islamaumaroc

اندهاش الفكر أمام آيات القرآن

  دعوة الحق

62 العدد

بعد ظهور الإسلام وبزوغ نوره الوضاء على أرجاء المعمور -انتشرت حركة تاريخية جعلت تتسع وتنتظم شيئا فشيئا حتى خلفت لنا ثورة أدبية من أغنى ثروات الأدب العربي كانت من أهم العوامل وأبرزها في هذا البعث.
هي أولا اضطرار المسلمين لتفسير الآيات القرآنية ومعرفة مناسباتها وأسباب نزولها والمكان الذي نزلت فيه و الحادثة التي تشير إليها وما إلى هذا المعنى الكريم الذي يعد من ضروريات الوصول إلى الهدف الأسمى الموجود حول النص وثنايا سطوره.
ومن الجلي أن معرفة هذا النوع يحتاج إلى بحث تاريخي -في حوادث الإسلام.
كان التفسير لهذا المدلول من العوامل التي دعت إلى تدوين التاريخ والعناية به.
والقرءان الكريم ذاته قد أكثر من الإشارات إلى الأمم والقبائل والأنبياء في قصصه عن الغابرين فكان لهذه الغاية الشريفة ظاهرة جلية حفزت علماء الإسلام لفهم مضامين تلك الإشارات وتوضيحها.
وكان الإسلام في حياته وتعاليمه قد أظل كثيرا من اليهود والنصارى -فلجأ إليهم المسلمون ليعرفوهم بتلك الإشارات وما تحتويه من رموز وغايات- وفعلا أخذ هؤلاء يحدثونهم بقصص التوراة و الإنجيل وشروحهما الشيء الذي دفع المسلمين لربطها بالتفسير والتاريخ.
واشتهرت هذه الأخبار-باسم الإسرائيليات- التي كانت تضم في رواياتها وأخبارها غنا وسمينا وخرافات ينبو عنها المنطق السليم، ويتجلى هذا المعنى بأجلى مظهر في كعب الأخبار، ووهب بن منبه     -حتى أن آثارهما لا تزال قائمة في كتب التاريخ التي بين أيدينا- بل كان وهب بن منبه التابعي الشهير أول من ألف في قصص الأنبياء وسيرهم، وكان كل ما يروى عنه فيه ما فيه من الأساطير التي نشأت عن بني إسرائيل ومن على شاكلتهم، كما أن السنة والحديث كانا بدورهما من عوامل تدوين التاريخ- إذ عنى المسلمون بجمع الأحاديث ليفسروا بها القرءان ويستنبطوا منها أحكام الدين، وهو معنى الآية «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم» وكان من هذه الأحاديث جملة وافرة تتعلق بحياة الرسول عليه السلام والصحابة الكرام فجمعت فيما جمع حيث أصبحت بعد أساسا لكتب السيرة والمغازي.
أدرك بعض الخلفاء أنهم في حاجة ملحة إلى نبراس يهتدون بهديه في حياتهم وسلوكهم إذ لم يكن رأوا ممالك أجنبية بهرتهم حضارتها فتشوفت نفوسهم التواقة وأحبوا أن يعرفوا كيفية سياستها ونظامها في ظرف كثرت فيه المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية شأن الدول لأول عهودها كما هو واقعنا اليوم الذي نعيش في أحضانه.
نعم نشأ عن ذلك هدم نظام الخلافة وإقامة نظام الملك مكانه. وواجه العقل العربي -الذي كان ساذجا بسيطا في جاهليته مشكلات حقيقية- منها ما يمس الدين والحضارة -ومنها ما يمس الحياة العادية والاجتماعية، أشياء عرفته أن لابد من الاستعانة بأخبار من سبقه ليستنير بها، وهذا المؤرخ المسعودي في كتابه (مروج الذهب) الجزء الثاني ص 52 يقول عن معاوية أنه كان بعد أن يفرغ من عمله : ( يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها، وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر، فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد، فيقرا ذلك عليه غلمان له مرتبون، وقد وكلوا بحفظها وقراءاتها، فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات. 
وهذا ما نحن في أشد الحاجة إليه لا سيما وقد انفتح في وجوهنا باب المعارف على مصراعيه، ولم يبق بيننا وبين الإشراف على غاياته سوى التوجه عن حماس وصدق، كان الأجانب الذين أضلهم الإسلام بظله يفخرون على العرب بتاريخهم وحضارتهم ويروون لهم أفعالهم المجيدة في ماضيهم، فاضطر العرب إلى ابتكار تاريخ لهم يستطيعون به الوقوف بإزاء هذا الفخر الأجنبي ويظهرون لأبنائهم وغيرهم من الأمم أنهم وان كانوا حديثي عهد بالحضارة ليسوا أقل من الأمم الأخرى مجدا ومكانة، وكان هذا من دواعي ظهور الكتابة التاريخية في الأمة اليونانية.
كان نظام الحكومة الإسلامية وخاصة النظام المالي من العوامل التي أدت إلى قيام الحركة التاريخية وانتشارها، لأن الضرائب (الخراج) على البلدان المختلفة تتباين حسب فتحها صلحا أو عنوة أو بعهد.
وكانت المعاملة السياسية والاجتماعية نفسها تختلف في بعض البلدان تبعا لما حدث في أثناء فتحها فدعا كل ذلك والنظام المالي خاصة إلى بحث تاريخ الفتوح والاهتمام بهذا الفرع من التاريخ.
ودعا النظام المالي إلى نشوء فرع آخر من التاريخ، وكان ذلك لأن نظام العطاء تغير منذ عهد الخليفة عمر الفاروق-حيث صار بحسب الأسبقية إلى الإسلام، أي أن الذين أسلموا في أول الدعوة يأخذون من العطاء أكثر مما يأخذ من أسلم بعدهم، ومن أسلم وهاجر يأخذ أكثر من المسلم بعد الهجرة، ومن أسلم وشهد بدرا أخذ أكثر من لم يشهدها من الذين أسلموا بعدها، وهكذا. فكان هذا النظام سببا في البحث الدقيق في الدعوة الإسلامية وانتشارها، كما كان العطاء مرتبا أيضا حسب الأنساب- أي يبدأ بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم الأقرب فالأقرب، ثم قرابة أبي بكر ثم عمر، وهكذا فالأنصار فجميع المسلمين.
ومن الواضح أن هذا النظام يدعو بطبيعته المنضبطة إلى البحث في الأنساب، التي كان من حداقها وحاملي رايتها العربيان -دغفل بن حنظلة نسابة العرب، وزيد بن الحارث :
                أحاديث من أبناء عاد وجرهم            تنورها العضدان زيد ودغفل
نعم كان في المقدمة الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومن هذه المعرفة نشأ هذا النوع من التاريخ، كما ظهرت كتب الطبقات.
ثم ابتدأت حركة التأليف في العلوم الأخرى المعروفة بين العرب لذلكم العهد الفتي حتى أننا نجد الصحاري العبدي يؤلف كتابا في الأمثال، ثم يتطور الأمر بمرور الزمن فتترجم بعض كتب الكيمياء في عهد خالد بن يزيد بن معاوية -وله هو نفسه كتب منها كتاب الحرارات، وكتاب الصحيفة الكبير، وكتاب الصحيفة الصغير، وكتاب وصيته إلى ابنه في الصنعة. أما الكيمياء التي ترجمت بعض كتبها له فقد كان بعض علماء السلف يحذر منها ويجعل تعاطيها من السحريات التي تفضي بالأشياء إلى قلب حقائقها- وليس السحريات بشيء ومن ضمن الحركة التأليفية أن عمر بن عبد العزيز أمر بجمع الحديث وترجمة كتاب في الطب، كل هذه الحركات تدل على أن العقل العربي كان يعاني تحولا خطيرا، وانه أخذ في التحضير والتمدن السريعين، والمشاركة في التدوين والتأليف، (وابن الجريح أول الذين دونوا الكتب لنا تدوينا).
ولا ينسينا هذا ما كان من عناية في الجاهلية بالأنساب والأيام بل ازداد قوة في العهد الإسلامي بما كان الشعراء يقومون به في ميدان الفخر والهجاء والنقائض التي شاعت في هذا العصر، وكان لها المقام الأول في شعر الفحول، كما أن هذا النوع من التاريخ اتخذ لونا جديدا أيضا، هو العناية بغزوات الرسول.فما كان ذلك النوع من التاريخ إلا استمرارا لما عهد عند الجاهليين إلا أن الإسلاميين دونوا والجاهليين حفظوا ورووا.
وإننا لنعلم في نفس الحال -أن هناك كتبا مقدسة- هي التوراة والإنجيل والفرقان-. ونعلم كذلك أن معظمها قصصي ديني- وهو يختلف عن القصص السياسي أو التاريخ السياسي في أنه يتناول فقط تاريخ الحركات الدينية، وان تناول الحالة السياسية والشخصية والاجتماعية فإنما يتناولها من ناحية علاقتها بالناحية الدينية فحسب.
وهذه نفس الحل في التاريخ السياسي القديم فهو يتناول الحركات السياسية والاجتماعية والحربية، وان تناول الحال الدينية فإنما يتناولها من ناحية السياسة.
لهذا نرى التاريخ السياسي لا يشير إلى ظهور بعض الأنبياء ولا يعرفنا عنهم شيئا مما دعا بعض الناس إلى التشكيك فيهم واعتبارهم أشخاصا وهميين -ولم يتعرض المؤرخون لإبراهيم ويوسف وموسى عليهم السلام، كما لم يذكر مؤرخو الرومان شيئا عن عيسى وبدء حركته.
والحقيقة أنه لولا الكتب الدينية، وما خلفه أولئك الأنبياء من تعاليم ومبادئ أخذت تنتقل من جيل إلى جيل لما علمنا شيئا عنهم- وهذا ما سبب الجهل والغموض اللذين اكتنفا زمن ظهور هؤلاء الرجال العظام حتى لا يستطيع أحد من المؤرخين أن يحدد متى ظهر موسى أو يوسف أو إبراهيم صلوات الله عليهم وان حاول شيئا من هذا فإنما هو عبارة عن تواريخ تقديرية وهمية لا ترتكز على حقيقة علمية كقولهم عن دعوة إبراهيم من دور الكلدانيين إلى أرض كنعان أنها كانت سنة 1921 قبل الميلاد، وأنه عمر 175، كما أن يوسف قبضه الله إليه سنة 1635 قبل الميلاد وموسى سنة 1451 قبل الميلاد.
وبما أن القرءان الكريم آخر الكتب السماوية نراه قد جمع كل ما في الكتب السالفة مسهبا حينا، وموجزا حينا آخر، ولكنه بحكم نزوله بعد الإنجيل قص علينا الحقبة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام بالتفصيل، فقص علينا قصة أهل الكهف وأصحاب الأخدود وغزوة أبرهة لمكة. كما أخبرنا عن عيسى عليه السلام بأشياء لم يتناولها الإنجيل، مثال ذلك تكليم عيسى الناس في المهد ونزول مائدة عليه من السماء وتكوينه من الطين على هيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ـ وقد اعترف الإنجيل نفسه أنه لم يلم بكل معجزات عيسى بقول يوحنا في إنجيله (وأشياء كثيرة صنعها يسوع أن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة).
ونعلم أن القرءان الكريم أنزل مجزءا مفرقا حسب ما تتطلبه الحوادث -وكان في هذه الحالة داعيا إلى الأخبار بأشياء أدى إليها حب استطلاع أصدقائه وأعدائه المريدين تحديه بأسئلتهم التي ظنوها تحمل الإعجاز في ثناياها- فقص علينا قصة ذي القرنين الذي اختلف المفسرون فيه -فالبعض منهم يقول أنه- الاسكندر المقدوني، ويقول البعض الآخر انه شخص آخر مختلف عنه كل الاختلاف، ويظهر أن هؤلاء هم أصحاب الرأي الصحيح.
وقد أزال القرءان اللبس المحيط بكثير من المسائل وحددها تحديدا واضحا جليا لا غموض فيه وللقرءان ميزة تاريخية أخرى هي دقته المتناهية بحيث انك إذا أردت أن تعبر عن حادثة تاريخية تعبيرا موجزا وافيا بالغرض واضحا بينا يؤدي كل ما ترمي إليه بحيث يغني قارئه ـ وسامعه عن أي تفسير وإيضاح لم تجد مل يعادل تعبير القرءان إذ تجد فيه فوق ما ترنو إليه وتصبو.
انظر إليه وهو يصف ديانة المصريين القدماء على لسان نبيه يوسف الصديق عليه السلام في سورة يوسف قال : «يا صاحبي السجن أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان أن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكتر الناس لا يعلمون».
وهل هناك خير من هذا وأكثر توضيحا لديانة قدماء المصريين ؟
ألم يكونوا يعبدون آلهة متعددة، بل كان لكل بلدة إلهها الخاص -أرباب متفرقون-
وكان يحدث بين الحين والآخر أن تنتشر عبادة الله من هذه الآلهة عندما يعظم شأن البلدة التي -يعبد فيها-، كروع (اله عين الشمس) وآمون (اله طببة)، و (تحوت) اله العلم والحكمة وغيرها من الأسماء الخيالية التي اخترعتها عقولهم.
ولقد بين القرءان الكريم حقيقة أخرى متعلقة بديانة قدماء المصريين بإيجاز وجلاء، وهذه الحقيقة هي تبيانة-إن فرعون يعتبر في نظر المصريين إلههم الرئيسي الذي بيده كل شيء بينها الله تقدست أسماؤه في سورة النازعات: قال « فحشر فنادى فقال: أنا ربكم الأعلى».
وهذا عين ما قاله التاريخ بعد أن أزيح الستار عنه وكشفت غوامضه في القرنين الأخيرين إذ كان المصريون يقدسون الملك ويعتبرونه أكبر ءالهتهم، وكانوا يسمونه (بحوريس الحي)، وقد راعوا في بناء أهرامهم وقبور ملوكهم أن تكون فوق الروابي لتتمكن الفراعنة (في نظرهم) من الإشراف على البلاد في مماتهم، كما كانوا في حياتهم، ولم يقتصر القرءان على موضع واحد في الإشارة إلى هذا الاعتقاد، بل أشار إليه في سورة الشعراء في خطاب فرعون إلى موسى : قال : «لئن اتخذت إلها غيري لجعلنك من المسجونين»، وفي سورة القصص في خطاب فرعون إلى شعبه : «وقال فرعون : يا أيها الملأ ما علمت لكم من اله غيري».
ولكن إعجاز القرءان الكريم لا ينحصر في دقته و إعجازه البلاغي فحسب كما يفعل الزمخشري في كشافه، وعبد القاهر الجرجاني في أسرار بلاغته ودلائل إعجازه، والأصم يوسف السكاكي في مفتاحه -ولكنه يتعداه إلى إعجاز علمي يظهر في تاريخه المستقبل وحوادثه تاريخا حقا واقعيا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وتلك بحق آيته الكبرى ومعجزاته الخالدة التي تتجلى عند المعارضة والتحدي-.
وقتما وقف أبناء الإسلام والنصرانية وجها أوجه، وظهر في الأفق دين سماوي جديد عز على اليهودية كما عز على النصرانية أن يبدو من الأعلى نبراس آخر ينجذب إليه عيون الناس وأفئدتهم وتخوف كل منهما على مكانته أن تضمحل، وأن يحتل هذا المصباح الوضاء مكانة الصدارة منهما.
أما اليهود فبعد تفكيرهم الطويل لجأوا إلى الكيد لهذا الوليد الجديد رجاء أن يكتموا أنفاسه وهو في مهده، فأخذوا يؤلبون العرب عليه، ويحرضونهم على محاربته وقد نجحوا جملة في هذا فتحالفت قبائل العرب واليهود وحاصروا المدينة في غزوة الخندق -ومما زاد في محنة المسلمين- أن حلفاء الرسول عليه السلام وهم يهود بني قريظة نكتوا عهدهم، وتخلفوا عن النبي وانضموا إلى أعدائه-، فضاقت الدنيا بالمسلمين وزلزلوا زلزالا شديدا فقد كانت بلاد الحجاز كلها تطبق عليهم في المدينة ولكنهم خرجوا من هذه المحنة آخر الأمر سالمين. وتفرق الحلفاء بعد أن صمدت لهم المدينة فاستعصت عليهم وبذلك ارتد سهم اليهود إلى نحرهم وعادوا خائبين خاسرين (حسبتهم سهاما صائبات     فكانوها ولكن في فؤادي).
وطفق هذا النور الذي حاولوا إطفاءه يزداد تألقا ويسمو حتى عم الجزيرة، وأضاء العراق وفارس والهند ووصل إلى الصين، وأشرق على الشام ومصر وشمال إفريقيا ووسطها وشرقها وأطراف آسيا وقلبها وجنوبها وعبرت منارته البحر الأبيض والقلزم حتى جنوبي روسيا، أما النصرانية فنحت حياله منحى آخر -فوقفت أمامه تحاجه تريد أن تلزمه الحجة-.
لهذا وفد من نصارى نجران وفد على الرسول الأكرم محمد عليه السلام -يريد أن يتحدى الإسلام والقرءان عرض عليه النبي الإسلام فقال: (أننا نحن المسلمين حقا) فما كان منه صلوات الله عليه إلا أن أفهمهم أن ثلاثة أشياء، تمنعهم عن الإسلام: أكل الخنازير، وعبادة الصليب، وقولهم أن لله ولدا. فما كان منهم إلا أن سألوه سؤالا ظنوه معجزا وهو: (من أبو عيسى) وهنا تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه م تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين، فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة على الله على الكاذبين أن هذا لهو القصص الحق وما من اله إلا الله» وقد حسم الله بهذه الآيات هذا الخلاف فأفهمهم أن عيسى ما هو إلا عبد من عبيد الله خلقه من غير أب، وأن هناك سابقة لهذا أشد وقعا في النفس من ميلاد عيسى وهي خلق الله آدم من غير أب ولا أم، وكان القرءان الكريم يرد عليهم بسؤال من نوع سؤالهم إلا وهو من أبو آدم. ثم أفهمهم أن كثرة المجادلة غير مجدية، وأنهم إذا كانوا لا يزالون يصرون على قولهم فأحسن طريقة لحسم هذا النزاع هو أن يلتجيء الفريقان إلى الله فيدعوانه أن ينزل لعنته على الفريق الكاذب منهما.
هناك ظهرت قوة الحق وبلبلة الباطل فعندما دعاهم النبي عليه السلام إلى المباهلة أرجاوه حتى يتشاوروا فلما انعقد جمعهم قال لهم رئيسه: (والله لقد عرفتم نبوته، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم والله ما بأهل قوم نبيا إلا هلكوا فان أبيتم إلا دينكم فوادعوا الرجل) -ولكن محمدا صلوات الله عليه كان واثقا من نفسه ومن حقه المؤمن بربه غدا محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي رضي الله عنه وراءهما وهو يقول لهم: إذا دعوت فأمنوا.
في هذا الظرف الحاسم قال الأسقف: (يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله عز وجل أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا).
وأظن أننا لا نزال نستحضر أولى حركاتنا السلفية بالمغرب حركة الإصلاح المبنية على أساس الإنقاذ المؤرخة ب سنة 1345 الموافق 1926 م وقتا وقف فيه شيوخ الطرق المزورون وأدعياء الزوايا وأذناب الاستعمار منهم على الأخص حجر عثرة في سبيل حركة الشباب الواعي والسعي في مناقضتها والعمل على إقبارها في المهد.
إذ كانت الجزائر آنذاك تعمل على نشر الإسلام الصميم بين شباب الأمة وإنقاذ الشعب من براثن الاستعمار وسمومه الفتانة والفتاكة -فحمل راية الدعوة المغفور له (عبد الحميد بن باديس) وجماعة من إخوانه الأباة، وفتحوا مدرستهم السلفية في وجه أبناء الشعب كما بعثوا صوتهم المدوي في جنبات العالم العربي على صفحات الشهاب والبرق ضد بلاغ المشعوذ ابن عليوة المدفوع هو وجماعته من طرف الاستعمار الخبيث.
نعم أثناء الحركة، اندفع أحد الفريقين للدعوة إلى المباهلة حيث يكون مقر إقامتها الجزائر الشقيقة المجاهدة، غير أن الموقف الذي تحدثت عنه الآية، ومثال الدعوة هو ما جرى في الحركة المغربية إذ تهيب أحد الفريقين الدخول في جو المباهلة خيفة الفضيحة، ولكن أبى الله تعالى ألا تنتصر الحركات الإصلاحية ويضمحل الباطل وأهله وليست هذه أول الحركات بل تقدمتها انتفاضات أولية قام بها جماعة من الإخوان الرباطيين رحمة الله عليهم: كالحاج المعطي جوريو والحاج محمد البحراوي والأزرق -وسواهم من المشاركين فقاموا ضد فرض ضريبة جديدة عن وقاية الدكاكين (كيام) الشيء الذي دفع الفرنسيين إلى نفي بعضهم وسجن البعض فكانت تلك الوثبة كأولى وثبات وطنية ظهرت بالمغرب تلتها حركات موفقة كان النصر حليفها.
وهكذا قوة الحق إذ تجلت ارتعد الباطل لها وتقهقر فلم يكن منهم إلا أن أذعنوا للرسول صلوات الله عليه وتفادوا المباهلة، وارتضوا الجزية كما تعاهدوا أن لا يأكلوا الربا أو يتعاملوا به ثم رجعوا إلى قومهم.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فرجع وهو يقول : (والذي نفس محمد بيده لو تباهلوا لمسخوا قردة وخنازير ولا ضطرم عليهم الوادي نارا ولا ستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر).
حكمة بالغة وحجة دامغة -تحداهم النبي عليه السلام بها ـ أن يقفوا في صعيد واحد فيدعوا الله أن ينزل لعنته على الكاذبين فما كان منهم إلا أن ولوا مدبرين ولو كان الحق بيدهم لما وجلوا ولا خافوا، ولكن علموا صدق قول الرسول فخشوا العاقبة، واستنكفوا أن يهجروا دينهم إلى الدين الجديد الذي علموا أنه الحق بعد أن كانوا يظنون أنهم به سيظفرون.
ولكنها هيمنة القرآن التاريخية والعلمية- «وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه».
فالقرآن العظيم له طابعه الخاص في التاريخ حيث يتناول الحوادث تناولا يدل على استقلاله العلمي وله في وسطها أسلوبه الخاص يدل على هذا الاستقلال أنه ذكر عن عيسى عليه السلام أشياء لم يتناولها الإنجيل نفسه كما أشير إليه من قبل، ولم يقتصر الأمر على الإنجيل بل إن هيمنته التاريخية تناولت التوراة في أعظم شخصياتها : موسى ويوسف وإبراهيم عليهم السلام عدا كثير غيرهم من الأنبياء الكرام.
فالتوراة لم تتناول حياة إبراهيم بين الكلدانيين ومجهوداته لإقناعهم بوجود اله واحد ومحاولته نشر دعوته وتحطيم أصنامهم وقذفهم به في النار ونجاته منها، ولم تتناول علاقته بوالده وما دار بينهما كما لم تتكلم عن إعادة بناء إسماعيل وإبراهيم للبيت الحرام، بينما تناول القرآن الكريم هذه الموضوعات بما ليس فيه زيادة لمستزيد وأسلوبه الشيق الجذاب الذي تحار أمام عظمته الألباب، أما عن يوسف فإن التوراة لم تتعرض لكيفية ظهور براءته مما نسبته إليه امرأة العزيز من اتهامه بمحاولة هتك عرضها بينما شرحها القرآن شرحا وافيا.
وشهد شاهد من أهلها -هو ابن عم لها وابن خال لها- وألقى الله الشهادة على لسان من هو من أهلها لتكون أوجب للحجة عليها وأوثق لبراءة يوسف.
«إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين » كما أن التوراة لم تتكلم عن حادث النسوة اللاتي بهرهن يوسف بجماله فقطعن أيديهن كما لم تبين لنا الموقف العظيم الذي وقفه حينما أبى الخروج من السجن إلا بعد أن تعلن براءته على الملأ وأن تسأل النسوة ليقررن الحقيقة بقول الكتاب : «قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصص الحق أنا راودته عن نفسه وأنه لمن الصادقين».
خرج يوسف ومثل بين يدي فرعون ليكون عنده المتصرف الأمين على خزائنه وأرضه وأقوات رعيته خرج ليأمر فيطاع «تزرعون سبع سنين دابا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون» طريقة طريفة فنية لحفظ القمح من السوس والتلف -لقد حار الناس كيف حفظ يوسف القمح سبع سنين إذ لم تفسر التوراة ذلك، والسوس يتسرب إلى المخزون منه بعد أربعة أشهر على الأكثر فكيف تسنى ليوسف إنقاذ مصر وإنقاذ قوتها.
هنا تظهر عظمة القرآن الكريم إذ أبان لنا تلك الطريقة العجيبة على الرغم من بساطتها.
أتى إخوة يوسف إلى مصر للمرة الثانية فاحتجز يوسف شقيقه بنيامين، ولكن التوراة أغفلت ذكر رجوعهم إلى أبيهم وأخباره بفقدان أخيهم كما لم تذكر ما ترتب على علم أبيهم بفقد ولديه العزيزين من حزن شديد كان من جرائه ذهاب بصره (وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم) إذ تقول التوراة في سفر التكوين الإصحاح الرابع والأربعين على لسان إخوة يوسف في رجاء موجه إليه (هنا نحن عبيد لسيدي، نحن والذي وجد الكأس في يده جميعا) فقال : حاشا لي أن أفعل هذا.
الرجل الذي وجد الكأس في يده هو يكون لي عبدا (أما أنتم فاصعدوا بسلام إلى أبيكم) ولم يردف ذلك بقوله هل هم ذهبوا أم لا ؟
وإنما أردفه برجاء لكبيرهم يهودا عارضا نفسه بدل أخيه لشيخوخة والده وخوفه من هلاكه لشدة حزنه، ثم يتلو ذلك الإصحاح الخامس والأربعون حيث يبدأ بتعريف يوسف نفسه لإخوته وهنا يحدثنا -القرآن الكريم عن طريقة استرجاع يعقوب لبصره كما حدثنا عن سبب ذهابه فأفهمنا أنه شفى بمعجزة تتلخص في وضع قميص يوسف على وجهه فارتد بصيرا، بيد أن التوراة لم تذكر شيئا عن هذا الأمر.
هذا عن يوسف عليه السلام
أما عن موسى فإن القرآن انفرد دون التوراة بالمعلومات التالية:
1 ) الشرط الذي اشترطه شعيب على موسى لتزويجه إحدى ابنتيه (على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك) وقضاء موسى ابعد الأجلين.
2 ) إيمان السحرة الذين تحدوا موسى وسجودهم لله وصلب فرعون لهم وتعذيبهم.
3 ) امرأة فرعون وإيمانها خفية وأمر فرعون لهامان أن يبني له صرحا ليطلع على اله موسى.
4 ) انتشال جثة فرعون بعد غرقه (اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية).
5 ) مؤمن آل فرعون الذي أخذ يعظ الشعب ليهديهم سبل الرشاد -هذه بعض الأمثلة على هيمنة القرآن التاريخية وإنها لهيمنة تظهر بوضوح وجلاء كلما أمعن الإنسان البحث في ثناياه.
وليست هذه الهيمنة قاصرة على التاريخ فحسب بل إن جلاله وهيبته وقوة عظمته تشمل جميع النواحي فهو يبسط سيطرته الجبارة في كل ما يتناوله من تشريعات دينية وأخلاقية ونواميس تربوية واجتماعية وحقائق علمية وفلكية ومعلومات طبية وأخبار غيبية لها أسرارها الباهرة ومعارفها المشرفة تحدث عنها منذ ما يقرب من 14 عشر قرنا واليوم أصبحنا نرى أقطاب الفكر في العالم يطلعون علينا بين الفينة والفينة بنتائج أبحاثهم العلمية وعصارات أفكارهم المدهشة التي سبقوا إليها بقرون، قد لا نشك أنها ستحفزهم يوما ما للإيمان به وبعظمته وبما جاء به من مبادئ وآيات إذا ما أمعنوا النظر في آية المقدسة وما تحويه فقرها المتناسبة الخالدة من عجائب وقف دونها رجال الفكر ودكاترة المعرفة والفلسفة مشدوهين.
  وليسمح لي الإخوان لأعرض أمثلة في الموضوع –كدليل- نتبين من بين سطورها تلك الأسرار القدسية الكامنة بين دفتيه يقول الله تعالى في سورة النساء : «إن الذين كفروا بئاياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب» -أعد سبحانه لجاحد آياته المنزلة على أنبيائه نارا مسعرة تشويهم وتحرق أجسامهم حتى تفقدها الحس والإدراك قال جلت قدرته : «كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب» أي كلما فقدت التماسك الحيوي وبعدت عن الحس والحياة بدلها جلودا أخرى حية تشعر بالألم وتحس بالعذاب.
يقول الدكتور عبد العزيز إسماعيل باشا رحمة الله عليه في كتابه (الإسلام والطب الحديث) الحكمة في تبديل جلود الكفار -أن أعصاب الألم هي في الطبقة الجلدية وأما الأنسجة والعضلات والأعضاء الداخلية فالإحساس فيها ضعيف، ولذلك يعلم الطبيب أن الحرق البسيط الذي لا يتجاوز الجلد حدث ألما شديدا بخلاف الحرق الشديد الذي يتجاوز الجلد إلى الأنسجة لأنه مع شدته وخطره لا يحدث ألما كثيرا- فهو يقول إن النار كلما أكلت الجلد الذي فيه الأعصاب نجدده كي يستمر الألم بلا انقطاع ويذوقوا العذاب الأليم -كذا نرى هذه الجملة الشرطية الواحدة ترسم هذا المشهد المخيف العنيف الذي تتجلى بين أحرفه القوية حكمة الباري سبحانه قبل أن يعرفها الإنسان طوال 14 قرنا.
وتلك آية –يس- يقول الله تعالى: «اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون» فيخرس الله اللسان وينطق اليدين والرجلين قابلا شهادتهما وهو سبحانه يقول في الآية الأخرى : «يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون» سوى سبحانه بين شهادة الثلاثة، ما السر الذي يظهر في اختصاص اليدين والرجلين بالشهادة دون باقي أجزاء الجسم مع أنها كلها متساوية إذ لا يبدو تغير في هيأتها الأصلية مدة الحياة ؟.
 الإجابة على هذا ترجع لعلم التحقيق الجنائي وهو بالطبع حديث النشأة لم يظهر لعالم الوجود إلا في أواخر القرن التاسع عشر، ويشير الأستاذ (محمد بك شعير) في كتاب له في الموضوع حول ترجمة (بصمات الأصابع والأيدي) قائلا: ليس ما نقرأه من الوقائع المدهشة (لشرلوك هولمز) و(كارتر) وأمثالهما وما يكتبه الرومانيون أمثال (كونان دويل) و(ليكوك) وسواهما وما نراه يشخص على الشاشات ودور الصور المتحركة من الروايات البوليسية الغربية التي يتعقب فيها رجال الشرطة السرية الجناة ويتعرفون أشخاصهم مظهرين حقيقة أمرهم ـ من إناء لمسوه أو وعاء أمسكوه أو كوب شربوا منه أو خزانة فتحوها ـ ليس كل هذا حديث خرافة ـ وإنما هي ثمرة العلم الحديث ونتيجة مجهودات العلماء الذين أتوا بالمعجزات في فن بصمات الأصابع والأيدي –ولم يكن استخدام بصمات الأصابع في الجنايات للتعرف على شخصية تاركها وترتيبها بطريقة ثابتة لاستعانة بها في استخراج السوابق- لم يكن معروفا في أوربا إلا حديثا فقبل سنة 1890م لم يعرف عنها شيء في الحياة العلمية الشيء الذي يجعل اختصاص اليدين والرجلين في الآية دون بقية الأعضاء معجزة قرآنية أخذت الأبحاث العلمية تكشف عنها في القرن العشرين.
ومن العجب أن ختمت السورة بما يفيد ذلك، يقول الله سبحانه (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم الآية). كأنه جلت عظمته يقول : اختصاص شهادة الأيدي والأرجل دون بقية الأعضاء –أمر بشكل عليكم ولكن سأظهر لكم بعض سره في الدنيا، وقد أظهره تعالى في عصرنا الماثل- فكانت المعجزة لهذا مزدوجة –أولا اختصاص اليدين والرجلين، ثانيا ظهور ذلك بالفعل لمكان- سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم، ومن معارف الكتاب وألوان أنواره الساطعة بما تضمنته من باهر الآيات، قوله تقدست أسماؤه في صورة الأنعام : «ومن برد الله أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء» تحمل الآية في مدلولها الكريم : أن من فسدت فطرته بالشرك وتدنست نفسه بالآثام والأوزار –يجد في صدره ضيقا أيما ضيق إذ طلب إليه التأمل فيما يدعى له من دلائل التوحيد والنظر في الآفاق والأنفس لما استحوذ على قلبه من باطل التقاليد والتعلق بعادات الآباء والأجداد والاستكبار عن مخالفة ما ألفه وسار عليه الناس وتضعف إرادته لحد بعيد عن ترك ما هو عليه فتكون إجابته الداعي إلى الدين الجديد ثقيلة عليه ويشعر في الوقت نفسه بالعجز عن احتمالها ويكون مثله مثل من صعد في الطبقات العليا في جو السماء إذ يشعر بضيق شديد في التنفس، وكلما صعد في الجو أكثر شعر بضيق أشد حتى إذا ما ارتفع إلى أعلى من ذلك –شعر بتخلخل الهواء ولم يستطع سبيلا إلى البقاء، فإن هو بقي فيها قضي نحبه اختناقا- فهنا نرى كيف ضرب الله مثلا لضيق النفس المعنوي بمن دعى إلى الحق وقد ألف الباطل وركن إليه –بضيق التنفس الذي يجده من صعد بطائرة إلى الطبقات العليا من الجو حتى لقد يشعر بأنه اشرف على الهلاك وهولا محاولة هالك إن لم يتدارك نفسه وينزل من هذا الجو المختنق إلى طبقات أسفل، إنها لآية خالدة ينطق بها الكتاب المقدس من قبل أن يتفهم سرها البشر وما أدرك كنهها إلا بعد أن مضى على نزولها نحو 14 قرنا.
 وتقدم فن الطيران وما إليه من خوارق الأجواء –والتجربة- صدق الكتاب ودل بوضوح على صحة ما ثبت في علم الطبيعة من اختلاف الضغط الجوي في مختلف طبقات الهواء فكلما صعد الإنسان إلى طبقة أعلى شعر بمادتي الأكسجين والإدرجين الدعامتين الأساسيتين للحياة وذلك ما يحفز رجال الفن إذا ما اضطروا للتوغل في أجواء الفضاء إلى استعمال جهاز التنفس ليساعدهم على السير في تلك الطبقات والاحتفاظ بحياتهم الطبيعية.
وهذه الآيات البينات التي ألمعنا إليها وغيرها كثير لم يستطع علماء التفسير إيضاحها إيضاحا يكشف ما تحمله من أسرار إذ لم يعتدوا للمودع في ثناياها إلى أن جاء الكشف الحديث وتقدمت العلوم، وأصبح في متناول البحث العلمي بيان مغزاها وكشف المراد منها حسبما أثبته العلم، ومن هذا المعنى صح ما قالوا : (الدين والعلم صنوان لا عدوان) وهكذا دواليك كلما تقدم العلم أرشد إلى إيضاح قضايا خفي أمرها على متقدمي العلماء ومنعنى بالتفسير وعلومه على الأخص –ولا بدع أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر فهمه على المتقدمين- يوتي الحكمة من يشاء.

 


                         


 


  

 


 

 

  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here