islamaumaroc

اشتراكية الإسلام

  دعوة الحق

56 العدد

روى البخاري عن المعرور قال : لقيت أبا ذر بالربدة وعليه حلة وعلى غلامه حلة. فسألته عن ذلك. فقال : إني سأبيت رجلا فعيرته بأمه، فقال لي النبي «ص» : يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم » رواه البخاري في كتاب « الإيمان »
روى هذا الحديث أيضا مسلم عن المعرور وغيره من طرق متعددة، وكذا رواه أبو داود والترمذي واختلفت الروايات في بعض عبارات الحديث، وسنعرض لها في حينها.
قوله : « لقيت أبا ذر بالربدة » الربدة موضع بين المدينة والبادية، بينه وبين المدينة ثلاث مراحل، قوله: « وعليه حلة وعلى غلامه حلة » الحلة في الأصل ثوبان من جنس واحد، وظاهر حديثنا يدل على أن كلا منهما كان يلبس ثوبا واحدا، إذ جاء فيها « رأيت عليه بردا وعلى غلامه بردا »، فقال « لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة » ومثل هذا ما جاء في رواية مسلم « فقلنا يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة » وكذلك جاء في رواية أبي داود: « فقال القوم : يا أبا ذر لو أخذت الذي عند غلامك فجعلته مع الذي عليك لكانت حلة » وحينئذ يجب التوفيق بين هذه الروايات والرواية الأولى للبخاري، وذلك يتأتى بأنه أطلق في حديثنا الحلة على الثوب الواحد من باب إطلاق الكل على الجزء تجوزا، كإطلاق الأصابع على الأنامل، « يجعلون أصابعهم في آذانهم » فالحديث بظاهره يدل على أن ما كان يلبسه الغلام من جنس ما يلبسه أبو ذر، لأن الحال التي كان عليها أبو ذر وغلامه استلفتت نظر القوم، لأنها كانت غير مألوفة لهم، فأجابهم أبو ذر بما يدل على أنه اتبع في ذلك نص الحديث وفيه: « وليلبسه مما يلبس » أي من جنسه.
وقوله : « فسألته عن ذلك » يراد منه أنه سأله عن سبب إلباسه الغلام من جنس ما يلبس، لا عن شيء آخر كنوع الملبوس أو وصفه، وباقي الحديث يدل على أن هذا هو المراد، وإنما سأله عن هذا السبب، لأن ذلك كان غير المألوف من عادات الناس في ذلك الحين إذ كان من عادتهم أن تكون ثياب المملوك دون ثياب سيده.
قوله : « إني ساببت رجلا... إلخ » ليس في هذه العبارة ما يدل على كنه الرجل الذي سابه أبو ذر، أعظيم هو أم حقير؟ سيد أم عبد؟ أو خادم ليس بعبد؟ ولكن آخر الحديث ظاهر في أنه كان من الخدم، والخدم أكثر ما كانوا من العبيد، وذلك قوله « إخوانكم خولكم » ورواية أبي داود تدل على أن هذا الخادم كان عبدا، إذ جاء فيها « فشكاني إلى الرسول «ص»، فقال يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية » قال « إنهم إخوانكم فضلكم الله عليهم فمن لا يلائمكم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله »، فقوله « فبيعوه » يدل على أنه كان عبدا، وقد قال صاحب (منهج الراغبين): « الذي نعرفه أنه بلال » وقد زاد مسلم في رواية فقال : « ساببت رجلا من إخواني » أي إخوان أبي ذر، وهذا يشعر بأن الرجل كان عظيما، وليس بخادم، وعلى هذا تكون رواية البخاري جاءت مطلقة، ورواية مسلم قيدت الرجل بأنه من إخوانه، أو تكون رواية مسلم في ظاهرها متعارضة مع رواية أبي دواد، لما أشعرت به رواية مسلم من عظمة الرجل، وما نصت عليه رواية أبي داود من أنه كان عبدا، غير أن هذا الظاهر من التناقض يذهب متى علمنا أن الرسول «ص» قال : « إخوانكم خولكم » في كل من رواية مسلم وأبي داود وغيرهما، فقد بين أن العبيد إخوان السادة، إذ لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى « إن أكرمكم عند الله أتقاكم » وقد نبه الله إلى ذلك بقوله : « إنما المؤمنون إخوة »، ولم يفرق بين سيد وخادم في ذلك.. 
قوله : « سابت رجلا » معناه : وقعت بيني وبينه مسابة أي شاتمته، والمسابة مأخوذة من السب، فالمسابة فيها مقاطعة بين المتسابين أو قطع للمسبوب عن اللحاق بمن سبه، ولفظ الحديث يدل على أن السب قد حصل من الجانبين أخذا من المفاعلة، وقد صرحت رواية مسلم بما يفيد هذا، إذ جاء فيها.. « قال أعيرته بأمه؟ » فقلت : من سب الرجال سبوا أباه وأمه ».
قوله : « أعيرته بأمه؟ أي نسبته إلى العار بسبب أمه، وذلك لأنه قال له : « يا ابن السوداء »، كما يدل عليه ما جاء في رواية مسلم، قال : أعيرته بأمه؟ فقلت : « من سب الرجال سبوا أباه وأمه » فقوله « وأمه » يشعر بأنه زاد بتعييره بأمه، لو كان التعيير غير زائد على السب لقال : « من سب الرجال سبوه ».
قوله : « أعيرته بأمه؟ » قول للرسول عليه السلام، وظاهر أنه استفهام إنكاري، ولهذا قال الرسول عليه السلام، عقب هذا الإنكار : « إنك امرؤ فيك جاهلية »، ولم يتبين من حديثنا ما إذا كان الرسول كان سامعا لهذا السب فتلكم بناء على ذلك مع أبي ذر، أم بلغه فقال ما قال، ولكن رواية أبي داود تبين وجه المسألة، إذ جاء فيها فعيرته بأمه فشكاني إلى رسول الله «ص» فقال : يا أبا ذر... إلخ.
قوله : « فيك جاهلية » أصل الجاهلية، الفترة قبل الإسلام، ولكن المراد هنا فيك خصلة من خصال الجاهلية، فالرسول يزيد على توبيخه في الجملة السابقة بالإفصاح في هذه الجملة عن أن التعيير بالأمهات من الخصال التي تتنافر مع خصال الإسلام، فيكون من قوله « أعيرته بأمه » وقوله : « إنك امرؤ فيك جاهلية » كمال الاتصال، نظرا إلى الثانية جاءت مقررة للمراد منها وإن خالفتها في اللفظ، ومن هنا فصلت عنها ولم تعطف عليها. ونحن إذا استعرضنا خصال الجاهلية التي هي معاصي وجدناها الشرك وما هو دون الشرك مما عده الإسلام من كبائر الذنوب أو صغائرها، ولا جائز أن المراد هنا الشرك ونحوه كالكفر، لأن منزلة أبي ذر رضي الله عنه من الإيمان كانت في الذروة، وليس من المعاصي غير الشرك ما يجعل صاحبه كافرا، اللهم إلا عند الخوارج فإنهم يكفرون ببعض الذنوب ولكن النص القرآني يرد هذا الزعم بقوله : « إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون » فقد اعتبر المعاصي قسمين : أولا : قسم لا يغفره الله وهو الشرك، وثانيا : قسم يغفره إن شاء، وهو ما دون الشرك، ولسنا نريد بالشرك الذي لا يغفر ما لا يعم الكفر، بل المراد منه ما يعمه، ضرورة أن من آمن بالوحدانية وكفر بمحمد «ص» يكون ممن لا يغفر لهم، لقوله التالي في آية أخرى : « إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين أولئك هم شر البرية في نار جهنم خالدين فيها، ».
والظاهر أن هذا التعبير الذي حدث من أبي ذر كان قبل أن يعرف أن هذا محرم، فكانت هذه لا تزال باقية عنده، ويشير إلى هذا ما جاء في رواية البخاري لهذا الحديث في كتاب الأدب : « قلت عله ساعتي هذه تعجب من خفاء هذا الحكم عليه مع كبر سنه.
قوله : « إخوانكم خولكم » الإخوة هنا مجاز عن مطلق القرابة، لأن الكل أولاد آدم، أو مجاز عن أخوة الإسلام، وعلى الأخير يكون المماليك الكفرة تابعين للمماليك المؤمنين في هذا الحكم، قياسا عليهم، أي أنهم يكونون كالمماليك المؤمنين في مستلزمات الأخوة الإسلامية كحسن المعاملة، وإعانتهم فيما يثقل عليهم، « والخول » جمع خايل وهو الراعي، أو الخادم، وكل هؤلاء يقومون بالخدمة، فهم يتخولون شؤون مخدوميهم أي يصلحونها، أخذا من قولهم: خال المال يخوله إذا أصلحه وأحسن القيام عليه، والظاهر من سياق الحديث أنه يريد أن يخبر عن الخول بأنهم إخوان لمخدوميهم فكان مقتضى هذا الظاهر أن يقول : « خولكم إخوانكم » ولكن عدل عن هذا بتقديم الخبر على المبتدأ للاهتمام بالإخوة التي يريد أن يسبغها على هؤلاء الخادمين، وليكون في ذلك إفادة قصر الخول على كونهم إخوانا، أي ليسو إلا إخوانا، وهذا مما يستوجب الإحسان إليهم، وترشيح هذا وصاية بهم بقوله في آخر الحديث: « فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل... إلخ، وكذا قوله : المؤمن أخو المؤمن، سبابه فسوق، وقتاله كفر » فلم يفرق بين الخدم وغيرهم، ولكن كثيرا منا تأخذه العزة بالإثم، فيظن الخدم جنسا دون جنسه، فمثل هؤلاء مخالفون لأصول الدين، التي لو راعيناها لحمتنا من المبادئ الهدامة.
قوله : « جعلهم الله تحت أيديكم » أي أن أيديكم مبسوطة عليهم، هذا مجاز عن قدرة السادة أو تملكهم لعبيدهم. قوله : « فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس » الأصل في الأمر أن يكون لإيجاد المطلوب، لكنهم قالوا.. إن الأمر هنا خرج عن أصله إلى الاستحباب، وسندهم في هذا ما حكوه من الإجماع على ذلك، فيكون المعنى : يستحب أن يطعمه من جنس ما يأكله ويلبسه إلخ.. » ولو أطعمه ما بقوته ولو لم يكن من جنس ما يأكل لكان قد أدى الواجب، وكذا لو ألبسه مما يقيه الحر والبرد وإن لم يكن من جنس ما يلبس. فيكون أبو ذر في عمله متورعا، يأتي بأوسع مما يستلزمه الأمر..
قوله : « لا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتوهم فأعينوهم » التكليف الأمر بما فيه كلفة ومشقة، وليست مطلق المشقة في العمل مما يجعله داخلا تحت النهي الذي هنا، بل الذي يجعله داخلا هو المشقة التي يصعب معها العمل، لذا قال : ما يغلبهم، أي لا تأمروهم أن يقوموا بما يغلبهم وتعجز قدرتهم عن القيام به، ثم استدرك على هذا فقال: « فإن كلفتموهم » أي ما يغلبهم فأعينوهم، أي ساعدوهم على عمله، فمفعول كلفتموهم محذوف، لدلالة ما قبله عليه.
   « ما يستنبط من هذا الحديث »
1 ـ الكف عن سب الخدم أحرارا كانوا أم عبيدا وكذا من يماثلهم في الخدمة من الأجراء الذين قد يحتاج إليهم لأداء عمل ما، فلا يجوز لأحد تعييرهم بشيء من مكروه يعرفه في خاصة أنفسهم أو آبائهم.
2 ـ عدم الترفع على المسلم ولو كان عبدا أو خادما أو نحوهم من الضعفاء، فقد تضافرت الأدلة على التلطف بهم وعدم احتقارهم، ولقد أمر الرسول (ص) نفسه ـ وهو من هو في علو الخلق ـ بخفض الجناح للمؤمنين في قوله تعالى : « واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ».. فإن في ذلك تقوية للوحدة، وتوثيقا للتعاون، ولا صلاح لأمة إلا بذلك.
3 ـ العمل على إطعام الخدم مما يطعم مخدومهم، وإلباسهم مما يلبسون بحيث ترضى نفوسهم، ولا يتولد الحقد في قلوبهم على أسيادهم.
4 ـ عدم تكليفهم ما لا يطيقون من الأعمال، سواء أكانت عدم الطاقة ناشئة من استدامة العمل أو عدم القدرة عليه من الأصل، فإن كلفناهم بذلك وجب علينا إعانتهم، وعلى هذا يكون أرباب الأعمال الذين يستخدمون الإجراء، ويضطرونهم إلى العمل المتواصل ساعات طويلة من الليل، فلا يتركون لإجرائهم من الوقت ما يقضون فيه حوائجهم مخالفين لمقتضى هذا الأمر العظيم..


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here