islamaumaroc

أبو الحسن الشاذلي -2-

  دعوة الحق

62 العدد

لم يقصر أبو الحسن الشاذلي نشاطه العلمي والروحي على مدينة الإسكندرية وحدها، بل كان دائم الرحلة إلى المدن المصرية الكبرى، فتردد أول ما تردد على مدينة دمنهور أقرب المدن إلى الإسكندرية، وقد زوج ابنته رقية إلى رجل فاضل من أهلها هو الشيخ علي الدمنهوري، ثم زار دمياط والمنصورة، وزار معظم مدن الوجه القبلي الكبرى في سفراته العديدة للحج، وتردد كثيرا على العاصمة القاهرة.
وفي كل هذه المدن كان الشيخ يعقد حلقاته المعتادة للدرس والوعظ لتفقيه الناس في أمور دينهم ولنشر مبادئه ودعوته. وكانت أهم هذه الحلقات هي الحلقات التي عقدها بمدينة القاهرة، وتذكر المراجع أنه كان يلقي دروسه بها في مسجد المقياس بجزيرة الروضة أو في المدرسة الكاملية وهي المدرسة التي بناها السلطان الملك الكامل محمد الأيوبي لتدريس علوم الحديث خاصة.
وكانت القاهرة وقتذاك عامرة بنخبة ممتازة من العلماء الكبار من أمثال الشيخ عز الدين بن عبد السلام العالم القوي الجريء، وتقي الدين بن دقيق العبد أحد علماء مصر وقضاتها، وعبد العظيم المفندي المحدث الكبير وشيخ المدرسة الكاملية،  ومحي الدين بن سراقة –وهو علم آخر من أعلام المدرسة الكاملية، والشيخ الورع التقي مكين الدين الأسمر شيخ القراء بالإسكندرية، وأبى عمرو عثمان بن الحاجب من أبرز علماء العصر بالنحو وعلوم العربية. وابن الصلاح مفتي الشام ومحدثها على ذلك الوقت.
وكان هؤلاء وكثيرون غيرهم يجلسون إلى الشيخ أبي الحسن يستمعون إلى دروسه وشروحه ومواعظه، وكثيرا ما كانت تدور بينه وبينهم المناقشات العلمية والمساجلات الصوفية الطريفة المفيدة، وقد اعترفوا له جميعا بالعمل والفضل والتقوى والقرب من الله سبحانه وتعالى، قال الشيخ مكين الدين الأسمر :
«مكثت أربعين سنة يشكل علي الأمر في طريق القوم، فلا أجد من يتكلم عليه ويزيل عني أشكاله حتى ورد الشيخ أبو الحسن الشاذلي، فأزال عني كل شيء أشكل علي، ورأيت الناس يدعون إلى باب الله، وأبا الحسن يدخلهم على اله تعالى».
وقال عنه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد :
«ما رأيت أعرف بالله من الشيخ الشاذلي».
وقال لشيخ بدر الدين بن جماعة :
«إن بركة الشيخ حلت بالديار المصرية منذ أقام فيها».
هذه هي حلقات الدروس التي كان يعقدها أبو الحسن الشاذلي في مدن مصر الكبرى وخاصة الإسكندرية والقاهرة. ونستطيع أن نتعرف من أخباره المتناثرة في الكتب التي ترجمت له على الكتب التي كان يقرأ أو يدرسها أو يشرحها في هذه الحلقات، وهي من أمهات الكتب التي وضعها كبار المتصوفة الذين عاشوا قبله. ومنها على سبيل المثال :
كتاب خيم الأولياء للحكيم محمد بن عبد الله الترمزي من رجال القرن الثالث.
وكتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي من رجال القرن الرابع.
والرسالة القنسيرية لأبي القاسم القشيري.
وإحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي –وهما من رجال القرن الخامس-وكتاب الشفا في التعريف بحقوق المصطفى للقاضي عياض من رجال القرن السادس.
وقد كف بصر الشيخ أبي الحسن بعيد وصوله إلى مصر بقليل، ونستطيع أن نقول أنه أصيب في سنة 646 على وجه التحديد، أي بعد وصوله إلى مصر بأربع سنوات، فقد روى صاحب كتاب المفاخر العلية أنه لما كف بصر الشيخ دخل عليه تلميذه أبو العباس المرسي فقال له الشيخ :
«يا أبا العباس : انعكس بصري في بصيرتي، قصرت كلي ميصرا، بالله الذي لا إله إلا هو، ما أترك في زماني أفضل من أصحابي، وأنت والله أفضلهم».
ثم سأله :
«كم سنك يا أبا العباس ؟
قال :
«يوشك أن يكون الثلاثين»
قال الشيخ :
«بقيت عليك عشرة أعوام وترث الصديقية (القطبانية) من بعدي»
فإذا عرفنا أن أبا العباس ولد سنة 616، فإننا نستطيع أن نؤرخ لهذا الحديث بسنة 646 هـ فقد قال أبو العباس أن سنه وقتذاك كانت 30 سنة، ونحن نعرف أيضا أن الشيخ أبا الحسن توفي سنة 656 وقد ورث القطبانية بعده أبو العباس وقد بشره الشيخ أبو الحسن في هذا الحديث أنه يرثها بعد عشر سنوات. فإذا طرحنا عشر من سنة 656 وصلنا إلى 646.
والراجح أن الشيخ أصابه مرض مما يصيب العيون أفقده بصره، ويقول الأستاذ السندوبي أنه أصيب أثناء أيامه بالماء فغشى على بصره، ولكن القوم يعللون هذه الإصابة تعليلا آخر. روى ابن الصباغ عن الشيخ جمال الدين القرافي أحد أصحاب الشيخ أن الشيخ أبا الحسن قال له مرة في شرح السبب الذي من أجله فقد بصره : لقيت بعض الأولياء في إحدى سياحاتي، فعرضت عليه كلاما في التوحيد، فصاح الرجل وصلت، فقيل لي :
يا علي لم فعلت ذلك ؟ لتعاقبن بذهاب بصرك».
وفي سنة 647 ألمت بمصر ملمة كبرى، فقد وصلت إليها حملة من الحملات الصليبية الكبرى هي حملة الملك لويس التاسع، واستطاعت هذه الحملة أن تستولي على دمياط، واتجه الملك الصالح نجم الدين أيوب جنوبا إلى مدينة المنصورة وعسكر بجيوشه شمالها، غير أنه لم يلبث أن اشتد به المرض ومات، فأخفت زوجه شجر الدر موته، وأرسلت فاستدعت ابنه تورانشاه من حصن كيفا.
وكان المصريون جميعا في ذلك الوقت في هم عظيم يترقبون نتائج الحرب بنفوس ملأها الهلع والخوف، وكانت الأنظار كلها تتجه إلى مدينة المنصورة مقر الدفاع.
ووجد علماء البلد أن من واجبهم أن لا يتخلفوا عن موضع الخطر، فسارعوا جميعا إلى مدينة المنصورة يثبتون من جاش الشعب، ويبعثون الحمية في نفوس الجند المخاربين، ويثيرون فيهم روح الجهاد للذود عن الوطن وحيته، وكان في مقدمة هؤلاء الشيخ أبو الحسن الشاذلي.
وتقول الرواية أن الشيخ كان يجتمع أثناء مقامه في المنصورة بغيره من علماء البلد في خيمة يتدارسون ويتناقشون في أمور الدين وعلومه، وكانت الصدارة في هذه المجالس للشيخ أبي الحسن.
روى ابن عطاء الله السكندري في كتابه لطائف المنن عن الشيخ مكين الدين الأسمر أنه قال :
«حضرت بالمنصورة في خيمة فيها مفتي الأنام عز الدين بن عبد السلام، والشيخ مجد الدين علي بن وهب القشيري المدرس، والشيخ محيي الدين بن سراقة، والشيخ مجد الدين الأخميمي والشيخ أبو الحسن الشاذلي، ورسالة القشيري تقرأ عليهم، وهم يتكلمون، والشيخ أبو الحسن صامت، إلى أن فرغ كلامهم، فقالوا : يا سيدي تريد أن نسمع منك مقالا فقال –تواضعا :- أنتم سادات الوقت وكبراؤه وقد تكلمتم، فقالوا : لابد أن نسمع منك، قال : فسكت الشيخ ساعة، ثم تكلم بالأسرار العجيبة والعلوم الجليلة، فقام الشيخ عز الدين وخرج من صدر الخيمة وفارق موضعه وقال : اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله».
وكان الشيخ يقضي وقته كله في المنصورة –مستيقظا ونائما- ولا تشغل باله وفكرة إلا هذه الملمة التي توشك أن تنزل بمصر والإسلام، إلا هذه الحرب الطاحنة الدائرة رحاها بين عدو وافد من الخارج وجيش مجاهد باسل يدافع عن الوطن والإسلام، فكان الشيخ إذا نام تكاثرت عليه الأحلام يرى فيها ما يشغله في اليقظة، ويلتمس في عالم الروح مخرجا من هذا الأزمة، إلى أن وافته البشرى أخيرا، وأتاه الرسول عليه السلام يبشره بالنصر.
روى صاحب دروة الأسرار على لسان الشيخ أبي الحسن نفسه أنه قال :
«كنت بالمنصورة فلما كانت ليلة الثامن من ذي الحجة بت مشغولا بأمر المسلمين، وبأمر الثغر خصوصا –يعني دمياط- وقد كنت أدعو اله وأتضرع إليه في أمر السلطان والمسلمين، فلما كان آخر الليل رأيت فسطاطا واسع الأرجاء عاليا في السماء، يعلوه نور، وتزدحم عليه خلق من أهل السماء، -وأهل الأرض عنه مشغولون- فقلت : «لمن هذا الفسطاط ؟» فقالوا : «لرسول الله صلى الله عليه وسلم»».
فبادرت إليه بالفرح ولقيت على بابه عصابة من العلماء والصلحين نحوا من السبعين أعرف منهم الفقيه عز الدين بن عبد السلام، والفقيه مجد الدين مدرس قوص زه والفقيه الكمال بن القاضي صدر الدين، والفقيه المحدث محي الدين بن سراقة والفقيه عبد الحكيم بن أبي الحوافز، ومعهم رجلان لم أعرف أجمل منهما غير أنب وقع لي ظن في حالة الرؤيا أنهما الفقيه زكي الدين عبد العظيم المحدث والشيخ مجد الدين الأخميمي، وأردت أن تقدم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فألزمت نفسي التواضع والأدب مع الفقيه ابن عبد السلام، وفلت لا يصلح لك التقدم قبل عالم الأمة في هذا الزمان، فلما تقدم وتقدم الجميع ورسول الله صلى اله عليه وسلم يشير إليهم يمينا وشمالا : أن أجلسوا، تقدمت وأنا أبكي بالهم وبالفرح، أما الفرح فمن أجل قربي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالنسب، أما الهم فمن أجبل المسلمين والثغر، وهم طلبي إليه صلى اله عليه وسلم، فمد يده حتى قبض على يدي وقال :
«لا تهتم كل هذا الهم من أجل الصفر، وعليك بالنصيحة لرأس الأمر –يقصد السلطان- فإن ولى عليهم ظالم فما عسى ؟»- وجمع أصابع يده الخمس في يديه اليسرى –كأنه يقلل المدة، وإن ولى عليهم تقي «فالله ولي المتقين»، وبسط يده اليمنى واليسرى، وأما المسلمون فحسبك الله ورسوله وهؤلاء المؤمنون، وقال : «ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حرز الله هم الغالبون» وأما السلطان فيد الله مبسوطة عليه برحمته ما والى أهل ولايته، ونصح المؤمنين من عباده فانصحه واكتب إليه، وقل في الظالم عدو الله قولا بليغا، «واصبر أن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يؤمنون».
فقلت : «نصرنا ورب الكعبة. وانتبهت».
هذه الرؤيا تدل على أن الشيخ أبا الحسن كان يقض مضجعه هذا الخطر الجاثم على ثغر دمياط والزاحف نحو لجنوب، يدعو الله مخلصا في يقظته في منامه أن يكشف الغمة ويغيث الأمة ولم تنقض أيام قليلة حتى تحققت بشرى الرسول عليه السلام، وانتصر المصريون، وهزم الفرنجة وأسر ملكهم لويس التاسع، ثم جلوا جميعا عن مصر بعد قليل.
كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي أشد الناس فرحا بهزيمة الصليبين ورحيلهم عن مصر، وقد عاد بعد هذا إلى الإسكندرية، وتابع سيرته الأولى في الحياة يدرس ويعظ ويتعهد أرواح تابعيه ومريديه بالتهذيب.
وأصبحت لأبي الحسن مكانة مرموقة في المجتمع المصري يقصده الكبار ورجال الدولة والعلماء والعامة في حاجاتهم، يقصده الكبار والعلماء يستزيدون من علمه وتعاليمه، ويقصده الصغار والعامة يلتمسون منه البركة ويستشفعون به لدى رجال الدولة لقضاء مطالبهم.
وكان الشيخ لا يرد إنسانا يقصده بل يسعى لإجابة كل إلى مطلبه، روى ابن عطاء الله أن فقيها من طلاب العلم قصد الشيخ مرة يستشفع به لدى القاضي تاج الدين بن نبت العز كي يزيد في راتبه عشرة دراهم، فذهب الشيخ إلى تاج الدين وأكبر تاج الدين مجيئه إليه فأسرع يرحب به وسأله فيم مجيئه، فقال الشيخ:
«من أجل فلان الطالب كي تزيده في مرتبه عشرة دراهم»
فحاول القاضي أن يعتذر، وشرح للشيخ كيف أن لهذا الطلب مرتبات أخرى من جهات متعددة، فقال له:
«يا سيدي هذا له في المكان الفلاني كذا، وفي المكان الآخر كذا، وفي الموضع الفلاني كذا وكذا».
ولكن الشيخ لم يقتنه بهذا الجواب وقال للقاضي :
«يا تاج : لا تستكثر على مؤمن عشرة دراهم تزيده إياها، فإن الله تعالى لم يقنع بالجنة للمؤمن جزاءا حتى زاده النظر إلى وجهه الكريم».
وكان الشيخ يحمل نفسه المشاق –على كبر سنه- في سبيل قضاء حاجات أتباعه ومريديه ورعاية شؤونهم، روى ابن عطاء الله أيضا أن أحد أتباع الشيخ في الإسكندرية أصابه رمد في عينه، فاستدعى له الشيخ طبيبا يهوديا من أطباء الثغر لمعالجته : ولكت الطبيب اعتذر عن مباشرة العلاج وقال الشيخ :
«لقد جاء مرسوم من القاهرة أنه لا يداوي أحد من الأطباء إلا بإذن من مشارف الطب بالقاهرة».
فلما خرج الطبيب قال الشيخ لخدامه :
«هيئوا أسباب السفر»
وسافر في الحال إلى القاهرة، وحصل على الإذن للطبيب، وعاد مسرعا إلى الإسكندرية، ولم يبت خارجها إلا ليلة واحدة، واستدعى الطبيب، وأطلعه على الإذن، فأكثر الطبيب اليهودي التعجب من هذا الخلق الكريم، ثم أخذ في شأنه ومباشرته للعلاج.
وروى ابن عطاء الله أنه سمع الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول :
«جهل ولاة الأمور بقدر الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه، لكثرة تردده في الشفاعات».
وعلق ابن عطاء الله على هذا الرأي بقوله :
«ويجب أن تعلم أن هذا الأمر لا يقوى عليه إلا عبد متخلق بأخلاق الله، بذل نفسه وأذلها في مرضاة الله، وعلم وسيع رحمة الله فعامل عباد الله ممتثلا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الراحمون يرجمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»».
ومع أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي كان واسع العلم والمعرفة، يستمع إليه كبار علماء عصره فيبهرهم حديثه، ويقول كبيرهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام.
«اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله».
مع هذا لم يعرف أن أبا الحسن ألف كتبا، وكل ما وصلنا من أثاره العلمية الصوفية هو ما نقله أصحابه عنه من وصايا وأقوال مأثورة وأدعية وأحزاب وأوراد، وكان الشيخ يرى أن كتبه هي تلاميذه وأنه خير له أن يخرج على يديه تلميذ يفهم علومه وروحانيته من أن يؤلف كتابا قد يقرأه البعض أو لا يقرأونه، وقد يفهمه البعض ويعجز عن فهمه البعض الآخر.
روى ابن عطاء الله أن أحد الأتباع سأل الشيخ مرة :
«لم يا سيدي لا تضع الكتب في الدلالة على علوم القوم ؟»
فأجاب الشيخ : «كتبي أصحابي».
غير أن الأقوال والأحزاب التي وصلتني عن الشيخ تدل على أنه كان قد رق قلبه ورق حتى لم يعد يشغله غير حب الناس سبحانه وتعالى، وأن نفسه صفت وصفت حتى لم تعد تلجأ إلا إلى الله سبحانه، وأن روحه علت وعلت حتى أصبحت أقرب ما تكون إلى الله سبحانه.
وهذه الأحزاب تدل كذلك على أن أبا الحسن كان أديبا ممتازا ذا أسلوب جميل رائع، فإني لا أكاد أعرف أني قرأت الأدب المأثور أجمل مما قال الشيخ أبو الحسن في حزب البر، استمع معي إليه وهو يقول :
«اللهم إنا نسألك لسانا رطبا بذكرك.
وقلبا منعما بشكرك.
وبدنا هنيا لينا بطاعتك.
واعطنا مع ذلك مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر –كما أخبر به رسولك صلى الله عليه وسلم- حسب ما علمته بعلمك.
واغننا بلا سبب.
واجعلنا سبب الغنى لأوليائك.
وبرزخا بينهم وبين أعدائك.
إنك على كل شيء قدير.
اللهم إنا نسألك إيمانا دائما.
ونسألك قلبا خاشعا.
ونسألك علما نافعا.
ونسألك يقينا صادقا.
ونسألك العافية من كل بلية.
ونسألك تمام العافية.
ونسألك دوام العافية.
ونسألك الشكر على العافية.
ونسألك الغنى عن الناس.
واستمع إلى هذه المناجاة الإلهية في قوله :
«اللهم وارأف بنا رأفة الحبي بحبيبه عند الشدائد ونزولها.
وأرحنا من هموم الدنيا وغمومها بالروح والريحان إلى الجنة ونعيمها.....
اللهم باعد بيننا وبين العناد والإصرار والشبه بإبليس رأي الغواة.
واجعل سيئاتنا سيئات من أحببت.
ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت.
فالإحسان لا ينفع مع البغض منك.
والإساءة لا تضر مع الحب منك.
اللهم رضنا بقضائك.
وصبرنا على طاعتك وعن معصيتك وعن الشهوات الموجبات للنقص أو البعد عنك.
وهب لنا حقيقة الإيمان بك حتى لا نخاف غيرك ولا نرجو غيرك ولا نحب غيرك ولا نعبد شيئا سواك.
وأوزعنا شكر نعمانك.
وغطنا برداء عافيتك.
وانصرنا باليقين والتوكل عليك.
وأسفر وجوهنا بنور صفاتك.
وأضحكنا وبشرنا يوم القيامة بين أوليائك.
واجعل يدك مبسوطة علينا وعلى أهلينا وأولادنا ومن معنا برحمتك.
ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك –يا نعم المجيب».
وكان الشيخ أثناء مقامه في مصر يخرج للحج كل سنة، ذكر ابن بطوطة أن الشيخ ياقوت العرشي أنبأه رواية عن شيخه أبي العباس المرسي أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي كان يحج في كل سنة، ويجعل طريقه على صعيد مصر، ويجاور بمكة شهر رجب وما بعده إلى انقضاء الحج، ثم يزور القبر الشريف، ويجعل طريقه على صعيد مصر ويعود على الدرب الكبير إلى الإسكندرية.
وفي سنة 656 هـ بلغ الكتاب أجله، وأحس الشيخ بدنو موته، يستطرد ابن بطوطة حديثه السابق فيقول :
فلما كان في بعض السنين وهي آخر سنة خرج فيها، قال لخديمه : استصحب فأسا وقفة وحنوطا وما يجهز به الميت، فقال له : ولماذا يا سيدي ؟ فقال له :" في حميترا سوف ترى».
وفي شوال من تلك السنة وصل الشيخ أبو الحسن وصحبه حميترا، هي موضع في الصحراء المؤدية إلى عيذاب على البحر الأحمر، أصابه مرض شديد فجمع أصحابه وأوصاهم بأشياء كثيرة وخاصة بحزب البحر، وقال لهم حفظوه أولادكم، فإن فيه اسم الله الأعظم، وخلا بتلميذه الحبيب أبي العباس المرسي وأوصاه بأشياء، يقول صاحب المفاخر :
«واختصه بما خصه الله به من البركات، وقال لأصحابه : إذا أنا مت فعليكم بأبي العباس المرسي فإنه الخليفة من بعدي، وسيكون له مقام عظيم بينكم وهو باب من أبواب الله تعالى».
وبات الشيخ ولسانه لا يفتر عن ذكر الله، فلما كلن الفجر صعدت روحه إلى بارئها، وصلى عليه القوم يؤمهم الشيخ أبو العباس، ودفن أبو الحسن حيث مات في حميترا.
قال ابن بطوطة :ذ
«وقد زرت قبره وعليه قبرية مكتوب فيها اسمه ونسبه متصلا بالحسن بن علي رضي الله عنهما».
واختلف القوم بعد وفاته عهل يعودون أن يستأنفون الرحلة للحج، فقال أبو العباس :
«الشيخ أمرني بالحج ووعني بكرامات».
وبعد، فهذا هو ولي الله العارف به قطب الأقطاب الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه، فارق الدنيا بعد أن ملأها علما وروحانية، وبعد أن خلف بعده عددا من تلاميذه الذين ساروا سيرته بعد أن قبسوا من علمه وفضله وخلقه وروحه، وكلهم بعد هذا من روح الله مقتبس.

 
                         

 
 

 
  

 


 

 

  
                                                                          


    
 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here