islamaumaroc

الفكر الفلسفي واللغة العربية

  دعوة الحق

56 العدد

الدكتور حكمة هاشم من الأساتذة المبرزين في جامعة دمشق والذين يرتبط اسمهم بالنهضة التعليمية في سورية، يحمل إجازة في الحقوق وأخرى في الآداب ودكتوراه الدولة في الفلسفة من جامعة باريز، مارس التعليم مدة طويلة، إذ عين عميدا للمعهد العالي للمعلمين ثم أستاذا بكلية الآداب في الجامعة، وانتخب عضوا عاملا في المجمع العلمي للمعلمين ثم أستاذا بكلية الآداب في الجامعة، وانتخب عضوا عاملا في المجمع العلمي العربي بدمشق، وقد مثل بلاده في مؤتمرات علمية كثيرة في أقطار متعددة من أوربا وأمريكا وآسيا، وفي سنة 1958 عين مديرا لجامعة دمشق. وفي المدة الأخيرة استدعته جامعة محمد الخامس بالرباط ليقوم بتدريس مادة الفلسفة.
من مؤلفاته: نقد الغزالي لمذهب المشائين، والأفلاطونية المحدثة، ميزان العمل (بالفرنسية)، المدخل إلى علم النفس الجماعي، المجتمع العربي، أبحاث في التربية.
و"دعوة الحق" التي تعتز بصداقة الدكتور حكمة هاشم تتمنى له مقاما سعيدا، وترجو أن تظل علاقته بقرائها متينة ومتصلة.
                                                                                 «دعوة الحق »


إن الموضوع الذي طلبت إلي المحاضرة فيه هو «الفكر الفلسفي واللغة العربية» وهو جزء من موضوع أكبر يدور حول علاقة الفكر باللغة. وليس من شأننا هنا أن نأخذ في دراسة هذه المشكلة الواسعة، ولا أن نتناول بالتفصيل المذاهب المتعددة المتصلة بحلولها، فقد كفانا الباحثون الاختصاصيون من علماء النفس وعلماء الاشتقاق مؤونة ذلك، وانتهوا إلى تقرير صلات عضوية ملتحمة بين التفكير الذي هو طريقة تصورنا للوجود في جملته ـ بما في ذلك تصور الذات ـ وبين اللسان على اعتباره أداة لنقل ذلك التصور وإبلاغه للآخرين. ولهذا جاز من حيث المبدأ، أن يدور بحث عن طبيعة العلاقة بين فكر ما،

 كالكفر الفلسفي ولغة كاللغة العربية، ولذلك أثار بعضهم مشكلة من النوع التالي: هل اللغة العربية أداة ميسورة مطواعة للتفكير الفلسفي؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار هذه الأداة كاملة بالقياس إلى اللغات الأخرى؟ وأبادر فأعترف لكم، أيها السادة، أنه قد يبدو لبعضكم أن من باب المفارقة العجيبة إطلاق لفظ «مشكلة » على مثل هذا التساؤل، وأنتم على حق في هذا العجب لأنكم تعلمون مبلغ إيمان العرب أجمعين باتساع هذه اللغة الشريفة التي شاء لها شاعر النيل حافظ إبراهيم أن تنشد:
وسعت كتاب الله لفظا وغاية     وما ضقت عن آي به وعظات
وناهيكم بها سعة تروعنا، نحن الناطقين بالضاد، وتملأ أذهاننا وقلوبنا وأرواحنا إعجابا وفتنة وسحرا، بيد أن الأمة العربية بالبداهة ليست وحيدة في هذا الكون، وهناك إلى جانبها أمم أخرى ذات شأن لا تشعر بأي مركب نقص تجاهنا رغم أننا نطويها جميعا تحت لفظ «الأعاجم» ، بل إن من هذه الأمم مجموعة لا يتسهان بها تمضي إلى أبعد من ذلك فتنفي علينا ملكة الإفصاح وحسن التعبير، ومنها من يجادل في قابلية بياننا الصريح لأداء الفكر الذي يرقى عن أغراض الحياة الدنيا إلى سماء التجريد زاعما أن العلم يدلل على ذلك، وإذا كانت الفلسفة أرقى أشكال التفكير المجرد كما هو معلوم، (اذكروا كيف كان أريستوفان يمثل سقراط في محفة معلقة بين السماء والأرض)، وإذا صح قول جان سكوت إيريجين أن ما من أحد يلج ملكوت السموات إلا من باب الفلسفة، فمعنى ما تقدم أننا عاجزون عن الرقي إلى أجواء التفكير الجدي والنظر العقلي، وإننا في تلك الميادين الرفيعة مقضي علينا أن نظل كالطيور زغب الحواصل قاصرين مقصرين.
وحسبكم من تأكيد كهذا يرسل باسم العلم أن مآله إلى سبة دائمة على وجه الدهر تلحق بأمة تعتبر نفسها خير أمة أخرجت للناس، ولو لم يكن من خطر هذه الوصمة إلا أنها تشكك المرء بقيمة ذاته فضلا عن تشكيك الآخرين بمثل تلك القيمة لكفى بذلك حافزا إلى تحليلها وتمحيصها ورجع البصر فيها كرتين، وإذن، فنحن نحب في هذه المحاضرة أن نعالج هذه المشكلة مدبرين وجوه القول فيها، عارضين عليكم حجج أصحابها بصورة موضوعية، ثم معترضين على ما يكون فيها من مواطن الضعف لا مسوقين بفكرة سابقة ولا صادرين عن غرور واهم أو عصبية عمياء، وإنما نمارس في هذا عملية النقد بالمعنى المنزه عن الغرض الذي كان البدوي الأول أسرع إلى استعماله يوم قال في ناقته:
تنفي يداها الحصا في كل هاجرة     نفي الدراهم تنقاد الصياريف
إلا أن هذه العموميات ممعنة في التبسيط، والمشكلة أعقد مما نظن، فهي محتاجة إلى جهد تحليلي قد يؤول إلى عكس ما يتبادر إلى الذهن ـ بادئ الرأي ـ من أن اللغة مرآة الفكر فلننر مصباحا قليلا قبل الدخول في جوف الموضوع، ولنضع الصورة في إطارها العام.
ولنبتدئ فنقرر أنه لم يعد يجادل أحد اليوم في معضلة طالما شغلت الباحثين، وهي التساؤل عن اللغة أهي وحي نزل كاملا على قلوب طائفة من بني آدم ولا يد لهم في تبديل خلقه، أم هي مجرد إصلاح اتفق عليه البشر اتفاقا بصورة من الصور، وقديما خاض الإمام السيوطي صاحب المزهر في هذه المسألة بالتطويل وعرض لآراء من يقولون إنها «توقيف» متخذين دليلا من قوله تعالى (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا) [البقرة: 31]، ثم بين حجج من جزموا بأنها (وضع) و(تواطؤ)، كما أن مفكري العصور الحديثة لم يفتهم الجدل حول هذا الشأن، ومن أواخر أصحاب النظرة الأولى التي تجعل اللغات ضروبا من السجايا الغريزية موهوبة من تلقاء الفطرة البيولوجية جوزيف دوميسترو دوبونالد، ومن الذين جعلوها غريزة عقلية رونان وتين، إلا أن اتجاه العلم البسيكولوجي والسوسيولوجي الحاضر قائم على التسليم بأنها وضع اجتماعي لا مجال للشك فيه. وعلى الرغم من أن تقرير هذا الأمر ينفي كون اللغة ظاهرة (حيوية) تتفاوت بتفاوت العروق وتستلزم تبعا لهذا أن تطورها راجع إلى قوانين خارجة عن جبلة البشر الطبيعة، وحتى عن إرادتهم الاعتباطية، فإن مما لا جدال فيه أيضا أن اللغة لا تقوم إلا في الأذهان وأن ذلك التطور لا معنى له إلا إذا تم في أفهام تتفاعل ديناميكيا مع ما حمل إليها، فمن هنا كان للمعضلة جانب نفسي يجب أن يؤخذ في الاعتبار، ولابد من إدخال عوامل تصورية آنية إلى جانب عوامل التطور الخارجية الموضوعية، وهذه المسلمة هي ما اعتمده رجل مثل السيد فاندريس عميد كلية آداب باريز السابق، وهو من أئمة علم الاشتقاق في كتابه الشهير: اللغة
ذهابا من هذه النقطة خاض العلماء في طبيعة اللغة وصلتها بالتفكير، ولاحظوا أن اللغة إنما هي تعبير رمزي عن التأثرات الداخيلة للكائن الحي، فالانفعالات المختلفة التي تعتلج في صدور الأحياء لا تلبث في مبدأ أمرها أن تتلبس سحنة ظاهرة تتجلى بالملامح لكي تفصح عن ذاتها للآخرين، وما ائتلاق الحدق، وانفتاح الأوداج وتحريق الأرم، ولجلجة الصوت إلا آيات عفوية أولية بها يتميز الحيوان من الغيظ، لكنه مذ يتم للكائن الذكي مستوى عقلي مرتفع من شأنه القدرة على التحكم الإرادي بالصوت جاعلا إياه إشارة على غرض من الأغراض الباطنة، أي عند ما تتوفر للفرد ملكة الربط بين اللفظ والمعنى يصطنع النطق المفيد أو لغة الخطاب سبيلا للإبانة عن ذات نفسه. نعم إن هناك أحوالا من التفكير أشار العلم البسيكولوجي إلى استحالة تلبسها بثوب البيان الكلامي وهذا ما أشار إليه المتنبي منذ ألف سنة في بيته الخالد:
رب ما لا يعبر اللفظ عنه      والذي يضمر الفؤاد اعتقاده
ولكن الحال السوية والعامة إنما هي اتخاذ القول وسيلة للإفادة عن المشاعر، وإن يكن من الواجب التحفظ على هذا الإطلاق بالصيغة التي أجملت في بيت الحطيئة على نحو عبقري:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما      جعل اللسان على الفؤاد دليلا
كيف ما كان الأمر فإن الألسنة تظل الأدوات الوحيدة لإبلاغ المقاصد، وإن شئتم فقولوا إنها ضروب من التكنيك نستعين بها على الخروج من ذواتنا والنفاذ إلى الآخرين، وهي، ككل ضروب التكنيك، قيمتها متوقفة على درجة صلاحها للوصول إلى الغرض الذي ابتغيت من أجله، وعلى مقدار حظها من التطور (الذي هو مرتبط بمبلغ مرونتها وقابليتها للتكييف) يكون نفعها وجداؤها ومردودها، فاللسان المتطور إنما هو ذلك الذي قدم للفكر من بين جميع المخططات الصوتية الممكنة خيرها للترجمة عن الدقائق الخفية التي تدور في خلده، وهو ذلك الذي وفر لصاحبه، بما وضعه في يده من آلات التحليل، قدرة على تمييز مفاصل الفكر تمييزا واضحا مبينا، هو ذلك الذي وفق لاختراع قوالب في التعبير تنصب فيها المعاني بيسر وسلامة، ولكن دون أن يورثها القالب من جراء صلادته تحجرا لا سبيل معه إلى نمو حي، وبعبارة أبسط هو ذلك الذي تجاوب مع التفكير في حركته الموارة فلم يعوق مجرى تلك الحركة، بل أعانها على التقدم المطرد.
ولعل هذه الخصلة التي أتينا على بيانها هي التي دعت إلى قيام علم اللغات المقارن لتتضح الخصائص المييزة لكل لغة من اللغات فتتجلى بذلك خصائص فكر أصحابها، وعندها يحصل التساؤل بصورة طبيعية: أي الألسنة أدى دوره خير أداء؟ وأيها أحق أن يصطنع لكونه أدنى إلى المثل الأعلى وأشدها تكاملا إن لم يبلغ مرحلة الكمال؟.
والواقع أنه قد أجريت بالفعل أبحاث مستفيضة في فقه الألسنة (في مظهريها السيمانتكي والمورفولوجي) واستندت هذه الأبحاث على دراسة المعاجم من جهة، وعلى دراسة الأجروميات من جهة أخرى، وانتهي فيها إلى حقائق ثمينة بالنسبة إلى أكثر اللغات. ولست بحاجة إلى أن أشير إلى الجهد المنقطع النظير الذي بذله علماء العربية الأقدمون في هذا الميدان، وإن كتبا كخصائص ابن جني، ومجمل ابن فارس، ومزهر السيوطي هي من الكنوز النادرة التي لا تقل في شأنها بالنسبة للغتنا عن شأن كتاب ككتاب برونو الشهير «الفكر واللغة » بالنسبة للسان الفرنسي، إلا أن هذه الدراسات على جلالة قدرها أشبه بأن تكون «مونوغرافيات» أو تحاليل مستقلة للغة بعينها، وليس يقوم علم اللغات المقارن إلا إذا كانت هذه التحاليل استنفادية تستغرق لغات الأرض بحذافيرها فلا تدع منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها واستوفتها دون تفريط في جانب من الجوانب ليمكن بعد ذلك قيام «تركيب» سليم بالمعنى العلمي الصحيح. وعلى الرغم من أن تركيبا علميا كهذا لما يتوصل إليه، فإن المحاولات الجدية التي باشرها أصحاب فقه اللغات المقارن أسفرت عن بعض الحقائق الخطيرة، ومن هذه الحقائق حقيقة أحب أن أشير إليها بصورة خاصة نظرا لأهميتها بالنسبة للموضوع الذي نعالجه وهي عدم التوازي بين المنطق والأجرومية، أي أن نظام الفكر وقواعد العبارة غير متلازمين ولا متساوقين، ولذلك استوى من حيث القيمة تقديم الفعل على الفاعل في بعض اللغات وتأخيره عنه في بعضها الآخر، على الرغم من قيام ترتيب منطقي بينهما من حيث الأصل وبتعبير آخر، إن مقولات المنطق (وهي العلاقات الصورية المختلفة التي يعتبرها الفلاسفة سائدة التفكير: كالكيف والكم والجوهر والعرض. الخ..) لا تطابق «مقولات» النحو وهي أجناسه الكبرى إن صح التعبير (كالاسم والفعل والحرف والتذكير والتأنيث والبناء والصرف والإفراد والتعديد والتثنية وهلم جرا ..) فهنالك من جهة لغات تتفاوت في عدد الصور النحوية زيادة ونقصا، والتثنية التي عندنا بالعربية لا وجود لها بالفرنسية، كما أنه في بعض اللغات مدلولات لا جنس لها (شأنها كشأن الملائكة) أي أن أرباب تلك اللغات يزيدون على ما عندنا شيئا (حياديا) لا ندخله نحن في تأنيث ولا في تذكير.
ومن جهة ثانية، ليس لبعض أنحاء التفكير صورة نحوية إلا في بعض اللغات فقط، ولئن كانت أكثر اللغات متسعة للمقولات التقليدية (كالعشر الشهيرة عند أرسطو) فما أبعد مقولات ذهن كذهن كانط أن تجد لها كفاءة في سواد اللغات المتطورة العريقة في المعرفة بله الابتدائية.
إن لهذه الملاحظة في نظرنا أهمية ممتازة بصدد ما نحن آخذون فيه، ذلك أنه لو صح بمعنى الكلمة  الحرفي أن اللغة مرآة التفكير لعكست آجروميات لغات المتمدنين صورة منطقهم السليم، والحال أن أهل تلك اللغات الراقية يشاركون غيرهم من أهل اللغات الموهوم بها التقهقر «لا منطقية» نحوهم على الأقل، وإذن فقد بطل الزعم بأن الألسنة مرايا الأفكار، فيها ينعكس ظلها وشكلها وهيئتها الأولية. ويترتب على هذا ـ هنا بيت القصيد ـ القيمة النسبية فقط التي يجب أن نوليها لضرب من الأبحاث ناجم عن تلك النظرات المبسطة: ذلك هو أمر بسيكولوجيا الشعوب المستندة فيما تستند إلى اللغات المقارنة. إن بعض علماء اللغات المغرمين بالكشوف الطريفة قالوا بإمكان قيام سيكولوجيا «فرقية»  لشعب من الشعوب بالاعتماد على طرائق تعبيره اللغوية والتغييرات اللاحقة بمدلولات ألفاظه، ونقطة الانطلاق في هذا النهج إنما هو الافتراض بأن اللغة من صنع العقل الجماعي فلابد أن تكون مستودعا يستقر فيه كل ما نشأ عن هذا العقل من آثار، ومن أمثلة ذلك انصرافهم إلى تفحص اللغات غنى وفقرا من حيث التراث اللفظي الذي بدل على تنظيم بدوي أو حضري، والنهوض به دليلا يدل على عقلية غريزية معينة. فإذا اتفق للانكليزية أن كانت غنية بالألفاظ الاقتصادية، زعم الزاعمون أن أهلها «مفطورون» على التجارة، أو اتفق لليونانية رصيد موفور من الألفاظ المجردة، وللعبرانية حصيلة لا بأس بها من الألفاظ الدينية قال القائلون: لأمر ما كانت الفلسفة في يونان، والنبوءات في بني إسرائيل. لا جرم أن النقاد أجازوا مباشرة مثل هذا البحث إلى حد ما من حيث أن هناك لوينات خاصة نفسية واجتماعية تفصح عنها دراسة خصائص لغة قوم من الأقوام، ولكنهم أبوا أن يقروا (هذا هو موقف فاندريس) بأن تكون معيارا يعايرون به العقلية القومية لعرق من العروق. ولئن طاب لنا مثلا أن نستشف من وراء إطلاق أسماء الحيوانات على الأشخاص عند الألمان أو الفرنسيين ميلا نفسيا عند هؤلاء وأولئك فنتخذ منه شاهدا بحسب الأحوال على عقليتهم المتميزة بالتهكم أو المداعبة أو الاحتقار أو الشتمية، فإنه مما لا يجوز بحال من الأحوال أن نتخذه سبيلا نسقيا إلى بسيكولوجيا «عرقية» كتلك التي باشرها أرنست رونان بحق الساميين ـ والعرب جزء منهم ـ والتي سنتناولها بشيء من التفصيل. ولكن قبل أن نمضي لشأننا نحب أن نفتح معترضة تاريخية فنشير إلى أن القضية ليست جديدة علينا نحن العرب، وأن تاريخنا الأدبي قد سجل منذ القديم آثار المقارنة بين العرب وغيرهم من الأقوام من زاوية اللون المميز أو الهيئة التي تبدو بها على الألسنة ثمار القرائح. ومن أمتع ما في هذا الباب كلام للشهرستاني من رجال القرن السادس الهجري (الثاني عشر م) فقد قال في الملل والنحل: ( من الناس من قسم أهل العالم بحسب الأقاليم السبعة، وأعطى أهل كل إقليم حظه من اختلاف الطبائع والأنفس التي تدل عليها الألوان والألسن، ومنهم من قسمهم بحسب الأقطار الأربعة التي هي الشرق والغرب والجنوب والشمال، ووفر على كل قطر حقه من اختلاف الطبائع وتباين الشرائع، ومنهم من قسمهم بحسب الأمم فقال: كبار الأمم أربعة: العرب، والعجم، والروم، والهند. ثم زاوج بين أمة وأمة فذكر أن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير خواص الأشياء، والحكم بأحكام الماهيات والحقائق، واستعمال الأمور الروحانية. والروم والعجم يتقاربان على مذهب واحد وأكثر ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات واستعمال الأمور الجسمانية). وسواء أحمل هذا النص كما فعل أحمد أمين في فجر الإسلام ص 49 ـ على محمل الشبه بالرأي الذي قرره بعض المستشرفين من أن «طبيعة العقل العربي لا تنظر إلى الأشياء نظرة عامة شاملة » أم لوحظ فيه ـ بمثل براعة مصطفى عبد الرزاق ـ استعداد العرب وميلهم إلى «الأحكام الكلية والأمور العقلية والمجردات » ونزوعهم إلى «الروحانيات » فإن فيه التفاتا إلى قيام رابطة من شأنها أن تتميز بالدقة والإحكام بين تفكير العرب ومظهر هذا التفكير، وقد سبق لصاعد الأندلسي (المتوفى قبل الشهرستاني بزهاء بضعة عقود من السنوات) أن تحدث بهذا المعنى في طبقات الأمم (1) فقال عن العرب: «وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله عز وجل شيئا منه، ولا هيأ طباعهم للعناية به، ولا أعلم أحدا من صميم العرب شهر به إلا أبا يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، وأبا محمد الحسن الهمداني ». هذا، ولا ننسى أن ننبه في هذا المقام على موقف ابن خلدون حول المقارنة التي نحن بصددها، ذلك الموقف الذي ربما رمي بالشعوبية من أجله ـ ولكن ظلما وبهتانا ـ فالمعروف أن الرجل خاض في انصراف العرب عن الفلسفة والعلوم العقلية، ولكن التحليل الدقيق الذي تجلت به نظرية مفكرنا العبقري الفذ إنما يستند إلى الشرائط الاجتماعية التي أحاطت بالعرب من جراء «أحوال السذاجة والبداوة » ثم مشاغل الرياسة «والقيام بالملك» و «الأنفة عن انتحال العلم حينئذ بما صار من جملة الصنائع»(2) أكثر مما يعتمد على اعتبارات عرقية راجعة إلى الجبلة الأصلية.. ولعل في وسعنا أن نصل بين كل دعوى من هذا القبيل وما كان جرى على قلم الجاحظ في البيان والتبيين (ج3 ص12/13)، فقد قرر أبو عثمان صادرا ولاشك عن اسم قلب وأطيب نية «أن كل كلام للفرس، وكل معنى للعجم فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد وخلوة، وعن مشاورة ومعاونة، وعن طول التفكير ودراسة الكتب، وحكاية الثاني علم الأول، وزيادة الثالث في علم الثاني، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند آخرهم، وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام... »
بعد هذا الاستطراد التاريخي الذي لجأنا إليه، نرتد إلى صلب الموضوع لنستعرض رأيا خطيرا لا يزال يتمتع بالأهمية حتى يومنا هذا، بل لعل أهميته اليوم أشد خطرا مما كانت عليه في أي يوم.
منذ قرن من الزمان كتب المستشرق الفرنسي الكبير أرنست رونان كتابا اسمه (مترجما للعربية): «تاريخ عام ونظم مقارن للغات السامية» ، ولقد طارت شهرة هذا الكتاب وأصبحت مادته زادا يطعمه كل من تناول امتنا ولسانها برأيه ولسانه. ومحصل ما انتهى إليه من مذهب في أمرنا يقوم على اكتشاف دعوى واحدة كانت له بمثابة المفتاح يفتح به أبواب التعليل جميعا إلا وهي دعوى (الوحدانية) التي هي آية السذاجة والبساطة في العقل السامي، الساميون موحدون بالطبيعة، والتوحيد من شأنه البساطة والسذاجة فعلى ذلك تخريج كل الاستنباطات التي ولدها بنبوغه وطول باعه في الفيلولوجيا، ومن ذلك أن الساميين لا يمكن تعريفهم إلا بالسلب: ليس لهم ـ والعرب أصفى عناصرهم ـ لا علم ولا فلسفة، ولا شعور باللونيات، ولا خيال خلاق، ولا فنون تشكيلية، ولا آداب ملاحم، ولا أساطير تبنى على التصور، ولا سياسة معقدة، ولا تنظيم مدني ولا عسكري، ولا أخلاق موضوعية، شعرهم رتيب وذاتي، وفكرهم ينقصه التطلع، والمتناقضات لا تفعل فيه: ترى العربي أمام الروايات العجيبة والمشاهد المذهلة خلوا من كل تفكير مكتفيا أن يقول لك: إن الله على كل شيء قدير، كما أنه في حالات الشك بين المذاهب المتناقضة، يفر من حيرته بقوله: والله أعلم.. ومن غير الوارد أن تحتج للعرب بما لديهم من فلسفة، إنما هي تلفيقات منتزعة من الإغريق كتبت بالعربية، وليس لها أصل ولا «جذر» في شبه جزيرة العرب، لأن العرب غير قادرين على شيء من التعقيب والتركيب، فبدلا من اعتبارها إنتاجا طبيعيا لعقل سامي، أولى بالمرء أن يعتبرها بمثابة ارتكاس على الإسلام واجهته به عبقرية الفرس الهندوأوربيه (3).
ولقد مضى رونان إلى اللغات يستمد منها تأييد هذه الدعوى فلاحظ أن اللغات الآرية هي لغات التجريد والميتافيزياء، على حين أن اللغات السامية لغات الواقعية والحس، وهذا نموذج من كلامه: «إن اللغات الآرية تنزع قبل كل شيء إلى المثالية (...) وذلك بمرونتها الرائعة، ووجوه إعرابها المختلف وأدوات ربطها الدقيقة، وكلماتها المركبة، وعلى الأخص، لسرها العجيب فيما يعرف عند اللغويين بـ «القلب » Inversion  تلك الطريقة التي تتيح الاحتفاظ بنظام الأفكار الطبيعي دون إضرار بالعلاقات النحوية، أما إذا تأملنا اللغات السامية، فسرعان ما يسوغ لنا الظن بأن الإحساس وحده ساد أوائل التفكير البشري، وأن اللسان ما كان ـ بادي الرأي ـ إلا انعكاسا للعالم الخارجي، ولو استعرضنا سلسلة الجذور السامية، لصعب علينا أن نجد فيها ما يخلو من الابتداء بمعنى مادي ينتقل منه فيما بعد إلى الأمور العقلية بوسائط تتفاوت في درجتها المباشرة زيادة ونقصا(4) » ثم يسرد بضعة أمثلة عبرية يؤخذ منها أنه للإبانة عن غرض نفسي لا بد من اللجوء إلى مدلولات تتسم بسيماء الحوادث الفيزيولوجية، فالغضب يلحظ فيه النفس الحار والغليان، واليأس انحلال القلب، والهلع انخلاع الكلى، والكبرياء ارتفاع الرأس، ويجد مثل هذا في العربية فيأتي بمثالين: «غفر » للمسامحة ـ وهو ما اقتضى تصور طلاء يمحو الذنوب ـ، و «فرض» لتقرير أمر من الأمور ـ وهو ما يلحظ فيه»، وحز «قطع» قطعا ماديا، وينتهي بعد ذلك إلى تقرير أن «ما يميز أسرة اللغات السامية هو أنها لا تزال تحتفظ احتفاظا دائما بالاتحاد المبدئي بين الإحساس والفكرة.. وبالاختصار لم تتم في تلك اللغات عملية التجريد المثالي Idéalisation على نحو كامل، الأمر الذي تشتم منه كما يرى رائحة (طفولة التفكير البشري).
وكتاب رونان مشحون بالأحكام العامة التي هي من هذا القبيل، فهو يؤكد مثلا أن اللغات الآرية لغات «تركيبية» ، في حين أن السامية «تحليلية» وأن العربية على رغم غناها من حيث المادة وأن فيها على ما أحصاه دوهامر خمسة آلاف وسبعمائة وأربعة وأربعين اسما للجمل، لا تقاس في جانب اللغات الهندية الأوروبية من حيث الضبط والدقة، وأن أساليب البيان العربي على سعة جوانبها تتصف بالجفوة الرتيبة وبالتنطع، وأن المرء إذ يتأمل كتاب العرب في مادتهم وطريقتهم من الهند وخراسان إلى اسبانيا ومراكش ليداخله الشعور أنه أمام ثقافة متجانسة «صنعية وعليمة» (ولكن بالمعنى الرديء).
هكذا تجدون، أن الأمر آل برونان إلى إيصاد باب التفكير الفلسفي في وجه أهل هذه اللغة، لا من جهة أن هذا التفكير غير مستساغ بالنسبة لأذهان طائفة منهم ولا من جهة أنه لم يتهيأ لهم في عهد من العهود لأسباب خارجة من إرادتهم بفعل العقائد الدينية مثلا أو السلطة الزمنية، بل من تلقاء علة أزلية سرمدية ضربت علينا في أصل ذكائنا وما ركب عليه عقلنا من فطرة ترتبت عليها طريقتنا في رؤية الأمور، وهذه العلة لا يرجى منها شفاء (كالخطيئة الأصلية لزمنا وزرها إلى يوم القيامة مع جميع الساميين)!
ونحن لا ندعي أننا أوتينا المعرفة العميقة التي تميز بها هذا المستشرق النحرير ولا سعة إحاطته: فقد كان علامة فهامة من الطراز الأول، استوعب فنون الاشتقاق في عصره، وأبعد النظر في دراسات الفيلولوجيا المقارنة التي باشرها فطاحل الألمان أمثال إيوالد، ولاسين، وشايغل وغيرهم، ووقف على لغات مختلفة شرقية وغربية وقوفا واعيا بصيرا، ولكننا مع ذلك نأذن لأنفسنا أن نبدي بعض التساؤلات والاعتراضات بصدد مقالاته لا سيما وأن الرجل ـ إلى جانب إلحاده الذي لا يعنينا نحن أن ننكره عليه ـ متهم بعرق من العصبية الشعوبية على كل ما هو غير أوروبي، فلعله تحت تأثير منطق عواطفه الخاص، انزلق إلى نظريات تتجاوز حد الحيطة العلمية، وقد يكشف «التحليل النفسي» ذات يوم عن بواعثها الدفينة.
وأول ما نريد بيانه هو وهن الموضوعة الأساسية التي اعتمدها رونان في دراسة البسيكولوجيا السامية. لا شك أن من عناصر هذه البسيكولوجيا دراسة الظاهرات اللغوية، على اعتبار أن اللغة تكشف عن خصائص العقول، وهذا صحيح بشرط واحد هو ألا نربط الخصائص بالتكوين البيولوجي الحيوي وألا نجعلها ناشئة عن صورة ذهنية فطرية لصقت بها كالطين اللازب، بل أن نأخذ بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية كالسكنى وطراز العيش وتمازج الثقافات والشعوب. يقول فاندرييس: «كما أنه من التحكم أن نستنبط اللغة من الذهن، فكذلك من الاعتباط أيضا أن نستخرج العقلية من اللسان، إن كلا الأمرين من فعل الظروف، إنهما من الوقائع الحضارية » ، والحال أن رونان ربط تلك الخصائص التي اكتشفها بالتكوين الغريزي عند الساميين، فإذا لم يجد عندهم ملاحم فذلك عن أنهم سذج لا خيال لهم، وبديهي أن ما فعل صادر عن نزعة عرقية باطلة لم تعد ترضي العلم الحديث في قليل ولا كثير.
ثانيا: إن طريقته الاستقرائية غير مستوفاة، فالمعلوم أن الاستقراءات التي تصلح لأن تستخرج منها القوانين العلمية إنما هي الاستقراءات الكاملة لا الناقصة لأن مأتى السفسطة الأول من التعداد الناقص، فلنعرض على محك النظر دعواه في أن «اللغات السامية لغات الواقعية والحس بالقياس إلى اللغات الآرية التي هي لغات التجريد والميتافيزياء » .
لقد بنيت هذه الدعوى على الزعم بأننا لو استعرضنا سلسلة الجذور السامية لصعب علينا أن نجد فيها ما يخلو من الابتداء بمعنى مادي، ولكن هذا يستدعي قبل كل شيء أن تتوفر «مونوغرافيات » مفصلة أتم تفصيل للعبرية، والكنعانية، والفينيقية، والسريانية، والأشورية، والبابيلية، والنبطية والعربية فضلا عن جميع اللغات الأخرى السامي منها والآري، وأن تصاحب هذه الدراسات المفردة إحصاءات مضبوطة للألفاظ الحسية والألفاظ المجردة في كل لغة مع نسبتها المئوية، فماذا فعل رونان هنا؟ إنه اكتفى في أغلب الأحيان بإيراد أمثلة تنحصر في بضع كلمات من العبرية، وأحيانا من العربية، ورتب عليها مثل هذه التعميمات الضخمة. ثم، بافتراض أن مثل ذلك قد جرى إلى حد ما (وما أبعد مثل هذا الواقع عن ضرورات البحث العلمي)، فعلام تشهد كثرة الألفاظ الحسية على الألفاظ المعنوية في لسان ما؟ ربما كان فيه دليل على أن ذلك اللسان احتفظ بصورة التطور أكثر من غيره (وقد أورد هذا الاعتراض على رونان كما صرح بذلك هو نفسه) ونحن نضيف: لماذا نتخذ من نقل الألفاظ عن معانيها الأصلية دليلا على اتصاف الفكر بطابع ثابت، مع أن مجرد النقل يدل على حركة فكرية؟ إن من المعلوم أن الكلمات تتغير معانيها على أنحاء ثلاثة:
1) التخصيص: (وهو نقل المعنى من الجنس إلى النوع: كالصلاة التي اختص لفظها بضرب من الدعاء).
2) التعميم: (أي التوسع في إطلاق الجزء على الكل، نحو «الهجين» وهو في الأصل للعجماوات غير ذات النسب الصريح ثم استعمل لكل خلاسي من البشر).
3) النقل: من مجال إلى مجال بسبب المجاورة (ونلفت النظر إلى أننا هنا نسوي بين المجاورة المادية والذهنية لكي نطوي تحتها ما يعرفها لغوينا بـ «الإشراب » الذي يكون مثلا باستعمال الألفاظ الحسية لمعاني مجردة كقولك «الجزم» ـ وهو القطع المادي ـ تريد به «التوكيد » وكقولك «الاعتماد» ـ وهو أصلا التوكؤ ـ في مقام «الوضع موضع الثقة» ) وقس على ذلك ضروب الاستعارات والمجازات.
ونحن نظن أن مجرد لجوء العرب إلى إشراب الألفاظ الحسية معاني مجردة دليل على عكس نظرية رونان لأنه يفرض بالضرورة قيام المعاني المجردة في الذهن، وإلا لما حصل الانتقال من الحسي إلى غيره، وإذا كانت اللغات على ما يعتقده رونان في أعقاب هوردمان «الحصيلة المباشرة للشعور البشري» فإن الإشراب يعكس على أفضل وجه تلك الفاعلية الديناميكية الأصيلة في الذهن العربي القائمة على تصور المجرد وربطه بالمحسوس، وذلك للاقتران بين ضربي الانطباعات التي تركها في شعورهم كل من النطاقين (نطاق المجرد ونطاق المحسوس).
ثالثا: إن أكبر  ما نأخذه على رونان تعسفه في التعميمات التي تتجاوز حدود المقدمات. والحقيقة أنه اجترأ على تراكيب فضفاضة، فوقع في مثل ما رمي به أولئك الذين يستهويهم وضع النظريات الكبرى بعد نظرهم نظرا غير مستو في كتب اللغة وفي النصوص، ولئن أنحى باللائمة على هؤلاء صارفا إليهم قوله: «إن الغضاضة التي تلحق بالمرء من أن يكون خياليا أكبر من الغضاضة اللاحقة به من التقصير» فغالب الظن أن رونان وقع في العيب الذي أنكره على غيره يوم رمانا مع الساميين جميعا بأننا لا فلسفة لنا أصيلة، ولا خيال خلاق، وأن فكرنا يرضي بالمتناقضات. ونظن أن رونان أدرك ما يمكن أن يوصم به من جراء تعميماته فاعتذر عن ذلك في المقدمة بأن لولاه لبقي التاريخ محصورا في نطاق الواقعات المادية دون إقدام على استخراج مغزى يؤدي إلى مثل هذا التكلف والافتئات، فكم كان أجدر به وهو في منزلته وبسطة عمله، «كراكب الأسد يهابه الناس» أن يكون «لمركبه أهيب» كما يقول كاتبنا العظيم عبد الله بن المقفع!
وبعد، تعالوا أيها السادة ننظر نظرة أخرى في تاريخ فكرنا من الناحية السوسيولوجية. لقد كانت لنا حياة فكرية قبل الإسلام صورها الشعر الجاهلي فهل كان هذا الشعر غير مفصح عن خوالج النفس الدقيقة؟ نعم إنه لم يكن شعر ملاحم طويلة النفس (كالإلياذة)، ولكن ما بالنا لا نقيم وزنا لخيال إلا إذا جاء على طريقة الإغريق؟ والشكل الأسطوري واحد من عديدها، ولئن كانت الوثنية طورا من أطوار التاريخ وجاءت الأسطورة معبرة عن خياله، فإننا لا نطالب شعراء عصرنا الحاضر مثلا أن يظل خيالهم دائرا على الأساطير. هذا هو الشعر الفرنسي في الأزمنة القريبة منا من رونسار إلى سان جون بيرس، أهو منحط في مرتبة خياله لأنه لا يدور على خلق أساطير؟ وهل نتخذ شاهدا من ذلك على ضعف ملكة التخييل عند أكبر من تمثل تراث الإغريق، أعني الأمة الفرنسية؟
ثم لقد كان لنا لسان صلح لأن يكون محملا لدين جليل مع ما انبعث عن هذا الدين من عقيدة، وشرع، وفقه، ونحو، وصرف، وكلام، وجدل، ومنطق، وعلوم عقلية. فكيف استطاع لسان يعتبر رونان أن أجروميته تمثل طفولة الفكر الإنساني أن يقوى على النهوض بكل ذلك؟ بل لقد اتسع لساننا بالذات لاستيعاب حكمة فارس ورياضيات الهند وفلسفة يونان، فبأي لغة يا ترى وصلتنا آثار أفلاطون، وأرسطو، والإسكندر الأفروذيسي، وسقراط، وجالنيوس، واقليدس، وأرخميدس، وذيوفانت، وباليناس، وبطليموس؟ وهل عجز آل بختيشوع وآل الكرخي وبنو موسى بن شاكر وثابت بن قرة والحجاج بن مطر، ويوحنا البطريق وابن ناعمة الحمصي وأبو عثمان الدمشقي ومتى بن يونس القنائي ويحيى بن عدي، والبلاذري أحمد بن يحيى، وإسحق بن يزيد وعلى بن زياد والتميمي والحسن بن سهل وعشرات غيرهم عن أداء المعاني المجردة العويصة بالعربية وبالسريانية وحتى بالعبرية؟ بل كيف فهم عنا تراجمة العصر الوسيط اللاتيني حكمة اليونان الرفيعة التي نقلناها أولا، فحملوها إلى أوروبا عن طريق لساننا ليغنى بها التفكير الغربي؟
ليس هذا كل ما في الأمر، لقد كان لنا فلسفة خاصة يوم لم يكن للفرنجة ولا للقوط ولا للهون ولا للسلت ولا للكرولنجيين ولا للمروفنجيين فلسفة.
أفيكفي في الحط من شأن هذه الفلسفة أن يقال إنها دخيلة علينا؟ أو لم يعترف لنا رونان بأصالة علم الكلام وهو جدل رفيع نبت في جو إسلامي صافي العروبة؟ وهب أن من صنعوا الفلسفة بمعناها الأضيق كانوا من أصل فارسي أو أعجمي، فليت شعري بأي لسان فكروا؟ ولم اختار الفارابي لغة العرب لبيان نظرية العقول والشيخ الرئيس ابن سينا لغة العرب لكتابة الشفاء والنجاة؟ ولم تناول الغزالي «مقاصد الفلاسفة» ثم بين «تهافتهم » بلسان غير الفارسي؟ وكيف صلحت مؤلفات ابن رشد أن تكون كما يقول جلسن مصدرا «له أبعد الأثر وأقواه في الاسكولائية المسيحية» وينبوعا رويت منه فلسفة اللاهوتيين أمثال غيليوم الأفيروني وروجه باكون وحنا بيكام؟.
لم يكن العرب، أمة غالبة دائما حتى نقول إن لسانهم إنما انتشر بقوة السيف. نعم لقد امتد ملكهم ذات يوم من جبال البرانس وأعمدة هرقل إلى الهند والصين، ولقد كانوا على رأس العالم المتمدن في عهود زاهرة كحقبة بغداد في القرن الثامن المسيحي أيام الرشيد والمأمون يوم أشعت مملكة الأغالبة على سردينية وصقلية ونابولي، وكعهد قرطبة في القرن العاشر في ظل الحكم الثاني والحاجب المنصور محمد بن أبي عامر، ثم في حقبة القاهرة الفاطمية وفي المغرب الإسلامي على عهد المرابطين والموحدين. ولكنهم واجهوا نكبات ومصائب كان من حقها منطقيا أن تمحو لغتهم محوا كأداة حضارية. ومع ذلك لا هولاكو البوذي الذي ذبح أهل بغداد ذبحا وجعل مياه دجلة سوداء من مداد ثقافتنا، ولا الحروب الصليبية التي عاثت في أرضنا قرنين كاملين، ولا الفتح المغولي، ولا الغزو الطوراني، ولا غلبة الأعاجم علينا من كل ملة ونحلة، ولا الاستعمار الغربي نالت من عنفوان العربية، لماذا؟ لأن هذه اللغة أثبتت حيويتها أمام الكوارث لأنها، وقد ألقحتها الثقافات الفارسية واليونانية والبيزنطية والهندية، عرفت كيف تستصفي عصارة تلك الثقافات فيتمثلها نسغها العربي الأصيل. إن سر حياتها القوية العنيفة قائم في مرونتها وقابليتها للتكيف، وهذه هي النهضة العربية اليوم تأتي شاهدا مصدقا لما نقول، ففي أقل من قرن من الزمان استطاع أهل هذه اللغة أن يتناول لسانهم ما شئت من علم وفن وفلسفة وتكنيك، وكثير من جامعات العالم العربي ومن مراكز البحوث تتولى معالجة العلوم الإيجابية المضبوطة بفكر أداته هذه اللغة المضرية لغة معد وعدنان.
أيها السادة، إذا بدت هكذا مقاتل نظرية رونان، فما أحرانا أن نردد مع صديقنا لويس غاردية أن الخميرة العربية العاملة في جوف كل الشعوب التي استهواها الإسلام إنما هي ( والتعابير هاهنا للمستشرق المرحوم ماسينيون) هذا اللسان الرائع ذو الأزمنة «الثيوسانطرية » أي المركزة حول الذات الإلهية، هذا الضبط في الصورة تتلبس بها (مادة) موارة مضطربة مرجحنة، هذا المزاج الرقراق من مجردات (عريت عن كل زيادة) وإفادات اتصفت بتمام الجدوى، هذا القرآن المدهش بين آثار عليها مسحة الخشونة وبينات تتميز برونق منقطع النظير.
إن أمجد مظهر لعبقرية العرب لسانهم العظيم وإن أبا الريحان البيروني ـ نضر الله جنة خلده بالروح والريحان ـ كان على حق يوم أن قال: لأن أهجا بالعربية خير من أن أمدح بالفارسية؟.

(1)  ص 45 ( طبعة بيروت)
(2) 540 (طبعة بولاق)
(3) راجع الفصل الأول من كتابه
(4) ص 22 من المصدر نفسه

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here