islamaumaroc

المقعد (تر.إ.السولامي)

  دعوة الحق

62 العدد

توقف(1) الخطيب برهة وشرب جرعة ماء، وكان كارلي قد سمعه بإذن مرهقة لأنه كان  يقول كلمات نبيلة وصادقة ، ثم  تنسم الهواء لأن شمس بوفمبر اللافحة كانت تجتمع على الجموع المصفية ، ولم تكن الأشجار لتلقي غير بعض الظلال فوق الساحة الكبيرة في جو هانسبرج ، بينما كان المنديل الذي جعله كارلي عينيه في هذت الخضم من الوجوه التي تحف به كانت  وجوها من كل لون: ابنوسا لامعا وسط شحوب وجهين أو ثلاثة بيضاء منبنة بين الجموع.
وحدج كارلي الرجلين اللذين يكنبان  أثناء إلقاء الحطب من حين لحين ، كان الرجلان يرفعان رأسيهما  ليتفحصا الخطيب: (نحن ننكر حق كل جماعة في أن تحكم راضية متعمدة جماعة مستعبدة ، وأن علينا أن ندافع عن حقوق كل شعب يرى نفسه محكوما عليه بالتفرقة لأسباب عنصرية لونية، وأن نرفض وراثة أبناءنا للحقوق التي  أريد أن تكون لنا ، أننا ضحايا التفرقة العنصرية في ميدان التعليم وفي المجال الاجتماعي والمجال الاقتصادي).
وسال كارلي نفسه، هذا رجل يعرف ما يقوله ، أنه يقول بأنني أساوي قيمة أي إنسان آخر وربما كنت أغلى من أبيض ، هذا أمر يدعو إلى التأمل حقا، وأني لأتساءل ان كان يقصد أن لي الحق في الذهاب إلى أي سينما والأكل في أي مطعم أشاء وارسال أبنائي إلى مدرسة البيض ؟ إن هذه أفكار خطيرة تستحق التأمل ترى ما يكون رأي أوكلاس في كل هذا ؟ فأوكلاس يقول بأن الله خلق السود من أحد جانبيه وخلق البيض من الجانب الأخر ، وان البيض سيظلون دائما سادة، والسود سيبقون  عبيدا مسخرين ، لكن هذا الخطيب  الآن يتكلم بشكل آخر وكلماته تدوي صادقة عادلة .
ورمش كارلي مفكرا ، وكان على المنصة خطباء كثيرون سودا وبيضا يتصرفون كما لو أنه  لم يكن بينهم أي تمييز .
كل هذا الأشياء كانت  جديدة على فكر كارلي، وكان عليه أن يكون على حذر في تقبلها .
ولم لا يتقبلها ؟ فهو ليس رجلا ملونا بل إنسانا كما قال آ خر الخطباء ، وانه كما فتئ أن يذكر أنه  رأى على الجرائد صور لأناس لحدوا قوانين التفرقة العنصرية وهم يبتسمون رغم أنهم كانوا مسوقين ألى السجن، لله ما أعجب الحياة.
ووالي الخطيب كلامه و كارلي يصغي باهتمام وتصميم ، كان يتكلم بهدوء يمكن أن يستشف منه انه خطاب هيئ على مهل ، وعكر كارلي :( هذا رجل عظيم ).
وكان آخر الخطباء امرأة بيضاء ترتدي فستانا أزرق ، وكانت تدعو المتجمهرين إلى أن يشجبوا كل قانون يرمي إلى التفرقة ، وان يسعى إلى تحقيق هذه كل واحد حسب إمكانياته قلما ذا كانت تتكلم هكذا ؟ أن فب مقدورها أن تذهب إلى أحسن دور السينما وتسبح في أرقى المسابيح.
وانتهى الجمع فشق كارلي لنفسه طريقا وسط الجموع بينما كانت أقوال الخطباء تدور في رأسه ، ان هذا الذي سمعه لم يكن ليحدث في         فهل هذا صحيح ؟ ودوى فرامل سيارة بجانبه فأعاده إلى دنيا الناس من جديد ، واشراب وجه أبيض حانق :
- انطر إلى حيث تضع قدميك أيها الزنجي القذر وسدد كارلي النظر في بلادة، أكيد أن هذا الأبيض لم يستمع إلى الخطباء منذ حين ولم ير السيدة البيضاء وهي تمنح نكسلي سيجارة، لو رآها لصبت في وجهه كلماتها تلك وقال في نفسه:
الآن من الأحسن أن أتجه إلى القطار وأواصل التفكير في كل هذه الأشياء.
ونظرا إلى المحطة نظرة جادة، فأبصر بها كوكبة من الناس بيضا وسودا وسمرا مثله مجتمعين، لكن كلا منهم كان يشعر بخوف غير طبيعي من الآخر ويحذره، كل منهم كان سجين عالمه الصغير الضيق الموسوس، ألم يقل الخطيب أن علينا أن نحيط كل هذا النوع من التفكير، كل حسب وسائله؟ لكن ما هي هذه الوسائل؟ وكيف يمكن أن نثبط تلك الأفكار؟ وغمر ذهنه هذا التساؤل الملحاح، وعلى غرة اصر على التحدي وهو يلمح ضالته: المقعد، مقعد المحطة وقد صبغت فوقه بالحروف البيضاء جملة (خاص بالأوربيين) ولمدة من الزمن بدا له أن هذا التحدي يجسد مجتمع افريقيا الجنوبية المتمايز بأجمعه.
هنا إذن تحدى كارلي، تحديه الذي يؤكد حقوق الإنسان، انه مجرد مقعد خشبي عادي يشبه مئات الملايين في إفريقيا الجنوبية، لكن هذا المقعد يجسم الآن جميع شرور نظام لا يعرفه ويحس أنه ضحيته، إن هذا المقعد يحول الآن بينه وبين الإنسانية، فإذا اقتعده حقق إنسانيته وان لم يفعل فقد فصم نفسه كانسان عن المجتمع الإنساني، وراوده شعور باطني بأنه سيقلب كل هذا الوضع القاسي في إفريقيا الجنوبية فقط بجلوسه على هذا المقعد، إن هذه تجربته الخاصة فليجهر بتحديه.
وكان مظهره هادئا تماما حينما جلس، لكن قلبه كان يضرب بعنف، ففي أعماقه كان يتصارع صوتان متناقضان أحدهما يقول: (ليس لك الحق في أن تقتعد هذا المقعد) والآخر يجيب: (ولم لا يكون لك الحق في الجلوس على هذا المقعد؟)، الصوت الأول كان يتحدث عن الماضي وسلوكه العبودي في الحقل، سلوكه وسلوك أبيه وجده الذين ولدوا سودا وعاشوا عيشة السود وماتوا كالعجماوات، والصوت الآخر كان يتحدث عن الآفاق الجديدة: (كارلي أنت رجل، لقد استطعت القيام بشيء لم يستطعه من قبلك جدك ولا أبوك، وستموت كرجل).
وتناول كارلي سيجارة وشرع يدخن، وغاظه قليلا ألا يكون أحد قد لاحظ جلوسه على المقعد، لقد كان رجلا كبقية الناس يجلس على مقعد عمومي في محطة غاصة ويدخن سيجارة، فهل هذا يعد نصرا؟ وهل يعد انتصارا ان كان إنسانا كالآخرين؟ ورأى امرأة بيضاء أنيقة تسير على الرصيف فتساءل في نفسه: ترى هل ستجلس على المقعد؟ ثم تابع تساؤله: (عليك أن تقف وتترك مقعدك للسيدة البيضاء) ورمشت عيناه بسرعة وشد أكثر على سيجارته، ومرت المرأة حذاءه دون أن تعيره التفاتة وتابعت مسيرها على طوال الرصيف، فهل خشيت أن تتحداه؟ أن تتحدى حقه في أن يكون إنسانا؟ وأحس أنه متعب، وانبعثت بأعماقه فكرة ثالثة جعلت كل شيء فيه محط تساؤل: (انك تقتعد هذا المقعد لأنك متعب) فهل تسمر في موضعه لما به من عياء أم لأنه أراد أن يختبر إن كان في قدرته الجلوس حيث يحلو له؟.
بدا الناس ينزلون زرافات من قطار دخل اللحظة المحطة وهم يتدافعون ويتزاحمون دون أن يعبأ أحدهم بوجوده، انه القطار الذي ينتظر، وان بوسعه أن يركبه ويدخل منزله، لكن هذا يعني أنه سيستسلم ويرضى بالهزيمة ويعدل عن تحديه فيكون بالتبعية قد قبل أن يكون غير إنسان، فمكث جالسا يجذب نفسا من سجارته ويفكر نائيا عن التجمع وعن المقعد، كان يفكر في بيتجسفلي وفي أوكلاس الذي أصر على ذهاب كارلي إلى كاب تو، اوكلاس الذي كان يداعب غليونه وينظر إليك باستهزاء، كان حكيما يعرف أشياء كثيرة ويقول انه يجب الذهاب إلى كاب تو لمعرفة معنى الحياة، اوكلاس كان يبصق ويغمز بخبت عندما يتكلم عن النساء اللائي عرفهن في شارع هاتوفر، وكان يقول: إن الله خلق البيض والسود فعلى كل منهم أن يلزم مكانه.
- انهض من هنا.
لم يسمع كارلي الصوت الخشن.. وواصل أفكاره: هناك أوكلاس ينتظر الآن في المراعي ليحمل إليه كأسه الصغير من الخمر المناسب الثمن.
- أقول لك قف من هنا أيها القذر.
واستعاد كارلي على الفور وعيه وكاد ان يثب على قدميه لكنه تذكر من هو ولماذا كان يجلس في ذلك المكان، وشعر بغتة أنه متعب حقا ثم رفع عينيه ببطء إلى الوجه القرمزي الذي يحدق فيه.
- قف، ان هناك مقاعد لك.
لم ينبس كارلي وظل محتفظا بنظرة باردة صارمة.
 ألا تسمع بأنني أحادثك أيها الأسود القذر.
وفي هدوء وتعمد جذب كارلي نفسا من سيجارته وتبادلا نظرات التحدي كأنهما ملاكمان يعرفان أنهما سيتلاكمان لكن كلا منهما يحتفظ بعدم المبادرة.
- هل يجب أن الوث يدي بلمس قذارة مثلك؟
لم يجب كارلي أن الكلام معناه قطع التوتر السحري للحظة وتحطيم تعاليه الذي يحس أنه يزداد.
وبعد صمت محرج قال الرجل:
سأنادي شرطيا لئلا المس حقيرا مثلك، إني أرى أنك لا تقوى حتى على فتح فمك النجس الأسود حين يكلمك أبيض.
وفهم كارلي ضعف الرجل الأبيض الذي لا يقدر على التصرف بمفردي، لقد ربح كارلي الشوط الأول، وأخذ الناس يتجمهرون، فصاح أحد المدعين:
- افريقيا معنا
إن كارلي يجهل هذا وتحلق الناس حوله مشدوهين من رؤية الأسود يجلس على مقعد خاص بالبيض.
وتابع كارلي تدخينه.
- انظروا إلى هذا القرد، ان هذه هي مغبة اطلاقنا العنان لهؤلاء الأوغاد.
- لا أعرف معنى لهذا التصرف، أن لهم مقاعدهم
- لا تقم، ان من حقك أن تجلس حيث أنت.
- سينهض حتما حين يصل الشرطي
- لكن لم لا يقدرون على الجلوس معنا؟
- لقد كنت أقول هذا دائما، كانت عندي خادمة زنجية بسفاهتها...
ولبث كارلي جالسا لا يسمع شيئا، وبعد تردد اتخذ موقفا محددا: لا شيء يرغمه على الوقوف، فليعملوا ما يطيب لهم.
- آه. هو ذا. قف، ألا تعرف القراءة؟
وغطاه الشرطي بكامل هيأته حتى أن كارلي كان يستطيع رؤية الإشارات الموضوعية على أزرار بدلته الرسمية، ورؤية تجاعيد عنقه.
- اسمك وعنوانك؟ أسرع.
فواصل كارلي احتفاظه بالصمت العنيد، وأحس الشرطي أنه مأخوذ بموقف الرجل: وطفقت الجموع تتكاثر، وسمعت المرأة البيضاء ذات الفستان الأزرق تصيح:
- ليس لك الحق في أن تكلم الرجل بهذه اللهجة.
- تدخلي فيما يعنيك، سأطلب رأيك حين أكون في حاجة إليه، ان بسبب أمثالك أخذ الأوغاد يعتقدون أنهم سواسية والبيض. قف.
- إني ألح على معاملته باحترام؟
فامتقع لون الشرطي الإنجليزي وغمغم دون أن يجد الكلمات المناسبة:
- نعم ... نعم...
- اضرب هذا النذل إذا رفض الوقوف.
وبقسوة وضع رجل أبيض جماع يده على كارلي:
- قف يا قذر.
فاستدار كارلي ليقاوم ويتشبث بالمقعد، بمقعده، لقد كانوا كثيرين فشرع يضرب بوحشية لكنه أحس بضربة مؤلمة ملء وجهه، وأخذ دمه يتدفق بينما ظلت عيناه شرستين فصمم على مواصلة المقاومة، وعلى الرغم من أن الشرطي أسرع بوضع الأغلال في يدي كارلي وبدأ في تفرقة المحتشدين فإن كارلي ظل يترنح مقاوما، بيد أنه فجأة تماسك وانتصب على مهل، لقد أحس أن من العبث أن يستمر في المقاومة، ولماذا يقاوم؟ لقد أطلق تحديه وكسب، والآن آن أوانه ليضحك اذ ما قيمة الباقي؟
- تعالى أيها الحقير.
قالها الشرطي الإنجليزي وهو يدفع كارلي بين الجموع.
فأجابه كارلي وهو يفتح فمه للمرة الأولى:
- نعم ... نعم...
ونظر إلى الشرطي بكل اباء الرجل الذي استطاع أن يجلس على مقعد (خاص بالأوربيين).

(1)  الكاتب ريشارد قاص من جنوب افريقيا درس في جامعة كاب تون، وهو الآن أستاذ اللغة الانجليزية واليونانية في مدرسة للملونين ببلاده.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here