islamaumaroc

بين الجمود والجحود -7-

  المختار السوسي

11 العدد

أعلن إليك أعظم بشارة أوقن أنها تملأ فؤادك سرورا، كما توقن أنت بدورك أنها ملأت فؤادي قبلك غبطة وحبورا، فقد آدتني الدراسة إلى نتيجة لم أكن أنتظرها بهذه السرعة، فقد أمضيت العشرين يوما المنصرمة، في البحث والتنقيب، حتى ثلج صدري إيقان أن هناك قوة عالمة حكيمة تفعل بإرادة، وأن كنت لم أصل إلى ذلك إلا بطريقتك المعبدة الواضحة، فشكرا لك كما هديتني على أقرب طريق موصلة، فقد سهرت في هذه الأسابيع وظللت في تفكيرات طويلة، وبين موازنة ما ينتج لي عنها، حتى أيقنت أنني لم أكن أسير الوهم، ولا منقادا بخيال الشعور، فالعجيب أنني لم أكد اهتدي إلى أول بأرق مما أدركت، حتى أحسست كان ما أدركته يتراءى لي غير مجهول لدي، بل مأنوس مألوفا، وأن كنت قبل لا اهتبل به، ولا أعده في دائرة الموجودات، فما أعظم غفلات الإنسان أحيانا.
راجعت ما أمكنني من حجج الذين ينفون وجود هذه القوة الطبيعي، ومن براهين الذين يثبتونها ويسمونها النواميس الطبيعية، فوجدت عين ما توصلت إليه بطريقتك، هو عين ما يقولون، بل ما كانوا سلكوا إلا مثل طريقتك عينها إلى إدراك ما أدركوا، فحمدت الله على موافقة فلاسفة جبابرة في تعلقهم وتثبتهم وفي ابتعادهم عن مجالات الأوهام، فما ظنك بمثل ريتان وباسكال وجول سيمون وكثيرين نظرائهم فيا لسعادتي وهنائي حين وقعت على أعظم اكتشاف بالنسبة إلى مثلي الذي أمضى صفوة شبابه فيما أمضاها فيه.
أتعلم أنني أتذوق لذة أخرى صارت تنسيني شيئا فشيئا مباهج الحياة وملذاتها ؟ فيالعجائب الطبيعة وبالقوتها الخارقة، بل بالنواميسها الخارقة-فقد حبب إلي منذ اعتنقت هذا المذهب أن استبدل عبارة القوة الطبيعية، بالنواميس الطبيعة، توحيدا للتعبير عن مذهب واحد-.
وأخيرا ارفع إليك تشكراتي الحارة، واضع بين يديك سؤالا عرض لي بعد أن أقررت بأن ما يدبر هذا الكون له علم وحكمة وقوة وإدارة، وهو : كيف هذه النواميس الطبيعية ؟ وهل هي واحدة أو جماعة مثقفة أتم اتفاق أبدي تدير هذا العالم ؟ افتح لي بفضل باب هذا المبحث لعلني أتتبع فيه دراستي، فقد أصبحت نشوان بسلافة البحث، حتى كنت أتهرب من سماري وحبائبي وميادين اللهو التي ما كنت أتصور قط تخلفا عنها، ولكن يحدث من أمور أمور.
أهنئك من أعماق فؤادي تهنئة حارة حين انتصرت هذا الانتصار الباهر، ومن كان في مثل ذكائك وثقوب ذهنك وإنصافك واعتمادك على ترقية نفسك بنفسك، يكون دائما النجاح حليفك، والفلاح لزيمه.
زال عنك الشك، وانقشع الضباب أمام عينيك، فما كان الإنسان ليدوم شكه فيما يشعر به شعورا لا مراء فيه، ويحس به في ذاته وفي كل ما يحيط به من كل ما تجول فيه مدارك عقله وحواسه، إلا ريثما ينتبه إليه، فإذا به حقيقة واقعة بلا ريب، فإن لم يلمسه  بيده لمسا، فإنه يشعر به شعورا، فغن أرواحنا لا نلمسها بأيدينا إنما نشعر بها، ومع ذلك لا شك بعثورنا في أنها موجودة في ابدأننا وجودا محققا لا يقبل أدنى ريب.تملصت من التقليد ثم اعتمدت على نفسك فاستطعت أن تثق لنفسك طريقا لم يكن ليستطيع الإهداء إليه أسرى التقليد، والمصفدون بالأوهام والوساوس، ممن واعتسافا.
كنت تسدر في غلو انك، فصدئت مراءة فكرك ما صدئت، فلما إليها بالعمل المجد، ومسحت صفحتها مسحة واحدة، فإذا بها مشرقة مصقولة، ترسم فيها الحقائق كما هي غير مغلقة ولا مبهرجة.
تذوقت الشربة الأولى من كأس العمل والبحث، فإذا بك تنسى مباهج الحياة، ومناغاة الغواني، وملذات السمر في اللهو، فصرت تتنكر لمعاشريك، وتود لو أنهم ساروا في واد، وتركوك في واد آخر، وكذلك لذة المعارف، وخمرة الوجدان، فمن ذاقها يعلن الملأ أنه ما ذاق قط مثلها، قال اليهوبوريت :
(غني لم أشعر في حياتي قط بسورة الفخر، كما شعرت حين فهمت للمرة الأولى معاني الخمسة عشر بيتا الأولى من إلياذة هوميروس).
وأما سؤالك الذي وجهته، فسأجيبك عنه بعد أن تدرس ما وصلت إليه، تحت سماء ما يقوله علماء الأرواح (اسبر تزم) ثم أن أعلنت إلى النتيجة المتحصلة لك، رجعنا على موضوع سؤالك، فلا تقتصر على أمثال كلام (ريتان) ومن ذكرتهم، ل لا تكتفي أيضا بمدارسة ما عند (كانت) الألماني ونظرائه، فإن ذلك لا يكفي وحده، بل أحب منك أن تلم بما عند الذين يروجون دائما بأبحاثهم فبما وراء المادة، ويقولون أنهم حصلوا بذلك على نتيجة هائلة، فقد أعلنوا أن هناك معنا عوالم عظيمة حية مدركة، استطاعوا أن يتحادثوا معها بواسطة من يصلحون للتوسط، وهذا المذهب الروحاني جديد في عالم الأبحاث عند علماء الغرب الذين كانوا قبله كافرون بكل ما تقوله الأديان، فلما وصلوا إلى ما وصلوا إليه بأبحاثهم واستقراءاتهم واكتشافاتهم، رجعوا يحملون إلى العالم معلومات عظيمة هزت الأفكار هزا، وأقامت آلافا من علماء المادة وأقعدتهم، فاكب كل واحد على البحث في ذلك على حدة، ثم زاد العجب عند الناس هناك قاطبة، إعلانات متتابعة من البحائين الجدد، بأن تلك العوالم حقائق لا سبيل إلى أي شك فيها، فهكذا صار غالب الماديين الذين جلبوا على الإنصاف، يتراجعون عن فكرتهم القديمة المؤسسة على أن لا موجود إلا ما يحسون به فقط، فهناك كائنات جديدة لا ترى ولا تلمس، توجد إزاء المادة وجودا لا مراء فيه، هذه المباحث لم تبدأ إلا من أواسط القرن التاسع عشر فقط ثم لم تنشب أن بلغت من اتساع ندواتها وكثرة مجلاتها اتساعا عظيما، ومثلك الذي ذاق لذة البحث، وصار يتطلب الكمال لنفسه، وأبى إلا أن يستولي على المكانة التي تأهل لها، لا ينبغي له وهو يدرس الموضوع الذي يدرسه أن يغفل دراسة هذا المذهب الذي يحكون عنه عجائب وغرائب، يبعد في العقل أن تصدر كلها عن تمويه وتزييف وشعوذة، ثم لا يغيبن عنك أن مستقبل نتيجة دراستك المتقدمة، متوقف على ما يتحصل لك من دراسة مذهب الروحانيين، ثم إذا أعلنت لي ما حصلت عليه، إلى النظر حول سؤالك،
دمت للرقي والتفوق والنشاط في المباحث.
                                    أخوك : (فلان)
بعد أيام قليلة توصلت منه بهذه الرسالة :
كنت احسبني في العالم، ورأى لي مقاما في صدور الرجال العقلاء، ومكانة بين العلماء النبهاء، حتى ادعيت أمامك يوما ما عبقرية استطيع أن استبدل بها أمة من حال إلى حال، إلا أنني الآن وقد صرت أضع يدي ساعة فساعة على براهين كثيرة، تدل على تراكم جهلي وعمه يصيرني، من أجل غرقي فيما يغرق فيه السادرون في الهواء، المتتبعون لمواقع اللذات، اقدر أن أصرح بغير ما كنت أصرح به أمس على الملأ :
من أين كنت أعلم أن هناك عالما آخر غير ما تقع عليه الحواس، ويتصل بحياتنا المادية ؟ فهل كنت قط على استعداد لاستماع هذه الأفكار التي ما كنت اسمي أمثالها إلا خرافات وشعوذة وحمقا كثيفا،ن لا يصيخ إليها إلا التوكي والمستضعفون والأغبياء ؟ فانزل بنفسي على الإصاخة إليها فضلا عن أن اعتقد فيها صحة ما ، فأتفرغ لدراستها دراسة توديني على الاعتقاد بها ؟
وأما اليوم فقط طارت تلك العبقرية شعاعا، وتمثلت لي الحقائق، فما اجهلني وأغباني حين كنت أصعر خدي عن كل من أعلم منهم أنهم يقولون أنهم يقولون بما وراء المادة.
حييت أيها البحث، فأنت حقا فتاح الأبواب، ومزيل الريب، ومزحزح الغشاوة عن البصائر، فلولا البحث لما أدركت أمس أن لهذا العالم نواميس تديره عن تعقل وحكمة، ولولا ثانيا لما خطوت هذه الخطوة الثانية التي وسعت دائرة علمي، وجعلتني اطفح بنشوة الانتصار، وخمرة المعارف.
كنت أظن أن رأسي متوج بتاج العلوم كلها، يوم توصلت بالدكتوراه، كما كنت أرى أنني حصلت على أعظم أمنية وأكمل لذة يوم أعطيت لنفسي كل سؤالها، وكلت لها في آماها ومستمتعاتها من مباهج الشهوات البدنية بالمكيال الأوفى، إلا أنني اليوم أدركت مقدار غروري بتلك الدكتوراه، التي ما جعلت إزائي إلا دائرة غير واسعة، كما أدركت أن اللذة التي هي اللذة، لا توجد إلا في البحوث الفاتحة أمامك عوالم فعوالم، فتنير أمامك ما كان مظلما، وتفتح ما كان دونه قبل موصدا، وتزيل عنك غباوات الجهالات، كذلك أنا الآن يا سيدي، فقد أكببت على المذهب الروحاني وحضرت مجتمعات شتى لأربابه، وأفرغت جهدي في الاحتياطات كما كان يفعله قبلي كثيرون، ثم خرجت بمثل النتيجة التي خرجوا بها، كما طالعته في عبارات الجماء الفقير منهم.
إذن، لم يكن العالم المادي وحده كل ما في الوجود، ولم يكن أناء آدم وحدهم من الأحياء هم الذين هم الذين يحتوي عليهم هذا الوجود، فهناك عالم آخر يشعر كما يشعر بنو آدم، يسمعون فيجيبون، ومتى تقمصوا ذواتا من ذوات الوسطاء أمامنا، يأتون بمعلومات وعلوم وأفكار وأخبار غيبية نتحقق ونتيقن أن الوسيط منها صفر بطبيعته التي نعرفه بها، هذا ما أدركته غاية الإدراك في مجتمعات شتى حضرتها، ثم كاد يكون هناك إجماع ممن يعتنون بهذه الناحية على هذه النتيجة.
لكن، أهذه أرواح موتى من بني آدم حقا ؟ وليس يمكن أن تكذب تلك الأرواح في ادعائها ذلك، كما ثبت كذبها في بعض ما تقوله على السنة الوسطاء ؟ أما نحن فلا يهمنا ألان إلا الإيقان بأن هناك مخلوقات حية تشعر كشعورنا، وتسبح في الأجواء وتمرح، ولم تحبسها الأجساد أمثالنا، فبحسبنا هذا الآن، وان كان العقل لا يزال يتطلع إلى ماهية تلك الكائنات، أعندك بها علم جديد يا سيدي فتكون علينا به من المتفضلين ؟ دمت للعلم والإفادة لأخيك.
الآن استكملت الحلقة الأولى من دراستك حين أدركت شيئين اثنين : أولهما : كون هذا العالم له موجد ومدبر حكيم، والثاني أن هناك عوالم أخرى لا ترى، وان هناك كائنات أخرى لها مثل شعورنا، وربما كان شعورها أوسع من شعورنا.
الآن يمكن لي أن أقول لك : أن في رسالتك الأولى بعض خلط بين مذهب الطبيعيين الذين لا يقولون إلا بالمادة فقط، وجعلوا لها موجدا من النواميس التي قالوا : أنها توجد بالتسلسل شيئا من شيء، واس مذهبهم قدم العالم، ولا يكادون يقرون بموجد على الصفة الآتية، وبين مذهب الذين أدركوا أن للعالم موجدا هو الذي ابتدأ إيجاده من عدم، وهؤلاء هم الذين يقولون بالعالم الآخر الذي يسمونه عالم الأرواح، فأداهم الاعتقاد بوجود الأرواح إلى عوالم أخرى زيادة على تلك الكائنات التي ذكرت أنك اعتقدت وجودها وأدركته ببحثك، بل زادوا واقروا بحياة أخرى وراء هذه. ولا تنس ما كنت قلته لي يوما من أنهم وقعوا في مثل ما فروا منه حين اعرضوا عن الأديان، وأخال انك ترمي إلى كل هذا، وان أردنا أن نعرف مذهبهم بنصه، فلنسمع لما بقوله جول سيمون : (كل أصول مذهبنا هذا واضحة لا رموز فيها، أما أصوله فهي الاعتماد بوجود اله قادر على كل شيء ولا يغيره شيء، خلق العوالم وحكمها بقوانين ونواميس عامة، ووجود حياة أخرى تودي لنأكل وعود هذه الحياة، وتكافئ المظالم بالجزاء الأوفى).
وأوضح منه ما قاله الفيلسوف كارو : (قواعد الديانة الطبيعية الاعتقاد بوجود اله مختار خلق الكائنات واعتنى بها، وهو متميز عن العوالم الكونية وعن النوع الإنساني، ووجود روح في جسم الإنسان متصفة بالذكاء والحرية، وقد حبست في هذا الجسم المادي أمد لتبتلي فيه، هذه الروح يمكنها بإرادتها أن تطهر هذا الجسم وتنقيه إذا عرجت به نحو السماء، كما يمكنها أن تسلفه باستثنائها بالمادة الصماء. والاعتماد المطلق برفعة التعقل على الإحساس، وإعطاء الأخلاق الفاضلة اسمها الحقيقي وهو الامتحان والابتلاء، وتحديد غرضها الحقيقي، وهو التخلص التدريجي للنفس من علائق الجسم، والتهيؤ لساعة الموت بالزهادة، وأخيرا الاعتراف بقانون الترقي، ولكن بدون فصل رقي الإنسان في مدارج السعادة من العواطف الفاضلة التي هي وحدها تبرر تلك السعادة).
فهذه هي ديانة الفلاسفة الذين ذكرت أنك وصلت بدراستك إلى ما وصلوا إلية، فأن وصلت حقا إلى مذهبهم فينبغي لك أن تعبر منذ الآن على ما كنت تسميه أولا القوة الفاعلة، ثم تركت تلك التسمية فسميته النواميس الطبيعية-وقد قلت أن الحامل لك هو أن تعبر كما يعبر أهل المذهب الذي اخترته- وإذ ظهر لنا الآن منك أنك على مذهب الروحانيين، فإننا ننتظر منك أن لا تعبر لعد عن موجد هذا العالم إلا بالله، كما يعبر به أهللا مذهبك الذي اخترته وأدتك نتيجة دراستك إلى كونه هو صحيح، ثم لا بأس لأن تقول كما يقول هؤلاء. إن للعالم الاها أوجده وسيره بنواميس طبيعية، فتكون نسبتك تسيير العالم إلى الله نسبة حقيقية، ثم نعرف بعد أن نوقن اعتقادك لذلك، في قولك ثانيا : إن العالم تسيره النواميس الطبيعية- أن قلت ذلك في تعبير آخر- إن قولك الثاني إنما هو مجاز، وان التعبير الأول هو الحقيقة.
على أنني انتظر منك جوابا : هل ارتضيت حقا كل ما ذكره أصحاب هذه الديانة الطبيعية، أو في عقيدتهم هذه ما لا يزال أمامك محتاجا إلى دراسة جديدة ؟. 
اكتب إلى بعجل، فان وقت المؤتمر قد أظل، ونحن نريد أن نفرغ من هذه الأبحاث قبل أن ندخل فيه لتكون كأسس مسلمة للأبحاث التي نستقبلها.

بقيت في نهج التقدم إلى الأمام محفوفا بالسعادة والتوفيق، مأمونا من العثرات والخطأ. 
                                                أخوك    (فلان)
ولم انتظر إلا ريثما ذهب البريد، إذا بي توصلت بما يلي :
(في كل يوم تأتيني بجديد، وتدرس بين عباراتك ما أقف إزاءه وقفة حيرة جديدة، كأنك تستجرني عمدا من حيث لا اشعر إلى غاية تقصد بي إليها، وتنتهي بي كما تريد إليها على حالة تنويها مني.
ها أنت ذا وضعت أمامي ديانة جديدة بكل بنودها كأن تريد أن تغتنم فرصة إيقاني بوجود عالم أخر وراء المادة، فتقلدني ذلك المذهب بكل ما تحتوي عليه بنوده برمتها.
مهلا عليك، فغنني لا أزال على شرطي، فلا أقبل إلا ما وصلت إليه دراستي، وأدرك كنهه عقلي، فإنني ابن القرن العشرين، وربيب المدنية العجيبة التي لا تعرف إلا العلم وحده، فلا تتقدم ولا تميل ميمنة أو ميرة إلا والعلم قائدها، والفكر سائقها، فهل تظن كل هذه الاختراعات والاكتشافات التي تدين لها المدنية ظهرت إلا بالعلم الصحيح الذي يدرك الحقائق ولا يكتفي بالظواهر من الأشياء فقط ؟ فهل تطمع مني أن أتدين بدين لا اعرفه كله ؟ نعم أنني اعرف أن لهذا العالم موجدا حكيما عالما قادرا، ولكن لم أدرك بعد أنه متميز عن العوالم الكونية وعن النوع الإنساني- كما في كلام كارو- كما لم أدرك أيضا إلى الآن وجود حياة أخرى تؤدي لنا كل وعود هذه الحياة وتكافئ المظالم بالجزاء الأوفى-كما في كلام جول سيمون- نعم أن إطلاق الله على ذلك الموجد للكون لا بأس به، لأن العبارات المختلفة لا تغير الحقائق، أنما هي اصطلاحات مختلفة، وللتنازل على إداراتك، ولتكرمة المذهب الروحاني الذي أعجبت بمباحث الفلاسفة العظام الذين أسسوه، لا أطلق بعد اليوم على ذلك الموجد إلا الله، فليبارك الله في عقولنا التي هي وحدها أمامنا وقدوتنا إلى الرقي.
وبعد فأين جواب السؤال، أنسيته أم لا أزال دون المكانة التي تؤهلني لاستماعه ؟ فغنه لمبحث لا يزال عقلي يحوم حوله، فلا أدري كيف فعل هؤلاء الفلاسفة الطبيعيون الروحيون، حتى أدركوا أن الله متميز عن العوالم الكونية وعن النوع الإنساني.
هذا وان ظهر لك أن تمر بي في طريقك إلى المؤتمر، لأقدم إليك احد أصحابي النبغاء، فإنه في شرق إلى التعرف بك، فأعلمني لأكون في انتظارك.
 
اتئد سدد الله خطاك، ولا تتهم بهذه السرعة ذلك الطالع السعيد الذي أشرف في سمائك، فحاول أن يميط عنك من الحجب والغياهب والجهالات ما كنت فيه قبل- كما ذكرت في رسالة من رسائلك أن العقل نور جعله الله للإنسان لما أراد أن يجعل في يده مفتاح هذا العالم الذي ما خلقه إلا له، ولا بمتري ذولب في مقدار ما للعقل، ولا فيما أنتجه العقل فيما مضى أو سينتجه في المستقبل، فالعقل منبع العلم الذي يسير الحضارة ويطير بها شيئا فشيئا إلى عليين.
هذا كله مما اجمع عليه العقلاء، وتضافر على الإشادة به العلماء، إلا أن هذا العقل لا يزيد على الطبيعة التي جبل عليها، فإنما هو كالصبر والسمع، فإنهما  وان امتدا ما امتدا، لابد أن يكون لهما حد، فقدر ألان أن المجاهر وغيرها من النظارات المقربة أو المكبرة يزداد تحسين العلم لها إلى قدرت ولكن ألا يكون لمدى البصر بعد ذلك كله حد محدود، وان بلغ بنظارات المراصد ما بلغ ؟ بلى، فلا بد أن يصل حدا لا يتجاوزه، فكذلك العقل، فإن له محيطا أوسع من جميع الحواس سعة عظيمة، ربما يؤتي إلى الإنسان بديهة إنها لا تنتهي إلى مدى، والواقع لمن تأمل أدنى تأمل أن له حدا ينتهي إليه ولا يتجاوزه، وفي نفسكم أفلا تبصرون ؟ فما هو روحك ؟ وما هي حقيقة بصرك ؟ وما هو كنه سمعك ؟ وما الذي يضمره لك الغد ؟ وما الذي يتناجى به جليسك أن رايته غفل لحظة عن الاستماع إليك ؟ فمن أين أقبلت إلى هذه الحياة التي أنت فيها الآن ؟ أم إلى أين أنت متوجه بعد الموت ؟ فقد يقول متعنت ملحد : أنني كما أقبلت من العدم أتوجه بعد الموت إلى العدم أيضا، فنقول له ما هو العدم نفسه ؟ بل ما هي حقيقة الوجود ؟ فما اقصبر واضال مجالات العقل أن قيست بما لا يمكن أن يجول فيه العقل، وليس بالعاقل المتبصر المتأمل الحصيف، من لا يجعل هذا من البديهيات عنده، فلا يطلق في كل شيء دعوى عريضة فيزعم انه سيسبره بمقياس عقله، فإن الله ما فتح للعقل إلا جانب من ظواهر لعض الأشياء فقط، وزوى عنه جوانب أخرى أعظم وأوسع من حقائقها، فهذه الكهرباء وهي أعظم ما اكتشفه الإنسان بعمله فارتقب بها الحضارة، لم يعلم العقل إلا مظاهرها فقط، فهل يعرف (ماركوني) و (إديسون) وكل علماء الكهرباء من كنهها شيئا ؟ وهل أدرك (فرادي) الانكليزي مكتشف المبدأ الأساسي من المحرك الكهربائي من كنهها ولو لمحة الحقيقة ؟ أن الكل إزاء حقيقة الكهرباء من الجاهلين.
اكتشف (غليليو) القوة التي تنتج عن المعادلة بين قوة الجرم المدفوع وبين قوة المدفوع به، ولكن هل كان يدرك عقله الجبار الذي ربما كان وحده في صفاء الذهن، في القرن السابع عشر، كنه تلك القوة ؟ فقد اعترف هو بنفسه بأنه لا يدري شيئا من طبيعة القوة أمام الناس.
وكذلك مكتشفو الأصول التي تتركب منها المادة كالهدروجين والازوت والأكسجين وهي تزيد عندهم على التسعين، هل أدركوا حقائق هذه الأصول ؟ وهل أدرك مكتشفو ما في نور الشمس من الأطياف المختلفة-ما يمكن منها أن يرى وما لا يمكن أن يرى – ما هي تلك الأطياف ؟ وهل أدرك من يقولون أن الذرة هي الأصل الأصيل لكل المخلوقات المدروسة ما هو كنه قلب الذرة ؟ وهل أدرك (نيوتن) الانكليزي ما هي الجاذبية التي علل بها انتظام المجموعة الشمسية وغيرها من المجموعات الأخرى ؟
الجواب الحقيقي هو أنهم كلهم لا يجيبون إلا يمثل ما قاله غليلو، فإن كان هذا فيما أدرك العقل بعمله منه بعض الظواهر، فماذا ترى فيما لا تزال ظواهره تستعصى عيه إلى الآن، فغن كل الخطأ التي يخطوها العلماء الباحثون لا تزيدهم إلا الاقتناع بأنهم إزاء عوالم عظيمة مجهولة منهم، لا يكون ما يدركون منه بعض الظواهر، إلا كهباءة صغيرة إزاء السماوات والارضين.
قلت بكل حماسة : أنني لا أقبل إلا ما وصل إلى كنهه أدركي، وفهمه عقلي، فإنني ابن القرن العشرين وربيب المدنية العجيبة التي لا تعرف إلا العلم وحده، الذي يستجلى الحقائق ويدركها ولا يكتفي بالظواهر فقط قلت هذا وأطلقته إطلاقا، ولكن أيتناسب قولك هذا مع أقوال الفلاسفة المنصفين غير المغترين من أبناء القرن العشرين وممن ربتهم المدنية العجيبة ؟ فقد قال (هوبرت سبنسر) الفيلسوف الانكليزي الذائع الصيت غير ما قلت، حين حلل العلم الإنساني فأحاله إلى درجة العجز المطلق، أمام إدراك كنه أصغر ذرة من ذرات الوجود، وقرر أنه لا يمكننا في الإمام بأشياء الوجود إلا إدراك علاقات بعضها ببعض، وصفاتها الخارجية عن كيانها وكنهها.
وقال أيضا الأستاذ (ايزوليه) الفرنسي : إن علومنا هي الجهل المرتب. وقال بعض البحائين الأمريكانيين : أننا كلما تقدمنا خطوة في اكتشاف أو اختراع، نزداد يقينا بجهلنا الكثيف، وعجزنا الواسع عن إدراك الحقائق كلها، وعن إدراك الكثير من غالب ما يحيط بنا. أو بعد هذه الأقوال وعشرات أمقالها التي لا يزال المنصفون غير المغترين يعلنونها في كل فرصة، بريد الإنسان أن لا يقبل شيئا وان كان يشعر بوجوده، ويحس به، وتدله تجارييه على انه في دائرة الوجود، إلا إذا أدركه بالعقل وعرف حقيقته، وأن كانت فوق مدى العقل، وابعد من مجالاته المحدودة، كلا كلا، فالفلسفة العصرية تقبل الحقائق التي تشعر بها وتحس بها، قبلها العقل أم لا ، فقد قال بعض العلماء الذين لا يخضعون إلا للفلسفة العلمية في كلام له حول الأسلوب العلمي العصري وهو يذكر نتائج تطبيقه :
(كانت الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى ذهبية، وأما العلم الحديث فتجربي. كانت الأولى تسجد للعقل البشري المتحرك في دائرة من قيود التسليم بأقوال الأئمة، وأما الثاني فلا يسلم إلا بالحقائق قبلها العقل أو لم يقبلها).
استمعت الآن ما عليه أهل القرن العشرين. والذين تربوا في المدنية العجيبة ؟ فهل يتفق كل هذا وما يدل عليه كلامك وأنت تطلقه إطلاقا ؟
لا ريب انك منى سمعت بأن غالب أهل القرون الوسطى ما كانوا يذهبون في الأرض إلا على أنها مسطحة، تقهقه من عقولهم، وتنسبهم إلى الغواية والضلال والجهل العميق، ولكنك أن تأملت فإنك تعذرهم، لأنهم ما تمشوا إلا على طريقتك هذه، وإليك البيان :
(كان بعضهم مرة في مجمع من أهل عصره، فذكر أن الأرض كرة، فقاومه من حضر، وقالوا كيف يمكن أن تكون كرة مع أن من يسكن في البقعة المقابلة لما نحن فيها-على مذهبك- لا يسقط، افتجيز عقولنا وتتصور أن نكون معلقين بأرجلنا ؟).
أرأيت كيف وقف هؤلاء مع ما يتعقلونه ؟ أكانوا إذ ذاك أدركوا الجاذبية التي ما اكتشفها نيوتن إلا بعدد ذلك-أن كانت الجاذبية حقا هي الناموس الذي جعله الله تعالى لإمساك السماوات والأرض- وهل كان العقل يدرك-ولا يزال الحال إلى الآن- وقوف إنسان في بقعة من الكرة الأرضية، ووقوف آخر فيما يقابلها من الوجه الآخر، ثم لا يحكم بعدم سقوط احدهما إلى صوب رجليه، ما لم يكن يتخيل مثل ما يقوله نيوتن ؟ ولا يعلم إلا الله كم ادراكات نظن الآن أننا فيها على الحق إتباعا لما تدركه عقولنا، ثم ينكشف الغد عن كونها غلطا عظيما منا، لان العقل قد يلم به الغلط كما قد يلم بالحواس.
فالحق كل الحق أن العقل له حد محدود تنتهي إليه مداركة، ولهذا أقول لك الآن، وقد آن أن أقول لك : أن الله الذي اوجد هذا العالم لا يمكن إدراكه ألبنة، فكما استعصى على الحواس استعصى أيضا على العقول، وقد اختلط في ادعاء إدراكه كثيرون ممن قبلك فصاروا يظنون ظنونا ويتخرصون تخرصا، ثم انكشف الواقع عن أنهم في غفلة من جهالتهم يعمهون. فإن كنا نحكم بعجزنا عن إدراك ما بين جنبينا من الحقائق، كحقيقة الروح وغيره، فكيف لا نعجز عن إدراك حقيقة الله الذي نشعر أنه ليس كمثلنا ولا كمثل أي شيء من مخلوقاته، ضرورة انه لو كان يماثل العالم وما فيه، لكان لابد أن يجري عليه ما يجري على العالم من التغير ومن الفناء وافتقار إلى غيره، لان من البديهيات أن المثل لابد أن يجري عليه ما يجري على مماثله، فتأمل في هذا حق التأمل، وتبصر واتئد وابتعد عن ميدان الغرور الذين يتولد مكروبه إلا من حماة الحمل، ولهذا ذهب الفلاسفة الروحانيون كما ترى، على إن الله متميز عن العوالم الكونية وعن النوع الإنساني فما دمت تحكم لهؤلاء الفلاسفة بان لهم عقول الجبابرة حتى أعجبت بهم، فلا ينبغي لك أن تلقي ما اجمعوا عليه من أول وهلة، بل تضعه في الميزان وتستوعب ما في طوقك من الأمعاء، فإنك ستهتدي إلى الحق عن شاء الله، فغن مثلك الباحث عن الحق حاشا أن يخيب سعيه ويخطئ سهمه، وإنما صولة الباطل في غفلة الحق عنه
وما قلناه في تنزيه الله عن مشابهة العالم نقول مثله فيما ذهب إليه الروحانيون من وجود حياة أخرى تظهر فيها نتيجة الحياة الأولى، فغن هذه الحياة الزاخرة بالآلام والأحزان والأمراض والاصطدامات، لا يمكن أن تكون نهاية ما تساق إليه كل هذه العوالم التي خلقت إلا للإنسان وحده، زيادة على ما يحس به الإنسان من نفسه من التطاول إلى الكمال دائما-على حين أنه لا كمال في هذه الحياة- وتطلب الكمال شعور عام لا يخلو منه الجهال وأصحاب الرذائل، متى انفكوا من تأثير بيئة الرذيلة، فضلا عن العلماء وأصحاب الفضيلة، بل أن كل إنسان كيفما كان لا يربع في كل آماله وأمنياته وأفعاله-وان كانت مسفة- إلا هذا الكمال، حتى اللصوص والمستهترون باللذة والمتعة ومباهج هذه الدنيا. وإنما غلطوا في باب الكمال وفي تصوره فصاروا يتعسفون، ولهذا لا يزال كل من يتخبط في الرذائل يحس فينة بعد فينة بدافع باطنه إلى تطلب الكمال من طريقه الحقيقي، طريق الفضيلة والاستقامة، ثم لا ينشب لضعفه أن يجره السيل ثانيا على ما تدفعه غليه ببيئته، وليست له قوة دافعة ولا خلق مكين، يدرا عنه ويكون دونه سياجا.
إذا كان الأمر هكذا-وهو الذي يدل عليه المذهب الروحاني الذي سلك بلا ريب هذه النظرية- فكيف يستبعد انتظار حياة جديدة تكون هي المقصودة من أول وهلة بما فطر عليه الإنسان من حب الكمال، فيكون الكمال كما هو الكمال فيها، وزد على هذا أن ما يستنتجه العقل من مجموع نظراته في هذا العالم، كونه مؤسسا على الحكمة، والحكمة لا تسير إلا مع العدل، ومتى نظر المرء إلى ما يقع كثيرا في هذه الدار من الإنسان الذي يحمله غروره على أن يخرج عن محجة العدل فيظلم المستضعفين، ويدرس بإقدام قوته على بطون أخواته وبني جلدته، ثم يخرج من هذه الحياة وهو لا يزال على هذا الظلم من غير أن يسيطر عليه قانون، فإنه يتبادر إلى ذهنه أن هناك حياة أخرى يجري فيها القانون مجراه إتباعا لنواميس العالم، ونزولا عند الذي تكون بديهة عند ل عاقل، أفيتلاعب الجبابرة بالمستضعفين ثم يمضون من غير مؤاخذة أصلا ؟ أيمكن هذا في العقل ؟ فغن كان هذا صحيحا فالعالم حينئذ ليس مؤسسا على الحكمة التي يزعم العقل انه أدركها من كل حركاته.
وكذلك متى نظر العاقل أيضا إلى الذين سلكوا طريق الفضيلة، وحافظوا على الاستقامة في كل حياتهم هذه، وخم يلاقون في ذلك ما يلاقون، فصابروا حتى لفظوا نفسهم الأخير، فخرجوا من هذه الحياة من غير أن ينالوا جزاء عملهم، فإنه كذلك يتبادر إلى بصيرته أن هناك حياة أخرى فيها جزاء للمحسنين.
لاشك أن أولئك الفلاسفة سلكوا هذه المحجة البيضاء حتى استنتجوا ما أعلنوه في بنود ديانتهم التي اعتنقوها، فحكموا بان هناك حياة أخرى تؤدي كل وعود هذه الحياة، وتكافئ المظالم بالجزاء الأوفى.
فالآن يا أخي حماد أمعن في كل هذا إمعانا، وتبصر تبصر من لا يتهم غيره بالسداجة والغباوة، بل تبصر من يقدر غيره قدره من غير أن يقلده، ولا أن يحاول أن يتبعه إتباع الأعمى، فابحث، فالحقيقة بنت البحث، واستعن بشعورك وإحساسك، كما تستعين يعقل وبعلمك وبتجارييك في الخمس والأربعين سنة التي قطعتها شوطا شوطا، ولعلك تهتدي كما اهتدى فلاسفتك الروحانيون، ولا تنس أن تراجع كل ما يقوله الروحانيون عن تلك الأرواح، فإن في كثير من ذلك القصص تعرضا لمدى العقل وللحياة الآخرة فالله يسددك ويأخذ بيدك إلى سواء السبيل.
وكنفي انتظاري فغنني إليك لفي أشواق، وسلم مني سلفا على ذلك النابغة.

 

 

 

 

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here