islamaumaroc

شجاعة المرأة في الإسلام وجرأتها الأدبية

  دعوة الحق

56 العدد

تجري الأمم على دستور طبيعي وضعه الباري لجميع ما خلق، وبمقتضى هذا الدستور تمر الجماعات، كما تمر الأفراد، في أدوار الطفولة والشباب والشيخوخة، وتزور المقابر أو ما هو بمعناها. ثم إذا بعثت حية بعد الانحلال قائما تبعث بروح جديدة لتمر في هذه الأدوار كرة أخرى.
وقد كان العرب في الأزمان الغابرة أمة ذات حضارة وشأن أدركت، بعد عظمتها، الشيخوخة في الجاهلية، وأشرفت على الهلاك فإذا بالإسلام يبعثها حية، وإذا به يجمع شتاتها، ويقوم أخلاقها، ويجعلها جديرة بأن تخفق أعلامها، مدة أجيال، في ربوع العالم، وتأتيه بحضارة هي من خير الحضارات كانت في سلسلة الحضارة الإنسانية حلقة اتصال ربطت بين ما سلف من مدنيات وما خلف.
ومن سنن الدستور الطبيعي أيضا أن الأمة التي تحلق في سماء التقدم والرقي ترتفع في الجملة وكأنها طائرة إذا حلقت في الفضاء لا يتخلف شيء من جهازها في الأرض. وعلى هذه القاعدة فإن الإسلام ما إن كان حافزا للعرب للوثوب وثبتهم الأولى حتى خلق فيهم روحا جديدة بدت آثارها ظاهرة في أوساط رجالهم ونسائهم على السواء.
فالإسلام إذ جعل النساء شقائق الرجال أكسب المرأة صفات لا عهد لها بها في العصر الجاهلي، صفات كانت حافزة لها للمساهمة في تحمل أعباء ذلك الانقلاب الاجتماعي الكبير الذي اضطلع به العرب من أجل إعلاء كلمة الله.
وحين عجزت الحجة، وعجزت الدعوة بالحسنى طوال ثلاث عشر سنة قضاها محمد (ص) في يثرب يستعين بهما لهدي المشركين، وأصر هؤلاء على المكابرة كان لابد للرسول أن يخاطبهم، منذ استقر في المدينة، باللسان الذي لا يفهمون سواه فانتضى السيف. ولكن السيف لا ينفع إذا لم ترافقه الشجاعة والإيمان، فإذا بهاتين الخلتين الطيبتين تبرزان إلى جانب السيف ويتحلى بهما النساء مثل الرجال. وإذا بالمرأة تبرز إلى الميدان، وتبدي في عهد الرسول وخلفائه، من الشجاعة والبسالة والتضحية مالا عهد لأمة به في التاريخ.
لقد لقي السيد المسيح نصيرات عطفن عليه، والتففن حوله، أما سيدنا محمد فإلى ذلك وجد من النساء الشجاعات اللواتي خضن المعارك معه واشتركن في الفتوحات من بعده، واللواتي كان لهن رأيهن المستقل حينما اختلف المسلمون على الخلافة.
ففي عهد النبي (ص) نذكر أم عطية، وأم عمارة وذلك على سبيل المثال لا على سبيل الحصر. فأم عطية شهدت مع الرسول سبع غزوات، أبلت فيها بلاء حسنا. وأما أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية فاشتركت في غزوة أحد، وبيعة الرضوان، ويوم اليمامة، وكانت تقاتل في تلك المعركة مع ابنها عبد الله حتى قطعت يدها، وجرحت اثنا عشر جرحا. أما موقفها الباسل في غزوة أحد فكان إكليل غار توجت به رؤوس بنات جنسها. فلما تناولت سيوف المشركين أصحاب النبي فولوا الأدبار كانت بين العشرة الذين وقفوا يدافعون عنه، فانتضت سيفها، وذهبت تصول وتجول بين يدي الرسول حتى كانت من أظهر القوم أثرا، وأعظمهم في نجاته.
وقد رآها الرسول يومئذ تعصب جرحا ينزف دما في ذراع ابنها عمارة، فما انتهت منه حتى دفعته للكفاح. ويرمقها الرسول بنظرة حانية قائلا لها : « ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة »؟
ثم لما نهد المسلمون في عهد الخلفاء الراشدين لافتتاح الأمصار فيما وراء جزيرة العرب مبتدئين بالشام كان بعض نسائهم يرافقنهم في تلك الفتوحات.
 أما الشجاعة التي أبدتها المسلمات في تلك الحروب فنترك للمؤرخ أدوار جيبون الحديث عنها. فقد نوه بها في كتابه « تاريخ الامبراطورية الشرقية » وهو الكتاب الذي يتكلم عن الامبراطورية البيزنطية وقال :
« إن الشجاعة التي أعربت عنها المرأة المسلمة في موقعة اليرموك، وفي غضون حصار دمشق لأعظم مما يتناوله التاريخ.»
وإذا كان لابد من إيراد ذكر واحدة من بطلات هذه المعارك التي كانت بقيادة سيف من سيوف الإسلام المسلولة خالد بن الوليد فحسبنا التنويه بخولة بنت الأزور. وقد تحدث عنها الواقدي في كتابه فتوح الشام حديثا لا عهد للتاريخ بمثال له.
وأما في حرب العراق فكانت خزامة بنت خالد بن الوليد بن جعفر بن قرط، في جيش سعيد بن أبي وقاص، كابنة الأزور في جيش ابن الوليد. فقد حضرت، فيما حضرت، فتح الحيرة، وأبرزت فيها من الشجاعة ما لا يوصف.
وما كانت أم الحرام الرميصاء بنت ملحان، أقل منها شجاعة في جيش الأمير معاوية بن أبي سفيان، فقد ركبت البحر معه، يوم كان ركوبه كدود على عود، ومضت لفتح قبرص حتى كان البر لم يعد متسعا لجهادها، واستشهدت في عهد هذا الفتح، ودفنت في مدينتنا بيروت.
ثم لما عصفت أعاصير الخلاف بين المسلمين الأوائل من وراء النزعات القبلية القديمة لم تحد المرأة عنها، بل خاضت الصراع مثل الرجل، وقاتلت دفاعا عن رأيها، فكان فريق من النساء حزبا للإمام علي، وفريق آخر مناوئا له، وعلى رأسه عائشة أم المؤمنين.
والسيدة عائشة لم تكن في عداد الذين عارضوا خلافة علي بن أبي طالب فحسب، بل قادت جيشا بنفسها لقتاله. وأن التاريخ ليذكر مواقفها الباسلة في وقعة الجمل وهي لا تفتأ تثير الحماس في نفوس أجنادها، وتحضهم على الثبات رغم إصابة الجمل الذي كان يقل هودجها.
وما السيدة عائشة إلا واحدة من النساء الكثيرات اللواتي اشتركن في ذلك الصراع الداخلي : فئة منهن كانت من أنصار الخليفة علي بن أبي طالب، وفئة أخرى كانت من أنصار السيدة عائشة الهاشمية والأمويين. والفئتان لم تتنافسا على صعيد الرأي والاجتهاد فحسب، بل ساهمنا في الحروب التي نشبت حول تأييد هذا الرأي، أو ذاك الاجتهاد.
وهناك فريدة في الشجاعة ظهرت في صدر العصر الأموي يجدر بي أن لا أنساها في معرض التنويه بشجاعة مسلمات ذلك العهد الذي كان نارا ونورا، وأعني بها غزالة الحرورية زوج شبيب بن زيد قائد الخوارج. فقد كانت وبعلها يتعاقبان على قيادة الجيش بشجاعة لا مثيل لها.
من منا لا يسمع بالحجاج الثقفي الذي خاطب العراقيين الثائرين بقوله :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
       متى أضع العمامة تعرفوني؟
لقد هزمت غزالة هذا الجبار المشهور ببطشه. وما هزمته لكثرة عصابتها بالنسبة لأجناد الدولة، وإنما بالشجاعة التي أبدتها في تلك المعركة حيث شكته بسنانها بين كتفيه فهلع قلبه، وولى الأدبار. وقد عيره بذلك عمران بن حطان إذ لج الحجاج في طلبه وقال:
أسد علي وفي الحروب نعامة
         فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الضحى
         بل كان قلبك في جناحي طائر
صدعت غزالة قلبه بعساكر
         تركت كتائبه كأمس الدابر
الشجاعة الأدبية
في العصر الذهبي تبرز الفضائل عند الأمم بكثرة حتى يزاحم بعضها بعضا. ومن هنا لم يكن نساء العرب في صدر الإسلام شجاعات فحسب، بل إلى جانب شجاعتهن، واعتمادهن على أنفسهن، كن متحليات بخلال أخرى حميدة، وعلى رأسها الشجاعة الأدبية.
إن موقف تلك المرأة في المسجد حينما أراد عمر بن الخطاب تحديد مهور النساء كان مثالا حيا على هذه الشجاعة الأدبية. عمر بن الخطاب أمير المؤمنين المهاب لا تتورع امرأة عن معارضته والقول له :
« بماذا يحل لك هذا والله يقول : « وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا » على أن الروعة كانت أبلغ حينما أنصت لها الخليفة، ثم قال :
« امرأة أصابت، ورجل أخطأ. »
وهذا الحوار الذي جرى بين عمر بن الخطاب وبين تلك المرأة العجوز لم يدل على شدة الجرأة الأدبية فحسب، بل كان، في نفس الوقت، يدل على شدة الجرأة الأدبية فحسب، بل كان، في نفس الوقت، يدل على أثر الإسلام في تهذيب الأخلاق. فعمر رضي الله عنه كان، قبل الخلافة، على شدة في الأخلاق ترهبها الناس، فإذا به، بعد إسلامه فتوليه الخلافة، يشتهر بالتواضع والتقشف والرحمة بالمؤمنين.
هذا وكان من المفروض أن تسد النوافذ أمام الجرأة الأدبية بعد أن صارت الخلافة ملكا عضودا، ولكن أصالة البداوة في الأمويين بالإضافة إلى حلم معاوية بن أبي سفيان أمد في أجلها. وفي الجزء الأول من العقد الفريد لابن عبد ربه وغيره أمثلة كثيرة عليها. وحسبنا أن نقرأ فيه أخبار الوافدات تباعا على معاوية من نصيرات الإمام على، كاروى بنت عبد المطلب، وسودة بنت عمارة، وأم سنان بنت جشمة، ودرامية الحجونية لنرى الدليل أثر الدليل على توفر تلك الجرأة بين نساء ذلك العصر.
على أن حلم معاوية وسع أيضا اللواتي حملن السيوف في صف علي، وقاتلنه كالزرقاء بنت عدي، وأم الخير بنت حريش. فلما استتب له الأمر استقدمهما إليه، وحاورهما فكان حواره معهما مثالا حيا على الجرأة النسائية، وعلى الوفاء.
استقدم، معاوية الزرقاء عزيزة مكرمة، فرحب بها، وهش لها، وقال :
« كيف حالك يا خالدة، وكيف رأيت مسيرك؟ » قالت « خير مسير كأني كنت ربيبة بيت، أو طفلا ممهدا » قال : « بذلك أمرتهم. فهل تعلمين لم بعثت إليك؟ » قالت « سبحان الله أنى لي بعلم ما لم أعلم؟ » قال « بعثت إليك لأسألك. ألست راكبة الجمل الأحمر بصفين بين الصفين توقدين الحرب، وتحثين على القتال؟ فما حملك على ذلك؟ » قالت يا أمير المؤمنين « إنه مات الرأس، وبتر الذنب، والدهر ذو غير، ومن تذكر أبصر. والأمر يحدث بعده الأمر. » قال لها صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفين؟ » قالت « ما أحفظه » قال « ولكني والله أحفظه. لله أبوك لقد سمعتك تقولين (وذكر مقالتها)، ثم قال « والله يا زرقاء لقد شركت عليا في كل دم سفكه. » فقالت « أحسن الله بشارتك، يا أمير المؤمنين، وأدام سلامتك، مثلك من بشر بالخير وسر جليسه. » قال : « وقد سرك ذلك؟ » قالت « نعم لقد سرني قولك، فإني بصديق الفعل؟ » قال « والله لوفاؤكم له بعد موته أحب إلي من حبكم له في حياته؟ اذكري ما حاجتك؟ » قالت « يا أمير أعلنت عليه شيئا أبدا، ومثلك أعطى من غير مسألة، وجاد من غير طلب. » قال : « صدقتك » فأقطعها ضيعة غلتها في أول سنة عشرة آلاف درهم، وردها والذين معها مكرمين. وقد مات معاوية بعد ذلك، ولكن الجرأة الأدبية لم تمت بموته، ولاسيما في شبه جزيرة العرب. ذلك بأن شمائلها وليدة الزمان، ولا يقضى عليها إلا من كرور الزمان. وعلى رغم ما استفاض من أنباء شدة عبد الملك بن مروان القائل في أحدى خطبه :
« والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه. »
وعلى رغم محاولته إخفات صوت الجرأة الأدبية فإن محاورته مع عزة كثير، وبثينة جميل تشير إلى عجزه عن إخفات صوت الحرية في جزيرة العرب.
روى ابن حجة الحموي في كتابه « ثمرات الأوراق » هذا الحوار فقال :
« دخلت عليه بثينة وعزة فانحرف إلى عزة وقال « أنت عزة كثير؟ » فقالت « لست لكثير بعزة، ولكني أم بكر ». قال، وقد أراد التلميح بسلو محبها لها، « أو تروين قول كثير؟ »
وقد زعمت أني تغيرت بعدها ومن ذا الذي يا عز لا يتغير؟
فأجابته، وهي تريد إنكار ذلك على عشيقها، والتنويه بشغفه بها، « لست أروي هذا، ولكنني أروي قوله:
« كأني أنادي أو أكلم صخرة
                من الصم أو تمشي بها العصم زلت »
ثم انحرف عبد الملك إلى بثينة وقال : « أنت بثينة جميل؟ » قالت « نعم يا أمير المؤمنين » قال : « ما الذي رأى فيك جميل حتى لهج بذكرك بين نساء العالمين؟ » قالت : « الذي رأى الناس فيك فجعلوك خليفتهم. »
فضحك عبد الملك حتى بدا له ضرس أسود، ولم ير قبل ذلك، وفضلها على عزة بالجائزة. ولكن لكل بداية نهاية. فهذه الشمائل، التي حملها العرب معهم من شبه جزيرتهم إلى أنحاء العالم، لم تلبث أن اصطدمت بالأخلاق الأخرى الأعجمية، وانتهى التفاعل بينها وبينهن إلى غلبة الكثرة على القلة. ثم تبخرت بعد أن دالت دولة العرب، وأمسوا وقتئذ رعية للأعاجم. « وتلك الأيام نداولها بين الناس. »

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here