islamaumaroc

قبل فوات الأوان

  دعوة الحق

56 العدد

إن من طبيعة الجماهير أن تنقاد وأن تبحث عن قيادة تسير وراءها، ولم تخل أمة من الأمم من قيادة حتى الأمم المنحطة البدائية، تلك سنة الله في خلقه، وقيمة الأمة في قيادتها الفكرية، ولقد كانت القيادة في العصور القديمة بسيطة لبساطة الحياة، كما كانت تعتمد أكثر على القوة الجسمية لأن الصراع كان أقوى في ميدان السنان والحروب، غير أن التطورات الإنسانية أصبحت تفرض على القيادة في العصر الحاضر أن تتسلح بسلاح الفكرة، ذلك السلاح الذي أصبحت تعتمده الدول العظمى لغزو الشعوب الضعيفة، مستغلة فراغها الفكري وبلبلتها الروحية، مستهدفة من وراء ذلك تكوين مستعمرين جدد يؤمنون بعبودية جديدة للاستعمار وبشرعية استغلاله وبأهمية قيادته وبسرمدية تفوقه، وتكون لهم ـ أي للمستعمرين بفتح الميم ـ قدرة ونشاط على العمل لإرضاء السادة كما تجهز لهم ثقافة مختارة محددة لا تسمح لهم بالشعور بكرامة أمتهم ولا تحملهم على الحنين لأمجاد ماضيهم، بل إنها تقطع الصلة بينهم وبين تاريخهم وبين أسلافهم إلا من ثقافة محلية زورها الاستعمار وشحنها بالأكاذيب، وزيف حقائقها وقلب وقائعها وصور للوطنيين تاريخهم على نحو يحملهم على التنكر له والاشمئزاز منه والفرار من عاره وهكذا يستسلمون لأحضان ثقافة سيدهم التي هي نسيج من الأضاليل وتزييف الحقائق حيث تجعل من الرذائل صورا رائعة من الفضائل، وتسطو على كل مفخرة من مفاخر الإنسانية وتنسبها لنفسها، غير أن المهم من هذا، هو تكوين قيادة مزيفة، ولكن مؤمنة بأهداف الاستعمار الثقافي، وهكذا تبتلى الأمم الضعيفة بطراز سخيف وخطير من القيادات يجهل مبادئ الاجتماع وحقائق التاريخ، ويحاول أن يجعل من أمته أمة إن لم تكن شبيهة بتلك التي لقنته ثقافتها المجهزة، فعلى الأقل أن تحاول التظاهر ببعض مظاهرها، وبما أن شرط الإبداع والحضارة منعدم في أمة تكون قيادتها على هذا الشكل فإن المسخ هو الذي يسود حياتها بشكل مضحك ومؤلم معا.
ولا يهم الاستعمار إن تظل الأمة عاجزة عن التشبه ببلاده بل بالعكس يهمه أكثر أن تظل الأمة الواقعة تحت سيطرة كهان ثقافته حائرة تدور في الفراغ، قلقة الخطى سطحية التصاميم، لأن في ذلك فرصة له في الاستمرار والقيادة، ولهذا يلاحظ أن الأمم التي ما تزال تتعثر في سيرها، هي تلك التي ما تزال قيادتها تثبنى وتؤمن بتلك الثقافة المسمومة التي تشل الإرادة وتقيد الفكر وتجعل بعض قادة هذا النوع يتهمون أمتهم بالبلادة وبانخفاض الوعي وبعدم القدرة على التجاوب مع الأفكار التي يظنون أنها سامية، ولهذا كان من شرط نجاح القيادة أن تتعمق في فهم النفسية للأمة فهما مستقلا عن كل تأثير أجنبي أو توجيه استعماري، وبذلك تستطيع القيادة أن تقف على حقيقة آمال الأمة وأهدافها ومكامن القوة والضعف فيها وطبيعة تكوينها ومزاجها وعلاقاتها التاريخية والعقائدية والفكرية، فإن استطاعت أن تصل إلى ذلك الفهم وأن تؤمن بمبادئ الأمة إيمانا عميقا خلاقا فإنه يسهل على القيادة تعبئة الأمة روحيا وفكريا وجسميا، والإهابة بها إلى البناء والتشييد، وسترى المعجزة الجبارة التي تستطيع الأمة أن تظهرها في لحظة وجيزة من الزمن.
ولهذا لا نستغرب إن وجدنا الفشل يحالف دائما وأبدا القيادة الغريبة عن الأمة، مما يجعل الفراغ الفكري والعقائدي يستفحل ويتعمق بمرور الزمن، إلا أن هذا الفراغ لا يمكن أن يظل خاليا من فكرة أو معتقد ولهذا يسارع الاستعمار إلى محاولة ملء هذا الفراغ بكل ما لديه من وسائل وسيطرة ظاهرة وباطنة حتى يستعمر الأفكار والقلوب ليملك الأرض ومن عليها...
والخطر الذي يداهم أمتنا اليوم من جراء انعدام القيادة الإيديولوجية الإسلامية هو هذا الذي يزحف زحفا شاملا على عقول ونفوس أطفالنا وشبابنا من الجيل الصاعد الذي سيكون عما قريب عنوان الأمة وقائدها، فلقد أصبح هذا الجيل ينمو في أجواء خاصة مكيفة تكييفا آسنا خطيرا على الفكر والعقيدة والحضارة الإسلامية، إنه يعد إعدادا مدروسا لكي يصبح « مسلما » من طراز عصري يحمل إسما إسلاميا عربيا ولكنه غريب القلب عن الإسلام  وغريب اللسان عن العروبة.
وأن الأهمية العظمى التي يوليها أعداء الإسلام للمغرب من أجل جعله قنطرة تعبر عليها المؤامرات التبشيرية والدسائس الفكرية لتدل على مدى شعور الكفار الجاحدين للقيم الإنسانية بخطر هذه الأمة العظيمة، ذلك الخطر الذي يكمن في عقيدة المغرب المسلم، وإن أعداء الإسلام لم ينسوا الهزائم المنكرة التي منوا بها في ميدان التبشير، تلك الهزائم التي كانت أشد خطرا عليهم من هزائمهم في ميدان السلاح، وقد كان أبطال تلك المعارك جماعة من البسطاء لا يحملون سوى عقيدة بسيطة وسوى رغبة في نشرها عبر القارة الإفريقية، ولقد كانت المبشر أول من يتشاءم عند ما يسمع بأن في منطقته مسلما من ذلك النوع الذي حذره منه أسلافه الذين فشلوا في ميدان التبشير، وأنه ليصيب في تشاؤمه إذ لا يلبث هذا الصوفي البسيط أن ينقض في لحظة كل ما بناه المبشر في أعوام.
ومن المعلوم أن إفلات الأفراد والجماعات من سيطرة المبشر معناه في الحقيقة تحريرهم من قبضة الاستعمار، غير أن من طبيعة الاستعمار عدم اليأس ومواجهة الظروف بالخطط المناسبة، فهو يصارع التطور ويحاول أن يسابقه وأن يبادره بما قد يخدم أهدافه ويجعل الحاضر والمستقبل لصالحه وطوع يمينه، ولذلك لا نستغرب من الاستعمار عندما يتكرم على بعض الشعوب بالاستقلال لأن هذا النوع من الاستقلال أصبح ضمن خطة استعمارية بعيدة النظر، وفي الوقت الذي تحتفل فيه الشعوب الضعيفة بعيد استقلالها بما لديها من أبواق وأجواق وفولكلور وخطب رنانة، في هذا الوقت بالذات يشرع الاستعمار في تنفيذ الخطة الجديدة لتخريب الأمة من داخلها، ولذلك ما نزال نلفت أنظار أرباب الحضارة الإسلامية في هذا البلد، إلا أننا الآن يجب أن نحدد طبيعة المعركة بيننا وبين الاستعمار ونقدرها قدرها، كما يجب أن نحدد ميادينها ووسائلها بدقة حتى لا نظل حيارى نتيه في متاهات الارتجال والاعتباطية، وأن من أهم الميادين المستهدفة للاستعمار الجديد هي هذه الأعداد الكثيرة من أطفالنا وشبابنا الذين يحاول بهم إفساد نظرتهم للحياة وتوجيه أفكارهم وجهة لا ترضي الله، وفي القريب العاجل سيصبح هؤلاء الأطفال والشباب الجيل الكبير وسيتلوهم جيل صغير يتجرع نفس السم الذي تجرعه آباؤهم، وهكذا سيتحد الجميع في صفة واحدة إلا وهي الفراغ من العقيدة، ولهذا يجب أن نبادر نحن إلى فساد خطة الاستعمار الجديد بخطة جدية مؤمنة واعية قبل فوات الأوان، وأن المؤمنين مدعوون بكل إلحاح إلى تدارس الأمر من جميع وجوهه، وبكل حماس، وكفانا ثرثرة وجعجعة لا تغني ولا تسمن، وإن محاولة الفرار من مواجهة المسئولية الجسيمة ببعض التعويضات التافهة وباتخاذ بعض الأساليب السلبية لنصرة الإسلام لهي حجة ضد أولئك الذين يظنون أنهم يحسنون صنعا وهم في الواقع لا يزيدون إلا انكسارا أمام السيول الجارفة من خطط أعداء الإسلام، وإذا لم يكن للإسلام أنصار في الوقت الحاضر يجندون أنفسهم بالإيمان والصراحة والتضحية والصمود فمتى سيكون له ذلك إذن؟ إن الحاضر لينذر بخطر المستقبل هذا المستقبل الذي إن أخضعناه لعملية حسابية فإن حاصل نتيجته سيكون الإجهاز على الإسلام والعياذ بالله.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here