islamaumaroc

حول كتاب أعمال مهرجان ابن خلدون

  دعوة الحق

62 العدد

بين يدي الآن هذا السفر من الأبحاث والدراسات التي كانت محور أعمال المهرجان الدولي الذي نظمه المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة في الأسبوع الأول من شهر يناير 1962. حول ابن خلدون مبتكر علم الاجتماع وباعث الفلسفة الاجتماعية في الحضارة والعمران.
وهذه الدراسات المتنوعة حول ابن خلدون كتبها باحثون من الشرق والغرب. وقد تناول الموضوع الواحد كاتب واحد أو عدة كتاب. كل بطريقته الخاصة ومنظاره الخاص الذي ينظر به إلى القضايا المعروضة على بساط الدرس.
فمن النوع الأول :
1) الدكتور عبد العزيز الأهواني. في بحثه الطريف. عن ابن خلدون وتاريخ فني التوشيح والزجل.
2) الدكتور أشيولير. في بحثه عن ابن خلدون المؤرخ.
3) السيدة فتحية سليمان. في بحثها عن الاتجاهات التربوية في مقدمة ابن خلدون.
ومن النوع الثاني :
1) الدكاترة : أبو العلاء عفيفي. وزكي نجيب محمود. وعبد الرحمن بدوي. كل هؤلاء تناولوا ابن خلدون الفيلسوف.
2) أساتذة ودكاترة فيهم : علي وافي وابن عاشور. تناولوا بالبحث ابن خلدون مؤسس الاجتماع.
3) موضوعات الاقتصاد والسياسة والفكر تناولها آخرون بالدراسة والبحث.
سوف لا أحدثك عن جميع القضايا التي آثارها هؤلاء الباحثون.. كما أنني لن أسمح لنفسي بعرض أو ينقد كل ما لفت نظري من آراء ونظريات فيها الصواب والخطأ والطريف والمبتذل... ولكني سأحدثك حديثا فيه عرض ونقد وتقريظ لموضوعات اعتبرها من اختصاصي ولي فيها رأي ـومن به. قد يعتبره الناس خطأ أو صوابا...
فمن المعروف عند من يدرس مقدمة ابن خلدون أن ثورتها اللغوية تكاد تكون منقطعة النظير. لا من ناحية الكثرة والتعدد والتنوع فقط.. ولكن من ناحية الدلالة والاستعمال في المعاني والأغراض التي يريدها ابن خلدون ويقصد التعبير عنها.. ومن هنا جاءت المشكلة التي أوقعت كثيرا من الباحثين لا فرق بين الذين يدرسون المقدمة في نصها العربي. وبين من يدرسها في النصوص المترجمة..
فكلمة (عرب) في المقدمة لها مدلول خاص أراده لها ابن خلدون واستعملها فيه ولكن الباحثين خفى عليهم حينا من الدهر هذا المدلول فطفقوا يتحدثون عن نظرية ابن خلدون في (العرب) وينسبون إليه بالحق والباطل ما لم يخطر له على بال..!!وقد شقى بهذه الكلمة كما شقيت به.
وكذلك كلمة حضرة. وعمران. واجتماع بشري. وخاصة وعامة وغيرها (وهو شيء كثير) لها مدلول خاص يجب أن نعرفه في لغة ابن خلدون قبل أن ننقد أو نقرظ آراءه..
وبالإضافة إلى ذلك نجد لابن خلدون توليدا لغويا غريبا فهو يبتكر المجازات ابتكارا. ويحيي ألفاظا كادت تلفظ أنفاسها.. ويرتفع باللفظ العامي والاستعمال العامي في الألفاظ المغربية (الأندلسية إلى درجة الفصاحة والبيان). مما لم يعرف لغيره من الكتاب المغاربة والأندلسيين والشرقيين على السواء.
ولهذه الملاحظة وزنها وقيمتها عند نقدنا لبعض الآراء التي جاءت في بحث الدكتور عبد العزيز عزت وغيره.      
فالدكتور عزت يعرض آراء ابن خلدون في قيام الحضارة البشرية ويناقشها على ضوء المذاهب التي جاءت في الموضوع. ولكنه يخلط بين فهم ابن خلدون لمدلول حضارة وبين فهم غيره لها ويقول بالحرف :
(يحدثنا ابن خلدون عن الحضارة وبفهمها بأنها التقدم والتفنن في الرقي والترف وهو فهم غير علمي اليوم).
ثم يتابع نقده للنتائج التي بناها ابن خلدون على فهمه (الخاص) للحضارة وأسباب قيامها ثم اضمحلالها في المجتمع.
فالدكتور الباحث يريد من ابن خلدون أن يفهم مدلول الكلمات كما يفهمها أهل القرن العشرين..!! وهذا شيء مخالف للمنطق والواقع.
فهل يفهم رجال العصور الوسطى ومن قبلهم من مدلول كلمة. قلم. وكرسي. ومدرسة. ونظام. وسياسة. وعلم. ما نفهمه نحن في القرن العشرين..؟
إنهم كانوا ولاشك يفهمون منها مدلولا يناسب مشاهدتهم واصطلاحاتهم وواقعهم الفكري والحضاري.
وإذا كنا نفهم الحضارة اليوم إنها (باختصار) ما نعيش به من وسائل مادية في المأكل والمكن والحرب والسلم والبناء والتنقل.. ومعنوية في النظام والحكم.. فإنه لا يلزم أن يكون ابن خلدون يفهمها نفس الفم وينظر إليها نفس النظرة ويحكم عليها نفس الحكم.
والذي يجب هو أن نفهم من مدلول الكلمة ما يفهمه ابن خلدون وتسايره في اصطلاحه ثم ننظر لنتائج التي توصل إليها أهي صحيحة في حد ذاتها أو منحرفة عن الصواب ؟
ولا يعنينا في شيء أن يخطئ أو يصيب. ولكن يعنينا أن نكون على صواب في حكمنا عليه.
ولعل هذا الملاحظة هي التي حدت بالمهرجان إلى اقتراح البحث في لغة ابن خلدون من جديد على أساس علمي مقبول.
كما أن الباحث العربي الأستاذ ساطع الحصري كان موفقا كل التوفيق حين (صحح) الماد من كلمة (عرب) في مقدمة ابن خلدون.. وقد كنا قرأنا له هذا التصحيح في الدراسة التي كان قد كتبها عن المقدمة منذ سنوات. وإعادة في بحثه الذي قدمه للمهرجان.. وهذا التصحيح يجعل المراد من كلمة (عرب) في اصطلاح ابن خلدون (البدو) سواء كانوا من الجنس العربي أو من غيره.. فإذا وجدنا في المقدمة هذا العنوان : (فصل في أن العرب إذا تغلبوا على اوكان أسرع إليها الخراب) يجب أن نحمل العرب في كلام ابن خلدون على البدو.. لأنهم كانوا في تاريخ البشرية الطويل يدكون تحت أقدامهم معالم المدنيات والحضارات  في بابل وآشور وصيدا وصور وقرطاجنة ورومة وبغداد وغيرها..!!
ولننتقل إلى ملاحظة أخرى تلفت النظر في البحث الذي كتبه الدكتور عمر فروخ عن موقف ابن خلدون من الدين ومن القضايا الدينية.
لقد اعتاد ابن خلدون أن يختم فصوله بهذه الفواصل :
- والله أعلم.
- وفوق كل ذي علم علم.
-سبحان الحكيم العليم.
وقد أراد الدكتور أن يتخذ من هذه الفواصل دليلا على :
1) مراعاة الفاصلة للبحث الذي جاء في الفصل قبلها.
2) مسايرة ابن خلدون لأهل عصره في ختمهم لأبحاثهم بمثل تلك الفواصل.
وقد انتقد الدكتور رأي الحصري في أن استعمال مثل هذه الفواصل يدل على عمق تدين ابن خلدون وتعلقه بخالقه جلت قدرته في جميع الأحوال.
والمتتبع لهذه الفواصل في المقدمة لا يقر الدكتور فروخ على رأيه فالفواصل من جهة ليست كلها مناسبة بصيغتها لما تقدمها من فصول وهي من جهة أخرى مظهر من مظاهر تدين ابن خلدون وعمق إيمانه بالله واستمداد عونه وتوفيقه. وليست عبارات محشوة لا مدلول لها.. أو هي لمجرد محاكاة ما اصطلح عليه أهل العصر.. من علماء وباحثين.
على أن الدكتور فيما عدا هذه الملاحظة أتانا ببحث طريف عن فهم ابن خلدون للدين وموقفه من نشأة الأديان وتاريخها وإطلاعه الواسع على الثقافة الدينية عند اليهود والنصارى والمسلمين.
وفي البحث الذي كتبه الدكتور أبو العلاء عفيفي عن موقف ابن خلدون من الفلسفة والتصوف. نجد التوفيق يحالفه في عرض آراء ابن خلدون في الفلسفة عموما والإسلامية خصوصا.. أما في نقده وعرضه لآرائه في التصوف فقد ابتعد عن الصواب.
وذلك يرجع إلى أن لابن خلدون آراء في التوصف نجدها مبعثرة في المقدمة هنا وهناك.. كما أن له آراء مجموعة في كتابه (شفاء السائل لتهذيب المسائل) الذي طبع بتركيا بعناية وتصحيح وتعليق الأستاذ محمد بن تاويت الطنجي.
ويظهر أن الأستاذ عفيفي لم يرجع إلى (الشفاء) لربط آراء ابن خلدون في التصوف وتسلسلها وإظهار ما طرأ عليها من تغيير بسبب الحالة النفسية التي كانت مسيطرة على المؤلف أثناء كتابة (الشفاء) ثم (المقدمة)  فيما بعد...
وبصفة إجمالية فإن ابن خلدون يبدو في المقدمة وقد عركته التجارب. وصرعته النكبات والأحداث يكيل إلى نوع من الملاينة للمتصوفة والتماس العذر لبعضهم في كثير من القضايا التي أثاروها بخلافه في (الشفاء) فإن آراءه كان قاسية عنيفة لا هوادة فيها ولا ملاينة.. كما أن له فتوى في الموضوع ألحقها الأستاذ ابن تاويت بالكتاب المذكور...
وقد كان ابن خلدون متصرفا عندما عرض آراء الصوفية وهاجم بعضها وانتصر للتصوف الشرعي المبني على الاستمداد من الكتاب والسنة.
كما كان فيلسوفا حينما حاول إبطال الفلسفة من أساسها ولاشك انه كان يهني فلسفة ما وراء الطبيعة التي لا تؤدي –في نظره- إلا إلى الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا.
وقد رأيناه في مستهل المقدمة يريد أن يعوز ما كتبه فيها وفي غيرها إلى الإلهام الذي ألهمه الله فقال مفتخرا :
«في غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبدان».
ولننتقل بعد هذا إلى البحث الطريف والكشف الجديد الذي أتحفنا به الدكتور عبد العزيز الأهواني في موضوع :
«ابن خلدون وتاريخ فني التوشيح والزجل».
والدكتور الأهواني له أبحاث موفقة في الأدب الأندلسي ولاسيما فني التوشيح والزجل وله مؤلف قيم في الموضع أفادنا كثيرا عن نشأتها وتطورهما ولغتهما وأصحابهما.
وكان الفصل الذي كتبه ابن خلدون في الموضوع منارا للباحثين لما جمعه من معلومات دقيقة فريدة من نوعها... ولكن بحث الدكتور الأهواني أداه إلى اكتشاف عظيم الأهمية وهو أن الفصل المذكور لم يكن إلا جزءا من كتاب لابن سعيد مؤلف المغرب. والغصون اليانعة. والقدح المعلى. وغيهرا من الكتب. واسم الكتاب المكتشف هو :
(المقتطف من أزاهر الطرف)
وقد عثر الدكتور الأهواني على مخطوطين للكتاب ووصفهما في بحثه ثم نشر نصا من كتاب ابن سعيد وقابله بما عند ابن خلدون في المقدمة بما لا يدع مجالا للشك أن ابن خلدون نقل ما كتبه ابن سعيد بالحرف مع تصرف بسيط يوهم القارئ أنه اعتمد عليه في بعض الأجزاء منه فقط مع أن الواقع خلافه.... وقد قال الدكتور الأهواني في ختام المقارنة : (فقد أصبح من حقه (ابن سعيد) على من ينقلون هذه الأخبار عن التوشيح والزجل بالأندلس من العلماء المحدثين أن يقولوا : (قال ابن سعيد في المقتطف) بدلا من قولهم. (قال ابن خلدون في المقدمة)....
وبعد فقد كان هذا السفر الضخم تحفة علمية مشرفة لإنتاج ابن خلدون الفكري.. أما شخصية ابن خلدون وتاريخ حياته فلم يعن بها الباحثون إلا قليلا وقد عهد إلى الدكتور عبد الرحمان بدوي بتأليف كتاب خاص عن مؤلفات ابن خلدون واستقصاء الحديث عنها.. ويظهر أن الكتاب ألف فعلا لأن المقدمة تتحدث عنه وتصفه بإعجاب فعسى أن يكون في طريقه إلينا....
        

 
  

 


 

 

  
                                                                          

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here