islamaumaroc

كيف تكون النقد والبلاغة

  دعوة الحق

56 العدد

كثيرا ما نجد في تاريخ التفكير البشري أن مسميات العلوم والفنون وسائر ضروب المعرفة تسبق ـ أسماءها ـ بحقبة من الزمن قد تطول وقد تقصر.. فالنقد والبلاغة كان موجودين قبل أن نسميهما بهذين الإسمين، وتروة الأدب العربي في العصر الذي يسمى بالعصر الجاهلي كانت لا تخلو من نقدات عابرة، يرسلها الجاهليون في محفل أو موسم يرفعون بها من شأن شاعر أو يضعون من أجل قصيدة أو قطعة أو بيت... فهو أشعر أهل المدر.. أو أشعر أهل الوبر.. بل هو أشعر من نطق بالضاد. أحيانا..
وقصة التحكيم في عكاظ بين الشعراء وأحكام هؤلاء (المحكمين) تركت لنا في : طبقات الشعراء لابن سلام، والكامل للمبرد، والأمالي، والأغاني. نقدا أدبيا لكثير من القصائد والمقطعات والأبيات.. فيه ألغث والسمين.. والرخيص والثمين.. وهو في جملته نقد فطري عابر.. ينقد المعاني تارة، واللغة أخرى.. ويرسل الأحكام جزافا من غير مكيال ولا ميزان.. حتى إننا لنبتسم حينما نجدهم يقولون: (أشعر الجاهليين امرؤ القيس إذا ركب.. وزهير إذا رغب.. والنابغة إذا رهب.. والاعشى إذا طرب)

في القرن الأول :
وأشرقت شمس الإسلام على العرب فكانت معجزته الكبرى في القرآن الذي نفذ ببلاغته إلى أعماق النفوس فآمنت إيمانا فطريا، وكان الإعجاز عندها قضية وجدانية مسلمة..
أما الشعر فكان استمرارا للشعر الجاهلي.. خبت ناره في عهد الفتوح الأولى.. ثم استأنف حياته بعد ما ظهرت فيه عدة اتجاهات فيها البدوي الموحش، والحضري المتأنق، والعفيف المصون، والماجن المتهتك..
وكان النقد في هذه الحقبة الأولى شبيها بسلفه في العصر الجاهلي، يحوم حول الشعراء ولا يتعمق، ويطفو فوق الإنتاج ولا يغوص، والأمثلة عندنا كثيرة لهذا النقد في معركة جرير والفزدق والأخطل وما قام حولها. وفي مجالس خلفاء بني أمية في دمشق حيث كان حديث السمر لا يخلو من إنشاد الشعر ونقده والتعليق عليه،  بما يرفع الشاعر لينال الجائزة أو بما يضعه ليكون من المحرومين..
ومن الطريف أن نجد المرأة العربية تسهم في ميدان النقد الأدبي بين الشعراء، فهناك مجالس سكينة بنت الحسين التي كانت تنقد شعراء عصرها، وعائشة بنت طلحة، وعزة، وغيرهن، وقد كان الشعراء يتهيبون سهام الناقدات كما يتهيبون سهام الناقدين..
وأخبار الأحوص، والعرجي، وكثير، وجميل، وعمر بن أبي ربيعة مليئة بكلام النقاد ـ رجالا ونساء ـ وقد احتفظ لنا أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني بكثير من هذا النقد الذي لم يكن في جوهره إلا محاولات تهدف إلى تقويم المعوج من لغة الشاعر.. أو إصلاح خطأ وقع فيه من ناحية المعنى، أو إظهار اقتباس أو سرقة شعرية، والشيء الجديد في هذا العصر هو أنه أصبح للمغنين والمغنيات رأي مسموع في نقد الشعر والشعراء..
في القرن الثاني :
حل القرن الثاني وحل معه التدوين في العلوم الشرعية والأدبية وظهرت طبقة من الرواة واللغويين والنحاة، وأخرى من الشعراء والكتاب وتزاحمت مجالس البصرة، ومحافل الكوفة ثم بغداد بكثير من الذين ضربوا بسهم في الفنون الأدبية من لغة ونحو وشعر، وإلى جانبهم آخرون نصبوا أنفسهم للنقد والاختيار..
ولا ننسى أن القرن الثاني كان عصر انقلاب أدبي في النثر والشعر.. وتجديد وتطور في الفكر وقد طويت في أوائله صفحة الدولة الأموية واتجاهها في الحكم والسياسة.. كما نشرت صفحة الدولة العباسية بنظامها الجديد الذي مكن كثيرا من العناصر من الإسهام في الحياة الفكرية بالإضافة إلى الإسهام في الحياة السياسية..
فبعد ترسل عبد الحميد الذي فسح الطريق أمام ابن المقفع، نجد هذا الأخير يقول وقد سئل عن البلاغة فقال محددا لها: « البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الحديث ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون في الحديث ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل، فعامة ما يكون في هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى، والإيجاز هو البلاغة، فأما الخطب بين السماطين وفي إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل والإطالة في غير إملال، وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته...»
فهذا كلام في النقد له قيمته، بالإضافة إلى هذا الأسلوب (المستعرب) يعطينا صورة عن اتجاه النقاد في ذلك العصر الانتقالي، وقد كتب الجاحظ في البيان والتبيين عن فهم الفارسي، واليوناني، والرومي، والهندي، للبلاغة وقد ـ زعم ـ أنهم سئلوا، ما البلاغة؟ فأجابوا:
ـ الفارسي : معرفة الفصل والوصل
ـ اليوناني، تصحيح الأقسام، واختيار الكلام
ـ الرومي : حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الإطالة..
ـ الهندي : وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة.
أما فهم العرب للبلاغة فقد ـ شاء ـ الجاحظ أن يجعله محاورة بين معاوية بن أبي سفيان.. وصحار العبدي الخطيب العربي الشهير الذي كان من شيعة عثمان وحضر صفين مع معاوية :
معاوية : ما البلاغة فيكم؟
صحار : الإيجاز...
معاوية : ما الإيجاز؟
صحار : أن تجيب فلا تبطئ، وإن تقول فلا تخطيء.
وشعراء القرن الثاني وهم كثيرون : أبو نواس، وبشار، وأبو العتاهية، وغيرهم لا يسلم واحد منهم ـ في عصره ـ من تتبع النقاد الذين ينتقدون لغته، وتعبيره، ووزنه، وسرقته، واقتباسه بالإضافة إلى دينه، وسلوكه، وأخلاقه، ولكن هذا النقد على العموم لا يتعدى الجزئيات والشكليات مما يجعلنا نتأكد أن الفروق بين نقاد هذا القرن وسابقيهم ليست جوهرية في الموضوع.. لأن الانقلاب العباسي أعطى ثمارا فجة في القرن الثاني ظهرت في تعدد الاتجاهات ووفرة الشعراء. وكثرة الكتاب والنقاد، ولم تظهر الثمار الناضجة إلا في القرن الثالث.

في القرن الثالث :
 كان مفتتح هذا القرن مزدانا بخلافة المأمون في السياسة، وفي الجاحظ في الكتابة، وأسلوب المعتزلة في الدين والثقافة، وظهر أبو تمام والبحتري في البداية، وابن الرومي وابن المعتز في النهاية.
وقد نضجت سائر العلوم والفنون ومنها النقد الأدبي فارتأى الجاحظ أن يؤلف كتابه (البيان والنبيين) ليبني النقد الأدبي على أساس من الذوق السليم، وأننا إذ ندرس هذا الكتاب نجد الجاحظ يستعمل ألفاظا اصطلاحية مثل : المجاز، والتشبيه، والازدواج، والاستعارة، والكناية، والأطناب، والإيجاز، والبديع من الواضح أن الجاحظ لا يستعمل هذه المصطلحات فيما تستعمل فيه عند المتأخرين، ولكنه يستعملها استعمالا آخر يقرب من استعمال المتأخرين حينا ويبعد أحيانا..
فنظرية الجاحظ في النقد والبلاغة تنبني قبل كل شيء على الذوق، فهو الحكم في جودة الكلام أو ضعفه، وكلن الجاحظ إلى جانب هذه النظرية نجده مطلعا على آراء الهنود واليونان والفرس في البلاغة، ويظهر ذلك من نقله في كتابه عن (صاحب المنطق) وعن غيره من اليونانيين آراء عديدة في المنطق والبيان، وبذلك يكون الجاحظ وقف عند حده ولم ـ يفلسف ـ النقد الأدبي، ولم يتأثر كثيرا بما ترجم في عصره من آراء في البلاغة والبيان.
ونجد في نهاية القرن عبد الله بن المعتز يؤلف كتابا يسميه ـ البديع ـ جمع فيه سبعة عشر نوعا من فنون الكلام وأساليب التعبير، وواضح أنه لا يقصد البديع الاصطلاحي، وإنما يقصد البلاغة والنقد فنجد من أنواع البديع عنده التشبيه والاستعارة وهما في الاصطلاح من مباحث علم البيان..

في القرن الرابع:
أطل القرن الرابع والنقد الأدبي يرفع رأسه بين الفنون الأدبية متكاملا ناضجا يحتل بين الكتاب والشعراء والمؤلفين مكانا مرموقا، فالكل يعلم أن ثمار هذا الفن ظهرت يانعة عند ابن هلال العسكري في كتابه (الصناعتين)، وعند الجرجاني في كتابه (الوساطة) بين المتنبي وخصومه، وعند الآمدي في كتابه (الموازنة بين البحتري وأبي تمام)
ولكن طريقة هؤلاء كانت تعتمد قبل كل شيء على وزن الإنتاج الأدبي بالميزان الذي يرتضيه الذوق العربي والتفكير والتعبير، وكل واحد من هؤلاء المؤلفين النقاد كان يرمي إلى هدف واحد وهو أن يكون الشاعر أو الكاتب ذا حاسة فنية تجعله يراعي الذوق السليم في تركيب الجمل والوصف والتشبيه والاستعارة وغيرها.
وإلى جانب هؤلاء ظهرت طريقة أخرى وهي طريقة قدامة بن جعفر المتأثر بالثقافة اليونانية والتفكير اليوناني في البلاغة والنقد.. فقد ألف هذا الناقد كتابين هما (نقد الشعر) و(نقد النثر) والبون شاسع بين هذين الكتابين وبين كتب العسكري والأمدي والجرجاني...
فطريقة قدامة أقرب إلى العقل بينما طريقة سابقيه أقرب إلى الذوق.. فبينما نجد قدامة يستعمل منطق أرسطو، نجد سابقيه يستعملون الذوق الفني والميزان الوجداني..
ومن الإنصاف أن نقول أن أصحاب المنطق أفسدو الذوق الأدبي عند كثير من الشعراء والكتاب فجردوا الشعر من الجمال بينما لا معنى للشعر بدون جمال.. ولعلنا سنتمكن من الحديث عن جوانب من هذا الموضوع في المستقبل بحول الله.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here