islamaumaroc

إسرائيل والتقدم العربي

  دعوة الحق

56 العدد

..(ومهما يكن من أمر، فإن العالم العربي، كما قلنا سابقا، يمكن أن يستفيق من سباته، إذا كانت سياسته مزودة بروح من الإنسانية والأفق الواسع، وغير موجهة من طرف الإقطاعيين الذين قلما يشعرون بسعادة مواطنيهم. وبدلا من الكراهية التي يكنها العرب لبعض الشعوب، وعلى الخصوص إسرائيل، التي يجمعهم وإياها الجنس والعرق المنحدر من أبيهم ابراهيم، فلقد كان من الواجب على العرب أن يمدوا يدهم لإسرائيل، ذلك العنصر الحيوي الفعال، الديمقراطي في أساسه، الذي يمكن أن يساعد على تحقيق الخير لهم، ويعمل على تطورهم نحو التقدم المحتمل أن يلد من جديد في الشرق، المهد القديم للحضارة).
بهذه العبارات الخلابة المزرية في نفس الوقت، أنهى أحد الباحثين كتيبا وضعه حول الفكر العربي ذلك هو الكاتب هنري سيرويا، الذي اختار هذه القاعدة الهامة لقيام مجد العرب من جديد، ألا وهي التعاون المثمر ومد اليد للمصالحة والأخوة لإسرائيل، باعتبار العامل الرئيسي لعودة التقدم والنهوض للشرق العربي الحديث.
لقد عالج الكاتب تطور الفكر العربي من الناحية الدينية، والفلسفية، والتصوفية، فلم يستطع حقا إنكار أصالة الروح العربي في الحضارة الإسلامية، بل ندد بأولئك الذين أنكروا على العرب مشاركتهم في التراث الهائل الذي صهرته الحضارة الإسلامية، ومن المعروف أن بعض الباحثين الغربيين ينكرون على الجنس العربي عمق التفكير وهضم العلوم التي ورثوها عن الأمم السابقة، مع أن الفيلسوف الأول في التفكير الإسلامي كان عربيا صميما ومن قبيلة كندة، ذلكم هو الكندي.
والأمر الهام الذي أريد أن أعلق عليه في هذه المحاولة، هو تلك الخلاصة التي توصل إليها هذا الكاتب في خاتمة كتابه: ذلك أن إسرائيل لم تكن في حساب العالم العربي عندما نهض العرب، وانطلقوا من صحرائهم ليغزوا العالم القديم يحملون إليه نور العقيدة الصافية من التقاليد والخرافة المجافية للمنطق الأمر الذي تبت أركان حضارة إنسانية خالدة، بل أن اليهود قد وقفوا موقفا عدائيا من الإسلام منذ أول يوم، فأظهروا العداوة الصريحة في حياة الرسول مما أدى إلى معاقبتهم بعقاب الخيانة العظمى بعد واقعة الأحزاب التي انضموا فيها إلى الأعداء، فحق عليهم الحكم القاسي الذي نفذ فيهم ءانذاك: وهو قتل الرجال وسبي النسوة والصبيان.
نعم عجز اليهود عن تفهم فحوى العقيدة الإسلامية، وإمكانيات نجاحها، فواصلوا حملاتهم ضد الإسلام والمسلمين، حتى لقد أصبح العلماء المسلمون والمدافعون عن العقيدة يعزون إلى اليهود كل فكرة هدامة ظهرت في العالم الإسلامي.
إن الكاتب قد عالج موضوعا تاريخيا بما فيه المعطيات الاجتماعية والفكرية، والاقتصادية والسياسية، ومن الحق القول بأن العالم العربي لا يزال يعاني من الإقطاع والتخلف في عدة نواحي من حياته، وهذا إن كان عيبا، فليس للعرب مسؤولية فيه أكبر من مسؤولية المستعمرين الفرنسيين والإنجليز، أولئك الذين أتوا بمشكلة اليهود أيضا ووضعوها في قلب العالم العربي كعرقلة كبرى لتقدم العرب : فبدلا من أن يتوجهوا إلى معارك البناء والعلم ومتابعة سير التقدم والحضارة، جعلتهم هذه المشكلة الكبرى ينهكون قواهم الفكرية والاقتصادية، والزمنية، في وضع الخطط والاستعداد لمقاومتها.
الإقطاع إذا من مخلفات الاستعمار الغربي بلاشك، لا في العالم العربي فقط، بل في العالم المتخلف كله.
والمشكلة الإسرائيلية الصهيونية من أعظم مخلفات هذا الاستعمار نفسه في العالم العربي والإسلامي في نفس الوقت.
وإذا كان مشكل التخلف الاقتصادي، ومظهر سيطرة الإقطاع في بعض الأقطار العربية مفهوما، وعلاجه واضحا ومعروفا، فإن مشكلة إسرائيل وضعها الغربيون أنفسهم، ومنهم هذا الكاتب العبقري، تحتاج إلى التحليل والنظر : ذلك أن المشكل الإسرائيلي بالنسبة للعرب ليس مشكل كراهية أولا، أو مشكل عنصرية من العرب ضد اليهود، بل إنه مشكل استعمار وخطط استعمارية موضوعة منذ أكثر من نصف قرن، ويجب أن تزال، أنها مجرد مؤامرات مفضوحة تؤيدها قوة كبيرة، ولابد من القضاء عليها بشكل أو بآخر، أما كيف ومتى؟ فإن ذلك ما ستحدده حوادث التاريخ وتطورات السياسة الدولية في مستقبل الأيام.
ألا يمكن أن تعد الكراهية نفسها سلاحا يستعمل ضد العدو الغاصب؟ وبعبارة أخرى هل يصح أن نواجه أعداءنا بالابتسام والمصالحة على حساب الأرض المغصوبة، وفي سبيل التقدم المزعوم الذي تحمله إسرائيل إلى  العالم العربي؟ ثم أي تقدم هذا الذي يحمله عدوك عندما يغصبك الحياة؟.
لقد ثبت منذ أمد بعيد، وأثبتت الأحداث التاريخية الكبرى، أن الشعوب لا تنهض إلا لتمسكها بعقيدة. وإيمانها المصمم بتفوق عقيدتها على المذاهب الأخرى، وبذلك نهض الإسلام، وأسس حضارة كبرى، وعندما نادى السيد جمال الدين الأفغاني المسلمين في جميع أقطار الأرض إلى النهوض وطرح الخمول والخنوع، دعاهم إلى التعصب للعقيدة، وشرح هذا التعصب بفلسفة واقعية لا غبار في منطقيتها، فقال: إن الحضارة لها أركان وأسس لا تقوم إلا بها، وأهمها أن يكون هناك شعب يتمسك بعقيدة ذات مبادئ إنسانية وأخلاقية ـ ويؤمن بأنها أصح العقائد وأسلمها. إنها فلسفة القوة، القوة في الاعتقاد، وفي الثقة بالنفس، وفي الإحساس بالمسؤولية. ولكن هذا الاعتزاز ليس معناه قهر العقائد الأخرى، أو الكيد لأصحابها، فلقد مرت حقا عهود الغزو والحروب الدينية بقصد فرض عقيدة على العالمين، ولكن بقي أيضا مبدأ الدفاع عن النفس والمعتقد كأهم المبادئ الدينية والقانونية والاجتماعية لدى جميع الشعوب. فلا مجال إذا للشك في أن العقيدة الإسلامية نفسها لا تكيد ولا تحمل كراهية للشعب الإسرائيلي، ولا للشعوب الأجنبية الأخرى، نعم إنها تستنكر عبادة الأوثان والإلحاد كنقائص بشرية، ولكنها لا تحمل في طياتها أية كراهية لأهل الديانات السماوية على الخصوص.
وهكذا نرى أن التعصب للعقيدة عندنا ليس معناه كراهية اليهود أو أي جنس آخر، لكن هذا لا يمنع أن على المسلمين حق الدفاع عن هذه العقيدة نفسها إذا ما مست في أحد مقدساتها، أي شيء أهم من الأرض والوطن إذا طردت منها العقيدة؟.
إن العرب عندما يكرهون اليهود في الواقع لا ينظرون إليهم كبشر يحملون عقيدة دينية معينة، فلقد حدث أن عاش اليهود ولا يزالون بدينهم وتقاليدهم في جميع الأصقاع العربية والإسلامية، وعلى مر التاريخ دون أن يمسوا في عقيدتهم أو في أبسط حقوقهم، على العكس مما وقع لهم في أوربا، ولقد لوحظ حتى في أشد فترات الصراع بين الصهيونية والعرب، إن بعض البلاد العربية استقلت وألحت بالخصوص على التصريح العلني بحفظ حقوق اليهود كمواطنين، بينما نجد أن العناصر المسيطرة في إسرائيل إنما هي عناصر أروبية، قدمت إلى الشرق العربي تحت عناوين مختلفة وأشكال متباينة أهمها تلك الوسائل الماحقة التي استعملت في اضطهادهم وكراهيتهم من طرف شعوب أروبا المتحضرة.
إن هناك كتابا غربيين آخرين من دعاة الأفكار الإنسانية، من عالجوا بدقة أسس ونتائج كراهية شعوب أروبا للعنصر السامي في ذات اليهود الذين يعيشون بينهم، وعندما حاول الكاتب الفرنسي جان بول سارتر أن يضع حلا لفكرة معاداة السامية (antisémitisme) بفرنسا وجد أن ليس هناك في الواقع أي مشكل يهودي، إنما هناك فقط مشكل فرنسي يتعلق بكراهية اليهود، ولم يجد هنا حلا إلا بإدماج اليهودي في الفرنسي وتحقيق فكرة « انطباق » الذاتية على العنصرية معا، أو فكرة الشبه المطلق بينهما.
لكن الذي حققه الأروبيون هو فكرة الفصل المطلق للجنس اليهودي عن الكيان الأروبي بأسره، وباعتبار الإسلام هو العدو الأكبر للمسيحية، وأن العالم العربي هو هدف الغرب الأولى في الخطط الاستعمارية الكبرى، فقد أجمعت العبقريات الأروبية في العالم القديم والجديد معا، على تطبيق فكرة الوطن الأصلي لليهود، وإسكانهم في أعز قطعة من بلا العرب.
إن هذه العبقرية الاستعمارية، هي نفسها التي دعت كتابا عديدين، وعلى رأسهم السيد « سرويا » أن يرشدوا العرب إلى إسرائيل، إلى ذلك العنصر الحيوي الفعال الذي يجب عليهم أن يمدوا له اليد، لأنه سيحقق لهم الخير ويعيد معهم سابق مجدهم الغابر في الشرق.
إنه منطق ساخر بلا شك.
وهذه السخرية لم يتوصل إليها هذا الكاتب باعتباره فردا عاديا، بل كناطق باسم عالم بأسره، ناطق يحكي تلك الأصوات المنبعثة من « البيوت » العظمى التي تسيطر على السياسة الدولية فيما بين الشاطئ الغربي والشاطئ الشمالي الشرقي للمحيط الأطلسي أو كما يسميه العرب بحر « الظلمات ».
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here