islamaumaroc

موقف الغزالي من تحديد النسل

  دعوة الحق

56 العدد

توزعت عصر الغزالي مشكلات سياسية واجتماعية وفكرية مشتبكة كثيرة نجد أصداءها في كتبه يعالجها متجمعة أو متفرقة كما تتجمع أو تنتشر الأزاهير بألوانها المختلفة في الحقول الواسعة.
وغاية بحثنا هذا أن نبين موقفه تجاه مشكلة ديمغرافية خاصة هي قضية النسل وإباحة ضبطه في بعض الأحوال رغبة في علاج جانب من مسألة أصبحت في العصر الحاضر من مسائل علم السكان الكبيرة مقتبسين تفهم هذا العلاج من تاريخ ثقافتنا العربية التليدة الواسعة.


ولأجل هذا نشير في البداية بخطوط سريعة إلى جوانب من الحركة الديمغرافية للشعب العربي في صدر الإسلام ثم تظهر آراء الغزالي في الذرية مجيئها أو تحاميها معتمدين خاصة على ما جاء في كتابه المشهور « إحياء علوم الدين ».
لقد مر العرب في بداية حضارتهم الإسلامية بمرحلة كانوا فيها كثيري النسل والأولاد. وفي تاريخ الأدب العربي إشارات متعددة إلى ذلك أوردناها في كتابنا « في علم السكان » (1).
وقد انتبه القدماء إلى أهمية النسل من الوجهة القومية وكافأ الحكام كثرة الأولاد. ولعل من أطرف الروايات التي تشف عن ذلك ما جاء في كتاب الأغاني في أخبار الشاعر الراجز أبي النجم. قيل : « كان عند عبد الملك بن مروان، ويقال عند سليمان بن عبد الملك يوما وعنده جماعة من الشعراء وكان أبو النجم فيهم والفرزدق وجارية واقفة على رأس عبد الملك أو سليمان تذب عنه، فقال : من صبحني بقصيدة يفتخر بها وصدق في فخره فله هذه الجارية. فقاموا على ذلك، ثم قالوا: إن أبا النجم يغلبنا بمقطعاته يعنون الرجز. قال : فإني لا أقول إلا قصيدة فقال من ليلته قصيدته التي فخر فيها وهي :
علق الهوى بحبائل الشعثاء....
       ثم أصبح ودخل عليه ومعه الشعراء فأنشده
حتى بلغ إلى قوله :
منا الذي ربع الجيوش لظهره
           عشرون وهو يعد في الأحياء
فقال عبد الملك : قف إن كنت صادقا في هذا البيت فلا نريد ما وراءه،
فقال الفرزدق : وأنا أعرف منه ستة عشر ومن ولد ولده أربعة كلهم قد ربع. فقال عبد الملك أو سليمان ولد ولده هم ولده، أدفع إليه الجارية يا غلام فغلبهم يومئذ (2) ».
ولكن حياة المسلمين قد تبدلت تبدلا كبيرا بعد إذ أصبحوا سادة الأرض والمشرفين على خيراتها ومواردها فتعقدت شؤونهم واستسلم بعضهم للترف وأكثر من اللهو والمجون وانصرف بعضهم عن الزواج واكتفى بالإماء واختلطوا بالشعوب الأخرى اختلاطا شديدا.
نستدل على ذلك بما راج في كتب الأدب من الأقوال التي تشيد بقيمة الإماء وتنوه بفضلهن على الحرائر : « من أراد قلة المؤونة، وخفة النفقة وحسن الخدمة وارتفاع الحشمة فعليه بالإماء دون الحرائر »، وكذلك « عجبت لمن استمتع بالسراري كيف يتزوج بالحرائر ». ويروى عن مسلمة بن عبد الملك أنه قال : « إني لا عجب من ثلاثة : من رجل قصر شعره ثم عاد فأطاله أو شمر ثوبه ثم عاد فأسلبه أو تمتع بالسراري ثم عاد إلى المهيرات ».
وازداد الأمر تفاقما في دولة بني العباس. ولقد غالي هارون الرشيد في إيثار الجواري وتقريبهن، وكان معظم أولاده أبناء إماء وأكثر الخلفاء العباسيين أمهاتهم أمهات ولد.
وإيثار الإماء والسراري وتعقد الحياة الاجتماعية والاقتصادية رافقهما عزوف عن النسل، ونشأت دعوات متشائمة تحذر من النسل وترغب عنه.
يقول الشاعر المولى أبو العتاهية :
لدوا للموق وابنوا للخراب
     فكلكم يصير إلى ذهاب
وينوه الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري بتحاميه الزواج وبسلامته من عدواه :
تواصل حبل النسل من عهد آدم
       إلي فلم توصل بلامي باء
ويذهب إلى أبعد من ذلك فيعد النسل جناية يجنيها الوالد على الولد في بيته المشهور :
هذا جناة أبي علي
      وما جنيت على أحد (3)
وينصح للذين لا يطيقون تحامي الزواج أن يؤثروا العقيمات من النساء:
إذا شئت يوما وصلة بقرينة
       فخير نساء العالمين عقيمها
إلى غير ذلك من أشعار أخرى كثيرة.
ولا شك أن تلك الدعوات المتشائمة صدى من أصداء تعقد الحياة الاجتماعية وصعوبة الكسب ومشكلات التربية.
ويشف عن ذلك أيضا قول ابن الجوزي الذي ولد في القرن السادس الهجري بعد وفاة الغزالي بثلاث سنين وذلك في كتابه « صيد الخاطر » : « وإن تزوج جاء الأولاد فمنعوه اللذة وانكسر في نفسه وافتقر إلى الكسب عليهم (4). وكذلك قوله : « والابن إن مرض ذاب الفؤاد وإن خرج عن حد الصلاح زاد الأسف وإن كان عدوا فمراده هلاك الأب ثم إن تم المراد فذكر فراقه يذيب القلوب (5) ».
ويلوح أن ضبط النسل قد بدأ في بغداد قبل البلاد العربية الأخرى يدل على ذلك هذه النادرة التي نجدها في (يتيمة الدهر) بين أخبار أبي بكر الموسوس المعروف بسيبويه وذلك في القرن الرابع الهجري. فقد قال يوما للمصريين : « يا أهل مصر! أصحابنا البغداديون أحزم منكم لا يقولون باتخاذ الولد حتى يقتنوا له العقد والعدد فهم أبدا يكنزون ولا يقولون بإظهار الغنى في موضع عرفوا فيه بالفقر فهم أبدا يسافرون».
فلا غرو إذا أصبح تحامي النسل قضية ينتبه لها المفكرون ويعالجونها ويبينون شرائط جوازها.
ولقد كان الباحثون يمسون ذلك بوجه عام أو يشيرون إلى فوائد الزواج وآفاته ويوضحون الأسباب التي تحمل على إيثار العزبة. فأبو طالب المكي مثلا في كتابه المشهور « قوت القلوب » وهو الكتاب الذي كثيرا ما يعتمد عليه أبو حامد الغزالي في كتابه « الإحياء » وينقل أخبارا وأحاديث وفقرات منه يظهر مزايا الزواج ومزايا العزبة دون أن يتناول قضية ضبط النسل.
هذا ربما غدت حاجة ضبط النسل ماسة في عصر الغزالي وغذا بحثها شائعا ولا سيما من جهة تكاليف تربية الأولاد ونفقات العيال وتعذر طرق الكسب. وفي كتب الغزالي إشارات متفرقة إلى قضايا الكسب وشؤون التربية.
مؤلف « الإحياء » من الذين إذا نظروا في قضية من القضايا انتبهوا إلى جوانبها المتقابلة وحدودها المتناقضة فعرضوا تلك الجوانب وأوضحوا تلك الحدود ليطلع القارئ على جهة السلب وجهة الإيجاب في كل رأي ونظر وليحيط علما بتلك التقابلات والتناقضات فيكون على بينة من موقفه الذي يتخذه وفي جلية من حكمه الذي يصدره ولكيلا يفوته أمر من تلك الأمور التي تدخل في نطاق القضية التي يعالجها ويبحث فيها :
وربما كان هذا هو السبب الذي من أجله اتصف الغزالي أنه قد يعرض من حجج الذين يريد الرد عليهم ما لم يخطر لهم ببال. وليس ذلك مأخذا بل تلك ميزة في ميدان الفكر الذي ينشط بالاستناد إلى الحدود المتغايرة وبنمو ويتقدم باصطراع العناصر المتضادة.
إن مثل هذا الاتجاه طبيعي في شخصية الغزالي وأصيل لديه. وقد ظهر في سلوكه بشكل أزمة حادة عند ما فكر وهو في أوج شهرته ومجده العلمي ببغداد أن يترك المدرسة النظامية ويعتزل التدريس ويسلك طريق الصوفية ويجرب تجربتهم. فكانت تتلامح أمام فكرته جوانب السلب والإيجاب والنفي والإثبات شديدة متعارضة كأقوى ما يكون التعارض مصطرعة كأعنف ما يكون الاصطراع ملحة كأطول ما يكون الإلحاح إذ قد استمرت تلك الأزمة نحوا من ستة شهور حتى أفضى ذلك به إلى المرض ولم ينقذه منه إلا عزمه على اختبار التجربة الصوفية ومعاناتها.
شخصية الغزالي بهذا الاعتبار يبدو الفكر الجدلي من أعمق خصائصها ويتصل بهذا الفكر ما يتصل من ذكاء متوقد تثيره المتناقضات ومن تشوف يستند إلى التوفيق بين تلك الحدود المتغايرة ومن تفهم عميق فاحص للأمور ومن رفق يتناسب مع هذا التفهم ومن إخلاص عميق يتوطد عند اختيار الموقف الذي يقفه تنضاف إلى ذلك عاطفة مشبوبة بالتقوى المثبضرة والإيمان المتيقظ مخضلة بصدق الانفعال مشربة بحب الخير تتجلى في أسلوبه الحي المتوثب النابض القوي.
وربما كان ذلك كله سببا في نجاحه الكبير الذي صادفه في التدريس إذ كان بهذا الاتجاه المتشعب ينقع غلة مريديه وطلابه ويمنع ميولهم الفكرية المختلفة وطبائعهم المتفاوتة. فقد « أعجب الخلق حسن كلامه وكمال فضله وفصاحة لسانه ونكته الدقيقة وإشاراته اللطيفة وأحبوه (6) »
على أنه في ذلك كان كأنما يمتاح من معين ينبجس من قلبه أو كأنما يقتبس من شرار ينقدح في نفسه على حد استعماله المتكرر للفظ الانقداح. وإنما كان ذلك مصدر حدس فطر عليه واشتهر به منذ أن كان طالبا فقد كان أستاذه الجويني إمام الحرمين يقول فيه : « الحدسيات للغزالي (7) » ويقول فيه أيضا : « بحر مفدق » (8) ولهذا كله يتعصب علينا هنا في هذا البحث الموجز أن نفصل جميع الآراء التي يعرضها حجة الإسلام في بحث الزواج والنسل وإنما نقتصر منها على ما يمس الرغبة في مجيء الأولاد أو تحاميهم.
يشيد المؤلف بمكانة الأولاد في بحث فوائد الزواج التي يلخصها ويحصيها أولا ثم يشرحها، فيجدها خمسا وهي : الولد ثم يأتي كسر الشهوة وتدبير المنزل وكثرة العشيرة ومجاهدة النفس بالقيام عليهن » فهو يضع الذرية في ذروة هذه الفوائد.
فالولد هو الأصل، وله وضع الزواج. « والمقصود إبقاء النسل وألا يخلو العالم من جنس الإنس » فالميل باعث مستحث « كالتلطف بالطير في بث الحب الذي يشتهيه ليساق إلى الشبكة »، إذا اقتضت الحكمة الإلهية ترتيب المسبات على الأسباب في هذا الشكل مع إمكان الاستغناء عنها. وعند التأمل نجد في السلالة « قربة من أربعة أوجه : الأول موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان والثاني طلب محبة رسول الله (ص) في تكثير من به مباهاته والثالث طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده والرابع طلب الشفاعة بمولد الولد الصغير إذا مات قبله ».
ويشرح المؤلف الأوجه الأربعة ولا شك أن الوجه الأولى أهمها وأدقها وأقواها. وذلك أن امتناع النسل بعدم الزواج تعطيل للحكمة الأزلية المدرجة في الكون وإفساد للفطرة المقصودة. « ولذلك عظم الشرع الأمر في القتل للأولاد وفي الوأد لأنه منع لتمان الوجود ,وإليه إشار من قال : الغزل أحد الوادين ».
وقد يرد أنه إذا كان بقاء النسل والنفس محبوبا فإن فناءهما مكروه، وقد قدر تعالى الموت والحياة « فكلاهما بمشيئة الله وهو غني عن العالمين فمن أين يتميز عنده موتهم عن حياتهم أو بقاؤهم عن فنائهم؟ » فالجواب عندئذ أن « المحبة والكراهة يتضادان وكلاهما لا يضادان الإرادة فرب مراد مكروه ورب مراد محبوب فالمعاصي مكروهة وهي مع الكراهة مرادة والطاعات مرادة وهي مع كونها مرادة محبوبة ومرضية. أما الكفر والشر فلا تقول : إنه مرضي ومحبوب بل هو مـــراد ».
أما الوجوه الباقية فيوضحها المؤلف معتمدا على ما ورد في ذلك من أحاديث متفاوتة في درجات إسنادها. ومن المناسب هنا أن نبين موقف الفقهاء ومنهم الغزالي من وفيات الأطفال. فهم يرون أن الولد إذا مات وهو صغير كان شفيعا لأبويه فهو ذخر يقدم وفرط يفترط على حد التعبيرات المتداولة عندهم، ولاشك أن في ذلك تسلية وعزاء للآباء والأمهات إذ كانت وفيات أطفالهم تحز في نفوسهم، وقد أدرك المفكرون كثرة هذه الوفيات بالنسبة إلى بقية مراحل العمر وعجبوا لهذا التلف الذاهب سدى يصيب هؤلاء المواليد الذين إنما ولدوا لأجل الحياة والتعمير. قال أبو العلاء المعري مشيرا إلى ذلك:
وأعمار الذين قضوا صغارا
       كأثواب بلين وما لبسته
ولم يكن علم السكان متقدما لبيان أن القسم الأكبر من هذه الوفيات إنما تأتي من أسباب اجتماعية خارجية وأن نصيبا ضئيلا منها إنما يرجع إلى أسباب داخلية تكوينية. وإنما مثل هذا التفصيل أدى إليه تقدم الإحصاء الذي خول قياس كل نوع من نوعي الوفيات وضبطه في السنوات الأخيرة من العصر الحاضر.
ويعود الغزالي إلى شرح بقية فوائد الزواج فيذكر « التحصن عن الشيطان وكسر التوقان ». وهنا « ليس يجوز أن يقال المقصود اللذة والولد لازم منها كما يلزم مثلا قضاء الحاجة من الأكل وليس مقصودا في ذاته بل الولد هو المقصود بالفطرة والحكمة، والشهوة باعثة عليه ».
على أن لذة الدنيا يصح أن تعتبر دالة على لذة الآخرة و « منبهة على اللذات الموعودة في الجنان إذ الترغيب في لذة لم يجد لها ذواقا لا ينفع... وإحدى فوائد لذات الدنيا الرغبة في دوامها في الجنة ليكون باعثا على عبادة الله ».
ثم يذكر « ترويح النفس وإيناسها بالمجالسة والنظر والملاعبة إراحة القلب وتقوية له على العبادة » ثم يورد « تفريغ القلب عن تدبير المنزل والتكفل بشغل الطبخ والكنس والفرش وتنظيف الأواني وتهيئة أسباب المعيشة » ثم تأتي « مجاهدة النفس ورياضتها بالرعاية والولاية والقيام بحقوق الأهل والصبر على أخلاقهن واحتمال الأذى منهن والسعي في إصلاحهن وإرشادهن إلى طريق الدين والاجتهاد في كسب الحلال لأجلهن والقيام بتربيته لأولاده. فكل هذه الأعمال عظيمة الفضل فإنها رعاية وولاية والأهل والولد رعية وفضل الرعاية عظيم ».
ونرى أنه أغفل في الإيضاح كثرة العشير وقد ذكرها عندما أجمل في البداية فوائد الزواج فذكر بدلا منها ترويح النفس وإيناسها بالمجالسة والنظر ولم يشر هو ولا شارحه الزبيدي إلى هذا الإغفال.
ثم هو يذكر جريا مع اتجاه تفكيره الولادة في جملة « الخصال المطيبة للعيش التي لا بد من مراعاتها في المرأة ليدوم العقد وتتوفر مقاصده » أي « أن تكون المرأة ولودا فإن عرفت بالعقر فليمتنع عن تزوجها، قال عليه السلام (عليكم بالولود الودود) فإن لم يكن لها زوج ولم يعرف حالها فيراعي صحتها وشبابها فإنها تكون ولودا في الغالب مع هذين الوصفين » (9)
ما قدمناه يؤلف العناصر الإيجابية الدافعة إلى الرغبة في الذرية. ومن المعلوم أن الإسلام في طليعة الأديان التي تحث على الزواج والإنسال. هذا وعندنا أن إباحة تعدد الزوجات في بعض الشروط تدخل في العناصر الإيجابية لتكثير النسل. ونتفهم هذا بسهولة إذا انتبهنا إلى أرباء عدد النساء على الرجال في صدر الإسلام بسبب شهداء المجاهدين، الذين فتحوا جوانب الأرض، وكذلك ورث المسلمون الأوائل ما خلفته جاهليتهم من آثار التقاتل والتفاني بين القبائل إذ كانت الحروب والغارات سجالا بينهم ولا شك أن آثارها كانت مشؤومة على الذكور ولا يمكن أن يعدلها وأد البنات الذي كان محدودا وإنما عرف عند قليل من القبائل فحسب.
ولقد كان الفقهاء في تعليمهم ومؤلفاتهم لا يتحرجون من معالجة ما نسميه في العصر الحاضر بالتربية الجنسية التي راجت عند بعض المجتمعات العربية المتقدمة. والذي يطالع كتب الفقهاء والمفكرين يدرك إلى أي مدى كانوا ينبهون إلى مختلف تلك الأمور تعبدا من جهة ورغبة في توفير أسباب السعادة للأزواج جميعا لأن الدين إنما أتى لصالح الناس ولإسعادهم في الدارين وكانوا ينتهون في ذلك إلى أدق التوجيهات.
وتبدو تلك الكتب الغنية الخصيبة ينابيع غزيرة لضروب متنوعة من البحث والتفكير فهي إلى جانب صفتها الفقهية والدينية تضم ألوانا أنيقة من التفكير الأخلاقي وحقولا زاهية من التفكير النفسي وأضاميم رشيقة من التفكير الاجتماعي، ولا تتخلى زيادة على ذلك كله عن الانتباهات الفيزيولوجية والديمغرافية، فإنه لا حياء في معالجة أمور الدين. ولقد تبع الفقه الإسلامي المرء في جميع أموره الدنيوية وحاجاته ومآربه ومصالحه ورسم له احتمالات من السلوك وخططا عامة تعينه في تصرفه فضلا عن أموره الأخروية. ولا غرو فإن الدنيا سبيل الآخرة، وميدان العمل الذي يؤدي إلى الخلاص والنجاة « وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ».
ولا عجب بعد ذلك كله أن نجد الفقهاء قد تعرضوا لقضية ضبط النسل في صدد بحوثهم فيما دعوناه « التربية الجنسية ». ويذكر الغزالي في كلامه على آداب الزواج « ألا يعزل »، ولاشك أن البحوث الفيزيزلوجية وغيرها تشير إلى طرق شتى في ضبط النسل بعضها طبيعي يتصل بزمن عقم المرأة في غضون دورة الطمث به إليها العالم الياباني أوجينو وبعضها كيميوي أو آلي متعدد الأشكال. وإذا بحث الغزالي أو أمثاله هذه القضية فذكروا العزل فإننا نستطيع أن نغلب جوانب الإباحة أو الكراهة على جميع تلك الطرق إذ كانت أخف وطأة منه وأقل إيذاء ولا سيما طريقة أوجينو. نتعمد شيئا من هذا التفصيل لأن موقف
 الكنيسة الكاثوليكية في العصر الحاضر أصبحت تفرق بين تلك الطرق وتبيح اتباع طريقة أوجيينو بعد ذلك كله.
وعندما يتناول الغزالي هذا البحث يشير إلى اختلاف العلماء في الإباحة والكراهة « على أربعة مذاهب فمن مبيح مطلقا حال ومن محرم بكل حال ومن قائل يحل برضاها ولا يحل برضاها وكأن هذا القائل يحرم الإيذاء دون العزل ومن قائل يباح في المملوكة دون الحسرة ».
والصحيح في رأي الغزالي الذي هو أكثر تسمحا في هذا الشأن من غيره أن ذلك مباح. وإذا حصلت الكراهة في بعض الأحيان فإنها « كما يقال يكره للقاعد في المسجد أن يقعد فارغا لا يشتغل بذكر أو صلاة ويكره للحاضر في مكة مقيما بها ألا يحج كل سنة والمراد هذه الكراهة ترك الأولى والفضيلة فقط، وهذا ثابت لما بيناه من الفضيلة في الولد ».
وهكذا يفرق الغزالي بين درجات الكراهية: كراهية التحريم وكراهية التنزيه وكراهية ترك الأولى والفضيلة مثل جمهور كبير من الفقهاء.
ثم يتناول المؤلف الفقيه النية الباعثة عليه. وهنا لابد من أن نشير إلى أن الحكم المتعلق بالسراري والإماء قد زالت فائدته بزوال موضوعه. ولقد كان اتجاه الإسلام متشوقا نحو تحرير الرق عامة فالأحكام المختلفة المتعلقة به أصبحت لها الصفة التاريخية فحسب. أما الحكم المتعلق في هذا الشأن بالزوجات فإنه يدل على بلهنية الحضارة إذ ذاك من جهة وعلى التفكير في استبقاء جمال الزوجة إذ يذكر صاحب الإحياء المرأة وسمنها لدوام التمتع واستبقاء حياتها خوفا من خطر الطلق وهذا أيضا ليس منهيا عنه ».
وكذلك من جملة النيات « أن تمتنع المرأة لتغزرها ومبالغتها في النظافة والتحرز من الطلق والنفاس والرضاع... فيكون القصد هو الفاسد دون منع الولادة ».
وأيضا من جملة النيات « الخوف من الأولاد الإناث لما يعتقد في تزويجهن من المعرة كما كان من عادة العرب في قتلهم الإناث فهذه نية فاسدة ». يأثم المرء لو ترك بسببها الزواج وكذلك الأمر في تحامي مجيء الأولاد.
ثم إن ضبط النسل في ذلك الوقت يدل على تصعب أسباب الرزق في تلك الحياة المشتبكة الوجوه المعقدة المداخل بحيث لا يضمن المرء دائما الكسب الحلال وذلك كما يحصل في العصر الحاضر في المدن الكبيرة إذ يغدو الولد عبئا اقتصاديا على الأهل.
ولا عجب إذا رأينا الغزالي في كثير من كتبه يشير إلى قضايا الكسب وينبه على آداب المعاش ويشير إلى اختلال توزيع الثروة في بعض الأحيان. وقد نشأت في ظلال الدولة العباسية حركات سياسية متعددة كانت تثور أو تعلن في جملة مطالبها السعي إلى تحسين الأمور الاقتصادية وعدالة توزيعها. يذكر الغزالي في كتابه « فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية » صفحة من هذا الإضطراب عند بيان صحة إمامة المستظهر والتنويه بمزاياه وكفايته فيقول : « ولما استأثر الله بروح الإمام المقتدي وأمنع كافة الخلق بالإمامة الزاهرة المستظهرية وقد وافق وفاته أحداق العساكر بمدينة السلام وازدحام أصناف الجند على حافاتها والزمان زمان الفترة والدنيا طافحة بالمحسن متموجة بالفتن والسيوف مسلولة في أقطار الأرض والاضطراب عام في سائر البلاد لا يسكن فيها أوار الحرب ولا تنفك عن الطعن والضرب وامتدت أطماع الجند إلى الذخائر فغروا أفواههم وكان يتداعى إلى تغيير الضمائر وثورة الأحقاد والضغائن.. » (10)
ويعمد الغزالي بعد قليل في الكتاب عينه إلى بيان أصناف الأموال المنصبة في خزائن الخلافة وجهات صرفها وما يذكره في هذا السبيل يمكن أن يعتبر من الوثائق التاريخية التي تسجل الحياة الاقتصادية في ذلك العهد (11).
وكذلك يتناول المؤلف غب الفراغ من فصول آداب الزاج في « إحيائه » بحث آداب الكسب والمعاش وهو يشف عن بعض صور الأخذ والعطاء والبيوع والتجارة في ذلك الوقت بالإضافة إلى ما يذكر غيره.
ويلوح أن الحياة الاقتصادية قد تعقدت في ذلك العصر بحيث أصبح فريق من الناس يتعذر عليهم إعالة
 أنفسهم أو أهليهم، ونجد المؤلف الورع يعمد في مواضيع متفرقة من كتاب « الإحياء » فيشير إلى ذلك ولا عجب هنا في مجال الكلام على ضبط النسل أن يذكر أيضا في جملة النيات الباعثة عليه إذ كانت الأولاد تقتضي نفقات لا بأس بها فيورد « الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد والإحتراز من الحاجة إلى التعب ودخول مداخل السوء. وهذا أيضا غير منهي عنه فإن قلة الحرج معين على الدين ». ولكنه لا يلبث أن يضيف : « نعم الكمال والفضل في التوكل والثقة بضمان الله حيث قال (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها). ولا جرم فيه سقوط عن ذروة الكمال وترك الأفضل ولكن النظر إلى العواقب وحفظ المال وادخاره مع كونه مناقضا للتوكل لا نقول أنه منهي عنه » (12)
والخلاصة أن الغزالي في بحثه للزواج ولآدابه إنما يسلك مسلك أغلبية فقهاء الشافعية مضيفا إلى ذلك اعتبارات فكرية لطيفة تظهر جهات السلب والإيجاب وتوضح تغاير الحدود وتفاوت النظر. ومن المعلوم أن الزواج عند الشافعية من الشهوات لا من القربات.
فالتخلي للعبادة لغير التائق للزواج عندهم أفضل من الزواج. وهو بهذا الاعتبار ليس عبادة على حين اشتهر عن الحنفية أنه عبادة.
أما أهمية النسل فتبدو في كونه الغاية الأولى من الزواج وهو مقصد الفطرة وتحقيق حكمة التكوين.
ومع ذلك فإن قضية تحديده وضبطه اشتد فيها تشتت الآراء. وأكثر تلك الآراء تجعل إباحته متعلقة بإذن الزوجة في بعض الأحوال. ويحرم بعض فقهاء الشافعية أمثال العز بن عبد السلام على المرأة استعمال دواء مانع للحمل.
هذا ومن المناسب ههنا أن نشير إلى موقف الإمام ابن حزم الظاهري. فهو في كتابه « المحلى » (13) يعتبر الزواج فريضة على القادر. وكذلك يمنع ضبط النسل مطلقا.. وكأنه يحكم حياته في الأندلس كان يريد أن تكثر أولاد العرب بأي وجه تلقاء قوم آخرين كانوا أشد ازديادا. وقد يكون من الطريف إنشاء دراسات دقيقة في المستقبل حول الإطار الاجتماعي لتلك المذاهب الفقهية الفكرية التي لم ترد فيها نصوص قاطعة وحول تلك المواقف الاجتهادية للأئمة على نسق ما نجد في العصر الحاضر من دراسات متشعبة حول الصفة الاجتماعية للثقافة.
وإذا أردنا أن نترجم الآن مذاهب الفقهاء والمفكرين المسلمين في مصطلحات العصر الحاضر فإننا نرى أن الفقه الإسلامي بوجه عام ينظر من الوجهة الاجتماعية والاقتصادية إلى النظرية المالتوسية على أنها باطلة تخالف روح الإسلام واتجاهه العام ولا سيما قوله تعالى : « وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها » وكذلك فحوى قوله تعالى : « ولا تقتلوا أولاد كم وإياهم كم خشية إملاق نحن نرزق » وهي تخالف ما ورد في الحديث عن معنى تحديد النسل : « ذلك الواد الخفي » فالإسلام يتفق في هذا الموقف مع النظرة الاشتراكية الحديثة التي تسعى إلى تنظيم الاقتصاد بحسب السكان لا إلى تنظيم السكان حسب الاقتصاد.
ثم إننا في ميادين المذاهب الفقهية الإسلامية نجد بعض المفكرين متسمحين أمثال الغزالي فهو يعتبر القضية من الوجهة الشخصية فقط فيبيح تحديد النسل عند رغبة الأبوين فيه لأسباب متعددة ولكن إباحته تبقى متصفة بالكراهية التي هي ترك الأولى وترك فضيلة لا كراهية التحريم، كما نجد بعض المفكرين متشددين حين يقتصرون على النظر إلى الناحية الاجتماعية الصرف أمثال ابن حزم.
إسمحوا لي في الختام وقد أطلت عليكم أن استطرد فاذكر جانبا من تنكيت الغزالي وإشاراته اللطيفة وهي ربما كانت سببا من الأسباب الكثيرة التي أدت إلى نجاحه في تدريسه وفي تأليفه كما ذكر ذلك السبكي في كلمته المتقدمة في مستهل هذا الحديث وتبدو في نكاته وإشاراته هذه ثقافته العربية الواسعة.
فهو في بحث آداب الزواج يورد من عادات النساء العربيات أنهن كن « يعلمن بناتهن اختبار الأزواج وكانت المرأة تقول لابنتها اختبري زوجك قبل الإقدام عليه والجرأة عليه انزعي زج رمحه فإن سكت فقطعي اللحم على ترسه فإن سكت فكسري العظام بسيفه فإن سكت فاجعلي الأكاف على ظهره وامتطيه فإنه حمارك ».
ولكنه يورد أيضا وصية أسماء بن خارجة الفزاري لابنته عند التزوج وهي مشهورة متداولة يحسن أن تكون دستورا لكل زوجة : « إنك خرجت من العش الذي فيه درجت فصرت إلى فراش لم تعرفيه وقرين لم تأليفه. فكوني له أرضا يكن لك سماء وكوني له مهادا يكن لك عمادا وكوني له أمة يكن لك عبدا لا تلحفي به فيقلاك، ولا تباعدي عنه فينساك، إن دنا فاقربي منه وإن نأى فأبعدي عنه واحفظي أنفه وسمعه وعينه فلا يشمن منك إلا طيبا ولا يسمع إلا حسنا ولا ينظر إلا جميلا ».



(1) طبعة 1959 من صفحة 32 إلى 38 ومن 37 إلى 51.
(2) مطبعة التقدم ج 9 ص 75.
(3) الرواية المشهورة جناه وكلتاهما صحيح.
(4) طبع الخانجي ص 177.
(5) ص 397.
(6) طبقات الشافية ج 4 ص 104.
(7) المرجع نفسه ص 106.
(8) المرجع نفسه ص 103.
(9) حديث معقل بن يسار : تزوجوا الودود الولود
(10) ص 71، 72 .
(11) 73، 74، 75. وكانت أموال الخليفة تشمل المستغلات وهي أموال موروثة له وأموال الجزية وأموال التركات لا وارث لها كانت تنصب في بيت المال وأموال الخراج المأخوذة من أرض العراق وهي من عبادان إلى الموصل طولا ومن القداسية إلى حلوان عرضا وهي التي وقفها عمر بن الخطاب على المسلمين ليكون خراجها منصبا إلى بيت المال ومصالح المسلمين.
أما مصاريف تلك الأموال فيجمعها الغزالي في أربع جهات 1 ـ المرتزقة من جند الإسلام 2 ـ علماء الذين وفقهاء المسلمين 3 ـ محاويج الخلق الذين قصرت بهم ضرورة الحال وطوارق الزمان عن اكتساب قدر الكفاية 4 ـ المصالح العامة من عمارة الرباطات والقناطر والمساجد والمدارس.
(12) يذكر ابن قدامة الحنبلي في تسويغ ضبط النسل « أن يكون لحاجة مثل أن يكون في دار الحرب » المغني ج 7 ص 23.
(13)ج 10 ص 70.
   

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here