islamaumaroc

أفلوطين ومدرسة الإسكندرية -2-

  دعوة الحق

62 العدد

عاش افلوطين سنوات نضجه الفكري والفلسفي في الجو الروحي الذي وصفناه في نهاية مقالنا السابق، في جو «مدرسة الاسكندرية».
وان لم يكن من الثابت أن معلمه أمونيوس كان من أتباع مذهب الهرامسة، لكن تعاليمه اتخذت مثل تعاليمهم صفة التلقين والإرشاد، وكانت تعاليم مغلقة سرية. أن أمونيوس كان يعلم الأفلاطونية القديمة، وكان يعمل في ذات الوقت على أن تتغلغل معاني تلك الفلسفة في نفوس تلاميذه، كما كانت تتغلغل التعاليم الهرمسية في نفوس «مريديها».
ولكن أفلوطين لم يكتف لا بالتصوف الهرمسي الذي اتخذ كما رأينا صفة السحر الروحاني، ولا بالتعاليم الافلاطونية التي تلقاها من امونيوس، بل جمع في روح جديدة هي فلسفته، او هي بعبارة أدق المدخل إلى فلسفته، بين التصوف الهرمسي وبين الأفلاطونية القديمة، انه وضع التعاليم الأفلاطونية في جو هرمسي اسكندراني، كما فلسف التصوف الهرمسي بعقل افلاطوني.
وثمرة هذا التفلسف نظرية أفلوطين في العالم المعقول. ولسنا نريد الدخول في تفاصيل هذه النظرية، وكيف أصبح التصور الأفلاطوني القديم للمثل تصورا يختفي فيه التمايز المطلق بين العالم المحسوس والعالم المعقول، فيظهر العالم المحسوس في صفاته وملامحه وحدها، وتزول عنه علامات الجمود والمقاومة والانقسام، كما يظهر العالم المعقول على هيئة كون متصل كل الاتصال، منير يحسه العقل وينفعل به، يتعقل الإحساس ويفهمه.
وقد كان من العوامل التي أدت إلى نشأة مذهب أفلوطين في العالم المعقول، هذا التطور للفلسفة الأفلاطونية، الذي تم على يد مؤلفي «المجموعة الهرمسية». وقد سجلنا(1) هذه الصفحة التي يصور فيها الهرامسة تحول العالم والإنسان بدخول العامل الالهي فيهما. ولمثل هذه الصفحة اصداء عميقة في نفس افلاطون، نتبينها في «تساعياته»، وخاصة المقال الثامن من «التساعية الخامسة».
ولكن افلوطين لم يقف عند أصداء الهرمسسية، كما لم يقف عند العالم المعقول، بل جاوز العقل والمعقول إلى ما فوقهما، وجاوز بذلك «مدرسة الاسكندرية» إلى مرحلة لم تعرفها تلك المدرسة. ارتقى من العقل والمعقول إلى الاله، وإلى «الواحد».
ورأينا أن هذه المرحلة الجديدة، قد نشأت تحت تأثير عوامل افلاطونية قديمة، وعوامل غير افلاطونية حديثة لا بد من الإشارة إليها.
فالهرامسة لم يعرفوا الطريق إلى الاله، وإلى الخير: فليس الاله أو الخير موضوع معرفة أو قدر كما تصوروا. انه موضوع أقوى الرغبات، وأعمق العواطف، موضوع الحب والمحبة. ان ما افتقر إليه رجال الاسكندرية في تصورهم للخير هو حب الخير ذاته.
وقد طالع افلوطين مع معلمه امونيوس محاورات «فيدون» و «المادية» و «فايدروس» وتعلم منها طريقي الامانة والمحبة اللازمين لبلوغ الخير، وتعلم هذين الطريقين أيضا بالممارسة والتجربة الشخصية، وجاوز في تصوره وممارسته هذه الحب الافلاطوني ذاته. صور لنا في عاطفة الحب شعور المحب التدريجي بأن المحبوب الغائب يترك في نفس المحب فراغا يحاول ملأه بصور من خياله، ويربط المحبوب بتلك الصور، ويغدق عليه ما يحمل خياله الشخصي من كمال ينزع إليه لم يجده في الانموذج الواقعي. هذا إلى أن ينتهي به الأمر إلى تعرف ما يحتويه الحب الإنساني، وما يؤدي إليه من خلاء وفراغ في النفس لا يملؤهما كائن من الكائنات مهما تكن مرتبته، بل لا يملؤهما تصور العالم كله، وما فيه من بهجة وكمال. والمحب في ذلك يجهد نفسه ما استطاع لتطهيرها، لا من ادران البدن ولا من الصور المحسوسة فحسب، بل من الصور المعقولة أيضا، غير مرتبط لا بكائن ولا بمعقول، ولا بعلم أو حكمة، حتى اللحظة التي يتعرف فيها أن رغبته وخيالته وقدرته لا تصلح إلا لتوسيع ما في نفسه من خلاء وفراغ. وأغرب الأمر أن ذلك الفراغ، ذلك الشعور بالعدم الذي يورث النفس جزعا يعرفه المحبون وحدهم، يتسع ويتوطد فيها كلما اشتدت العاطفة تأججا، وكلما تقدمت النفس في تطهير ذاتها وتصفيتها.
وفجأة يحسب المحب بحضور غريب لا مثيل له، ينسى عنده نفسه وبدنه وكل شيء في العالم. ما هو؟ ما نفسه؟ هذا ما لا يباليه في الوقت الحاضر.
لحظة فرح عظيم لا يضارعه أي فرح، ولا تريد النفس عنه بديلا. اذا منيت بحيازة العالم كله، أو بحياة مؤبدة في نعيم الكائنات المعقولة النورانية، على أن تضحي بلحظة الفرح هذه، لما أرادت التضحية بتلك اللحظة. نعم إنها لحظة تماس، تمضي كوميض البرق، وتترك في النفس بعدها فراغا، اعظم مما كان فيها من قبل، قد لا تطيق بعده الحياة، لولا تذكرها تلك اللحظة وتمعنها فيما احتوته وتضمنته من دروس وحقائق تجعلها تفهم كل شيء وتقدر كل شيء. انها تتذكر اتحادها بكائن لا يمكن أن تقول عنه إلا أنه الخير كله، وأنه هو الذي تاقت إليه في أعماق حبها. ولا يمكن أن تتهم بخداع أو توهم فيما رأته وأحسب به في تلك اللحظة التي عرفت عندها هذا الكائن، ما دامت هي مستعدة إلى إنكار كل شيء وذاتها في سبيل إثبات مارأته، وما أحست به.
نعم لا يمكن أن تتهم بخداع أو توهم، ولا أن يقال أن شدة حبها من ناحية، وأن الجزع من خلاء ذاتها من ناحية أخرى، قد ولدا فيها شعورا بحضور، أو يقينا باتحاد، أو ثقة بوجود كائن أسمى. انها لم تكن تتوقع شيئا مما رأته، ولم تكن تتنبأ به، لكنها عرفت بعد ذلك انها دعيت خفية إلى لقاء، وان الداعي لم يخيب آمالها.
هذه خلاصة تجربة افلوطين للحب والاتحاد بالاله، قيل انها تجددت له مرات أربع على الأقل أثناء حياته.
واضح أننا لا نجد شيئا يماثل ذلك لا عند الهرامسة من ناحية، ولا عند أفلاطون نفسه من ناحية أخرى، وأن افلوطين قد تقدم على الفلسفة الأفلاطونية القديمة تقدما عظيما، فأفلوطين لم يتخذ تجربة الحب كما فعل أفلاطون كمنهج يضاف إلى مناهج أخرى، غاية اتقان العلم ذاته سواء في صوره الرياضية أو في صوره الفلسفية. ولم يقف الحب عند الجمال الذي وقف عنده أفلاطون. هذا لأن الجمال صفة العالم المعقول، وهو مخلوق مثل هذا العالم. انه جاوز الجمال إلى أصل الجمال وخالقه أي إلى الخير، ثم أن افلوطين لم يقف عند رؤية بعيدة للخير، لم يكتف بأن يلمح الخير. انه بلغ اتحادا يفنى المحب فيه لحظة اتحاده.
وعلاوة على ذلك، وأهم من كل ذلك، فافلوطين، قد اعتمد على تجربة الحب هذه ليصور لنا طبيعة الاله بقدر ما يستطيع الإنسان ذلك. فكان التصوف الافلوطيني أساس اللاهوت الافلوطيني.
وسؤالنا الآن هو: إذا كانت مدرسة الاسكندرية قد أعانت على تحويل الفلسفة الافلاطونية إلى نظرية جديدة في العالم المعقول والمثل، فما الذي أعانه على الارتقاء فوق العالم المعقول ومكنه من الوصول إلى نظرية جديدة للاله.
قد أشرنا فيما سبق إلى أنه لا يمكن تفسير رحلته إلى الشرق برغبته في تعلم فلسفات فارس والهند، كما ادعى فورفيريوس، ولا يمكن أن نفسر تحوله عن الأفلاطونية وعن الاسكندرانية بما تعلمه أو بما رجا أن يتعلمه من تلك الفلسفات، هذا لأن رحلته كما ذكرنا كانت قصيرة الأمد، ولم تجاوز حدود آسيا الصغرى، ولأنه سافر إلى الشرق لا لأجل الشرق بل لاقتفاء آثار الإمبراطورية في الشرق، وانه لم ير بعد وفاة الإمبراطور داعيا لأن يبقى في تلك البلاد، أو إلى السفر إلى ما بعدها في الشرق أو أقصى الشرق.
كلها بصدد الإله حتى المواقف السالبة المذكورة، قيمة إيجابية عظمى. فالأساس الذي ذكرناه أي القضية  عظمى لم تكن له من قبل. ويؤدي بنا التمعن في تلك التجربة إلى أن تقرر أن كل يقين، أو كل حقيقة كما حائزين لها لم تضعف بتلك التجربة بل تأيدت بها وتوطدت: هذا لأنها تعلمنا بأن صلة الإله بالمخلوق ليست صلة خارجية، بل صلة باطنية عميقة، وبأن الإله يؤثر فينا وفي العالم كله، ويقيم فكرنا والعالم كله، «من الباطن وفي الأعماق» كما يقول افلوطين (18/8(V
ويؤدي بنا التمعن إلى أن تقرر أيضا أننا كنا متهيئين لها قادرين عليها، وان في طبيعتنا شيئا من الاله الذي قدرنا على هذا اللقاء وذلك الاتحاد، وان الإله «الغائب» ليس غائبا بالفعل، بل إننا نحن الذين كنا غائبين عنه، أو نائمين. إن الإله قديم فينا وفي العالم، وأن تفكيرنا الفلسفي يبلغ الوجود والحقيقة المطلقة عن العالمين المعقول والمحسوس، لأنه تفكير في الإله، وهو تفكير في الإله لأن الإله ذاته في أساس هذا التفكير ومصاحب لهذا التفكير.
يبدو إذن أن أفلوطين لا يقف عند لاهوت سلبي، وانه يحاول على أساس التجربة الصوفية أن يعطينا لاهوتا إيجابيا. والسؤال الذي يجب وضعه هنا هو: وكيف يكون هناك وصف إيجابي للإله على أساس التجربة الصوفية، ما دامت تلك التجربة تحرمنا من الكلام عن الإله في ذاته؟ يقول أفلوطين إنه لا بد من أن نعتمد في محاولتنا الإيجابية هذه على استعارات وتشبيهات (VI 8,13 ) وتستمد تلك الاستعارات والتشبيهات قيمتها من يقين التجربة الصوفية ومن هذا الأساس الإيجابي الذي ذكرناه، أي اثبات وجود مبدأ أسمى يفسر العالم والعقل، هذا الأساس الذي اكتسب قوة عظمى بفضل التجربة الصوفية.
استخدم اذن أفلوطين منهجا سلبيا في اللاهوت، ثم استخدم منهج المماثلة والتشكيك، أي اعتمد، بعد التنزيه، على التشبيه.
وما مصدر التشبيه؟ ما هذا الشبه للإله؟ ما تلك الصورة؟ ما ذلك الرمز للإله الذي مكنه، بعد التجربة، من الكلام عن الإله ووصفه؟
للإجابة على هذا السؤال، يجب أن نعود مرة جديدة إلى تلك الدوافع التي قادت أفلوطين إلى اقتفاء آثار الإمبراطور الروماني جورديان، ثم إلى الاستقرار في روما، وتأسيس مدرسته الفلسفية فيها، بعد فشل الإمبراطور دورديان. والدوافع في كلتا الحالتين –ترك الاسكندرية إلى الشرق، والاستقرار في روما- واحدة، وهي متصلة إلى حد ما بشعور أفلوطين بالقلق أثناء حياته بالاسكندرية، وذلك بعدما لاحظ من تقلقل في الحالة السياسية وتعرض البلاد إلى الغزو. شعور لابد قد منعه من التفكير في إنشاء مدرسة فلسفية لها آثارها في حياة الأفراد والمجتمع. ولا يبعد أن يكون هذا الشعور قد أدى به إلى التفكير في روما لتكون مركز تلك المدرسة. ولكنا نعتقد أن تلك الدوافع متصلة اتصالا أشد بامبراطور روما نفسه. فإننا نرى أفلوطين رغم خيبة أمله من جورديان في آسيا، يذهب مباشرة إلى روما دون المرور بالاسكندرية ويفتح فيها مدرسة ويبدأ تعليما. ثم يجيء بعد ذلك، لاستماع دروسه في تلك المدرسة، الإمبراطور جاليان نفسه، الذي كان حاكما في ذلك الوقت. وبدأ أفلوطين يركن بعد ذلك إلى هذا الإمبراطور في شأن إنشاء «مدينة فاضلة» على غرار «جمهورية أفلاطون» يعيش فيها مع تلاميذه ومع سكان المناطق المجاورة.
ولسنا نريد الدخول هنا في الكلام عن جاليان، وعن الأعمال والإصلاحات التي قام بها أو شرع فيها(2) ولا شك في ان افلوطين عرف شيئا عن تلك الإصلاحات، مما شجعه على المضي في تعليمه الفلسفي، وعلى التفكير في مشروع مثل مشروع «المدينة الفاضلة». ولكنا نذهب أبعد من ذلك، ونفترض أنه رأى في شخص جاليان –بعد خيبة أمله في جورديان – قوة نموذجية، كان في أشد الحاجة إليها، وكانت غائبة من حوله، وذلك منذ صغره، بل نفترض فوق ذلك، ان فكرة «الملك» أو الإمبراطور هي فكرة لانموذج بشري كما يقول يونج (Yung) أو هي فكرة للشبه الذي كان يبحث عنه أفلوطين لتوطيد نظريته في الإله.
ولا بد من أن نتساءل مرة أخرى: ولماذا بحث أفلوطين عن نموذج بشري للإله؟ ولماذا أخذ هذا النموذج، في خيال أفلوطين، صورة الملك أو الإمبراطور؟ ما السبب السيكولوجي الذي جعله يبحث عن هذا النموذج ويرضى بتلك الصورة؟.
لا نستطيع هنا إلا أن نضع على أساس ما ذكرناه في البداية(3)، افتراضا يتأيد نظريا على الأقل(4)، برضى افلوطين عن وصفه للإله، في ضوء «النموذج الملكي» - وافترضنا هو أن افلوطين شعر منذ صغره بغياب معين، كان له أشد التأثير في نفسه وحياته وتفكيره، نقصد غياب الأب، أو على الأقل غياب سلطة الأب، واعتقادنا أن حادث المرضعة وكشفه عن ثديها حتى سن الثامنة، كان من علائم انعدام تلك السلطة وضعفها من حوله. لذلك كان تعلقه شديدا بامونيوس، عندما التقى به في الاسكندرية، وهو شاب في الثامنة والعشرين، ووفاؤه لذلك المعلم وفاء خالصا طويلا، رغم حنث رفاقه بالوعد الذي قطعوه على أنفسهم بأن يحتفظوا بتعليم امونيوس سريا، ورأينا فوق ذلك أن تأخره بالاسكندرية، وتأخره بالتالي عن إنشاء مدرسته الفلسفية، إنما هما من علائم مراهقة طويلة، وان تركه للاسكندرية ورحلته الى الشرق ثم الغرب، واستقراره بروما، ان كل ذلك من علامات يقظة نهائية وارادة حاسمة لتحقيق مشروع كامل كان في نفسه. وعاقته مختلف الأحداث القديمة و الجديدة، والشخصية و السياسية والتاريخية .
هذا هو افتراضنا، ويمكننا ان نعرض الى وصف الاله، كما يتبين من بعض أهم نصوص المقال الثامن للتساعيات السادسة .
في عنوان الكتاب "ارادة الواحد و حريته " اشارة واضحة الى صفة القدرة الالهية الكاملة، تلك الصفة التي يتم بها تعينه، و التي يعين بمقتضاها مرتبة الكائنات كلها وطبيعتها ووجودها .
ان الإله واحد، أي لاينقصه التعين، لا التعين بالحد او بالماهية، بل التعين بالاستقلال والانفراد الكاملين، انه في انفراد وانعزال كامل عما ليس هو .
انه ملك اذن، لان القدرة التي تتمثل في هذا الانفراد المطلق هي ما تجعله يظهر او لا يظهر للكائنات حسب مشيئته، انه هو الذي يختار وقت ومناسبة ظهوره، وصفة ذلك الظهور، كما يقول افلوطين في الفصل التاسع من " المقال المذكور " . هو الملك، يقولها افلوطين، اكثر من مرة (  12v 5 ,) (3 ، 5 v) لا ملك صدفة او اتفاق، بل ملك ارادته واختياره ومالكهما . فالملك ذاته هو الذي يقرر الظهور، لا الشعب ولا رغبات الشعب. ومن ناحية اخرى يكون ظهوره في موكب، وحسب نظام و ترتيب محكمين، يتقدم الموكب الحراس فالحاشية فأقرب القربين الى الملك، وفجأة يظهر الملك. وعلامة المفاجأة هذه ان كثيرا من المتفرجين على الموكب يرحلون قبل ظهور الملك ذاته، مكتفين برؤية حاشيته او المقربين اليه، رمزا لهؤلاء الذين يكتفون في التأمل بأبهى الأشياء في العالم المحسوس كالكواكب مثلا، او رمزا لهؤلاء الذين يكتفون بتأمل المثل والمعقولات. وهناك من المتفرجين من يتوقف حتى ظهور الشخص السابق على الملك، سواء أكان أميرا من الأمراء أو ابن الملك ذاته، رمزا لهؤلاء الذين يتأملون الملك في الجمال الكامل، أو لهؤلاء الذين يقفون في تفلسفهم عند العقل الالهي، كالاسكندريين مثلا.
وتتضح علامة المفاجأة هذه في تشبيه عظيم يقوم به أفلوطين في الفصل الخامس والثلاثين من الكتاب السابع للتساعية السادسة، حيث يتكلم عن شخص دعي لزيارة منزل أنيق، فأخذه العجب بكل ما فيه من أثاث وزخرف وصور وتماثيل، بلغت غاية الجمال. ولكن الباب يفتح فجأة على صاحب الدار، وللتو يترك الزائر كل ما كان ينظر فيه، ويهرع للقاء صاحب الدار .
يظهر الملك اذن دون سبق إعلان. يتساءل أفلوطين : وما الذي يقوله عندئذ، هذا الذي أسعده الحظ بالانتظار حتى النهاية ؟ ما الذي يقوله ؟لا شيء. يقف واجما، لانه لم يعد هناك شيء جدير بالانتظار. وما الذي رآه ؟ أشياء لا توصف بلغة بشرية .
ما الإله ؟ انه ليس شيئا ينظر، انه يظهر في تلك اللحظة التي تتوقف عندها قدرتنا الشخصية على النظر، أي على التصويب الدقيق والرؤية المحددة.   
فالإله ذاته هو النظرة، نظرة مستمرة (16 ، 8 VI) لا نظرة كائن منشغل بما يراه، ولا يقظة كائن منزعج على أمور لم تحدث بعد. إن الإله نظرة ويقظة فحسب، وبمقتضاها تتم التعيينات والأحداث .
والإله أمر ( 20، 8  VI) :لا انه يأمر الآخرين فيطيعوه ولا يأمر نفسه بالقيام بأفعال، انه مجرد الأمر وبالأمر تتم الأشياء.
انه الحرية المطلقة، انه الفرصة والفارق بين الفرصة والمناسبة، ان المناسبة تفترض الاتفاقيات، فهي من علامات حرية ناقصة كالحرية الإنسانية، أما الفرصة ففيها علامات القدرة والحرية المطلقتين* .

خاتمة :
نختتم هذه الدراسة المختصرة بالعودة الى السؤال الرئيسي الذي وضعناه في البداية :وما علاقة أفلوطين بمدرسة الإسكندرية؟
في الاجابة على هذا السؤال، يجب ألا ننسى المعنى الذي يجب اعطاؤه للعبارة «مدرسة الاسكندرية »:انها لم تكن مدرسة فلسفية بالمعنى المفهوم، بل كانت نزعة عقلية شاعت في مدينة الإسكندرية منذ بداية العهد الميلادي، و قوام هذه النزعة توجيه الفلسفة بوجه عام، والفلسفة الأفلاطونية بوجه خاص، نحو خلاص النفس ومعرفة الاله، والاتحاد به اتحادا يحقق هذا الخلاص. وقد مثل الهرامسة هذه النزعة تمثيلا واضحا في نهاية القرن الميلادي الثاني، وجاء اموينوس معلم افلوطين في هذا الوقت تقريبا ليحي الفلسفة الأفلاطونية القديمة، في جو سكندري هرمسي، بدليل سرية التعليم، وهذا القسم الذي أشرنا إليه في ما مضى.
وقد رأينا أفلوطين مدينا لهذا التعليم ولهذا الجو الروحي الإسكندري بما عمله لتحويل النظريات الأفلاطونية القديمة وخاصة نظرية الغالم المعقول. انه مدين للاسكندرية وللهرامسة بوصفه للعالم المعقول. هذا الوصف الذي يظهر فيه العالم المعقول في صورة تكاد تجعله محسوسا ملموسا.
هذا هو ميراث الاسكندرية، أخذه معه أفلوطين في رحلته الى الشرق. ولا نظن هذا الميراث قد تغير في جوهره أثاء تلك الرحلة، أو أن أفلوطين قد أضاف اليه جديدا اكتسبه كما قيل من ديانات الشرق. وقد كيف أفلوطين هذا الميراث العقلي باسلوبه الرائع في التعبير عن العالم المعقول (راجع بوجه خاص الفصلين الخامس و التاسع من المقال الثامن للتساعيات الخامسة ).
ونقول انه اذا كان افلوطين (5)قد وقف في فلسفته عند هذا الميراث العقلي مكتفيا بصياغة شخصية رائعة لهذا الميراث، لا يستحق أن يكون فيلسوفا اسكندرانيا، بل لصح أيضا نطلق عليه لقب زعيم «مدرسة الاسكندرية».
ولكن هذا الافتراض غير صحيح لأننا نعلم أن أفلوطين قد جاوز الإسكندرية وتعاليمها، وجاوز الفلسفة الأفلاطونية كما كانت تعلم بالاسكندرية . وقد رأينا معالم فلسفة أفلوطين في موضوع الإله، وكيف كان إنشاء هذه الفلسفة واسلوب التعبير عنها مرتبطين بفكرة الامبراطور الروماني، بحيث يمكن القول أن فكرة الامبراطور كانت مناسبة لتطبيق منهج التماثل في العلم الالهي، بل ربما أمكن أن تقول أن هذه الفكرة أعطت أفلوطين نموذجا واقعيا، أعانه على وصف الاله، وعلى التعبير عن التجربة الصوفية، وخاصة عن تلك اللحظة التي لا يمكن التعبير عنها في حقيقة الامر، وعلى وجه مباشر، عن لحظة الاتحاد.
ولكنه يبقى بعد ذلك أن أفلوطين كان، بالرغم من كل شيء، فيلسوفا اسكندرانيا، لا بالطبع من حيث انه تزعم أو أسس مدرسة فلسفية بالاسكندرية، ولا من حيث أنه بقي تلميذا روحيا مخلصا لما سميناه «مدرسة الاسكندرية» ولكنه كان فيلسوفا اسكندرانيا، من حيث أن الهامه الأساسي يرجع الى الاسكندر نفسه، مؤسس مدينة الاسكندرية، والمسؤول في نهاية الامر عن نشأة فكر اسكندراني، كما أشرنا الى ذلك في كتاب سابق*
وقد يأخذ منا شرح هذه القضايا مأخذا طويلا، تتغافل عنه في هذه الدراسة المختصرة. ولكن يكفينا أن نسجل من ناحية أن نموذج (الإمبراطور) كما تمثل لأفلوطين هو أحياء لفكرة الحاكم العالمي التي ألهمت الاسكندر في القرن الرابع قبل الميلاد، كما بين ذلك اولريح و يلكن، من أكبر مؤرخي الاسكندر في العصر الحاضر.
ويكفينا أن نسجل من ناحية اخرى، أن الاسكندر لم يكن حاكما أو قائدا، أو محاربا فحسب، بل كان (مريدا) بمعنى أشرنا اليه في كتابنا السابق هذا: مريدا لاله الشمس والسماء، هذا الذي كان يستلهمه الاسكندر في بداية مشروعاته و فتوحاته؛ وان رحلات الاسكندر وتنقلاته المستمرة لم تكن في حقيقة الأمر الا مظاهر لشخصيته كمريد، بل ان هذه التنقلات التي لم تتوقف الا بموت الاسكندر، هي دلائل على أن الاسكندر كان «مريدا» قلقا، لم يبلغ مرماه .
وقد كان أفلوطين مريدا فلسفيا لأمونيسوس بالإسكندرية. أما وقد وجد شيأ من الاستقرار بجوار العاهل الروماني، فالأغلب أن هذا الاستقرار كان ذاته رمزا الى(6) استقرارأعمق وأقوى، الى استقرار النفس بجوار الاله القدرة و المجد، هذا الإله الذي صوره أفلوطين تصويرا رائعا في « التساعيات السادسة و الأخيرة ». وعلى ذلك، فيصبح أن تقول أنه بهذا الاستقرار النهائي، قد ختم مطاف «المريدين»الاسكندرانيين السابقين، وعلى رأسهم أمامهم الاسكندر والملهم الأول لمدرستها. 

(1) راجع مقالنا السابق في (دعوة الحق) ماي يونيه 1963 صفحة 46
(2)  راجع في هذا الموضوع مقالات ليون هومو الشهيرة في الإمبراطور جاليان وأزمة الإمبراطورية الرومانية، في «المجلة التاريخية» 1913.
(3) راجع (دعوة الحق) ماي يونيو 1963 صفحة 42
(4) واضح أن منهج علم النفس التحليلي لا يمكن أن يكون استنباطا في تاريخ الفلسفة ما دام (التحقيق) في هذا المنهج يقوم على ملاحظة فعلية للتطور السيكولوجي للإنسان الحي.
(5) تطلق كلمة "الفرصة" في الكتاب المقدس، على اليوم الذي يختاره الإله للظهور و التجلي
«أما ذلك اليوم و تلك الساعة، فلا يعلمها أحد، ولا ملائكة السماوات. «متى 36:24»
«أما عن الأزمنة و الأوقات، فليست هناك ضرورة مالان يكتب لكم عنها
 «الرسالة الاولى لا هل تسالونيقية    2:5 »
«ناموا الآن واستريحوا لقد قضى الأمر وأتت الساعة » مرفس :14،41
وفي هذا المعنى يمكن الرجوع الى الآية الأولى من« سورة القمر»
(اقتربت الساعة وانشق القمر).
(6)«تمهيد لتاريخ مدرسة الاسكندرية و فلسفتها» دار المعارف بالقاهرة 1962

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here