islamaumaroc

ذاتية الإسلام أمام المذاهب والعقائد -1-

  دعوة الحق

56 العدد

الإسلام في العصر الحديث
مر الإسلام في هذا العصر بمراحل كان أولها ما يمكن أن نعنونه بعنوان (الإسلام في قفص الاتهام) فقد وقف دعاة الإسلام في القرن الماضي يدافعون عن الإسلام على أنه متهم في قفص. فالإسلام كما يقولون ليس منافيا للرقي ولا مانعا من التقدم ولا معارضا للعلم والعقل. فكان الإسلام مجرم يراد أن يدافع عنه وهذا ما يلاحظ في المؤلفات الإسلامية التي ألفها دعاة الإسلام منذ قرن في كتابات محمد عبده وفريد وجدي وأقرانهما. ثم جاء عهد آخر خرج الإسلام فيه من قفص الاتهام ولكنه أصبح يقاس بمقاييس غيره أو يقوم بقيم غير قيمه. فالإسلام صالح لأنه مبني على (الديمقراطية) والإسلام يستحق البقاء والخلود لأنه (متطور) والإسلام حسن لأن فيه كذا وكذا من الأفكار. وهذه الأفكار والمبادئ والقيم والمقاييس إنما استعبرت من مذاهب أخرى فكان الأصل أننا نؤمن بمذاهب معينة هي في خارج إطار الإسلام ثم نحاول بعد ذلك أن نقوم الإسلام بهذه القيم التي نستعيرها من تلك المذاهب على أنها قيم مسلم بها وعلى أنها منبثقة عن مذاهب نؤمن بها. هذا طور ثان مر به الإسلام، ولا يزال الإسلام في هذا العصر ـ اللهم إلا في بعض طلائع الوعي في بعض البلاد الإسلامية ـ في هذا الطور الذي يقاس فيه بمقاييس غيره. والمرحلة الثالثة وهي المرحلة التي بدأت طلائعها في رأيي هي مرحلة الذاتية بالنسبة إلى الإسلام. فللإسلام مقاييسه الخاصة ومعاييره الذاتية فهو ليس صالحا لأنه موافق للديمقراطية أو للاشتراكية أو للرأسمالية أو لأن فيه حرية فردية أو لأن فيه مصلحة الجماعة أو لأن فيه كذا وكذا وكذا إني غير ذلك من المفاهيم المنبثقة عن مذاهب أخرى.  إن للإسلام مقاييسه في الخير والشر والحق والباطل ولا نعني أن هذه المقاييس ليست لها جذور عقلية ترتد إليها ولكنها جذور ممتدة من دوحتها وفروع مشتقة من أصل شجرتها. تلك هي المرحلة التي بدأت في العصر الحاضر أو بدأت طلائعها في عدد من المؤلفات القليلة وفي عدد الرؤوس المفكرة في العالم الإسلامي. وهي المرحلة التي نتنبأ بأنها ستكون مرحلة الإسلام في المستقبل القريب. ولابد لنا أن نعود القهقري قليلا لنعرف السبب أو العوامل التي أثرت في تقويم الإسلام بهذه القيم وفي التباس مفاهيمه بمفاهيم غيره  لاسيما ونحن في أعقاب عصور ضعفنا فيها ثم التقينا بحضارة كانت في أوج قوتها وعز نشاطها تلك هي الحضارة الأوربية الغربية الحديثة التي انبثقت هي نفسها من الوجهة المادية إلى حد كبير من الحضارة الإسلامية في جانبها المادي.
أوربا التي التقينا بها
إن أوربا التي التقينا بها هي أوربا القرن الثامن عشر والتاسع عشر وأوربا في هذين القرنين كانت في ظروف فكرية واجتماعية خاصة. وقد كانت تتميز بنواح ثلاث متلازمة أولها: الثورة على الدين فقد آل الأمر بالمسيحية في أوربا أن أصبحت غير منسجمة مع التطور الفكري والتفكير العلمي الذي انبثق إثر عصور النهضة فكان في أوربا صراع، صراع بين العلم والدين، بين العقل والدين وكان هذا الصراع شديدا لاهبا. والظاهرة الثانية وهي لا تقل قيمة وخطورة عن الظاهرة الأولى فإن الصناعة الكبرى إثر اختراع الآلة أدت إلى نشوء طبقات جديدة وأدت إلى انفصال رأس المال عن العمل وكان من ذلك أن نشأت طبقة العمال ونشأت الحركة الاشتراكية لإزالة ما كان يلحق تلك الطبقات من المظالم الاجتماعية ونشأت عن ذلك مفاهيم للحرية والديمقراطية والاشتراكية هي وليدة تلك الظروف التاريخية المحلية. والظاهرة الثالثة التنافس القومي في أوربا فإن التنافس بين شعوب أوربا وقومياتها أدى إلى ردود فعل خاصة جعلت من القومية أساسا تدور الحياة حولها وعقيدة تبنى عليها الحياة السياسية والفكرية وتلك العقيدة إنما نشأت في ظروف معينة هي التي أملتها ولم يملها منطق العقل أو منطق الحقيقة. تلك هي أبرز الظواهر التي ظهرت في أوربا حين التقينا بها. ونشأ بنتيجة ذلك في ميادين الفكر والاقتصاد والسياسة أفكار متنوعة متعددة تأثرنا نحن بها. وعلى سبيل التمثيل إليكم بعض الأمثلة لبعض الأفكار التي اعتبرها وليدة هذه الظروف الخاصة فمن ذلك مثلا أفكار كثيرة تتعلق بالدين هي بنت تلك الظروف وتلك الحقبة من التاريخ وكثير من التعابير التي نستعملها اليوم ونستعيرها هي نتيجة تأثرنا من الحضارة التي انتقلت إلينا في تلك المرحلة وذلك كمشكلة الصراع بين الدين والعلم أو بين الدين والعقل وهي وإن كانت مشكلة قديمة لكنها لم تأخذ هذا الشكل العنيف الحاد، وكذلك الازدواج في التعليم بين ديني ومدني وتعبير رجال الدين. ولو نظرنا في كتبنا القديمة في العصر العباسي وما بعده وما قبله لما وجدنا مثل هذا التعبير الذي لم تعرفه العربية ولم يعرفه الإسلام من قبل. ومن ذلك فصل الحياة إلى جزئين منفصلين، لا يكاد يحدث بينهما اتصال، الدين والدنيا، وفصل الدين بنتيجة ذلك عن المجتمع وعن الدولة بجعل الدين أمرا شخصيا لا علاقة له بالحياة العامة وهذا أيضا من المفاهيم التي انتقلت إلينا وأدت إلى مفهوم آخر هو مفهوم العلمانية ومعناه حياد الدولة وعدم تدخلها في شؤون الدين، واللادينية ومعناها محاربة النزعة الدينية. ومن تلك المفاهيم أيضا نسبية الأخلاق وهي وليدة أزمات خاصة بها اصطدمت فيها الأخلاق الدينية بالأخلاق الواقعية والأوضاع الاجتماعية والسياسية القديمة بأوضاع ثورية جديدة، بعد أن ثبتت تلك الأخلاق والأوضاع مدة طويلة. وهي ولاشك فكرة خاطئة بدليل أن كثيرا من الحقائق أو الأحكام والقيم الخلقية لاتزال ثاتبة منذ آلاف السنين كاستنكار الغصب والأضرار بالغير والزني الذي لا تزال القوانين تحرمه في أكثر بلاد العالم ولا يعبأ ببعض أحوال المجتمعات التي تكون على خلاف ذلك لأنها أحوال مرضية شاذة واستحسان بعض المجتمعات في بعض العصور الاستبداد والظلم لا تجعل منها أمرا مستحسنا ولا تغير الحكم بكونهما شرا يجب مكافحته.
ومن هذه الأفكار الخاطئة التي انتقلت إلينا من المجتمع الأوربي بعد أن راجت فيه ظروف اجتماعية وفكرية خاصة اعتبار التطور قانونا أخلاقيا أي اعتبار كل طور جديد أفضل من الطور الذي سبقه على الإطلاق مع أن التطور قانون اجتماعي واقعي ولا يقتضي مطلقا تفضيل الطور الأخير على الأطوار السابقة له.
إن فكرة التطور الاجتماعي أخذت من فكرة التطور الحيوي (البيولوجي) والتطور في الحياة يكون تحسنا وارتقاء وقد يكون ترديا وانتكاسا بل انقراضا.
فإن أكثر المذاهب الفلسفية والاجتماعية في أوربا تقول إن الأخلاق ليس لها مقاييس ثابتة ولا أحكام ثابتة فلكل قوم أخلاقهم فقوم يرون أن شرب الخمر رذيلة وشر، وغيرهم يرى فيها غير ذلك، وبعضهم يرى أن الزنى شر ورذيلة، وبعضهم يرى فيها إكراما للضيف فالقضية قضية نسبية وليس هنالك قواعد أخلاقية مطلقة وليس هنالك حقيقة أخلاقية مطلقة وإنما القضية نسبية، فاختر إذن ما بدا لك وكلما تطور المجتمع نحو فكرة خلقية جديدة فهي الأخلاق التي يجب أن تتمسك بها. هذه الفكرة أيضا من الأفكار التي اعتقد أنها نتيجة من نتائج الظروف التي مرت بها أوربا.
إن هذا الغزو الفكري الذي غزينا به بنتيجة الالتقاء بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الأوربي كان له تأثير عميق في الفكر الإسلامي الحديث. حتى أن جمهرة الشعوب الإسلامية والطبقة المثقفة منهم خاصة بل غير المثقفة تأثرت بهذه الأفكار سواء أولئك الذين يتنكرون للقيم الإسلامية وأولئك الذين يقبلون الإسلام ويدينون به.

ازدواج الشخصية
فمن المسلمين ـ وهذه ظاهرة تلفت النظر ـ من هو مسلم في شعائره ولكنه غير مسلم في تفكيره بمعنى أنه يتألف من شخصيتين مزدوجتين. فهو قد عاش في بيئة اعتادت التدين فهو متدين ولكنه نشأ في بيئة ليس لها من المفاهيم الفكرية الإسلامية ما يتناسب مع مستوى تفكيره فهو يفكر تفكيرا غير إسلامي إذا فكرفي شؤون الحياة سواء في شؤون الحياة العامة الفكرية أو الاجتماعية أو الخلقية أو السياسية أو غير ذلك وهو في حياته الخاصة يعتبر مسلما. هذا نوع من المخلوقات الفكرية أو النفسية الجديدة في عالمنا. وكان في العالم الإسلامي نوعان مزدوجان من التعليم: تعليم إسلامي ولكنه قديم بطريقته ووسائله ومستواه يعود إلى القرون التي تلت العصور العباسية، وتعليم مصدره أروبا وأفكار أوربا والحضارة الأوربية الحديثة. وقد أدى ذلك في بعض الأحيان بسبب هذا الازدواج والتناقض وبسبب الأزمة الفكرية النفسية التي حدثت في بعض الناس إلى ظواهر غريبة أو ظواهر من نوع معين كظاهرة تأويل كثير من أحكام الإسلام تأويلا فيه كثير من المواربة والتعسف من أجل المطابقة بين الإسلام والمذاهب الأخرى ولكن على حساب الإسلام كما يقولون فكأنه يراد أن يشذب الإسلام ويقطع حتى يدخل في قارورة فمها ضيق ولو أدى ذلك إلى أن تقطع منه يداه أو رجلاه أو جهاز من أجهزته العضوية الأساسية. ولا بأس أن أضرب على ذلك أمثلة وهذه الأمثلة اسمحوا لي أن أقول أنها رأي شخصي لي، وقد يكون غيرها أولى منها بالاستشهاد في هذا الموضع. فمن هذه الأمثلة مسألة التماثيل. فإن كثيرا من المتدينين يحاول أن يسوغها ويحللها ويروج لها في مجتمعنا الإسلامي الحديث ذلك لأن إقامة التماثيل أصبح أمرا شائعا بين الأمم على اعتبار أن إقامة هذه التماثيل كان محرما لعلل وقد بطلت هذه العلل وزالت. إن هذا التفكير في رأيي باطل من أساسه لأن الفكرة هي أعمق مما يظنه هؤلاء السطحيون ممن يريدون بهذه الطريقة الدفاع عن الإسلام. فإقامة التمثال له مغزى فلسفي عميق. ذلك أن الأمة التي تقيم التمثال لبطل من أبطالها إنما تجسد البطولة في شكل مادي ولو رجعنا إلى العصور الإسلامية لوجدنا أن إعطاء الشخص في جسمه وفي ذاته قيمة عليا فكرة مردودة. فأعظم شخصية في الإسلام هي شخصية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي يعتبر بشرا ولكنه فوق جميع البشر بصفاته وكماله. ومما لا شك فيه أنه لم تخلد شخصية في التاريخ وفي خلال العصور في نفوس الناس وفي أذهانهم وفي الكتب والدراسات كما خلدت شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. فما هي الطريقة التي اختارها المسلمون لتخليده. لاشك أننا جميعا نعرف أن تخليد شخصية الرسول (ص) كان تخليدا معنويا خالصا وكان تخليدا أعظم وأقوى من أي تخليد لأي شخصية كانت. ولا يزال يرن في أذني صوت لعجوز هندية في الباكستان في حديقة كراتشي في أمسية من تلك الأمسيات التي كنت فيها هناك أزور تلك الحديقة فسمعت هذه العجوز الجالسة على الأرض تسأل الناس وتقول اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد، فقلت عجبا لهذه المرأة الهندية حفيدة المجوس وعباد الأوثان عجبا لهذه المرأة التي لا تعرف العربية والتي يفصلها عن محمد عليه الصلاة والسلام آلاف الأميال في المكان ومئات السنين في الزمان كيف تنطق بلفظ عربي مبين باسم الرسول عليه الصلاة والسلام، وتشيد بشخصيته.
وقد أقمت سنين في أوربا، وكنت أشاهد في شوارع باريس وحدائقها كثيرا من التماثيل وأؤكد لكم أن كثيرا من الفرنسيين الذين كانوا يزاملونني في الدراسة كانوا مثلي لا يعرفون كثيرا عن هذه التماثيل ولا معانيها ولا نواحي البطولة التي يمثلها أصحابها.
ولو استعرضنا الأمم لوجدنا أن تلك التي تقدس المادة وتتجه اتجاها ماديا هي التي تجسد البطولة في شكل مادي وهي التي تخلد الأبطال في شكل تماثيل، بل هي الأمم التي كانت في الحقيقة قديما وثنية في اعتقادها وديانتها كاليونان والهنود وقد أخذت هذه الوثنية شكلا آخر من الأشكال الحديثة المدنية. فاليونان كانت أساطيرها تعج بالأبطال والبطل لا يتصور أن يكون بشرا في نظرهم لأنهم أعجز من أن يتصوروا الإنسان بطلا، فإذا ما أصبح بطلا نقلوه من صف البشر إلى صف الآلهة. وأما المسلمون فإنهم كانوا على خلاف ذلك فلو ذهبت اليوم إلى أقصى حدود المغرب وإلى أقصى حدود الهند والصين ونطقت باسم علي أو أبي بكر أو باسم عمر أو خالد لوجدت رنينا لهذه الألفاظ لا تجده أبدا لتمثال مقام في موسكو أو في برلين أو في باريس. فالقضية إذن ليست قضية تحليل التماثيل فالتماثيل محرمة في الإسلام لفلسفة عميقة هي أعمق بكثير مما يظن هؤلاء السطحيون من الذين يحسبون أنهم يدافعون عن الإسلام.
ومن أمثلة ذلك اليانصيب التي اعتبرها ظاهرة مغزاها العميق أن معين الأخلاق المنبثق عن الإيمان قد نضب من القلوب وأن الناس أصبحوا ماديين لا يهتمون إلا بالمادة والربح والإغراء بالربح ولابد من إغرائهم بالربح حتى نأخذ منهم المال لعمل خيري. فاليانصيب مبني إذن على فكرة نضوب معين الأخلاق من القلب لا على أساس محاولة انبثاق الأخلاق من القلب والعاطفة والنفس في شكل تضحية حقيقية بل بشكل إغراء خسيس بالكسب. وهكذا كثير من هذه المشاكل التي اكتفى بضرب هذه الأمثلة عليها مع أنني أميز بين هذا النوع أو هذه الظاهرة التي اسميها التعسف في التأويل وبين تكييف الحوادث  والنوازل الجديدة التي ينبغي استنباط أحكامها من الشريعة الإسلامية مما سأذكره بعد قليل.

تشويه المفاهيم الإسلامية
1. إن هذه الظاهرة ظاهرة تشويه المفاهيم الإسلامية بسبب الالتقاء بالحضارات الأخرى ليست جديدة في تاريخنا ففي تاريخنا القديم مثل ذلك. فقد التقينا بالفكر اليوناني وكان نتيجة الالتقاء ظواهر كثيرة كمسائل علم الكلام فلم تكن العقيدة الإسلامية وعلى الأصح الإيمان الإسلامي ـ لأن لفظ العقيدة كذلك حادث ـ في عهد الرسول (ص) والصحابة آخذا هذا الشكل الجدلي الفلسفي الذي أخذه في العصر العباسي فقد كان الإيمان ـ وهي الكلمة القرآنية ـ محتويا على معنى عقلي وعلى معنى نفسي عاطفي ملتبسين متداخلين كل التداخل في العهد الأول عهد ظهور الإسلام. وإذا بنا نرى أن الإسلام يتشعب إلى شعب ثلاث : شعبة تأخذ بمظاهر الأحكام والشعائر في العبادات والمعاملات. وفرع آخر يأخذ من الإسلام نواحي الاعتقاد العقلي وهو الكلام أو العقيدة أو علم التوحيد. وفرع آخر للإسلام يأخذ من نواحيه القلبية والخلقية وهو الأخلاق أو الزهد أو ما سمي بعد الصدر الأول بالتصوف. فإذا بالإسلام يتألف من شعب ثلاث ينفصل بعضها عن بعض: الفقه والكلام والأخلاق. ولا أقصد من هذا أن الفقهاء كلهم لم يكونوا ملمين بشيء من الكلام وأن المتكلمين جميعهم لم يكونوا على شيء من الفقه وإن الزهاد والوعاظ لم يكونوا يعنون بالفقه والعقائد، ولكن كان يغلب على الرجل أن يكون متكلما أو متفقها أو زاهدا متصوفا وإن كان بعضهم قد جمع هذه الجوانب كلها. وأصبحت هذه الجوانب منفصلة بعضها عن بعض بعد أن كان الإسلام وحدة شاملة. وهذا يعطي عن الإسلام صورة جانبية، فهنالك إسلام علم الكلام وهناك إسلام الأخلاق وهناك إسلام الفقه، والإسلام هو الإسلام ليس الإسلام إسلام الكلام أو الفقه أو التصوف. والصورة الجانبية لا يمكن أن تعتبر صورة كاملة تامة في رأيي ولذلك فإن في تشعب هذه النواحي وإن كان فيه تسهيل من الناحية العلمية والدراسية تجزئة لحياة موحدة لا يحصل في أجزائها ما يحصل في تركيبها جملة واحدة. والإسلام الأول إسلام الصدر الأول من الصحابة الذين كانوا ملتفين حول الرسول (ص) بجمع هذه العناصر الثلاثة جمعا منسجما متوازنا حيويا. وعلى هذا فلا بد لنا إذن من أن نفصل الإسلام في ذاته عن فهم المسلمين للإسلام خلال العصور, فهناك الإسلام في أصله وينبوعه في الكتاب و السنة في مصادره الأصلية, وهناك فهم المسلمين في كل عصر فقد يخطئ بعض المسلمين في فهم الإسلام في بعض العصور فدلك أمر لا يعيب الإسلام في ذاته وفي مصادره الأصلية ولا في صورته الحقيقية, ولاشك أن الفهم الذي يمكن أن نعتبره أقرب للتصوير الحقيقي الإسلام والدي نستأنس به نحن في فهم الإسلام هو فهم الصدر الأول أي فهم الصحابة والتابعين.ولست في هده العبارة أعني أي غض من مفهوم المسلمين للإسلام في سائر العصور التالية فقد ظهر في كل عصر من كبار العلماء والباحثين  والمدركين لحقيقة الإسلام كثير ممن لم تنقطع حلقاتهم وسلسلتهم حتى عصرنا هدا. فللأسلام في الحقيقة إذن إدا كشفنا عنه غواشيه سواء في هدا العصر أوفي العصور السالفة ذاتيته وحقيقته والإسلام في الحقيقة نظام كامل, فهومن جهة فهم للحياة وتصور شامل للوجود وإيمان بهذا الفهم  ونظام عملي ينبثق من هدا التصور والإيمان.
ويتلخص التصور أو المفهوم الإسلامي العام في أن هده الطبيعة التي تحيط بالإنسان والكون الذي يعيش فيه مهما يتسع أفقه ومسافته,أن هدا الكون  كون مخلوق من وراءه وجود مطلق وقوة خارقة حية مدركة هي قوة الخالق والإنسان في هدا الكون وبهده الأرض بالذات مستخلف من الله الخالق ليعيش فيها  وليتمتع بما فيها من نعم  وطيبات وأرزاق بل ملذات محللة مشروعة على أن يعلم أنه في استخلافه هدا وفي تمتعه وسعيه وعمله محاسب ومسؤول أمام هده القوة الخالقة المدركة المحاسبة.وينبثق عن هدا الفهم وعن هدا الإيمان عمل وعبادة متصلان أيما اتصال من حراثة وزراعة للأرض وتأمل لهده القوة التي خلقته وأنعمت عليه وهدا العمل والعبادة هما من نوع واحد فهو يطيع الله في أن يشق الأرض بالمحراث أو يحرك الآلة في يده وهو في دلك مطيع لله عابد له وكذلك هو مطيع متعبد حينما يخلو في سويعات من يومه ليفكر في خالقه وليتأمل  فيما وراء  هده الحياة من مسؤولية و حساب.وينبثق عن هده الفكرة أو العقيدة أو الإيمان على الأصح تعاليم أخلاقية وهي تعاليم تأخذ من ناحية بشيء من الواقعية في الحياة وتعمل من ناحية أخرى لترقية الروح فتفسح المجال للغرائز وتصريفها في حدود معينة وتضبطها وتعمل على انسجامها مع الرقي الخلقي والروحي. ولست الآن لا لخص في أكثر مما قلت المذهب الأخلاقي في الإسلام.
والإنسان الدي يؤمن هدا الإيمان ويعمل في الحياة في هدا الطريق ليس هو الإنسان الفرد بل هو الإنسان الموجود في إطار اجتماعي الذي يعيش في مجتمع يحدد الإسلام اتجاهاته وصفاته وعلاقات أفراده بعضهم ببعض, ويعني به كذلك باعتباره مجتمعا أو جماعة, ويقيم له تشريع تنسجم فيه مصلحة الفرد و مصلحة الجماعة.فيقيم له نظاما اجتماعيا يكفل له هدا الرقي الإنساني المادي والروحي ويشتمل هذا النظام الاجتماعي على نظام  للحكم أساسه الشورى والمساواة والعدالة والمسؤولية, وعلى نظام اقتصادي مبني على العدالة من جهة وعلى التكافل الإجتماعي من جهة أخرى كما يشتمل على نظام للأسرة الخلية الطبيعية الأولى و البيئة التربوية لكل مجتمع سليم . 
هذا المجتمع الذي ينظم الإسلام جوانب حياته السياسية و الاقتصادية والأسرية في سبيل سعادة الإنسان وارتقاءه يقوم على أسس اعتقادية خلقية تكون جدورنظامه وأسس بنائه.فالتشريع الإسلامي بالإضافة إلى موضوعيته وتنظيمه على أسس ظاهرة وضوابط موضوعية له جذور خلقية في النفس وأصول اعتقادية تغذيه وتمده وتدعم بناءه.فالتشريع غير منقطع الصلة بالأخلاق وإن كان لكل منهما قواعد لا تلتبس بالأخرى, وهذه الأخلاق ترتكز على نظرة إلى الوجود أ فلسفة شاملة أو عقيدة كاملة.
وبذلك يتصل في نظام الإسلام عقيدته أو فلسفته وأخلاقه وتشريعه الاجتماعي وتؤلف كلها وحدة متكاملة تقابل وحدة الحياة وهذه مزية هامة من مزايا الإسلام تميزه عن غيره من الأنظمة الأخرى التي تعالج جانبا واحدا من جوانب الحياة أو تعالجها منفصلة دون أن تنظر إليها على أنها وحدة كاملة. إن الوحدة والتوازن والانسجام والشمول خصائص تميز نظام الإسلام من الأنظمة الأخرى المادية منها والروحية الوضعية والدينية.

ضبط النسب في نظام الإسلام
وإلى جانب خاصة الوحدة في نظام الإسلام خاصة أخرى لا تقل عنها شأنا وهي ضبط النسب بين جوانب الحياة وقيمتها فالمال واللذة والعمل والعقل والمعرفة والقوة والعبادة والقرابة والقومية والإنسانية قيم من قيم الحياة، والإسلام جعل لكل منها موضوعا في نظام الحياة ونسبة محدودة لا تتجاوز حتى لا تطغى قيمة على قيمة. وإن من التشويه للإسلام تبديل هذه النسب بحيث تزاد عن حدها أو تنقص بالنسبة إلى غيرها كما فعلا في بعض العصور الأخيرة فإن تغيير النسب في نظام الحياة كتغير النسب في التصوير الهزلي الذي يغطي من الإنسان المعالم والمشابه ولكن على وجه هزلي ساخر وكتغيير صفاته وخصائصه وربما انقلب إلى مادة ضارة أو سامة. فلو جعلنا الحياة مئة جزء لوجدنا أن الإسلام خص العبادة منها بأجزاء وكذلك الإنفاق والكسب والجهاد والتمتع بالملذات المشروعة لكل منها نصيب محدود ولو غيرنا هذه النسب فقللنا قيمة الجهاد وزدنا في نصيب العبادة وانتقصنا من حظ المال كسبا أو إنفاقا وغالبنا في الملذات أو ألغيناها لخرجنا من ذلك بنظام يخالف في حقيقته وفي روحه نظام الإسلام وأخللنا بالتوازن الذي أقامه بين قيم الحياة وجوانبها، فالمسلم الكامل في بعض العصور الأخيرة هو المنصرف إلى العبادة بمعناها الضيق لا يشتغل بسواها، المعتكف في محرابه لا يبارحه، الملتزم لأذكاره وأوراده. إن هذه الصورة لا تشبه مطلقا الصورة التي كان عليها الرسول الكريم صلوات الله عليه وأصحابه المقتدون به فلئن كانت العبادة جزءا أساسيا في حياتهم فإن الجهاد كان مالئا لصفحاتهم، الجهاد في سبيل تحرير المجتمع من العقائد الفاسدة وترشيح العقائد الصحيحة وتحريره من ظلم الظالمين واستبداد المستبدين لحماية المستضعفين وإقامة العدل بين الناس. وكذلك تكون حياة المسلم المنشغل بالجهاد والإصلاح الاجتماعي ناقصة مشوهة بالقياس إلى الصورة الإسلامية الكاملة إذا كانت خالية من العبادة ضعيفة الصلة بالله.
وقد انتبه فقهاؤنا المتقدمون إلى هذه الفكرة فكرة النسب فجعلوا ما يطلب من المسلم من الفرائض وغيرها متفاوتة في قوة طلبها كما جعلوا الممنوعات والمحرمات مختلفة كذلك في درجة منعها أو حرمتها.
فليس سواء في الإثم ترك المجاهد المرابط في صف الجهاد مكانه وفسحه المجال لدخول العدو وشرب الخمر أو أكل لحم الخنزير مع أن كلا الأمرين حرام.
وتشير آيات وأحاديث كثيرة إلى هذه الفكرة كقوله تعالى : « أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله » (1). وكقول الرسول صلى الله عليه وسلم حين سئل ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ وأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا وهو يقول لا تستطيعونه ثم قال مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد (2) وفي الصحاح قيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قيل ثم من قال رجل في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره (3) وروى الإمام أحمد بسند صحيح قول الرسول صلى الله عليه وسلم درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زينة. فالربا وهو من أنواع الظلم المالي أشد حرمة من الزنى. ولو حاولنا أن نجمع أمثال هذه الأحاديث التي تقدر القيم بعضها بالنسبة إلى بعض لخرجنا منها بنسب رياضية بين قيم الحياة. كقوله عليه الصلاة والسلام يوم من أمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة (4) وقوله : فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم (5) وقوله : ففيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد (6) ومن هنا يتبين خطأ من يصرفون همهم إلى أمر قد يكون في ذاته مطلوبا أو ممنوعا في الإسلام ولكن في مقابله أمر أخطر منه بكثير، فالبلاد الإسلامية مبتلاة في هذا العصر بخطرين عظيمين هما الاستعمار والإلحاد أي الاستيلاء على الأرض والاستيلاء على العقيدة أي إتلاف ثرواتها المادية والمعنوية وسلبها ولو تم الاستيلاء على البلاد وتهديم العقيدة واستمر لما أمكن إقامة شعائر الدين ولا القيام بأوامره وتطبيق أحكامه ولذلك فإن صرف أذهان الناس إلى قضايا أخرى وجعلها محور النضال الإسلامي إلهاء عن أهم القضايا الأساسية التي هي الاستيلاء على البلاد الإسلامية أو السيطرة عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وتهديم العقيدة الإسلامية بشتى الأساليب ونشر الأفكار والمذاهب الإلحادية على اختلاف صورها. فهل يجوز في مثل هذه الحال تقسيم المسلمين إلى من يقولون بأن التراويح ثمانية ومن يقولون بأنها عشرون وإلى القائلين بتكرار الجماعة أو عدمها أو احتدام معركة السنة والبدعة في أمور لا تمس العقيدة. أنا لا أقول أن لا تبحث هذه الأمور بحثا علميا بل أقول أن يجب التنبيه حينما يكون الأمر ماسا بالعقيدة ويحسن التنبيه إلى الطريقة الصحيحة في العبادات لأن العبادات توقيفية فلا زيادة ولا نقصان فيها عما أمر به النبي صلوات الله عليه أو فعله ومع ذلك فإذا كان ذلك يحدث فتنة أو يحدث خصومة وعداوة بين فئتين من المسلمين وجب ترك ذلك لما يترتب عليه من منكر أعظم لما ينشأ عنه من تقسيم المسلمين إلى فئات متعددة في ظروف وأحوال لا يجوز فيها تفتيت القوى ولا الاشتغال إلا بالقضايا الأساسية الكبرى.



(1) سورة التوبة 19.
(2) أخرجه الستة إلا أبا داود.
(3) أخرجه الستة إلا مالكا.
(4) وفي رواية عدل ساعة أفضل من عبادة ستين سنة بقيام ليلها وصيام نهارها، وجور ساعة في حكم أشد وأعظم عند الله من معاصي ستين سنة (الطبراني في المعجم الكبير والأوسط).
(5) أخرجه الترميذي وصححه
(6)أخرجه الترميذي وقال هذا غريب لا نعرفه إلا عن الوليد بن مسلم.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here