islamaumaroc

نظرات حول كتاب صبح الأعشى للقلقشندي.-3-

  دعوة الحق

62 العدد

المقالة الأولى(1) في بيان ما يحتاج إليه كاتب الإنشاء من المواد.
قدم إلينا المؤلف في المقدمة اختصاصات الكاتب وما يتصرف فيه من أعمال وأظهر لنا في هاته المقالة الحصانة الثقافية التي يجب أن يرتكز عليها في القيام بمهمته، وقد قسمها إلى بابين : فخض الباب الأول لما يحتاج إليه الكاتب من الأمور العلمية والباب الثاني لما يحتاج إلى من الأمور العلمية، وعادة المؤلف في كتابه أنه يحدد على القارئ استرجاع ما درسه كلما أراد ذلك وبهاته الطريقة جعل كتابه جامعا بين المنهاج التعليمي الذي ييسر للقارئ المعرفة عن طرق تستدرج به من المقدمات إلى النتائج.

ووفقا لمنهاجه فقد قسم الباب الأول إلى فصول ثلاثة :
الفصل الأول فيما يحتاج إليه الكاتب على سبيل الإجمال.
الفصل الثاني : فيما يحتاج إليه من مواد.
الفصل الثالث فيما يحتاج إليه من معرفة الأزمنة والأوقات.

أما الفصل الأول : فلم يأخذ من كتابه إلا جزءا يسيرا فهو قد تحدث فيه عما يجب على الكاتب أن يعلمه من المواد العلمية العامة، ونقل إلينا نظرتين مختلفتين إحداهما ترى بأن الكاتب لا يحتاج من المواد إلا الخط واللغة والبلاغة والعلم بترتيب أعمال الدواوين وهي التي سار عليها أبو جعفر النحاس في كتابه (صناعة الكتاب)، وأما الثانية فهي تلزم الكاتب بالإطلاع على مختلف العلوم ولا تفرق بين المواد اللغوية والإنشائية وبين المواد العلمية، وهي نظرية ابن قتيبة في كتاب (أدب الكتاب) وتبعه عليها أبو هلال العسكري في كتاب (الصناعتين).
ولم يكتف القلقشندي بعرض الرأيين ون أن يبدي رأيه الخاص فذكر بأن الحاجة إلى العلوم تختلف باختلاف الكتابة بحسب توعها (فكل نوع من أنواعها يحتاج إلى معرفة عن أو فنون تختص به).

وأما الفصل الثاني : المتعلق بمعرفة مواد الإنشاء فقد قسمه إلى أطراف ثلاثة(2) فجعل الطرف الأول لما يحتاج إليه الكاتب من الأدوات، والطرف الثاني لما يحتاج إلى وصفه من أصناف الكتابة، والطرف الثالث لصنعه الكلام ومعرفة كيفية إنشائه ونظمه.
أما ما يحتاج إليه الكاتب من الأدوات فذكر تسعة عشر نوعا :
النوع الأول : المعرفة باللغة العربية ليستعين بها على التعبير الصحيح وليجعلها قالبا للمعاني إلى الغريب ليستكشف به المعاني المختلفة من أشعار العرب وخطيهم ويتوصل إلى معرفة بعض آي القرآن، ويحتاج أيضا إلى معرفة المتباين والمترادف، والحقيقة والمجاز والألفاظ المتضادة وتسمية المتضادين باسم واجد والمقصور والممدود والمذكر والمؤنث والمهموز وغيره، وما ورد من كلام العرب مزدوجا وما ورد من كلامهم مثنى على سبيل التغليب أو على سبيل الحقيقة، وما ورد من كلامهم مرتبا وما ورد مورد الدعاء وماتختلف أسماؤها مع المتشابهة في المعنى، وما تختلف أسماؤه وأوصافه باختلاف أحواله ومعرفة الأصول التي تشتق منها السماء، وما نظمت به العجم على وفق لغة العرب وما اضطر العرب إلى تعريبه وقدم لكل ما مضى أمثلة مقتبسة من كتب اللغة العامة فاعتمد على فقه اللغة الثعالبي وأدب الكاتب لأبي جعفر النحاس وكنز الكتاب لكشاجم، وكفاية المتحفظ لابن الأجذابي والمذهبة والمعقبة لابن أصبغ.
كما نذكر أيضا بأن الكاتب في حاجة إلى معرفة الفصيح وهو الذي روي عن العرب الذين سلمت لغتهم من التأثر بلغة الأعاجم لأنهم كانوا بعداء عن الحدود ما يجب عليه أن يطلع على ما تلحن فيه العامة وتخرجه عن موضعه ليجتنبه في كتابته، ويجب عليه أيضا أن يلم بالألفاظ الكتابية التي اصطلح الكتاب على استعمالها لغتها ورشاقتها وسلالتها وسلامتها من التعقيد والغرابة، وقد وصف الجاحظ هاته الألفاظ فقال : (ما رأيت أمثل طريقة من هؤلاء الكتاب فإنهم التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا ولا حوشيا ولا ساقطا شوقيا)، ومثل المؤلف لذلك فقال كقولهم في لإصلاح الفاسد : أصلح الفاسد، ولم الشعت، وراب الشعب، وضم النشر، ورم الرث، وجمع الشتات، وجبر الكسر، وأسا الكلم، ورفع الخرق، ورتق الفتق وشعب الصدع، ثم قال وفي كتاب الألفاظ لعبد الرحمن بن عيسى الكاتب كفاية من ذلك.
النوع الثاني : المعرفة باللغة العجمية ليستطيع أن يترجم لملكه بعض المكاتبات الخاصة التي ترد عليه من ملوك العجم، وذكر بأن الضرورة قد تدعو الكاتب إلى أن يتعلم اللغة التي يحسنها ملكه ليلقي الخطوة والجاه عنده، (فإن الشخص يميل إلى من يخاطبه بلسانه لاسيما إذا كان من غير جنسه، كما تقبل نفوس ملوك الديار المصرية وأمرائها وجندها لمن يتكلم بالتركية من العلماء والكتاب ومن في معناهم على ما هو معلوم مشاهد).
النوع الثالث : المعرفة بالنحو ليتعود على النطق الصحيح ويسلم من اللحن في كتابته وقوله.
النوع الرابع : التصرف ليعرف أصل الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها فيتصرف فيها بالجمع والتصغير والنسبة إليها وغير ذلك.
النوع الخامس : المعرفة بعلوم المعاني والبيان والبديع لتقوي ملكته ويسلم ذوقه ويحسن تعبيره فإن الذي لا يطلع على هاته العلوم لا يميز بين الجميل وغيره، ولا يستطيع أن يدل على مواطن الاستحسان في الكلام ولا أن ينشئ ما ترنو إليه الأعين أو تشتاقه الأذان.
النوع السادس : حفظ كتاب الله تعالى للاستدلال به كلما احتاج إليه، وقد اختلف في جواز الاستشهاد بالقرآن الكريم في المكاتبات ونحوها، فذهب أكثر العلماء إلى جواز ذلك ما لم يحد عن لفظه ولم تتغير معناه، وقد ذكر المكاتبات المشتملة على ذلك فكانت نماذج أدبية وتاريخية لا تخلو من فائدة.
النوع السابع : الاستكثار من حفظ الأحاديث النبوية وقد ذكر ابن قتيبة في أدب الكاتب أن الأحاديث التي ينبغي للكاتب حفظها الأحاديث المتعلقة بالفقه وإحكامه كقوله : (ص) (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، والخراج بالضمان وجرح العجماء جبار، ولا يغلق الرهن، والمنحة مردودة، والعارية مؤداة، والزعيم غارم، ولا وصية لوارث، ولا قطع في ثمر ولا كثر، ولا قود إلا بحديدة، والمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها، ولا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا لا اعترافا، ولا طلاق في إغلاق... إلخ).
ولكن القلقشندي ذكر بأن الاقتصار على أحاديث الأحكام ليس بظاهر بل يجب على الكاتب أن يحفظ أحاديث الحكم والأمثال والسير ونقل إلينا عن ابن الأثير أن أول ما ينبغي حفظه من الأخبار ما تضمنه كتاب الشهاب في المواعظ والآداب للقضاعي.
النوع الثامن : الإكثار من حفظ كلام البلغاء والتفتن في أساليب الخطباء، وذكر نماذج مختلفة تتنوع أساليبها ومواضيعها وصورها منها قول خالد بن عبد الله أمير البصرة : «أيها الناس نافسوا في المكارم، وسارعوا إلى المغانم، وأشروا الحمد بالجود، ولا تكسبوا بالمطل ذما ولا تعتدوا بالمعروف ما لم تعلجوه، ومهما يكن لأحد منكم عند أحد نعمة فلم يبلغ شكرها فالله أحسن لها جزاء وأجزل عليها عطاء، وأعلموا أن حوائج الناس البكم نعمة من اله عليكم فلا تملوا النعم فتحولوها نقما، واعلموا أن افصل المال ما أكسب أجرا، وأورث ذكرا، ولو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسر الناظرين، ولو رأيتم البخل رجلا رأيتموه مشوها قبيحا تنقر عنه الأبصار، أيها الناس أن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعظك الناس عفوا من عفا عن قدرة، وأوصل الناس منن وصل من قطعه، ومن لم يطب حرشه لم يزك نبته، والأصول عن مغارسها تنمو وبأصولها تسمو، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...».
النوع التاسع : حفظ جانب جيد من مكاتبات الصدر الأول ومحاوراتهم والنظر في رسائل المتقدمين ليستفيد من كل ذلك تنوع الأساليب فيقلد المستحسن منها ويبتعد عما عجن. وقدم إلينا أنواعا شتى تدل على حسن ذوقه وكثرة عنايته بهذا الجانب التطبيقي في كتابه، فهو يعتمد دائما أن يردف النظريات بالأمثلة حتى لا يكون كتابه قاصرا أو ضعيفا، ومن الأمثلة التي ذكر قولــــــــه(3) : (ومن ذلك ما روي أن معاوية حج، فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل الحجون يقال لها الدارمية، وكانت سوداء كثيرة اللحم فأخبر بسلامتها، فجئ بها، فقال : ما حالك يا ابنة حام ؟ قالت لست لحام أدعى أن عبتني أنا امرأة من بني كنانة، قال صدقت –لم أرسلت إليك ؟ قالت لا يعلم الغيب إلا الله، قال بعثت إليك لأسألك علاك أحببت عليا وأبغضتيني(4) وواليته وعاديتيني، قالت : أو تعفيني يا أمير المؤمنين، قال : لا أعفيك، قالت : أما إذا أبيت، فإني أحببت عليا على عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وأبغضتك على قتالك من هو أولى بالأمر منك، وطلبك ما ليس لم بحق، وواليت عليا على ما عقد له من الولاية وعلى حبه المساكين، وإعظامه لأهل الدين، وعاديتك على سفك الدماء، وجورك في القضاء وحكمك بالهوى، قال : ولذلك انتفخ بطنك وعظم ثدياك وربت عجيزتك، قالت يا هذا بهند كانت تضرب الأمثال لأبي، قال : يا هذه أربعة فأنا لم نقل إلا خيرا، إنه إذا انتفخ بطن المرأة ثم خلق ولدها، وإذا عظم ثديها تروي رضيعها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها فرجعت وسكتت –قال لها : فهل رأيت عليا ؟ قالت : لقد كنت رأيته، قال : كيف رأيته ؟ قالت : رأيته لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم تشغله النعمة التي شغلتك- قال لها : سمعت كلامه ؟ قالت نعم والله كان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت الطست من الصدأ، قال : صدقت فهل لك من حاجة ؟ قالت وتفعل إذا سألتك ؟ قال نعم، قالت وتفعل إذا سألتك ؟ قال نعم، قالت : تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها، قال : تصنعين بها ماذا، قالت : أغذي بألبانها الصغار وأستحيي بها الكبار وأصلح بها بين العشائر، قال : فإن أعطيتك ذلك فهل أحل عندك محل علي ؟ قالت ماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان وفتى ولا كمالك، يا سبحان الله أو دونه(5) فأنشأ معاوية يقول :
إذا لم أعد بالحلم مشي إليكم          فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم ؟
خديها هنيئا واذكري فعل ماجد       جزاء على حرب العداوة بالسلم
ثم قال أما والله لو كان عليا ما أعطاك منها شيئا قالت ولا برة واحدة من مال المسلمين(6).
وذكر المؤلف كيف يتصرف الكاتب في هاته المحاورات والمراجعات وكيف يقوي بها إنتاجه دون أن يأخذها على ظاهرها.
النوع العاشر :  الإكثار من حفظ الإشعار الرائقة ليستعين بأساليبها على الكتابة وللكاتب في استعمال الشعر في صناعته ثلاث حالات : الاستشهاد والتضمين والحل، وذكر لكل نوع أمثلته الخاصة به.
النوع الحادي عشر: الإكثار من حفظ الأمثال النثرية والعشرية، قال(7) : (وقد أكثر الناس في تصنيف كتب الأمثال، فمن ذلك الأمثال لأبي عبيد وهو مرت على ترتيب الوقائع التي تقع فيها الأمثال ومن ذلك أمثال الميداني وهي مرتبة على حروف المعجم وفي آخرها جملة من أيام العرب إلى غير ذلك من كتب الأمثال المصنفة في هذا الباب كأمثال الضبي والقمي وغريها...).
ومن الواضح أن هاته النصوص التي يأتي بها المؤلف تدفعنا إلى استقصاء ما خلفه العرب وإلى البحث عن هاته الكتب لتتصل بها مباشرة فيرتفع المستوى العلمي والأدبي عند الكتاب وهذا من أعظم مزايا القلقشندي في كتابه لأنه يثير فينا غريزة الاستطلاع ويحبب إلينا الصبر في طلب العلم فأحبب به من عمل.
النوع الثاني عشر : معرفة أنساب الأمم من العرب والعجم وقد ذكر أهم ما يحتاج إليه الباحث من الأنساب وأصول الأجناس وخصوصا ما يتعلق بأنساب العرب وأنظمتهم القبلية وقد جره الحديث إلى ذكر اختلاف الآراء في عروبة البربر فقال :(8) (وبالجملة فأكثر الأقوال جانحة إلى أنهم من العرب وإن لم نتحقق من أي عرب هم).
النوع الثالث عشر : المعرفة بمفاخرات الأمم ومسافراتهم وما جرى في ذلك من المحاورات والمراجعات والمناقضات وذكر أمثلة لكل جانب تحدث عنه فمن ذلك قوله : واعلم أن المفاخرة قد تكون بحقيقة الحسب وقد تكون فيها الفصاحة واللسن مقام الحسب كقول أبي تمام الطاني يفتخر :
أنا ابن استرضع المجد فيهم                    وسمي فيهم وهو كهل ويافع
عضوا وكان المكرمات لديهم                  لكثرة ما وصوا لهن شرائع
فأي يد في المجد مدت فلم يكن                 لها راحة من مجدهم وأصابع
هم استدعوا المعروف محفوظا ما لنا          فضاع وما ضاعت لدينا الودائع
مع أن أبا تمام لم يكن من طي، وإنما اندس فيها فقط كما ذكر ذلك كثير من الناس ونص عليه الصفدي في شرح اللامية.
ثم قال : (وربما كان الافتخار بالتورية والتعريض بالأمور المقتضبة للشرف بحيث يظن السامع حقيقة الافتخار والشرف بمجرد السماع فإذا عرف المقصد فبين له خلاف ذلك كقول أبي الحسن الجزار :
إلا قل للذي يسأ                              ل عن قومي وعن أهلي
لقد تسأل عن قوم                             كرام الفرع والصل
يرتقون دم الأنعام                            في حزن وفي سهل
وما زالوا لما يبدو                           ن من يأس ومن بذل
يرجيهم هو كلب                             ويخشاهم بنو عجل
وإن الأمثلة التي أتى بها المؤلف لتشحذ ذكاء الكاتب وتقوي فيه روح الملاحظة فتعينه على الإنتاج السليم الرشيق.
النوع الرابع عشر(9) : المعرفة بأيام الحروب التي كانت بين العرب ليكون على خبرة بما وقع في هاته الأيام فيستغل ذلك في كتابته، فقد يقضي الحال أن يمدح بعض الموالين لملكه فلا يجد سبيلا إلى ذلك إلا بأن يذكرهم بأيامهم المجيدة ومواقفهم الخالدة، وقد يقتضي الأمر أن يهجو بعض المخالفين والخارجين عن طاعة رئيسه فيذكرهم بأيام الهزيمة والخزي.
وقد يجره الأمر عند ذكر الأيام إلى ذكر بعض الأعلام المشهورة بالشجاعة والقوة فيجعلهم في مواطن التشبيه اعتمادا على ما اشتهروا به من صفات.
إلا أنني أرى أن هذا الجانب قد نكلفه الكتاب حتى أخرجوه عن الجمال الأدبي وأصبح صناعة يحاول الكاتب أن يظهر بواسطتها بعض علومه وذلك كما وقع لمؤلفنا نفسه حين قال في مدح المفر الزيني أبي يزيد الدرادار(10) : (فلو لقبه فارس عبس لولى عابسا أو طرف حمى كليب لبات من حماه آيسا أو فارعه ربيعة بن مكدم لعلا بالسيف مفرقه أو نازله بسطام لبدد جمعه وفرقه) وكقول أبي نصر الفتح بن خاقان في حطبة كتابه قلائد العقيان : (لو جاوره كليب ما طرق حماه أو استجار به أحد من الدهر حماه أو كان بوادي الأخرم لكاف به ربيعة وأحرم أو استنجده الكندي ما كساه الملاءة أو كان حاضرا بسطام لما خر على الآلاءة).
النوع الخامس عشر : المعرفة بأوابد العرب وهي أمور كانت العرب تجري عليها أما على اعتقاد كونها دينا أو عادة أو خرافة ولا يستغني الذين يدرسون تاريخ المجتمع العربي أيام الجاهلية عن هذا الموضوع لما فيه من الشرح لكثير من هاته الأوابد.
ومن الطريف أن العادة المغربية التي تذكرنا بطفولتنا أيام كنا مثغرين فنلقي السن المزالة الصغيرة إلى الشمس نرجوها أن تبدلنا خيرا منها لها اتصال بهاته الأوابد الجاهلية فقد ذكر المؤلف رمي سن الصبي المثغر فقال : (يقولون أن الغلام إذا أصغر فرمى سنه في عين الشمس بسبابته وإبهامه وقال أبدليني بها أحسن منها أمن على أسنانه العوج والفلج والنغل قال طرفة:
بدلته الشمس من منبته   بردا أبض مصقول الأشر(11)
النوع السادس عشر : معرفة عادات العرب وخص هذا النوع بالحديث عن أنواع النيران عند العرب وعما يقيمونه من الأسواق في شمال الجزيرة وجنوبها.
النوع السابع عشر : النظر في كتب التاريخ ليحتج ببعض الوقائع في كتابته وليستند عليها في إثارة الهمم وتذكير النفوس بالأمجاد كما يستغلها في إبطال حجج الخصم إذا ما حاول تحرير بعض الأحداث لمصالحه الخاصة.
وفي هذا النوع ذكر نبذا تاريخية لا يسامح الكاتب بجهلها منها معرفة بعض الأوائل كقوله مثلا :
أول من سمي خليفة أبو بكر االصديق.
أول من سمي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
أول من اعتاد حلق شعره من ملوك الديار المصرية الملك الناصر محمد قلاوون حين حج وتبعه الأمراء والجند على ذلك.
أول من صنف في علم الكلام واصل بن عطاء المعتزلي.
أول من خطب جالسا معوية حين كثر شحمه.
أول من أرخ عمر بن الخطاب.
أول من ضرب الدنانير والدراهم في الإسلام عبد الملك بن مروان، ضربها بالشام من فضة خالصة وكان الناس قبل ذلك يتعاملون بدراهم الفرس والروم.
فبالإطلاع على ما ذكره المؤلف نجد بعض النصوص التي تعيننا في دراستنا الحضارية، فنحن مثلا نرى هذا النص المتعلق بعبد الملك يبرز شخصيته الجريئة في محاولة تحقيق التعريب في أجلى مظاهره فهو الذي كان قد عرب الدواوين فرفع من مستوى اللغة العربية وأخرجها من إطارها العلمي إلى الإطار الإداري، وكلنه رأى أن تعريب اللغة ليس كافيا في فرض شخصية الدولة إذا لم يتجاوزها إلى تعريب الفكر والاقتصاد، ولذلك حقق ما عجز عنه غيره من الخلفاء الذين سبقوه وحقق للدولة الأموية ما كانت ترجوه من إثبات شخصيتها الذاتية، ولهذا فإننا نقول بأن عبد الملك كان نقطة تحول في تاريخ الإسلام على العموم وتاريخ الدولة الأموية على الخصوص، ولهذا مهد المجد لابنه من بعده فكان الوليد من أعظم الملوك.
ومن هاته النبذة التاريخية ذكر بعض الغرائب والمصادقات كقوله(12) : (خليفة جرت أموره كلها على ثمانية وهو المعتصم فهو الثامن من خلفاء بني العباس، ومولده سنة ثمان وسبعين ومائة، وعمره ثمان وأربعون سنة، وكان ثامن أولاد الرشيد، وملك ثمان سنيني وثمانية أشهر وثمانية أيام، وخلف ثمانية بنين وثمان بنات وثمانية الألف دينار وثمانية فتوحات، وتوفي لثمان بقين من شهر ربيع الأول ومن ثم سمي المثمن).
وأنا أرى في وجه التسمية بعض المبالغات خصوصا بالنسبة إلى مخالفاته.
النوع الثامن عشر :  المعرفة بخزائن الكتب وذكر أن أهم الخزائن التي كانت في الإسلام ثلاثة :
خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد وانتهت بتغلب التثر عليها.
خزانة الخلفاء الفاطميين بمصر وانقرضت بانتهاء دولتهم وأكثر كتبها اشتراها القاضي الفاضل ووقفها بمدرسته الفاضلية بالقاهرة إلى أن تعاقبت عليها الأيام.
خزانة الخلفاء الأمويين بالأندلس وضاعت حين قيام ملوك الطوائف.
ومن أحسن ما ذكره المؤلف هنا ملاحظته حول الخزانات في عصره، فذكر بأن الملوك قلت عنايتهم بها استكفاء بالخزانات العامة الموزعة على المدارس المختلفة حيث أنها بذلك أمس.
ولاشك أن هاته الخزانات المدرسية كانت سببا في تثقيف عدد كبير من الأدباء وأنها كانت سببا في هاته الموسوعية العلمية التي أصبحت طابع عصر مؤلفنا وخير دليل على ما نقول ما اعتمده القلقشندي من المصادر فإنه يتعذر جمعه على فرد واحد، فإذا لم تكن هاته الخزانات في متناول العموم ضعف الأدب والعلم، فعلينا أن نستفيد من هاته الملاحظة في عصرنا هذا والعمل على تكوين خزانات في جميع المدن دون أن تقتصر على بعضها.
النوع التاسع عشر : المعرفة بالأحكام السلطانية(13) لتكون كتابته وفق القوانين التي تسير عليها دولته ولتكون مناسبة لأنواع الوظائف التي يتولاها الأشخاص حسب رتبتهم وكفايتهم وكذلك لتناسب أسباب الخلع إذا ما وجه تقليدا بذلك فيرفع بها اللبس ويزيل الإبهام قال : (وقد أورد أقضى القضاة أبو الحسن علي بن حبيب الماوردي رحمه الله في «الأحكام السلطانية» ما فيه مقنع من ذلك).
وبانتهاء تحليل هذا النوع انتقل إلى الطرف الثاني الذي سأقدمه للقراء في ظرف آخر.


(1) كتب المؤلف هاته المقالة في أكثر من أللف صفحة : ج 1 من ص 140 إلى 480، وج 2 كله، وفيه 488 ص، وج 3 من أوله إلى ص 227.
(2) قال المؤلف في مقدمة هذا الفصل : (وفيه طرفات) ولكنه عند التحليل ذكر ثلاثة.
(3) صبح الأعشي ج 1 ص 259.
(4) إشباع تاء المخاطبة بياء بعدها لغة مسموعة، وقد ورد في حديث نبوي في مخاطبة المرأة : لو راجعته انظر كتاب (مشكلات اللغة العربية) لمحمود تيمور الطبعة الأولى 1956 صفحة 192.
(5) سياق الكلام لا يقتضي أن تكون هاته العبارة ضمن حديث الدارمية.
(6) أثر الانتحال يتجلى على أمثال هاته المحاورات.
(7) صبح العشي ج 1 ص 298.
(8) صبح الأعشي ج 1 ص 361.
(9) كرر لمؤلف أو الناسخ العدد الثالث عشر فسمى هذا النوع أيضا به وبنى عليه ما يعده فنحن نرى مثلا الجزء الثاني من صبح الأعشي يبتدأ بقوله : النوع الثامن عشر في الأحكام السلطانية مع أنه النوع التاسع عشر فانتبه.
(10) الدوادار : المكلف بشؤون البريد انظر الجزء الثالث من صبح الأعشي 396.
(11) الفلج : التباعد بين الأسنان –والنغل فساد الجلد- الأشر : أطراف الأسنان.
(12)صبح الأعشي الجزء الأول صفحة 441.
(13) بهذا النوع ابتدأ المؤلف الجزء الثاني من صبح الأعشي.
 
       


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here