islamaumaroc

الحصاد الرائع... ومسرحية "المرأة المتوحشة"

  دعوة الحق

56 العدد

الحصاد الرائع
أتحفتنا صفحة الأدب لجريدة الأهرام بتقرير ضاف عن منجزات الآداب والفنون والثقافة في الجمهورية العربية المتحدة خلال سنة 1962، وكل من يقرأ هذا التقرير لا يملك إلا أن يصفق إعجابا وتقديرا للأعمال الجبارة التي حققها الأدباء والفنانون بالتعاون مع وزارة الثقافة. والتقرير يكشف عن ظاهرتين هامتين :
1) حيوية المثقفين والأدباء بالجمهورية العربية المتحدة : يشهد على ذلك المعركة التي دارت حول فن نجيب محفوظ بمناسبة صدور روايته « اللص والكلاب »، فقد ناقش النقاد من خلالها الأسلوب الفني لنجيب محفوظ والمدرسة التي ينتسب إليها..
والمعركة الثانية كان محورها الأدب القومي والأدب الإنساني، وهل يتحتم عقد اتصال منظم بمختلف المذاهب والمدارس الفكرية في العالم، أم يكتفي باستيحاء الشخصية العربية وتنميتها؟.
ومن خلال المناقشات أجمع معظم المفكرين على أن متابعة تطورات الفكر الإنساني ضرورة حتمية لكل نمو سليم.
ونشبت معركة أخرى عن أزمة النقد في الأدب العربي، أثارها فريق ممن يلاحظون انعدام الإخلاص عند النقاد، وانحرافهم عن جادة الصواب.. وكانت هناك مبارزات بين أنصار الشعر التقليدي والشعر الحديث.. وكل هذه المعارك المثمرة تشهد على حيوية الفكر العربي في الجمهورية، وتحفزه لتعميق الأبعاد، وتأصيل التجربة.
2) جدوى التخطيطات الثقافية :
رغم أن الثقافة تتميز بكونها تعبيرا حرا عن نشاطات الأفراد في المجتمع، وتصويرا لإحساساتهم وردود فعلهم إزاء مختلف المظاهر الحضارية، فإن وضع التخطيطات من أجل ازدهارها ـ وبخاصة في الشعوب النامية ـ يعد لبنة أساسية تمهد الطريق لتحقيق وثبات راسخة البنيان. إلا أن التخطيط الثقافي يجب ألا يستهدف خدمة أغراض سياسية عاجلة، بل يجب أن يتوخى بلورة الشخصية القومية، وفتح آفاق النمو السليم أمامها..
ومن خلال عرض بعض مشروعات وزارة الثقافة بالجمهورية العربية، يتبين لنا مدى فعالية هذه المساعدة، فقد تقرر وضع « دائرة معارف الفكر الإنساني » تشمل الفكر الديني، والفلسفي، والقانوني، والاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، والعلمي، والأدبي، والفني، وشكلت لجن من المختصين لتنفيذ المشروع، كما أنها أصدرت سلاسل ثقافية ناجحة مثل سلسلة روائع المسرح العالمي، وأعلام العرب، وسلسلة الكتب الثقافية...
وإلى جانب ما تقدم هناك مجلس الفنون والأداب، وهناك المهرجانات الثقافية والمؤتمرات، والنهضة المسرحية، والرنامج الثاني للإذاعة الذي أسهم بنصيب وافر في تقديم روائع المسرح العالمي، والموسيقى الكلاسيكية إن هذا السيل من المشروعات والمنجزات، والعدد الضخم من الكتب والمجلات التي أصدرتها القاهرة خلال السنة الفارطة، يقيم الدليل الواضح على المكانة الرفيعة التي أصبحت الثقافة تحتلها في المجتمع العربي. ولا شك أن هذه المرحلة بما تتوخاه من تنظيم وتخطيط ومسايرة للمذهب الاشتراكي العربي، هي أفضل بكثير من مرحلة ترك الحبل على الغارب، وإهمال الأدباء والمفكرين.. فالثقافة  بمفهومها الواسع صرح عظيم لا يكفي المجهود الشخصي لبنائه، وبخاصة في عصر سريع التطور، مرتفع الوعي..
وقد لاحظ التقرير بحق، أن اشتمال « الميثاق » على أسس الثقافة والعلوم والفنون والأدب في المجتمع، رفع من معنوية المثقفين، وأشعرهم بخطورة الدور الملقى على عاتقهم.. وهو دور إيجابي، يتحتم أن يحتفظ، دائما باستقلاله وتلقائيته، كما جاء في الميثاق:
« حرية الكلمة هي التعبير عن حرية الفكر في أي صورة من صوره، كذلك فإن حرية الصحافة هي أبرز مظاهر حرية الكلمة ويجب أن تتوافر لها كل الضمانات.. »
وأريد أن أسجل ملاحظة أوحت لي بها قراءة التقرير، وهي أن عناصر الأدباء الشباب المتوفرين على ثقافة متحررة متطورة، لم يتبوأ بعد المكانة التي يجب أن تفسح لهم للمشاركة في بناء صرح الثقافة الجديدة.. وما تزال هناك عناصر من محترفي الأدب، تظاهرت بالتطور والاستعداد لتقبل المفاهيم الحديثة، مع أن رواسب ثقافتها وتكوينها يعوقانها عن السير بالسرعة اللازمة.. ولعل الأمر يتوقف على عنصر الزمن، حتى تستطيع العناصر المثقفة الشابة أن تضاعف من زحفها، لاستلام زمام القيادة، وترجمة أفكار الجيل العربي الصاعد..

...وحصادنا
وحصادنا صفر على اليسار كما يقولون.. عدد الكتب التي صدرت هذه السنة يعد على الأصابع.. موضوعاتها ليست من الأهمية في شيء.. وعدد المسرحيات قليل، ومستواها لا يرتفع إلى المستوى الفني والفكري المطلوب.. والموسيقى طغت عليها المناسبات، والفنون التشكيلية منعدمة، والرسم يسير ببطء.. صورة قاتمة ولكنها واقعية.. وكل خطوطها تؤكد أن الثقافة لم تحتل بعد المكانة اللائقة من قلوبنا وعقولنا.. ولم تفرض رسالتها في التوجيه والخلق.. ومن ثم هذا التخلخل في الكيان القومي، والقلق والغموض في المشاعر الفردية.. فنحن شعب يعيش عالة على الإنتاج الثقافي للدول الأخرى.. نقرأ للأوربيين والروسيين والأمريكيين، ولإخواننا العرب، ولكننا لا نعثر على أدب يعكس صورة مجتمعنا، ويساعدنا على فهم ذواتنا.. هناك نشاط ثقافي إذا تجاوزنا في استعمال اللفظة، ولكنه نشاط متهافت، سريع، فلما يخلف أثرا عميقا.. وكلنا شاعرون بالأزمة، وأكثرنا من التحدث عن أسبابها وظروفها.. ولكننا لم نقم بعد بأي عمل منظم لإذابة الجليد.. فلا غرابة أن يكون حصادنا الثقافي لهذه السنة هزيلا.. وأخشى أن يظل كذلك إلى ما شاء الله..

مسرحية المرأة المتوحشة أو مخاض شعب
تعرض حاليا بباريس مسرحية « المرأة المتوحشة » للأديب الجزائري « كاتب ياسين ».. والحديث عن هذه المسرحية يستلزم وقفة طويلة عند هذا الكاتب الغني: فهو ينتسب إلى « جيل المأساة » من أبناء الجزائر.. لم يلتحق بالمدرسة إلا في سن متأخرة، ولم يتلق دراسة منظمة، بل اضطر إلى الانغمار في عباب المجتمع ليكسب قوته، ثم هاجر إلى فرنسا حيث تفاعل مع الحركة التقدمية، واختمرت في نفسه « المأساة » فأخذ يبحث عن شكل أدبي يسجل من خلاله مشاهدته وتجاوبه مع المعركة..
وفي البداية نظم « كاتب ياسين » الشعر، ولكنه سرعان ما تخلى عنه مؤقتا ليكتب رواية بعنوان « نجمة ». وهذه الرواية أثارت انتباه النقاد إلى موهبته، ونزوعه الابتكاري، فكتبوا عنها مقالات تحليلية ضافية، وأجمعوا على أن « نجمة » لا تخضع للنمط الروائي المعروف، بل هي بحث عن تكنيك قصصي جديد يجمع بين الشعر والنثر، وبين الواقعية والرمز..
ولكن الطاقة الشعرية لكاتب ياسين لا تلبث أن تلح عليه، فيعود ليفسح لها المجال في شكل جديد هو القالب المسرحي.. فقد كتب مسرحية « الجثة المحاصرة » Le cadavre encerclé مثلت على بعض المسارح في بلجيكا وفرنسا.. والظاهرة اللافتة في إنتاج هذا الأديب هو أن موضوعاته جميعها تنبع من« الجزائر المأساة » في عفوية فنية لا تترك مجالا لطرح الأسئلة النقدية التقليدية : هل يتحتم على الأديب أن يلتزم؟ أم تعطى له حرية الاختيار؟ إلخ.. فقد وجد وسط المعركة، ومن معينها استقى إطاره وأفكاره متحملا كل المسؤوليات المنوطة بالفنان من حيث توفير الشكل وإنمكانيات التعبير.. ويحدد « كاتب ياسين » مشكلة الشاعر قائلا :
« إن مأساة الشاعر تكمن في أن يوجد مرتبطا بخدمة معركة ثورية، وهو الذي لا يستطيع ولا يجب، أن ينتج من وحي مظاهر يوم واحد.. إن الشاعر هو الثورة في وضعها العاري، وهو الحركة ذاتها للحياة في انفجار مستمر.. »
ولكن هذا التعارض بين ذاتية الفنان وروح الجماعة، يمكن التغلب عليه إذا ما عرف الأديب كيف يصنع من فنه مزمارا يعزف « ألحان المجموع » في غنائية لا تخلو من ذاتية متميزة..
والواقع أن « كاتب ياسين » حقق هذا الهدف في مسرحيته الأخيرة « المرأة المتوحشة »، فموضوعها مستقى من ملحمة الثورة الجزائرية، بما فيها من تضحية ودماء ومآسي وشكلها شعري، ملغم بالإيحاءات والتوترات الخصبة.. ربما لا تعثر في المسرحية على قصة مليئة بالحوادث، وإنما هي صورة مسطحة تجمع لحظات مكثفة مشحونة بالانفجارات.. انفجارات رصاص وقنابل الثوار، وانفجارات المشاعر العنيفة في قلوب المشاهدين.. حقا كم كان الثمن باهظا ذلك الذي بذله أبناء الجزائر لاسترجاع كرامتهم!.
لنستمع إلى حد أبطال « المرأة المتوحشة » يردد في مرارة وصدق :
ـ « .. لكن الآن تغير كل شيء.. لم يبق لنا  إلا أن نتحمل العبء. لعل هذا عدل، لأننا كنا نريد أن نقتص بدم الأبرياء.. أن قنابلنا تمزقنا.. ولعل هذا عدل.. لكن ليس لنا أن نختار الوسائل، لأن الواحد منا يقاتل ألفا.. »
إن « كاتب ياسيين » لا يهتم بأن يجذب القارئ أو المشاهد، عن طريق أحداث مترابطة.. بل يكتفي بأن يعرض شخصيات متمايزة لكل منها أبعادها وردود فعلها..
هناك المجاهدون، ونجمة المرأة التي تبحث عن كرامتها المداسة عبر المعركة الثورية.. و « مارك » صاحب البار.. ومرغريت التي تتعاون مع الثوار لأنها آمنت بعدالة قضيتهم.. هذا هو الإطار.. ومن خلال الحوار، وتدخلات الجوقة، نشرف على أغوار هذه الشخصيات التي تعكس لنا فترة حاسمة من حياة شعب الجزائر..
ولا جدال في أن البناء المسرحي « للمرأة المتوحشة » يستحق دراسة نقدية مفصلة لإظهار خصائص هذا الأسلوب الشعري الغنائي، وامتزاجه بالحدث المختار، للتعبير عن « أفكار خطيرة ». ذلك أن « الأفكار الخطيرة » كثيرا ما تحول العمل الفني إلى منبر للخطابة والدعاية الوقتية إذا لم تتح لها رؤية فنية عميقة.. وقد استطاع « كاتب ياسين » أن يحقق لمسرحيته كل عناصر النجاح... وهو يستعد بعد تمثيلها في باريس، أن يعرضها في نفس المكان الذي جرت فيه حوادث المسرحية بالجزائر.. فهل يمكن أن يحظى المغرب بمشاهدة هذه الرائعة المسرحية؟
ذلك ما نأمل أن يتنبه إليه المسؤولون عن المسرح في بلادنا..

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here