islamaumaroc

العلمانية واللاعلمانية

  دعوة الحق

62 العدد

واقع الفكرة العلمانية في المجتمعات العربية الحديثة –النخبة العربية وصلتها بالتيارات الفكرية والعقائدية المعاصرة- النخبة العربية بين العلمانية واللاعلمانية- بعض الاعتبارات الأساسية التي يقوم عليها المبدأ العلماني في مجال النظر والتطبيق- العلمانية وقضية الديموقراطية الاجتماعية- العلمانية وقضايا التعايش الدولي- اللاعلمانية من حيث المبدأ العقائدي الإسلامي والإمكانيات الإيجابية المتوافرة لها بهذا الصدد.

من بين القضايا التي تثير قدرا كبيرا من الاهتمام عند التعرض لموضوع الحركة العربية الحديثة، قضية الصلة بين هذه الحركة، وبين مفهوم العلمانية كما يدين به البعض، واللاعلمانية كما يرى ذلك آخرون والذي يظهر بادئ ذي بدء، أن جانب الفكرة الأولى –فكرة العلمانية- لا يزال منحصرا في نطاق محدود جدا، سواء من حيث الأوساط الفكرية التي تدعو لها أو من حيث التأثير الذي يمكن أن تكون قد أحدثته على

واقع الأحوال العقلية والوجدانية التي تسود مختلف أنحاء العالم العربي، وما تقوم عليه هذه الأحوال من تأثر عميق بالفكرة الدينية الشاملة ونتيجة لذلك فإنه من اليسير دائما التأكيد بأن مبدأ العلمانية لم يتخذ بعد أي سبيل للتجذر تجذرا حقيقيا ومؤثرا في جوهر الحركة العربية المعاصرة، وكما يلاحظه المراقبون فإن مختلف الدساتير التي صدرت خلال السنوات العشر الأخيرة سواء في مشرق العالم العربي أو مغربه، تتضمن تأكيدا حقيقيا لهذه الظاهرة، واتباتا للرأي القائل بأن العقلية العربية لم تتوافر لها الدواعي اللازمة لاحتضان مبدأ العلمانية، وذلك على مثال الصورة التي يقوم عليها هذا المبدأ في الغرب، وأهم ما يلاحظ في هذا الشأن التنصيص الذي تتضمنه هذه الدساتير على أن الإسلام هو دين الدولة، مع احترام مبدأ الحرية الدينية بالطبع بالنسبة لجميع الأقليات العقائدية الأخرى، ومثل هذا التنصيص يوجد مثبتا سواء في الدستور المغربي أو التونسي أو العراقي أو غير هذه الدساتير، ومن أهم الماجريات التي حدثت بهذا الصدد خلال الفترة الأخيرة، صدور المبادئ العامة التي تقوم عليها الأنظمة التوحيدية بالشرق العربي، واشتمال هذه المبادئ على مضمون الاعتراف بالدين الإسلامي كحالة عقائدية رسمية، ومن غير شك، فإن إقرار مبدأ من هذا النوع ليس مما يتفق مع الفكرة العلمانية التي يحتضنها البعض على نحو أو آخر، إلا أن العامل الأساسي في مجموع هذا الأمر كله، هو واقع الفكر العربي على وجه العموم، هذا الفكر الذي لا يبدو مستعدا بدرجة كافية لاستقبال عناصر الفكرة العلمانية، والاستنتاجات التي تقوم عليها هذه الفكرة سواء بوجه أو بآخر.
ولا يتجاهل العلمانيون في العالم العربي، أهمية هذه الحقيقة القائمة.. حقيقة الفارق الكبير بين النظرية العلمانية في خطوطها الكبرى من جهة، ومؤثرات الفكر الديني في المجتمع العربي من جهة أخرى إلا أنهم ينتهون مع ذلك إلى التأكيد بأن العلمانية لا بد أن تجد سبيلها في الأخير إلى التأثير على وجهة الفكر العربي سواء في مجالات التنظيم السياسي أو الثقافي، أو في غير ذلك على صورة من الصور، وبالنتيجة لذلك فإنه من الجائز جدا أن يصبح لها دور مهم وبعيد المدى في مستقبل الحركات التوحيدية التي تقوم هنا وهناك في مختلف أنحاء العالم العربي، ويحظى –بهذا الصدد-إن الانتلجنسيا العربية المتفتحة على معطيات التطور العالمي، وقضايا التقدم الإنساني المعاصر، يمكنها أن تؤدي أدوارا على درجة من الأهمية في هذا المضمار وذلك باسهامها في بث الروح العلمانية داخل المجتمعات العربية، وتمديد الأفق أمام الفكر العلماني لكي يحدث تأثيره الحقيقي على العقلية العربية، وعلى أوسع نطاق ممكن.
والواقع أن مساهمات النخبة العربية في مجال التطور الفكري والحضاري العربي، ما فتئت تكتسي أهمية بالغة حقا، وما زالت تبدو كعامل من أقوى العوامل التي أثرت في سير هذا التطور، واكسبته قوته التقدمية المبدعة، إلا أن الذي نستطيع  أن نلاحظه على هامش هذه الحقيقة أيضا أن النخبة العربية لم تستطع أية جماعة منها أن تحدث من التأثير ما يعاكس روح الأمة العربية في الصميم، وما يتناقض مع شخصيتها ومقوماتها الأساسية أو يحولها عن اتجاهها التاريخي الحتمي، لقد بدرت في أفق العالم العربي مند بداية عصر النهضة الحديثة، بوادر مختلفة ومتلاحقة، قام بها أو دعا إليها هؤلاء أو اولئك من بعض رجال الطليعة الفكرية والتوجيهية بالبلاد العربية، وتقمصت هذه البوادر شكل حركات ثقافية أو اجتماعية أو سياسية أو غير ذلك، واتخذ بعضها صورة منظمات حقيقية ذات برامج وأهداف ووسائل بل ان منها ما وصل فعليا إلى اصطناع بعض الأحداث المدوية في التاريخ العربي الحديث، وملأ بذلك جزءا من سجل الوقائع والتطورات التي تميز هذا التاريخ وتلون صوره ومظاهره كذلك كان الأمر في مختلف الدعوات القومية الضيقة التي عرفها الشرق العربي خلال العقود الثلاثة الماضية، هذه الدعوات التي تقوم في أسسها على مجرد الخيال التاريخي المجنح، وتتجاهل بجانب ذلك معطيات الواقع الماثل وما يحتويه هذا الواقع من حقائق انسانية وجغرافية وتطورية، وكذلك كان الشأن في المذاهب والنحل الأخرى ذات الصبغة الفلسفية والاجتماعية من شيوعية ونيهليستية ووجودية وغير هذه المذاهب التي وجد لها في كثير من الحالات دعاة ومروجون على الصعيد العربي، والتي تعتمد في جملتها على قيم ومعطيات تتناقض أحيانا وطبيعة التطور التاريخي للأمة العربية وتتناءى مع أهداف الرسالة العربية إلى العالم، وسواء في هذه الحالة أو الأخرى –حالة القومية الضيقة أو المادية الأممية أو غير هذا وذاك فإن الطليعة التي تلقفت بعصا من ذلك أو كله، ثم ما فتئت تحاول البحث من خلال هذا عن سبل ومناهج وعوامل ومقاييس يتحدد بها سلوك العرب في سيرهم الحتمي نحو التطور، ويتكيف بها المصير العربي على امتداد أبعاده وآفاقه، ان النخبة العربية التي آثرت هذا الطريق واختارته دون غيره، لم تستطع مع كل ذلك، أن تنتهي منه إلى احداث التأثير الجذري المنتظر على صعيد الحياة الثورية العربية ولم تتمكن –بالتالي- من الاندماج في هذه الحياة الثورية بالصورة اللازمة، والتفاعل معها على المستوى الذي تتطلبه أحوال من هذا القبيل، ومن ثم فقد بقي نشاط هذه النخبة محدودا جدا في مجالات نظرية معينة، واستمرت العزلة قائمة بينهما وبين المجتمع العربي المتطور، ولم يكن لها ان تساهم في حركته – ان كان هناك من اسهام- الا بدرجة متضائلة حقا بل وتافهة في بعض الأحيان، ولا يعني كل هذا أن الحركة العربية الحديثة، توجد متقوقعة في نطاق ضيق جامد، لا يتعداه مطلقا ولا يمكن لها نتيجة لذلك أن تتفاعل مع حقائق العالم، وعوامل التحول والتجديد التي تجتاح آفاق الحياة في ربوعه، ان ظاهرة التفتح في روح الحركة العربية الحديثة هي ظاهرة واضحة ملموسة، ندرك آثارها جيدا من دراسة اتجاهات هذه الحركة، وتطورها العام في مختلف الميادين، غير أن هذا التفتح الإنساني وإن كان يدفع الحركة العربية إلى مجال التصادي مع جملة الآفاق الماثلة في العالم المعاصر، إلا أنه لا يبيح لها أيضا الانسلاخ البسيط المجرد من كل إطاراتها الإنسانية والتاريخية والانفلات من مجموعة الحقائق والملابسات التي تلتصق بمحتواها الجوهري على نحو أو آخر، فمن الضروري حقا للحركة التطورية العربية أن تسعى إلى تحقيق مزيد من مظاهر التلاؤم والتكيف مع الآخرين، وذلك باعتبار الإطار الحضاري العالمي الذي تعيش في محيطه العام، ومن اللازم أن تتفاعل معه على مختلف النسب والمستويات، لكنه ليس من الضروري –من جهة أخرى- أن يكون هذا التلاؤم أيضا مجرد تهافت ساذج وغير هادف، ربما لا يكون هناك أحيانا ما يبرره أو يجيز وقوعه، ومما يلاحظ بهذا الشأن أن المراحل التي ما فتئت الحركة العربية تقطعها منذ عشرات السنين لم تكن كلها من صنف هذا التهافت الساذج أو مما يوازيه، لقد امتزجت الحركة العربية –طوال فترات تطورها إلى عهدنا الحاضر- امتزجت بمعطيات فلسفية وانسانية عديدة كان منها ما هو نابع من صميم هذه الحركة، وعميق استمداداتها الذاتية والتاريخية، وكان منها ما هو آت عن طريق التفاعل مع الحركات الأخرى في العالم، والأفكار والتيارات التي تسود حياة الشعوب الأخرى إلا أن الحركة العربية –وقد التقت بهذه المعطيات الفلسفية والعقائدية المختلفة- فإنها لم تتأثر بها في النهاية إلا بصورة نسبية، ولا يبدو أنها تسير في سبيل الامتزاج بها إلا بقدر ما يتفق ذلك مع خصائص الفكر العربي، وطبيعة الاتجاه القوي الذي يتبناه هذا الفكر في مجالات الإصلاح الذاتي، والتعاون الدولي والتضامن الإنساني وأشياء كثيرة من هذا القبيل، لقد التفت الحركة العربية من قبل مع بعض الأفكار «الشوفينينية» التي سادت أوربا فترة من الدهر وما زالت تؤدي إلى ضيق الأفق الفكري وازدياد التصلب العنصري والتطرف القومي بكل حيثياته ونتائجه، لكن كل هذا لم يساهم –بصورة عميقة- في تعديل أهداف الفكرة العربية وتجريدها من محتواها الليبرالي الإنساني والاتجاه بها إلى سبيل آخر غير سبيل الديمقراطية التعاونية المتحررة، سواء في المستوى الداخلي أو على الصعيد الدولي العالمي، والتقت الحركة العربية أيضا بالأفكار الرائجة حول المادية التاريخية وما يتصل بذلك من نوازع الصراع الطبقي الداخلي والتطاحن العالمي الشامل، إلا أن ذلك كله لم يكن له ليؤدي إلى (تشييع) الحركة العربية وإخضاعها لحتمية المنطق الذي يتبناه الجدليون الماديون في أوربا والعالم، بل كان هناك على العكس من ذلك مجال لبروز حقيقة الحركة التعاونية العربية والحياد الإيجابي وما يرتبط بهذه المفاهيم من أفكار واختيارات قد تختلف في كثير من الأحيان مع عدد من النتائج التي ما زال ينتهي إليها الماركسيون واشياعهم في القديم والحديث، واتصلت الحركة العربية بجملة أفكار وقضايا وعروض من هذا القبيل، والواقع أنها لم تنته بعد إلى أساس قار وحاسم حول هذه القضايا بالذات وذلك بما فيها قضية الاشتراكية والحرية والديموقراطية وغير هذه المسائل الضرورية بالنسبة لبناء أي مجتمع سواء كان مركبا أو بسيطا، لكن المهم في الأمر أن مرحلة التقليد والاتباع الساذج الذي كانت تتميز به المراحل الأولى من نشوء الحركة العربية الحديثة –المهم أن هذه المرحلة قد وقع اجتيازها الآن على نحو أو آخر، وقد أصبحت النخبة العربية –متجاوبة مع مقتضيات البيئة الفكرية والعقائدية الجديدة – أصبحت هذه النخبة أو كثير من ممثليها على الأقل –تبدو شديدة الحرص على ممارسة حقها في الانتقاء والانتخاب، واختيار السبل الأكثر تلاؤما مع حقيقة الوجهة الحضارية العربية، والمقومات التي ترتكز عليها هذه الوجهة ومدى استعدادها للاشعاع على نفسها وعلى العالم، وهناك –ولا شك- بعض الاختيارات ذات الأهمية القصوى لا تزال معروضة أمام النخبة العربية في بعض الأقطار العربية، ومن بين هذه الاختيارات ما يتصل بقضية العلمانية واللاعلمانية والصلات التي بين ذلك، وبين تصور المفهوم التقدمي المتطور للجماعة العربية الحديثة، وقد يكون هناك من بين الأوساط الطلائعية العربية، من يتخذ موضوع العلمانية هذا أساسا حيويا لكل اتجاه يهدف إلى تطوير الجماعة العربية المعاصرة، وإكسابها القدرة على مواجهة الحقائق الاجتماعية والسياسية التي يفرضها واقع العالم الحاضر، إلا أن هناك داعيا للتفكير بأن هذه الوجهة من النظر –وان كانت تشكل أساسا عقائديا حاسما عند البعض- فإنه ليس من اللازم –بالضرورة- أن تكون صالحة دون غيرها لإقامة مفهوم صحيح عن طبيعة البناء السياسي والاجتماعي عند العرب المحدثين والصبغة العصرية التي يتعين على هذا البناء أن يكتسبها على وجه أو آخر، ليس من اللازم فعليا الاعتماد –بصورة خاصة- على جملة تأكيدات من هذا الباب، وليس من الضروري كذلك اعتماد هذه التأكيدات في التوصل إلى استنتاجات واختيارات حاسمة، تتعلق باتجاه الحركة العربية الحديثة، وما يرتبط بهذا الاتجاه من ملابسات فلسفية وعقائدية ووجدانية، فالاختيارات التي يمكن التوصل إليها في هذا المجال لا يسوغ أن تعتمد على مجرد التفكير العابر، القائم على بعض النماذج المترائية هنا وهناك في مختلف أنحاء العالم، بل إنه من اللازم –لكي تكون هذه الاختيارات معقولة وصحيحة في أسسها ونتائجها- أن تكون هناك ضرورة من الضرورات الإصلاحية تبيح احتضان هذه الاختيارات وتطبيق مقتضياتها بصورة أو أخرى –على البيئة أو المجتمع المراد إصلاحه، يجب أن يكون هناك إذن هدف إيجابي لا بد منه لتبرير أي اختيار يمكن اتخاذه، وإلا كان هنا الاختيار مجرد تهافت واعتباط ربما يكون من قبيل العبث أحيانا، وفي مثل الحالة الماثلة أمامنا فإن الهدف المتوخى بوجه أو بآخر، لابد أن يكون إما متركزا حول الإصلاح الداخلي، وتحقيق أوضاع ذاتية أكثر منطقية ونفعا واستمرارا، واما أن يكون هذا الهدف منصبا على قضايا العلاقة مع العالم الخارجي وذلك عن طريق العمل على تحقيق قدر من الانسجام مع بقية شعوب العالم، والتعاون في خدمة مصالح السلام والتعايش والتقدم والازدهار.
فهل من الجائز أن نطرح قضية العلمانية واللاعلمانية ضمن هذه الاعتبارات ونحاول أن نجد من خلال ذلك أساسا صحيحا للتقدير والتقييم: تقدير الحقائق والملابسات التي ترتبط بهذه القضية على صورة أو أخرى، وتقييم جانب الضرورات الممكنة التي يجوز أن يكون لها تأثير في الموضوع، والنتائج الموضوعية التي لا بد أن يسفر عنها كل ذلك؟ وبتعبير مغاير: هل هناك دواع عقلية وموضوعية تقتضي من رواد المجتمع العربي الحديث ايثار جانب العلمانية دون غيرها، كعنصر من عناصر النهج التنظيمي الاجتماعي الذي يحتذرنه؟ وهل تبدو العلمانية-بهذا الأساس- كمبدأ إيجابي وحيوي، لامكانية إنجاح هذا النهج، وإيصاله إلى مداه، أو بالأقل اجتناب العراقيل النفسانية والعقائدية التي قد تحول دون نجاحه؟ من اليسير جدا –عند استعراض أقوال العلمانيين العرب- أن تعثر على كثير من التقارير والتأكيدات المنصبة على ضرورة النهج العلماني في بناء المجتمع العربي الحديث، والأهمية القصوى التي تنتظر من اتباع هذا النهج، باعتباره الأداة اللازمة لتعصير الوجود العربي، واصطناع مركز مناسب ومتطور للجماعات العربية في عالم اليوم، لكن على ما تنبني تأكيدات مطلقة من هذا القبيل؟ وهل من الممكن أن تقوم كقاعدة انطلاق إلى تنظيم بعض جوانب الحياة العربية، والإسهام في تطويرها على صورة من الصور؟ من القضايا التي يدلي بها في معرض الدلالة حول هذا الموضوع: ان العلمانية هي السبيل الطبيعي المعقول لتحقيق المفهوم الديموقراطي للدولة، وأن أي بناء ديموقراطي دولي (Etatique) لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق العلمانية، وذلك بالتزام الدولة لموقف الحياد إزاء العقائد الدينية المائلة، وامتناعها عن تبني أو احتضان أية واحدة من هذه العقائد إطلاقا، ومما لا ريب فيه، أن من بين مظاهر الديمقراطية العادية، أن تكون الأنظمة والمؤسسات الاجتماعية مستمدة وجودها من روح الجمهرة الغالبة وقائمة على قاعدة الاستجابة لأهداف السواد الأعظم من الناس، والانسجام مع مصالحهم واتجاهاتهم المشتركة فهل تستجيب العلمانية –في واقع الأمر- لجملة الأهداف والمثل التي تحتضنها الكتل الاجتماعية الغالبة في مختلف البيئات العربية الراهنة؟ ليس من شك في أن الروح السائدة عند هذه الكتل، تعكس اتجاها عقائديا قويا إذا حللناه إلى أصوله الأولى فإننا نجده أقرب ما يكون إلى الإيحاء باللاعلمانية منه بالعلمانية، فالولاء الديني في البيئات العربية والإسلامية أقوى منه في أية بيئة أخرى في العالم، هذا مع غض النظر عن مفهوم الدين وما يحمله من مقتضيات متباينة عند عموم الجماعات العربية الراهنة، ولم يسبق –من جهة أخرى- ان كان الدين في المجتمع العربي موضوع الجدل والصراع المستمر مثل ما كان عليه الشأن في غربي أوربا ووسطها منذ أوائل عهد النهضة الحديثة وإذا كان هناك من صراع عقائدي بين العرب في القديم فإنه لم يكن يتناول روح الدين من أساسه، بقدر ما كان يتناول بعض أوجه الفكر الفلسفي أو الصراع السياسي الممتزج أحيانا ببعض المفاهيم الدينية العابرة، كالخلاف الذي كان يشب كثيرا بين الشيعة وغيرهم، طوال عصور متلاحقة من التاريخ الإسلامي، أما الصورة التي كان يتخذها الصراع الديني في أوربا، والتطورات التي وقعت في ميدان العلاقات بين البابوية من جهة، والأباطرة الأوربيين ثم رجال الثورات السياسية والعلمية في إيطاليا وغيرها من جهة أخرى، فكل ذلك يختلف في كثير –من الصور- عن الأحوال التي تميز بها تاريخ الحياة الدينية وتطورها عند المسلمين في مختلف العصور، وفي وسع المرء حقا أن يقيم بعض أوجه العصور، وفي وسع المرء حقا أن يقيم بعض أوجه المقارنة، بين ما كان يتم في كثير من العهود الإسلامية من استغلال للدين في غير مناحيه الطبيعية واستخدامه أحيانا لتركيز أوضاع فكرية وسياسية واجتماعية منحرفة، وإحاطته –من أجل ذلك- بهالة من مظاهر الطقوسية المتجمدة –في وسع المرء أن يعقف أوجها للمقارنة بين ذلك، وبين بعض الأحوال الدينية التي سادت أوربا فترة من الدهر، وكانت تتميز بشدة وطأة الكنيسة على حياة الفكر والمجتمع، وتحالفها كثيرا مع القوى السياسية القائمة، ومشاركتها في الاستبداد بمقدرات الأفراد والجماعات على اختلاف الصور والمستويات، على  أنه إذا ما كان هناك سبيل لنوع من المقايسة من هذا القبيل، فإن هذه المقايسة تفقد كل مبرراتها إذا ما سرنا بعيدا في تقدير الحقائق والظروف التي ما فتئت تحيط بتطور النظرة إلى المؤسسات الدينية وانعكاسات ذلك على تفكير الناس ومشاعرهم سواء في الشرق الإسلامي من جهة، أو الغرب المسيحي من جهة أخرى، فعند الغربيين مثلا فإن النظام الكنائسي المعقد ما زال معتبرا دائما بصفته المنفذ الأساسي لأي تفتح على العالم الديني، ودنيا اللاهوت بمجموع ما ينطوي عليه ذلك من مضامين ومحتويات، ولهذا فقد تجذر في عقلية الثائرين على هذا النظام، أن السبيل الطبيعي للتخلص من مساوئه، هو السعي إلى الانفصال عنه سياسيا واجتماعيا وثقافيا وغير ذلك، وإقامة الحاجز هكذا بين السلطة الزمنية، متمثلة في الدولة ومؤسساتها من جهة، والمراجع الدينية متمثلة في النظام الكنائسي وتوابعه من جهة أخرى، وقبل أن يتم الانفصال بهذه الصورة في بعض دول أوربا وفرنسا بصورة أخص، وذلك في أعقاب الثورة الفرنسية سنة 1789، قبل أن يتم ذلك بذلت محاولات إصلاحية بعيدة المدى لتحقيق مبادئ معينة للإصلاح الديني والكنائسي على نطاق واسع، فقد قامت البروتستانية و (الكلفاتية) أوائل القرن السادس عشر كمظهر نزوع إلى التجديد في العقلية والطرائق الكنائسية المتبعة، غير أن هذه المنازع الإصلاحية الثورية لم تؤد –بالفعل- إلى تحقيق التطور الذي كان من الجائز أن يتم بصورة عامة شاملة، وعلى المستوى الذي يشمل الحياة الدينية عند عموم المسيحيين في العالم، لم يتم هذا الإصلاح الثوري على صعيد المسيحية كلها-كما كان يبدو ذلك ممكنا من حيث المبدأ- إلا أن هذا الإصلاح قد مس كثيرا من قطاعات الرأي العام المسيحي في العالم، وأدى في النهاية إلى تكريس الانفصال المذهبي الذي أصبح يميز باستمرار بين المسيحية الكاثوليكية من جهة، والمسيحية البروتستانية من جهة أخرى، ومن النتائج الحتمية لذلك، أن بقيت الكنيسة التقليدية تمارس سلطتها بصورة واسعة، وتستأثر في كثير من المناطق بربط وشائج الصلة بين الناس والعالم العلوي بل انها اضطرت –مرة أخرى- في سبيل الحفاظ على ذلك –إلى اللجوء لنظام محاكم التفتيش في مكافحتها للبروتستانتيين وانغمرت – وهي تمثل السلام والأخوة والمحبة- في خضم المطاحنات الدموية التي عرفتها اسبانيا وهولاندا وانجلترا وفرنسا وألمانيا طوال القرن السادس عشر، هذا إلى الهوة الاجتماعية التي ما فتئت تفصل بين رجال الدين أنفسهم، اذ كانوا منقسمين إلى طبقتين اجتماعيتين متمايزين، طبقة المستأثرين بالجاه والنفوذ والترف، وطبقة المحرومين، وليس للمرء أن يدعي بأن هذه الأحوال والظواهر كانت فقط الباعث الوحيد للدعوة التي انطلقت فيما بعد –عبر أوربا- مقتضية العمل على الفصل بين الدين والدولة، وإقامة العلمانية كفلسفة ومنهج وعقيدة، فهناك حقا الكثير من الملابسات التاريخية الأخرى التي لا ترتبط بموضوعنا والتي كان لها دائما –ولا شك- اثر متفاوت في كل هذه الأمور، إلا أن الحقيقة التي لا تقبل المراء بهذا الشأن هي أن بروز الكنيسة باعتبارها الباب الوحيد للصلة بين العالم المادي والروحي عند المسيحيين، ثم ما صاحب تمتعها بهذا الامتياز من مؤاخذات سلوكية واجتماعية واعتقادية وغير ذلك، ما كان يؤدي إليه اصطدامها مع الآخرين من حروب ومطاحنات رهيبة، استغرقت التاريخ الأوربي لفترة طويلة من الدهر، كل ذلك كان لا بد أن يكون له تأثيره في المآل الذي بلغته الفكرة الدينية عند كثير من الأوربيين ونشوء النظرية العلمانية عند بعضهم على نحو أو آخر، والحال في البلاد الإسلامية يختلف عن هذا في كثير من الأوجه، فقد كانت تقوم في كثير من عصور التاريخ العربي الإسلامي أوضاع دينية منحرفة، كانت تبدو في أغلب الحالات، مناقضة لروح الدين ومنطوقة ومفهومة، والوعي الفكري الذي حمل لواءه بعض الثوريين الإصلاحيين، كابن قيم الجوزية، وابن تيمية في القديم، وابن عبد الوهاب، وجمال الدين الأفغاني في العصر الحديث –كان يهدف في جملة ما يهدف إليه تطوير هذه الأوضاع، وإقامة إصلاح ديني حقيقي، على أوسع نطاق ممكن، والظاهرة التي يلاحظها المرء بهذا الصدد هي أن حركة الإصلاح الديني التي عرفها العالم العربي خلال القرون المتتابعة، لم تكتنفها –على وجه العموم- نفس الظروف والتطورات التي أحاطت بحركة الإصلاح الديني في أوربا أوائل عهود النهضة وفي بداية العصور الحديثة، ويبدو ذلك في مظاهر عديدة من بينها:
1- إن حالات الحروب الأهلية والصراع الدموي الرهيب الذي نشأ عن الاصطدام بين الكاثوليكية من جهة، والبروتيستانية ومشتقاتها كالكلفانية من جهة ثانية، مثل هذه الأحوال تختلف كثيرا عن ردود الفعل التي كانت تحدثها الدعوات الإصلاحية الدينية في العالم العربي، هذه الردود التي كانت أقل عنفا وشدة، مما اعتاد الأوربيون أن يمارسوه دهرا طويلا، وإذا كانت هناك من ردود فعل سلبية كانت تقع على صورة أو أخرى في العالم العربي فإنها لم تكن تعدو نطاق الاضطهاد الذي كان ينصب على بعض الإصلاحيين ويصيبهم بنصيب متفاوت من الضرر والسوء، هذا إلى بعض الحروب الصغيرة، كالتي حدثت في الحجاز على إثر الدعوة الوهابية، ولكنها لم تتجاوز ضيقا ومحدودا جدا.
2 – إن الصراع الجزئي المحدود الذي سببته الحركات الإصلاحية الدينية بالعالم العربي، لم يساعد على النيل من مكانة الدين في أعين الجمهور، والكثير جدا من أوساط النخبة المفكرة، مثل ما حدث بالنسبة إلى الأوربيين، وعلاقتهم بالدين المسيحي على وجه العموم، ولعل من الأسباب الداعية إلى ذلك عدم وجود سلطة معينة تنحصر في نطاقها –كما هو الشأن بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية- جميع منافذ الدين ووسائله ونتائجه، وتتركز بين القوامين عليها مختلف سبل الجزاء والغفران وما هو من قبيل ذلك الأمر الذي ساعد –بحق- على ترك المجال متفتحا بصورة سهلة أمام انتشار الدعوات التعديلية والإصلاحية واعان –بالتالي- على الاعتقاد بأنه ليس من اللازم تحقيق الإصلاح عن طريق العلمانية، وما إليها، بل أن هذا الإصلاح ممكن جدا، عن طريق إذابة الجمود الذي ران على الفكرة الدينية، حقبة طويلة من الدهر، وتخطى الحواجز التي ما فتئت تحول دون ذلك سواء على نحو أو آخر، وهكذا فقد أدت التطورات الفكرية الدينية التي رجت العالم العربي إلى غير السبيل الذي أدت إليه في دنيا الغرب اذ أن الأمر قد افضى في النهاية ببعض الشعوب الأوربية إلى اعتناق العلمانية بما تقتضيه من فصل شامل للدين عن الدولة، ثم ما ساعد عليه كل ذلك من تعبيد السبيل أمام قيام الدول الملحدة التي لا تكتفي بمجرد التزام الحياد أمام الدين، بل تتعدى ذلك إلى درجة العمل على مناواة الفكرة الدينية عن طريق الدعاية المنظلة، والتعليم الموجه، ولو بصورة غير مباشرة، وإذا كانت الأمور قد تمت بهذه الصورة في بعض أقطار الغرب، فإن ما آل إليه الحال في العالم العربي يناقض ذلك مناقضة ملحوظة، فقد تركزت الدعوات الإصلاحية المتعاقبة في ربوعه حول مبدأ الرجوع إلى طريق السلف الصالح في فهم الدين وتصوره وتطبيقه، وتلك فكرة –وإن كانت تختلف المدارك في استيعابها وتقييمها على صورة من الصور فإنها قد أدت إلى نوع من التطور والانبعاث الديني، شمل كثيرا من الآفاق العربية واعان على تلقيح النهضة العربية الحديثة بعناصر قوية وذات فاعلية، وليس بإمكان المرء حقا أن يدعي النهضة العربية الحديثة تكتسي صبغة معينة تجعل منها نهضة إسلامية حقيقية لها كامل الاتصال بجميع خيوط الدعوات الإصلاحية الدينية التي عرفها العالم العربي سواء خلال العصر الوسيط أو في بداية العهود الحديثة، كما أنه ليس للمرء أن يدعي أيضا أن العلمانية لا توجد مؤثراتها على أية نسبة من النسب في طبيعة الاتجاهات العامة التي تسود كثيرا من البلدان العربية، سواء على صورة أو أخرى، بيد أنه يجب الاعتراف –من جهة أخرى- أن الفكرة العلمانية بكامل تسلسلها المنطقي، والاستنتاجات التي تقوم عليها –على اعتبار ما لهذه الاستنتاجات من حيثيات فلسفية وإيديولوجية وتطبيقية- ان الفكرة العلمانية قياسا على هذه الاعتبارات كلها، لا توجد لها جذور عميقة في مجال الفكر العربي الحديث، ولا تؤثر على مراجع هذا الفكر والأوساط التي ينتسب إليها، إلى بصورة محدودة جدا وعلى مستوى سطحي في كثير من الأحيان، أما السواد الغالب من الكتل العربية، فالملاحظ بكل بساطة أنه لا ينفعل مطلقا بمبدأ الفكرة هذه، ولا يبدو أنه ذو استعداد حقيقي للتجاوب معها والتأثر بمقتضياتها على أي منحى من المناحي.
ويقر عدد من العلمانيين العرب بوجود هذه الحقيقة إلا أنهم لا يجدون في ذلك ما يدعو إلى التخلي عن فكرة العلمانية باعتبارها عاملا مهما له قيمته في تحقيق مبدأ الديموقراطية في المجتمع العربي الحديث وقد رأينا –فيما يتصل بقضية الديموقراطية وعلاقتها بمبدأ العلمانية –أن هذا المبدأ- كما تعنيه بعض أقطار العرب لا يلتقي مطلقا مع الاتجاه الفكري والوجداني الذي يؤثر في سير المجتمعات العربية بل أنه يتناقض أحيانا مع بعض ما تحتضنه هذه المجتمعات من قيم معنوية وتقاليد فكرية، وما تعتمده من موضوعات ومقاييس في مجال النظر والتقييم، وإذا كانت هذه القيم والتقاليد والمقاييس لا تستدعي بقوة العقل أو بقوة الواقع إيثار العلمانية كإطار من أطر التنظيم الجماعي فإنه من الجائز حينئذ التأكيد بأن الفكر العربي –على وجه العموم- لا يستجيب لمبدأ حياد الدولة إزاء الدين، لأن هذا الفكر ذاته قد نما أول ما نما، وترعرع بداية ما ترعرع في ظلال الحقيقة الدينية وضمن الإطار العام للفكرة الحضارية الإسلامية، وبالتالي، فإنه لم يستمد كثيرا من عناصر نموه واستمراره إلا من وجود هذه الحقيقة، وما تشتمل عليه من مضامين ومحتويات، ذات الأثر البعيد في أعماق الزمان والإنسان وإذا ما توافرت لدينا دواعي التسليم بهذه الظواهر الأساسية فإنه سيكون في امكاننا أن نشدد على جانب الحقيقة الآتية: وهي أن اتباع سبيل العلمانية لا يمكن مطلقا أن يتفق مع مقتضيات النهج الديموقراطي في مجال تطور المجتمعات العربية الحديثة، وذلك لسبب أساسي وبسيط: وهو أن التفكير السائد في هذه المجتمعات لا يستجيب –في أعماقه لمبدأ العلمانية الأوربية، ولا يستقيم مع هذا المبدأ إلا بصورة لا تكاد تذكر، أي باستثناء بعض الأوساط المعدودة التي لا يتوافر لها قدر كبير من التجاوب مع  أغلبية التيارات الفكرية الكبيرة التي تستأثر بالذهن العربي العام، وكم يحاج العلمانيون العرب المحدثون-في خلال هذا الموضوع، بقضية الأقليات والطوائف غير الإسلامية، التي تشكل أجزاء من الكيان العربي، وتلتحم بالمجتمعات العربية القائمة سواء على وجه أو آخر، وهم يريون –في معرض حجاجهم هذا –أن الديموقراطية الحق، لا يمكن أن تجد لها مجالا صحيحا للتطبيق إلا بحماية وجود هذه الأقليات من الناحية الفكرية والعقائدية والثقافية، وضمان مصيرها الاتجاهي الخاص، وذلك فقط عن طريق العلمانية، وما تقتضيه من الدولة من التزام للحياد الديني المطلق، أي تأمين قدر متساو من التجاوب والانسجام بين الدولة من جهة والطوائف والجماعات المختلفة التي تنتسب إليها وتقوم على ولائها من جهة أخرى، لكن السؤال الذي لا بد أن يفرض نفسه على هامش هذا الموضوع هو: هل يقوم الانتماء الديني للدولة، كعائق يحول بينها وبين الاستجابة لرابطة الولاء التي تصلها بجميع الأفراد والجماعات المنتسبين إليها؟ وإذا جاز ذلك من حيث الواقع، أي من خلال ما يبدو أحيانا من مظاهر العلاقة السيئة بين بعض الدول والطوائف المتساكنة في حظيرتها، إذا جاز ذلك من حيث الواقع من هذا النوع فهل يجوز كذلك حتى من الناحية العقلية والمبدئية؟ إن الانتماء الديني من حيث المبدأ لا يقتضي من الدولة تحيزا طائفيا أو عنصريا، هذا مبدأ ثابت وصحيح على مختلف المستويات، وصحته تستلزم بالطبع صحة الإمكانيات المبدئية والعقلية التي تقوم عليها حالة التوفيق بين ديموقراطية الدولة من جهة وانتسابها الديني من جهة أخرى، أما مظاهر التحيز التي تستبيحها بعض الدول ضد طوائف أو جماعات من أبنائها، فالأمر في ذلك يعود إلى نوع من الشذوذ يتميز به سلوك هذه الدول لسبب أو لآخر، ولا يحصل هذا الشذوذ دائما من جانب الطوائف ذات الأغلبية العنصرية أو العقائدية، بل ان هناك حالات معينة يقع الاستبداد فيها من جانب الأقليات الدينية إذا ما توافرت لها حالة السيطرة على الأكثرية الساحقة من السكان المنتسبين إلى ديانة أخرى، ومن بين الأمثلة على ذلك، ما يقع من حين لآخر بين المسيحيين والبوذيين في بعض أقطار الشرق الأقصى حيث يشتد الصراع بين الأقلية والأكثرية هناك، وتتشعب جوانبه إلى مدى بعيد، وهذا يدل على أن الأمر في إنجاح الديموقراطية داخل بلد من البلدان لا يقتضي بالضرورة أن تتخلى الدولة عن انتمائها الديني لفائدة جماعة أو أخرى من الجماعات المتساكنة فيها، اذ أن ذلك –ولو أنه يقع على وجه من الوجوه، فإنه لا يساعد دائما على تحقيق الديموقراطية إذا كانت الفكرة الديموقراطية باهتة أو منعدمة، وبواعثها المادية والإنسانية تكاد تكون  غير متوافرة، إنما العبرة في كل ذلك هو أن يكون الانتماء الديني للدولة وهو منبثق عن واقع تفكير الأغلبية، أن يكون هذا الانتماء قائما على قاعدة ليبرالية متسامحة، والا يؤدي في أية حالة إلى اضطهاد الأقليات الدينية الأخرى، وانكار حقوقها القائمة على  أي مستوى صحيح ومعقول، وهذه –كما أسلفنا- النقطة الحساسة والأكثر أهمية في جميع القضايا من هذا القبيل ذلك أنه من المتواتر جدا أن نجد دولا غير منتمية من الناحية الدينية، وتعتبر علمانية نظريا وواقعيا أيضا، وبالرغم عن ذلك، فإن الأقليات في حظيرتها تتعرض أحيانا لحالات التمييز أو حتى الاضطهاد القائم على أساس الفروق الدينية أو العنصرية أو غير ذلك، كما يمكننا أن نجد دولا أخرى ذات انتساب ديني علني يقره دستورها الخاص، ومع ذلك فإنه تتوافر للأقليات الدينية في حظيرتها ظروف من الاستقرار والمساواة الفعالة، سواء على الصعيد الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي أو ما إلى ذلك. إن ما يمكن استخلاصه من مجموع هذه الملاحظات هو أن قضية الديموقراطية لا يجب أن ترتبط حتميا، -كما يبدو للبعض- بتوافر الاتجاه العلماني عند هذه الدولة أو تلك، فالصلة بينهما ليست ضرورية وجوهرية في جميع الحالات، بل ان اشتراط العلمانية من أجل تحقيق بعض مظاهر الديموقراطية- ولو كانت هذه العلمانية لا تتجاوب مع شعور الأغلبية وتفكيرها- ان هذا الاشتراط من شأنه أن يجر إلى جملة من التناقضات البارزة تتمثل في نبذ مفهوم الأكثرية والأقلية، واغفال الاعتبارات المنطقية التي يقوم عليها هذا المفهوم، سواء من الناحية النظرية أو العملية، هذه بعض من جملة الملابسات التي تثيرها العلمانية أو اللاعلمانية في المجال الدولي الداخلي أي بين العناصر المختلفة والمتساكنة داخل إطار الدولة الواحدة، أما ما يحدثه ذلك على صعيد العلاقات الخارجية أي بين الدول المتعايشة على سطح الكوكب في مضمار العلاقات بينها من النواحي المختلفة، فإن ما يردده العلمانيون بهذا الصدد هو أن الانتساب الديني لأية دولة ربما يقودها في بعض الحالات إلى الحد من طواعيتها في الاتصال بالشعوب الأجنبية، ويجمد من مرونتها في مجال التفتح على العالم، والارتباط بقضاياه ومشاكله طبقا لما يقتضيه واقع الاتصالات الإنسانية الحاضرة وتتطلبه مقتضيات التفاعل العالمي المعاصر، وبغض النظر عن الوهن الذي تتسم به هذه النظرية من الناحية الفكرية والمبدئية، فإن في وسع المرء أن يلاحظ كيف أنه لا يجوز اتخاذ مثل هذا الاعتراض قاعدة ثابتة والاستدلال بها في مختلف مظاهر العلاقات العالمية الواقعة، ان الجمود الذي تصاب به دولة ما في حياتها العالمية والدولية، ياتي –في الواقع- كنتيجة طبيعية لجمود عقلية هذه الدولة، أو عدم استعدادها العام المتعاطي مع الآخرين، والإسهام في حياة العالم اسهاما ذا هدف وفاعلية، ومن التحمل والانتحال حقا أن تنسب مظاهر جمود من هذا القبيل إلى طبيعة الانتماء الديني للدولة، وارتباطها بعقائدية دينية معينة، اللهم لا أن تكون هذه العقائدية في جوهرها ذات روح جامدة مجمدة، وباعثة في إيحاءاتها على العزلة والخمود والتواكل، وحينئذ يكون من المعقول أن توجه المؤاخذات ضد هذه العقائدية بصورة خاصة، وليس ضد مبدأ الانتماء الديني بوجه عام.
وبعد، فإن السؤال الذي عرضنا له في غضون هذا الموضوع هو: هل هناك من ضرورات ملحة تقتضي إيثارا مبدأ العلمانية بالنسبة لأية دولة عصرية تقدمية، وتجعل هذا المبدأ عاملا حتميا من عوامل تحقيق الديموقراطية والحرية والتكافل؟
ولا نستبيح الزعم بأن ما بسطناه في معرض الجواب عن هذا السؤال يقوم بالكفاية في إلقاء الأضواء على هذا الموضوع من أساسه، وإقامة الحجة، وافرة البنية، متسعة المدلول، حول مختلف المشاكل التي تثيرها قضايا كبيرة من هذا القبيل، فالموضوع –كما يلاحظ ذلك- هو على أقصى ما يكون سعة وتبحرا، لأنه يقتضي- من أجل التوفية له –القيام باستعراض مختلف المسائل والأحكام الناشئة عن حالة الانتماء الديني للدولة، واستقصاء عناصر التوفيق بين حالة الانتماء هذه، وبين الجوانب الكثيرة التي تشكل علاقة الدولة بسكانها الاصلاء والطارئين وكل ذلك على ضوء روح الدين من جهة، والمعطيات السياسية والقانونية والنفسانية والاجتماعية للواقع العالمي القائم من جهة أخرى، وعلى الرغم من أن المجال الآن لا يفي بإيراد مختلف النقط العديدة المتعلقة بهذه القضايا إلا أن أمامنا –مع ذلك- معطيات أساسية استعرضنا ملامح منها في خلال هذا الموضوع ويمكننا على أساسها أن نقدر قضية العلمانية واللاعلمانية، لا على أنها قضية فلسفية تجريدية، بل على العكس من ذلك باعتبارها قضية حياتية، تتصل بواقع اتجاه الدولة، وجوانب حياة سكانها، ومن ثم فإن السؤال ينصب حول هذه الجوانب الحياتية، وصلة العلمانية أو اللاعلمانية بها وقد رأينا كيف توجه الاعتراضات بهذا الشأن، متركزة حول ما يمكن أن يكون هناك من تناقض بين انتساب الدولة الديني من جهة، وبين واجباتها من جهة أخرى نحو مختلف الكتل والطوائف المتباينة دينيا، والمنتمية إليها على حالة أو أخرى ولا جرم أن مشاكل الطوائف والأقليات في العالم الحاضر، تعود بأغلبيتها إلى أسباب سياسية واقتصادية وعنصرية ودينية أيضا، ولكننا عندما نستعرض –صور هذه المشاكل على الصعيد العالمي العام، فإننا قد لا نجد للعلمانية أو عدمها تأثير مهم في إثارة مختلف هذه المشاكل وتطويرها، والوصول بها إلى ما هو عليه، على أن دينية الدولة، إذا كانت تعني في جوهرها التنكر لحقوق الطوائف والأقليات الأخرى، فقد يكون هذا هو الشأن، بالنسبة إلى عقائديات دينية أخرى غير الدين الإسلامي الذي يعرف عنه الكثير في مضمار التسامح والتساوي وضمان الكرامة الإنسانية في إطارها الفردي والجماعي فمن المؤكد أن اللاعلمانية ضمن النطاق العقائدي والسلوكي الإسلامي يمكن أن تشكل في العصر الحاضر أساسا لطريقة ليبرالية صحيحة في مضمار العلاقات الطائفية الدينية والعنصرية داخل المجتمع الواحد، كما أنه من المؤكد أن تساعد هذه العقائدية على إبراز صور إيجابية معبرة عن صور التعايش الإنساني الخير، القائم بين الدول والكتل الدولية، سواء منها المتجانسة في الأنظمة والمناهج، أو المتباينة في ذلك على درجات تختلف من حيث النسبة أو النوع، وهذه الإمكانيات الموجودة في نطاق العقائدية الإسلامية من شأنها أن ترفع عن الفكرة العلمانية مختلف الاعتبارات النفسانية والعلمانية التي تجعل منها في نظر البعض حتمية ضرورية وأساسية، ولا يحدو المرء إلى اطلاق هذا التأكيد مجرد تعصب في العقيدة أو الرأي، أو اعتداد بالموقف المتخذ، أو مسايرة للأفكار الرائجة، فقد دأب منذ بعيد كثير من المفكرين غير الإسلاميين على ترديد نظريات عديدة حول المعطيات الديموقراطية الإسلامية، وحول سلامة الموقف العقائدي والسلوكي الإسلامي في مجال العلاقات الإنسانية على اختلاف المستويات.
ولا يجب في الواقع أن نعتد كثيرا بمثل هذه النظريات والمواقف، وننتهزها ذريعة إلى مساندة وجهات نظر شخصية وموالية للعقائدية الإسلامية، والاستناد إلى ذلك بالتالي في تدعيم موقف هذه العقائدية أمام المعترضين عليها، ليس من ضرورة لسلوك سبل انتهازية من هذا القبيل بل ان هناك –عوضا عن ذلك- مجالا متفتحا دائما لمناقشة التفاصيل حول مثل هذه المواضيع، واعتماد المنطق العلمي، والعقلانية الدقيقة في مساندة الحقائق التي يمكن استخراجها على هذا الأساس والنفوذ من ذلك إلى اتخاذ مواقف في الأخير لها نصيب أوفر من عناصر الموضوعية والوضوح والاستقرار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here