islamaumaroc

المرأة والمجتمع

  دعوة الحق

62 العدد

إنه لمن تعقيدات الحضارة الحديثة أن صار للمرأة قضية يكثر حولها الجدل والنقاش والأخذ والرد بين الحين والآخر فبعض الذين ينتحلون الغيرة على حقوق المرأة في هذا العصر يثيرون الضجيج حول الظلم الواقع عليها والأخذ بخناقها حتى ليخيل إليك أن هناك معسكرات اعدت للاعتقال تساق إليها المرأة في القيود والسلاسل من الحديد حيث تسجن هناك وتعذب وتضرب، وتعامل معاملة العبيد في القرون الخالية! ثم تلفت حولك فلا تجد أثرا واحدا ملموسا من مظاهر هذا الظلم، إنما هي بعض الفقافيع الطافية على سطح هذا المجتمع تذهب ها هنا وها هنا في مظهر خادع وبريق خلاب كاذب، وليس لها في الواقع من حقيقة الوجود إلى قلبها الأجوف وباطنها الفارغ من كل جد ولا مبرر لها إلا أن تقلد الغربيين تقليدا أعمى...
ولقد أشرنا في موضوعات أخرى إلى الطلاق باعتباره قضية مزعومة من قضايا المرأة التي تثار دائما، وأشرنا إلى تعدد الزوجات، وإلى الدرجة التي تجعل القوامة للرجال دون النساء ثم اسموها قضية الحقوق السياسية لها، وانا لنؤمن إيمانا عميقا انه لا يثير الضجيج حول هذه المسائل الا تفاهة في رؤوس بعض الناس ممن اعجزهم أن يكونوا شيئا في المجتمع له قيمته فراحوا يلفتون الأنظار إلى أشخاصهم بذلك الضجيج المفتعل الذي لا يكلفهم شيئا من جهود أهل العزيمة والكفاح في سبيل المبادئ الإنسانية الفاضلة.
ونحن في رسالتنا هذه نعالج الموضوع بروح «المنطق الدقيق» الذي يتسامى في علاجه عن الخلافات دائما ويلتزم تقرير الحقائق المجردة في كل أموره دون نظر إلى أي اعتبار من الاعتبارات الأخرى.
وحين نقول «المنطق الدقيق» فقد عنينا بذلك الإسلام الصافي النقي الذي هو في حقيقته فطرة الله التي فطر الناس عليها.
خطر التقليد:
وأول ما يجب أن نلفت الأنظار إليه (وبروح هذا المنطق طبعا) هو أن بعض المنادين في مجتمعنا بحقوق المرأة متأثرون  -إلى حد بعيد- بتيار التقليد لكل ما هو غربي دون التبصر لما في هذا التقليد من خير أو شر.. ونحن لا نشك في أن لدى الغرب حسنات ولكن لا نزاع كذلك في أن لديه سيئات فإذا ما قام التقليد عندنا على تخير المناسب من الحسنات كان تقليدا مأمون العواقب، والحكمة ضالة المومن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
إما إذا قام التقليد على أساس الانسلاخ من مواريثنا الصالحة وتقاليدنا الطيبة باعتبارها فاسدة لا تصلح لهذا العصر، وأن كل ما لدى الغربيين صالح بلا نزاع، فهو إعدام لكل مقوماتنا المعنوية دون تحقق لما فيها من ذاتية ثابتة تستعصي بها على ما يحاك لها وتجعلها صالحة لكل زمان ومكان ولذلك ينبغي عليها أن نحذر مسايرة هذا التيار الخطر وأن نلتزم التأني في اختيار ما هو صالح عندهم..
بين الإباحية والتصون:
ولابد لنا هنا من ملاحظة ظاهرة أخرى، هي أن قضية المرأة –فيما اعتراها من شد وجذب ونقاش وجدل –دارت بين معسكرين: معسكر يرغب في التحلل والإباحية، ومعسكر يرغب في توفير كل ما في الاستطاعة من أسباب العفة والكرامة للمرأة.. أما المعسكر الأول فإنه يرى في المعسكر الآخر أنه جماعة من الرجعيين المعارضين «لنهضة» المرأة. وأما المعسكر الثاني فتزعجه دعوة التحلل ويزعجه أن يرى المرأة مبتذلة في الشوارع والأسواق، قد هجرت بيتها، ونبذت رسالتها، وفقدت حياءها وهو زينة الأنوثة فيها، فيحشد قوته ويتحصن بكل ما لديه من عزائم ليحفظ عليها كرامتها وليبقيها في بيتها.. من ذلك نرى أن المعسكرين أخذا يتبادلان الهجوم الصاعق والدفاع الحصين: هذا يشتط في طلبه بالتحلل والإباحية، وذاك يريد الحفاظ على حرمات الدين والفضيلة شدة في الدفاع عن معاقله.. وفي ضجيج هذا المعترك الفكري وظلمته القاتمة التبس على كثير من الناس شأن المرأة واختلط عليهم الأمر فأخذوا يتساءلون:
هل لها أن تخرج من البيت أو ليس لها ذلك؟
هل هي مخلوقة لها من خصائص العفة ما يجعلها أهلا للثقة؟
هل لها أن تشتغل بالأعمال الحرة والوظائف الحكومية أو السياسية وما شابهها؟
ومن المؤسف أن الدعاة إلى حقوق المرأة يهملون الدعوة إلى الفضيلة، اذ لم يرتفع لهم أو لهن صوت واحد في مناسبة من المناسبات باستنكار ما يمد للمرأة من أسباب التحلل والغواية والاستهتار.. وسكتوا على «الكريهات» وكأنهم يراقبون تطورها في غبطة وبهجة وارتياح، لأنها شارة من الشارات التي يجب استكمالها في مجتمعنا، لتضاهي بها المجتمع الغربي.. وقد تعدوا هذا السكوت إلى الترحيب –تلميحا وتصريحا- بما تبدي المرأة من ميل إلى التحلل والتكشف، وإظهار ما حقه أن يكون مستورا من بدنها وزينتها.. فحفلات الرقص، والخمر، واللهو، والقمار التي تغشاها المرأة عارية الصدر، والظهر، والذراعين، والساقين، ولا يستر فيها سائر أعضاء البدن في إلى الشفيف من اللباس، الذي لا يكاد يحجب شيئا.. وفيها تقوم المرأة –وقد لعبت الخمر برأسها – إلى رجل أجنبي عنها فتراقصه وتخامره، في غزل ظاهر، وفاحشة لاشك فيها.. هذه الحفلات، لا يسكتون عنها فحسب، بل يحضرونها ويشجعون على غشيانها، لأن المرأة الأوربية تفعل ذلك، ونحن نريد أن نكن مثل أوربا في كل شيء..
ولقد أصبحت البلاد الإسلامية مباءة لتلك الحفلات الداعرة-رسمية وغير رسمية- وكان هؤلاء الدعاة إلى « مجد المرأة » يشهدون ذلك « التقدم » في رضا وسرور، وتظهر صورهم في تلك المباذل غير منكرين منها شيئا، في حين أنك تراهم أو تسمعهم يملأون الجو صياحا كلما فتح أحد العلماء فمه بكلمة يقرر فيها ما قرر الله للمرأة و المجتمع من مباذل الخمر والقمار والعري، أو كأن المجتمع قد استقام حاله على   تلك المباذل الفاسقة، ولا خطر يتهدده إلا أن ينادي فيه بكلمة الله ..
نقول هذا للفتيان والفتيات ولسائر الناس، حتى لا يغتروا بالبريق الخادع الذي يموه به هؤلاء نياتهم الفاسدة، وتصديهم المسموم لدعوة الإصلاح .. ولا ننسى أن شابا أرسل لكاتب معروف يشكو إليه خروج المرأة مبتذلة متكشفة، تضيق من ملابسها لتحدد أعضاء بدتها وتختار منها الرقيق لتظهر للناس ما لا يحل أن يظهر .. وبدلا من أن يشكر الكاتب المعروف الشاب البرئ براءته وغيرته، راح ينهكم به وبغفلته، ويذكر الكاتب يعد التقريع والتهكم كلمة واحدة تشعر بالعطف على وجه نظر الشاب ...
وهذا الذي تقوله لا يجافي سبيل المنطق الذي التزمناه في علاج هذه القضية، لأننا إنما تقرر شيئا واقعا، وهذا الذي نقوله لا يجافي سبيل المنطق الذي التزمنا في علاج هذه القضية، لأننا إنما تقرر شيئا واقعا، يمتاز به بعض الدعاة إلى حقوق المرأة.
إما ما يتبادر إلى بعض الأذهان من أن الكتاب المعارضين يقصدون أن المرأة في ذاتها مخلوق شيطاني، يتربص بالشهوة كل فرصة سانحة، فلا يصلح لها إلا سوء الظن بها، وعدم تمكينها من رؤية النور خارج البيت، تفهم خاطئ، ليس في كلامهم ما يدل عليه تصريحا ولا تلميحا، إذ الحقيقة أنهم يسلمون بحسن استعداد المرأة عقليا وخلقيا، ولا يثيرهم إلا دعوة التحلل والإباحة، مع ذيوع وسائل الفتنة والاغراء، فإذا قام أولياء الأمور لدينا بتطهير البيئة من وسائل الفتن، وكانت العفة أساسا من أسس الدعوة إلى حقوق المرأة، فإن الكثير من مسائل هذه القضية ينتهي على أحسن وجه.

ونعني بالعفة أمرين أصليين :
الأول : زهد المرأة في غشيان مجالس الرجال والتهافت على لقائهم، إلا لضرورة أو لحاجة معقولة.
الثاني: عنايتها بملبسها بحيث لا يكون ضيقا، ولا مخرقا ولا شفيفا، وقد نهى القرآن الكريم عن أن يتبرج النساء تبرج الجاهلية الأولى، وأمر أن يدنين عليهن من جلابيبهن، وأن يضربن بخمرهن على جيوبهن ليسترن بذلك أجسامهن، فإن ما عدا الوجه والكفين عورة..
وكذلك يجب أن تحجب أصباغها وزينتها عن الشارع ومحافل الرجال، فلا يراها إلا زوجها ومن رخص الله لهم في ذلك على ما أوردناه سابقا.
ولسنا نجد في التسليم بذلك غضاضة، ولا يستطيع اشد المتحمسين لحقوق المرأة أن يذلنا على أن العفة بهذا  المعنى الذي أوردناه مناهضة للرقي، ولا ان الفضيلة قيد ظالم لها يجب أن تتحرر منه.
ويجب أن يضاف إلى هذا المبدأ، مبدأ أصيل آخر، تقرره الفطرة وتوجيه طبائع الأشياء ذلك أن البيت هو الميدان الطبيعي لرسالة المرأة.
وعلى ضوء هذين المبدأين نستطيع نتبين حكم الإسلام في أكثر ما يدور حول حقوق المرأة من قضايا..
اختلاط الرجال بالنساء
فاختلاط الرجال بالنساء، والنساء بالرجال أحد الموضوعات التي يثور حولها الجدل، وتأخذ من اهتمام المتناظرين أكثر مما تستحق.. فإذا تحققت المرأة بمعاني العفة ومظاهرها التي ذكرناها.. وإذا علمنا –إلى جانب ذلك- أن الاختلاط ليس له من معنى إلا الرؤية، والمقابلة والمحادثة في ضروريات الأمور، الفينا قضية الاختلاط مفروغا من أمرها.
الاختلاط في البيت:
ا – فالمرأة لا تأذن في بيت زوجها وهو شاهد إلى بإذنه، ولا تستقبل فيه أحدا من الرجال الأجانب إلا من تدعو الحاجة لاستقبالهم، على أن يكون ذلك بعلمه أو بإذنه، أو يكون ممن تجري عادة البيئة بدخوله كما يحصل في بيوت أهل الريف.
ب – أقارب الزوج والزوجة يجب أن لا يكثروا من الدخول عليها، ويطيلوا الجلوس معها بدون موجب، وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك بقوله: «اياكم ودخول الرجال على النساء» - والحمو هو قريب الزوج أو الزوجة-. يريد عليه السلام أن دخول الحمو على المرأة بصفة مستمرة يجلب في أعقابه أخطارا كثيرة، فإن من أقارب الزوج الزوجة من يتذرع بالقرابة، فيطرق البيت بالليل وبالنهار، ولضرورة ولغير ضرورة.. وقد يترخص الزوج والعشيرة في قبول تلك الحالة والاغضاء عنها بحكم القرابة.. ولكن قد يفضي ذلك في النهاية إلى عواقب وخيمة، منها تقطيع أواصر القرابة.. أو الطلاق.. وقد يكون منها اراقة الدماء والموت.
جـ - وخلوة المرأة بالرجل الأجنبي في البيت أو في أي مكان آخر محرمة، إلا إذا كان معها زوجها أو ذو محرم لها. والأجنبي هو كل من عدا زوجها، وليس بمحرم لها.. والمحرم هو كل من لا يحل له زواجها على صفة التأييد كأبيها وأخيها وولدها.
وليس ذلك النهي مؤسسا على سوء الظن بخلق المرأة، إنما هو مؤسس على ما في طبيعة البشر –رجالا ونساء- من احتمال الاستجابة إذا ما طالت فترات الخلوة، فإن تلك الفترات- مع فراغ البال ورخاء الحال – مما يجعل النفس تستشرف لتذوق الممنوع.. وفي تصوير تلك الحالة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والخلوة بالنساء والذي نفسي بيده ما خلا رجل بامرأة إلا ودخل الشيطان بينهما».. ومن هنا حرم الإسلام الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية إلا أن يكون معها زوجها، أو ذو محرم لها، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس بينه وبينها محرم».
وفي تلك الأحاديث ما يفيد أن مقابلة الرجل للمرأة ومقابلة المرأة للرجل ليست محرمة لذاتها، بل لما يترتب عليها من عواقب سيئة، أو يستتبعها من سوء الظن والريبة وشيوع الهمس وقالة السوء.. فإذا لم تكن هناك خلوة، أو كانت الخلوة ولكن مع ذي محرم فليس هناك من بأس أو حرمة..

الخروج من البيت:
 ولقد قلنا أن البيت هو المكان الطبيعي لرسالة المرأة، فيجب أن يكون الخروج منه مقيدا أو مشروطا بعدم افساد تلك الرسالة، أو الإخلال بحق من حقوقها.. كما يجب أن يكون له من الضرورات أو الأسباب المشروعة ما يجعله سائغا مقبولا..
فلها أن تخرج لزيارة والديها واخوتها وأخواتها، ومن تؤمن زيارتها له من أقاربها وصديقاتها.
ولها أن تخرج للصلاة- واداؤها في البيت أفضل- وضرورات العلاج، وقاعات العلم والمحاضرات، للتزود بما يثقف عقلها ويهذب نفسها، ويفقهها في دينها، ويعرفها بواجبها في الحياة.. على ألا تكون في تلك القاعات عرضة لمجون العابثين وفساد مرضى القلوب..
ولها أن تخرج إلى الحقل أو السوق، أو إلى أي مكان لا اثم فيه لشراء ما يحتاج إليه بيتها، وقضاء مصالحها.
وقد كان نساء الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده يفعلن كل ذلك ولا ضير عليهن.

المسارح ودور السينما:
ويسأل بعض الناس عن الخروج إلى دور التمثيل والسينما.. والحكم في تلك الدور أنها ليست محرمة لذاتها، بل لما يلم بها من أفعال السوقة، وصنع من لا خلاق لهم، ولما يعرض في برامجها من مناظر منافية للعفة، ومعان لا توجه الى الأخلاق النافعة.. فإذا وجدت دور تعرف كيف تختار روادها من البيئات الكريمة، وتحترم رسالتها، فلا تعرض إلا التسلية البريئة والمناظر العلمية، والروايات النافعة عقلا، وخلقا، فلا بأس من ارتيادها، فالثقافة أمر مرغوب فيه، واللهو البريء جاء به الشرع الشريف، وقد كان الرسول عليه السلام يدعو عائشة لتنظر إلى الحبشة وهم يلعبون ويرقصون بحرابهم..

المنتزهات:
ويسألون عن خروج المرأة إلى أماكن النزهة ذات المناظر الجميلة، والهواء... وما نعلم اطلاقا أن أحدا حرم ذلك عليها.. ونحن نقرأ من اخبار الفضليات من نساء العصر النبوي انهن كن يخرجن إلى ظاهر المدينة، وها هي أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر، وزوج الزبير رضي الله عنهم تقول: «كنت  أنقل النوى على رأسي من أرض الزبير وهي من المدينة على ثلثي فرسخ» قال العلماء وهو حجة في سفر المرأة اليسير بغير محرم.. والمرأة الريفية في أيامنا هذه تخرج من بيتها إلى الحقل، ولا اثم في خروجها، ولسنا نرى فرقا بين الريفية والحضرية إلا ما قد تتعرض له الحضرية من عدوان أهل النزق والمجون، فإن كان ذلك فلا، وعلى ولي الأمر أن يردعهم ويطهر المدن من اذاهم، فهذا جاء أمر الله سبحانه: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا».
المراكب العامة:
والمواصلات في مدننا الكبرى، في أيامنا هذه من المشكلات التي يضيق بها الرجال فضلا عن النساء.. فإذا استطاعت المرأة أن تمشي على قدميها، فلتمش، وإلا فلتستأجر سيارة، فإذا كانت لا تطيق المشي، وكانت حالتها المالية لا تسمح باستئجار السيارة، فلا بأس أن تركب الترام أو الاوتوبيس على ازدحامه مسايرة لحكم الضرورة، ولأن أكثر الركاب لا يبغون من الزحام إلا أن يصيبوا من امرأة غرضا خبيثا، وقديما نزل العلماء على حكم الضرورة، وسكتوا على الازدحام الذي يجمع بين الرجال والنساء في مناسك الحج، وفي الطواف حول الكعبة، فإنه ازدحام لا يتطلع فيه الرجل ولا المرأة إلى إصابة غرض من الأغراض الفاسدة..

المرأة والعمل
ليس في الإسلام ما يمنع المرأة أن تكون تاجرة، أو طبيبة، أو محامية، أو محترفة لأي حرفة تكسب منها الرزق الحلال ما دامت الضرورة تدعو إلى ذلك، وما دامت تختار لنفسها الأوساط الفاضلة، وتلزم خصائص العفة التي اسلفنا بعضها.
وعيب هذه القضية هو العيب الذي تلمحه في كل موضوع من مشكلات المرأة، اذ لا ينظرون في شيء من ذلك إلى الاصلاح، بل يخضعون للهواجس التي لا تفتأ تهمس في سرائرهم بأن المرأة عندنا لا تبلغ أن تكون راقية إلا إذا صارت تاجرة، وطبيبة، ومحامية، والا اذا خلعت ثوب الحياء والعفة، وخرجت إلى الشارع كاسية عارية تعرض أنوثتها على عبيد الشهوات وذوي النفوس المريضة..
إن رقي المرأة الحق منوط برقي انسانيتها: ثقافة عقلها، وسمو خلقها، وصفاء قلبها، وطبعها.. ومنوط كذلك برقي ما تزاول من عمل في هذه الحياة.. ورقي العمل ليس مقاسا بما اصطلح الناس عليه انه رقي، بل مقاس بحقيقة المثل العليا التي تبعث عليه أو تبغى من ورائه..
فإذا رحت تبحث عن حقيقة الرقي التي تجنيه المرأة في المجتمع من هجر البيت، إلى السوق والعيادة والمكتب الخ.. لا تجد إلا الخسارة الظاهرة والصفقة المردودة البائرة..
لا مانع أن تعمل المرأة.. ولكن الحياة تخصص.. وخير التخصص وأنفعه ما جاء من صنع الطبيعة واملائها.. فإذا خالفنا ذلك التوجيه وخرجنا عليه، فقد غيرنا خلق الله في نفوسنا، وتمردنا على سنته، وأخطأتنا المنافع وأخطأناها، ومن عرض صفحته للحق هلك.
لقد خرجا المرأة الغربية إلى السوق والمصنع والشارع والمرقص، تبتغي في ذلك وغيره لقمة العيش.. فماذا صنعت لنفسها من كرامة، وماذا صنع لها الغرب؟؟
لقد ارخصوها وابتذلوا انسانيتها واهدروا كل قيمة أدبية لها.. وأصبح القوم لا يستأجرون من الفتاة أو المرأة إلا أنوثتها وخصائص طبيعتها، لتؤدي في التجارة دورا معيبا ينحرف بها عن الكرامة ولا يمت إلى عوامل التجارة الشريفة بصلة. وأصبحوا لا ينظرون إليها إلا على أنها أداة ذات أنوثة قديرية على الإثارة ومضاعفة الكسب.. فأي ابتذال للمرأة وأي سقوط بقدرها الإنساني أبشع من هذا السقوط..؟
انه الرقيق الحر يساق إلى أسواق النخاسة تحت سياط الحاجة والفاقة.. يساق للابتذال في المتاجر، حيث تعرض الفتاة أثمن خصائصها- كأنثى- سلعة إلى جانب السلع لقاء اللقمة التي تقيم اودها..
الهذا خلق الإنسان؟؟ أو هذه قيمة المرأة في حضارة المادة ووثنية المال؟؟ أو هذا ما يراد لنا أن تقلده؟
إن المرأة إنسان كريم، وأسمى ما فيها انسانيتها الرفيعة. وقد قضت سنة الله أن تجعل كرامتها منوطة برعاية أمانتها الخاصة.. وأن تجعل سعادتها منوطة بأداء وظائف تلك الأمانات: أما، وزوجة، وربة بيت.. وبهذا تهتف غريزة المرأة، ويشهد وجدانها الأزلي العميق.. فإذا بنينا مكانها في الحياة على هذا الأساس، وقررنا لها حقوقها على هذا النهج، وقرت كرامتها، وصبغت سعادتها وهناءها.. فإذا كانت اما ففي طاعتها رضوان الله، وتحت أقدامها الجنة.. وان كانت زوجة صالحة فهي أفضل ذخر يستفيده المرء من دنياه بعد تقوى الله.. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير ما يكنزه العبد من دنياه بعد تقوى الله الزوجة الصالحة..» فماذا وفرت لها حضارة الرقيق وأسواق النخاسة من كل ذلك؟؟
إن المرأة في البيت تصنع للطفل رجولته، وخلقه العملي الناجح، وتنشئه على ما تطلب الحياة الكريمة من فضائل.. فمن يمنحه ذلك إذا تركته للخدم أو لسواهم ومضت إلى عملها في الخارج؟..
وهي في البيت المصدر الروحي لإشعاع الرحمة والمودة على زوجها –كما ورد في القرآن الكريم- وهي بهذه المثابة المهاد الذي يلقى فيه الحنان والدعة، والعطف، والسكينة، فمن له إذا خرجت وعادت آخر النهار –مثله- مهدودة القوى، ضيقة النفس بما لقيت من عناء يومها؟
إن المرأة تستطيع أن تخلق الرجل كل يوم مرة أو مرات.. وهي بقيامها على المهد، ورعاية طفولة ولدها، إنما تصنع مستقبل وطنها، ولسنا ندري عملا للمرأة في الحياة يفوق في شرفه، وسمو غاية هذا العمل.. ولكنا أصبنا بتقليد الأجانب فلا نحس أننا أمة راقية إلا إذا رأينا نساءنا وفتياتنا عاملات كادحات، وعلى نحو ما هو معهود عند الغربيين..
يقال بعضهم: انها تكاليف الحياة الباهظة، توجب أن تعمل المرأة إلى جانب زوجها مساعدة له.. وكأنهم بذلك يتحكمون في معايير السعادة، وحقائق مثلها العليا، ويمسخونها مادية صرفة، يعبد المال والشهوة والترف في محاريبها وكل أنحائها.. ومسخ الحياة على هذا الوجه أخطر ضروب الفساد والشقاء، لأنه اترداد من فطرة الله التي تنشد البساطة والمثل العليا، إلى حياة تنشد التعقيد والتلفيق وعبادة مطالب البدن.
ولقد قامت في أمريكا خبيرة اجتماعية هي الدكتورة «ايدا اليسن» تحمل على اشتغال المرأة بالأعمال الحرة –تاركة بيتها وأبنائها- لتساعد زوجها على رفع مستواهم المعيشي، فارتفع مستوى المعيشة، وانحط مستوى التربية والخلق.. ثم إن الفارق الكبير بين المستوى الخلقي لهذا الجيل، والمستوى للجيل الماضي، إنما مرجعه إلى أن الأم هجرت بيتها، وأهملت طفلها وتركته إلى من لا يحسن تربيته.. واندرت قومها بسوء المصير إذا استمرت الحال على ما هي عليه، ونادت بضرورة عودة المرأة إلى بيتها لتزاول فيه شعائر الأمومة، واختصاص الزوجة وربة البيت..
إن الدين لا يحرم على المرأة أن تعمل، ولكنه يحرم أن تهجر ميدانها الطبيعي بدون عذر إلى ميدان يعمره الرجل بكل كفاءة ومقدرة، حيث لا حاجة إليها.. فلتغش المرأة ميدان العمل العام، ولكن عند الضرورات التي تجعل جهدها فيه أجدى على الأمة من بقائها في ميدانها الطبيعي.. أما التقليد السخيف- دون مراعاة لطبائع الأشياء- فتفاهة ونكسة لا ترضاها للمرأة أيا كانت، مسلمة أو غير مسلمة..
الإسلام دين الفطرة ورأيه في مشكلة المرأة.. هو رأي خالق الكون سبحانه وتعالى: «يعلم ما في النفوس وطبائع الخلق» فرسم لهم بوحيه طريق الحياة.. وهل تعلم قوما حادوا في حل مشكلة من مشاكلهم عن طريق الله وأفلحوا؟

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here