بالأنعام، ثم لما كان بنو إسرائيل من الفريق الثاني الذي جاهر ضد الإسلام وكان لهم إذ ذاك في جزيرة العرب مهبط الوحي قدم راسخ وتفوق على غيرهم من العرب المشركين سواء من الناحية الدينية أو الاجتماعية أو الاقتصادية إذ كانوا لا زال لهم من بقايا دينهم مبادئ يعملون بها ويعتدون بنبراسها بخلاف مشركي العرب، فقد كانوا على الوثنية المحضة، إذا استثنينا إقرارهم بالإلاه وبعض مناسك الحج من بقايا دين إبراهيم عليه السلام، وكان لبني إسرائيل أيضا مبادئ اجتماعية كقواعد النكاح والطلاق والإرث بخلاف مشركي العرب، فلم يكن لهم مبادئ قط من هذا القبيل، أما حالتهم الاقتصادية فقد كانوا أصحاب الثروة هناك والزراعة في سبل المدينة المنورة وفدك وخبير، وكان كثير من العرب عالة عليهم يعملون في ثروتهم ومكاسبهم، ولما كان بنو إسرائيل بهذه المثابة كلها التي ربما أثرت على عقول العرب وأدخلت لهم الشك في الدين زيادة على ما عرفوا به من الدهاء والإمعان في الحيل والمكر لكسب ضمائر الناس وعقولهم تصدى القرآن لخطابهم بالخصوص، ولا ينهم مرة وخاشهم أخرى، إظهارا لطويتهم وما في خبايا بواطنهم حتى لا تنطلي أقوالهم وأفعالهم وحيلهم على القلوب وذلك من قوله تعالى «يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم» إلى قوله تعالى «سيقول السفهاء إلخ». 
ولذلك انتهت الخطبة ودخل القرآن في دور العمل والتشريع وتوجيه القلوب إلى الإسلام بشتى الوسائل كذكر الوعظ وقصص الأنبياء مع أممهم وضرب الأمثال لكل من الحسن والقبيح إلى غير ذلك من وجوه توجيه القلوب إلى الإسلام.
ثم إنه لما كان الغرض الأول الذي يسعى إليه الإسلام، هو تثبيت أقدام الأمة ووحدتها وحشرها في مجتمع تتميز به من غيرها من الأمم إذ لا يتم لها شيء من التشريع الديني أو السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي ولا غير ذلك إلا بإيجاد هذه الوحدة، وكانت هذه الوحدة لا تتم إلا بتوحيد برامجها ونظمها الدينية والسياسية وغيرها، كان أول ما بدأ به القرآن من تلك النظم توحيد نظام القبلة التي يتجه إليها كل مصل خمس مرات على الأقل في كل يوم، حيث يعتقدا أنه بين يدي مولاه يناجيه ويبثه شكواه ومطالبه، إلا فليتفطن الذين يتلون كتاب الله إلى أسراره وحكمه وما انطوى عليه من المقاصد.
وقوله تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه) الإشارة بلفظ ذلك إلى القرآن المنزل بعضه إذ ذاك على النبي (ص) وشملت الإشارة كله وإن كان لا يشار في الغالب إلا لموجد تنزيلا لمحقق الوجود منزلة الموجود بالفعل أي ذلك الكتاب الذي يتلى بين أظهر كم ويبين لكم الحلال والحرام والواجب والمباح وقصص الأمم ويبعث على اعتناق الأخلاق الفاضلة إلى غير ذلك مما تضمنه، لا ريب ولاشك أنه وارد من قبلنا على نبينا محمد ثم أورد علة وسبب نزوله وهو هداية المتقن به فقال (هدى للمتقين)، فالهدى في الأصل مصدر وسمي به الكتاب العزيز مبالغة في الاهتداء به كأنه نفس الهدى، والمتقين اسم فاعل من اتقى بمعنى تباعد عن الشر وهو عموم تقوى ما يجلب غضب الله، وهو المعاصي ومعنى كون هذا الكتاب هاديا للمتقين أنه كاف لهم في دلالتهم على ما يحتاجون إليه في سعادتهم لاشتماله على ما فيه خيرهم دنيا وأخرى، إذ الذين اتقوا ما يجلب لهم غضب الله غير مستغنين عن الهداية به استقبالا في بعض الكليات والجزئيات لاسيما ولم يخصص القرآن هؤلاء المتقين بكونهم الذين مارسوا الشريعة وعرفوا مقاصدها وما ترمي إليه، بل ظاهره أن لفظ المتقين يشمل حتى من هو على مبادئ الإسلام الأولية كالعقيدة والصلاة والاتفاق لوصفهم بذلك فيما بعد.
وقد كان هذا في أول الإسلام حيث كانت أحكام الشريعة لا زالت لم تكمل، أما مع كمال الدين ونزول جميع الأحكام فلا يوصف بالتقوى على الإطلاق ولا بالهداية إلا من كان ممتثلا للأوامر كلها مجتنبا للنواهي كلها على قدر المستطاع، كما قال الله تعالى : «فاتقوا ما استطعتم» إذ التقوى كما يوخذ مما تقدم هو التباعد عن الشر، ولا يكون الإنسان مباعدا للشر في الشريعة وهو غير ممتثل لبعض أوامرها ونواهيها، وكذلك لا يوصف الإنسان بكونه متمكنا من الهدى حتى كأنه راكب عليه في قوله تعالى «أولئك على هدى من ربهم» وهو مجتنب لبعضه، وقوله تعالى (يومنون بالغيب) فيه حذف الصفة، أي يومنون بالغيب الوارد من قبلك عن الله وصفاته وكمالاته وعن الملائكة والنبيئين والمرسلين على جميعهم الصلاة والسلام والكتب السماوية واليوم الآخر وما فيه من وعد ووعيد إلى غير ذلك من الغيوب الواردة على الأمة من قبل النبي صلى الله عليه وسلم.
إذ المقصود من بعثة الرسل هو تطهير النفوس من الأدران وتهذيب الأخلاق وخلق ملكة الطاعة والانقياد في الأمة إلى الحق حتى لا يعتدي بعضنا على بعض، والإيمان بالله وما عطف عليه هو أصل هذا التطهير وما عطف عليه، إذ الإنسان الذي يعلم أن له إلها عالما يراقب عليه أعماله ويحصيها عليه ثم يجازيه عليها في هذه الحياة أو في الحياة الأخرى لاشك انه يتخذ الحيطة لنفسه منه فيستقرب إليه بتطهير نفسه وتهذيبها وتهذيب أخلاقها وامتثال أوامره واجتناب نواهيه حتى لا يقع في ورطة عقوبته.
وأما قوله تعالى (والذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون) فيحتمل أن يكون معطوفا على الذين يومنون بالغيب في الآية قبلها فيكونوا داخلين في زمرة من وصفهم الله بالتقوى قبل ذلك، ويكون المعنى هدى للمتقين الذين يومنون بالغيب إلخ. وهدى للمتقين الذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، وهم أهل الكتاب الداخلون في الإسلام، وهذا التفصيل الوارد في هذه الآية الأخيرة إنما هو على سبيل الإجمال في المدح فلا ينافي أن بعض الصحابة من غير أهل الكتاب كالخلفاء الراشدين أفضل من أهل الكتاب الداخلين في الإسلام، ثم يكون قوله تعالى : «أولائك على هدى من ربهم إلخ» جملتين استينافيتين قصد بل واحدة منهما مدح فريق من الفريقين وبيان درجته في الإسلام، فقوله تعالى أولئك على هدى من ربهم إلى الفرق الأول، أي أنه لتمكنه من الهدى واستيلائه عليه ولو إجمالا كأنه راكب عليه، إذ على للفوقية والعلو، وقوله تعالى (وأولئك هم المفلحون) إشارة إلى الفريق الثاني المفلح الظافر الفائز، والاحتمال الثاني أن يكون الذين يومنون بما أنزل إلك إلخ. مبتدأ وخبره أولئك على هدى من ربهم إلخ.
وأما قوله تعالى (إن الذين كفروا سواء عليهم آنذرتهم أم لم تنذرهم لا يومنون) فالمراد بالكفر ها هنا جحد شريعة النبي عليه السلام فيدخل فيهم بنو إسرائيل الذي لا زالوا على ديانتهم، أي سواء منهم آنذرتهم بالقرآن أم لم تنذرهم به ولا يومنون لك وهذا الكلام في قوة الاستثناء المنقطع مما قبل. وبيان لكون هذا القرآن رغما على ما فيه من وضوح الدلالة على الحق وعلى صدق من جاء به حتى كأنه الهدى نفسه أو كان من تمسك به متمكن من الهداية وراكب عليها ومتمسك بها لا يقتضي أن يهتدي به كل الناس لأن من الناس من لا استعداد فيهم للهداية به لحيلولة الكفر وطبائعهم دون هدايتهم به، وحينئذ فعيب عدم اعتدائهم به ليس له بل هو راجع لطبائعهم وتمكن الكفر منهم.
ثم بين هذه الحيلولة الواقعة دونوهم ودون الهداية به يقول تعالى (ختم الله على قلوبهم) أي أن قلوبهم التي هي المحل الطبيعي من الإنسان لإدراك الأشياء وما فيها من حسن وقبح، وخير وشر، وسعادة وشقاء مختوم عليها بخاتم الحرمان، فلا يمكن للقرآن والحالة هذه دخوله فيها حتى يؤثر عليها تأثيره المعتاد منه ببيان منابع الإسلام ومحاسنه ثم زاد لهذه الحيلولة أمرا آخر وهو قوله تعالى (وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) تغشاهما وتحول دونهما ودون ما في القرآن من حجج ساطعة على أحقيته وكونه من عند الله وان المبلغ له ورسوله حقيقة.
ذلك أن العقل وحده قد يضل في النظر والاستدلال على الأشياء المطلوبة له أو المطلوبة منه، فيستعين بسمعه وبصره على إدراك حقيقة تلك الأشياء المطلوبة له أو المطلوبة منه، وها هنا لا يمكنه أن يستعين بهما عليها لأنها في عداد قلوبهم إذ عليها غشاوة تحجيها عن رؤية الحق أو سمعه وتأديته إلى القلب ومن أجل ذلك فلا يدخل منها شيء إليه حتى يرشد ويعتدي به، وقد شبه صرف قلوبهم عن التفكير في الإسلام وما فيه من حجج على وجود الله وصفاته وعلى رسالة النبي عليه السلام بالطبع على الشيء الذي يمنع أن يدخله أو يخرج منه شيء، وكذلك شبه صرف سمعهم وبصرهم عن الاستماع إلى تلك الحجج أو النظر إليها يقصد الذكرى والاعتبار بيدهما والطبع عليهما حتى لا ينفذ منهما شيء إلى القلب ينتفع به في إدراك حقيقة الإسلام.
وأما قوله تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمومنين) فمعناه أن من الناس من يظهر منه الإسلام على لسانه وما هم بمومنين من قلوبهم وبواطنهم بل هم كافرون خفية وهذا هو الفريق الثالث الذي تقدمت الإشارة إليه فيما قبل وهو فريق المنافقين الذين يوجدون في الأمم عادة عند أول نهضاتها وقيام أئمتها وأولي الأمر منها بالدعوة إلى الإصلاح ورتق ما انفتق من شئونها.
فإن هذا الفريق بما أوتي من حرمان الثبات وضعف البصيرة يقع في حيرة من أمره ولا يتبين له الطريق الذي يسلكه ويذهب عليه هل القديم أو الحديث وهو لا يدري ما الذي يقع عليه اختيار الأمة فيثبت ويدوم، هل القديم رعيا لقدمه وجريان عمل الناس عليه واستئناسهم به ؟ أو الجديد رعيا لدعاته وتجمعهم في سبيله ويذل أموالهم وأرواحهم عليه ؟ فيتخذ طريقا وسطا بين المذهبين ينظر فيه النجاة لنفسه دنيا وأخرى وهو مصانعته كلا من القديم والحديث، وهذا الفريق أيضا من المستثنى المنقطع من قول الله السابق هدى للمتقين إلخ. أي أن القرآن غنما هو هدى للمتقين المومنين إيمانا حقيقيا الذين دلت أفعالهم على ذلك الإيمان من إقامة الصلاة إلخ. لا للناس الذين يقولون بألسنتهم آمنا وما هم بمومنين حقيقة وقد دلت أقوالهم وأفعالهم على عكس ما يظهرون.
ولقد كشف علماء النفس والسياسة الحديثان أن الدعاية لدا الأمم والدول من أكبر العوامل على كسب القلوب والتأثير عليها إيجابا وسلبا، وأنها قد تعمل ما لا تعمله السفارات ولا المؤتمرات ولا أعظم قوى حربية موجودة في العالم، ولذلك تجد ساسة الدنيا الآن يعتمدون عليها أيما اعتماد في بلوغ مآربهم وكسب الصديق والعدو والمحالف والمخالف،بل لقد خصصت لها الدول العظمى الآن وزارة من وزاراتها أو مصلحة من مصالح وزاراتها ثم اكتفت بذلك فتجد أرباب الصحف ووكالات الأخبار العالمية وهي أكبر عامل لنشر هذه الدعاية يقصدون البيت الأبيض مثلا من أمريكا، أو مكتب رئيس الوزارة بفرنسا أو إنجلترا أو وزيري خارجيتهما لتلقي هذه الدعاية ونشرها في كافة المعمورة، وكذلك راديو الحكومات دع عنك الحكومات في هذا السبيل، فإنك تجد الجمعيات والأفراد شاعرين بما لهذه الدعاية من قوى ونفوذ على العموم ولذلك يصمدون إليها في ترويج أغراضهم وبضائعهم فينشرون رواجه على أعمدة الصحف ولسان الراديو وغيرهما.
ولقد سبقهم الإسلام إلى تقدير هذه الدعاية قدرها وتقرير فائدتها حتى كان من جملة ما روي عن النبي (ص) في قوله من جملة حديث (ونصرت بالرعب) وفي حديث آخر صحيح آخر (لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) وهذه الآيات الكريمة المتلوة ها هنا في حق المنافقين واليهود دعاية عظمى بنشر مثالبها وإشهار مخازيها حتى لا يغتر الناس بأقوالهما وأفعالهما وطعنهما في الإسلام ومن جاء به لاسيما ما صدر من اليهود في حق نبيهم سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم ومواجهتهم له بسوء الدب والكلام القبيح كقلوهم لن نومن بك حتى نرى الله جهرة وكقولهم له أيضا أتتخذون عزوا، وفي حق غيره من النبياء كقتلهم بعضهم، فكأن هذه الآيات تقول للناس بعرض أحوالهم وأقوالهم : لا تستغربوا صدور ما صدر من اليهود ف يحق محمد عليه السلام فإن الخلاف فيهم متأصل وسوء أدبهم مع الأنبياء معهود وجرأتهم على الله في خلقه معلومة فانظروا ما صدر منهم مع أنبيائهم موسى ومن بعده عليهم السلام الذين هم من دمهم ولحمهم فكيف لا يصدر منهم مثله أو أشد مع نسيكم محمد عليه السلام الذي لا تربطه بهم رحم ولا صهر ولا غير ذلك، ومصاهرته لهم على صفية عليها السلام لعلها كانت بعد هذه الآيات، على أن صهر صفية كان بعيد التأثير عليهم لأنه لم يكن في خروجها من وسط قومها وإنما كان بعد السبي لها وعزلها عنهم بذلك وقطع صلتها بهم.
ثم إنه لشدة ضرر المنافقين على المومنين أكثر من غيرهم من الفرق لأنهم يلابسونهم في كثير من الأحوال بصفتهم مسلمين فيطلعون بذلك على ظواهرهم وبواطنهم حيث يكون المومنون (آمنين مطمئنين من جهتهم غير حذرين من مكرهم لاعتقادهم أنهم إخوانهم في الإسلام إذ ما كل المومنين كانوا يعلمون هؤلاء ويميزون أشخاصهم لشدة ضرر المنافقين على المومنين، يما ذكرنا من الأسباب صورهم القرآن في تختلهم وغشهم وخداعهم لله وللمومنين بأربع صور كل واحدة منها تقتضي التنفير منهم واستنكار أقوالهم وأفعالهم واستبشاعها، الأولى ما تقدم من قوله تعالى : «ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمومنين»، الثانية قوله تعالى : «وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا غنما نحن مصلحون»، الثالثة قوله تعالى : «وإذا قيل لهم أمنوا كما آمن الناس قالوا : أنومن كما آمن السفهاء»، الرابعة قوله تعالى : «وإذا لقوا الذين أمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شيطانيهم إلخ». ثم ما اكتفى بهذا التصوير حتى ضرب لهم مثلين آخرين لزيادة بيان وإيضاح أحوالهم إذ التمثيل يصور الأشخاص والأحوال أكثر من غيره حتى كأنك تشاهد الممثل بأم العين وتسمعه بالأذن فقال مثلهم كمثل الذي استوقد نارا لخ.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here