islamaumaroc

استمرارية العربية بالمغرب

  دعوة الحق

56 العدد

اللغات مؤسسات اجتماعية كالكائن الإنساني له اسم يميزه عن بقية الأسماء، وجنسية يعرف بها بين الأوطان، وأوصاف يختص بها دون سواه.
من هنا كان اسم اللغة التي يتحدث بها أهل المغرب « العربية » ولهذه العربية جنسية هي جنسية « الوطن العربي » بحدوده الجغرافية المعروفة، ومن أوصافها التي اختصت بها دون سواها ظاهرة البقاء والاستمرار.
وتبدي الملاحظة البسيطة اتصالا وثيقا بين هذه الأوصاف الثلاثة : « العربية » و« الوطنية أو الجنسية » و« الاستمرار » فكلما اتخذت بلدة « العربية » و« استمرت » في اتخاذها كذلك، كان هذا دليلا على دخول هذه البلدة في الحظيرة الجغرافية للوطن العربي، وكلما انعدمت ظاهرة الاستمرار هذه قام ذلك دليلا على أن البلدة التي استعربت خلال زمان ـ طويل أو قصير ـ ولم تستمر فيها العربية، ليست من الوطن العربي : ذلك ما حصل في فارس التي استعربت دينا ولغة بعد الفتح الإسلامي وكان فيها أدباء وشعراء وعلماء، ثم استعجمت بعد استعراب رغم أنها بقيت على الإسلام، ومثل هذا حصل في الأندلس التي استعربت هي الأخرى لغة ودينا، ثم ما لبثت العربية ودينها أن خرجا من ذلك القطر بعد أن استوطناه زهاء ثمانية قرون وهي مدة ليست باليسيرة في حساب التاريخ وحياة اللغة.
ومثل ذلك حصل أيضا في جزيرة مالطة بعد خروج العرب المسلمين واستيلاء النصارى عليها، ظلت العربية لسان القوم في معاملاتهم ومحاسباتهم وفي دواوينهم ومؤسساتهم المختلفة، وظل ملوكها ورؤساؤها زمانا طويلا تطرب للقصائد العربيات حين تمدح بها، غير أن واحدة من هذه البدان الثلاثة لم تستمر فيها لغة العرب لأنها لم تكن يوما ما وطنا عربيا فخرجت منها العربية مثلما دخلتها تاركة بعض آثار لسانها ولهجاتها في لغات القوم.
.. ودخلت العربية المغرب مع الفتح الإسلامي، فوجدت لها فيه وطنا ومهدا.. ومن ثم كان استمرار العربية بالمغرب » إلى يومنا هذا وإلى يوم الدين.
ورغم أن واقع العربية بالمغرب ليس بذلك الواقع المزدهر الغني، فإن ظاهرة الاستمرار تتأكد فيه وتزداد رسوخا من يوم إلى آخر بهذا الشكل أو ذاك.
فالإدارة المغربية في كل عهودها، وحتى في عهد الحماية البغيض لم تكن في يوم ما فرنسية خالصة ـ مائة في المائة كما يقال ـ بل كان استمرار العربية يفرض نفسه في كل مرفق من مرافق الحياة الإدارية بالقدر الذي تسمح به الظروف، ولست هنا لأحاول استقصاء مظاهر هذا الاستمرار الإداري في مختلف صوره وأشكاله، وإنما أكتفي بالإشارة إلى أن « الجريدة الرسمية » التي أصدرتها الحماية الفرنسية قد نصت على أن هذه الجريدة ستصدر بالعربية والفرنسية معا، وإن كان هذا لم يطبق بالفعل إلا ضمن حدود ضيقة جدا، كما أن معاملات الناس وبيوعاتهم وعقودهم ومواثيقهم وهباتهم فيما بينهم وسائر متعلقات « أحوالهم الشخصية » المختلفة ظلت محاكم القضاة الشرعية تحررها باللغة العربية، كما أن « خطب العرش » في كل سنة كانت العامة والخاصة من الناس تستمع إليها باللغة العربية، و« خطب الجمعة » والأعياد وسائر المناسبات الدينية كان لسانها عربيا مبينا.
والتعليم كانت له مراكز هامة تستمد إشعاعاتها من جامعة « القرويين » في كل من مراكش وتطوان وموريطانيا وجبال الأطلس، ثم اتخذت حركة الاستمرار العربية هذه شكلا آخر في مؤسسات التعليم الخاص أو التعليم الإسلامي الحر التي أنشئت على غرار مؤسسة « مدارس محمد الخامس » في الرباط وفي غيرها من المدن والقرى المغربية.
إن هذا الشكل من الاستمرار في الإدارة وفي التعليم لم تكن تشجعه إدارة الحماية الأجنبية بل كانت تحاربه بكل ما أوتيت من قوى وتضع في سبيله العراقيل المختلفة لتحاول أن تقطع هذا الاستمرار الذي لم يكن من الممكن أن ينقطع بحال من الأحوال، إن العربية تدافع عن نفسها في وطنها، ودفاعها وإن كان في صور سلبية فهو دفاع المستميت الذي يأبى إلا أن يستخرج من الضعف القوة ومن عوامل الفناء بواعث النهضة والبقاء، ولقد سعت الحماية جهدها لتقضي على العربية في « مهدها » فأفلحت إلى حد ولكنها لم تستطع أن تؤدي بخط الاستمرار التاريخي للعربية إلى الانقطاع.
ولقد قاومت العربية بجميع الوسائل الإيجابية أو السلبية الممكنة، وأذكر منها ها هنا للبيان والتوضيح فقط أن بعض الآباء ـ حبا للعربية وخدمة لها ودفاعا عنها ـ كانوا يعلمون أبناءهم القرءان الكريم.
ويتعهدونهم في حفظه وتجويده وإتقانه داخل بيوتهم الخاصة، فهل كان الاستعمار يستطيع أن يمنع هؤلاء الآباء من مثل هذا العمل داخل البيوت وهو لا يعلم به؟ إن هذا ما يفسر لنا كيف أن طائفة هامة من المغاربة الذين درسوا في المعاهد الأجنبية كانت تستطيع أن تقرأ العربية « اللغة الأم » وتفهمها وتعبر فيها تعبيرا متكسرا بعض الشيء رغم أنها لم تتعلم هذه اللغة في المدارس، بل إن من هؤلاء من قد استقامت له الكتابة السليمة فيها، والارتجال القوي المبين، وما ذلك كله إلا مظهرا من مظاهر دفاع العربية عن كيانها ووجودها في هذا الوطن المغربي الحبيب.
أما اليوم فإننا نرى الأبواب مفتوحة أمام العربية واستمرارها في جميع الميادين العامة والخاصة منها على السواء، إذ أن مختلف الإدارات المغربية ـ إلا ما قل منها ـ تقبل المراسلات العربية وترد عليها بالعربية، وتعتمد بعض الوثائق بها دونما حاجة إلى ترجمة أو تعجيم.
والتعليم قد زكت ساعات العربية فيه بالنسبة إلى أيام الحماية.
والأهم من هذا كله أنه قامت في البلاد كلها مظاهرات عامة وخاصة من قبل الهيئات الشعبية والرسمية منادية بالعربية والتعريب، وما ذلك إلا لتنبه الوعي العربي في البلاد وسعي العربية الحثيث للدفاع عن نفسها.
إن المستقبل في هذه البلاد للعربية ولأهل العربية، فما على الذين لا يحسنونها إلا أن يأخذوا لأنفسهم الحيطة منذ الآن قبل أن يصدمهم الواقع الناهض للغة العرب في هذه البلاد، إننا على أبواب انبعاث جديد، وكل ما ينبغي أن يقال بهذه المناسبة أن التاريخ لم يشهد البتة انقطاعا في خط استمرار العربية في هذه البلاد في أسوأ ظروفها، فكيف يمكن أن يحدث مثل هذا الانقطاع في وقت تنبهت فيه العربية وجاء أوان عزها ومجدها، إن العربية التي كافحت عاديات الزمن وفرضت نفسها في كثير من بقاع العالم يمكن لها اليوم أن تستعيد مكانتها رغم أن الواقع لا يزال يحمل لها بين طياته ضعفا ووهنا من آثار عصور التخلف السحيقة التي مرت بها في هذا القطر الحبيب وفي غيره من أقطار العروبة.
ومن هذا العرض الوجيز لبعض مظاهر استمرار العربية بالمغرب يمكننا استكناه سر هذا الاستمرار الذي يبرز أول ما يبرز في كون المغرب وطنا عربيا ومعقلا من معاقل العروبة الحصين، فكان طبيعيا أن تلتجئ إليه اللغة في أيام محنتها زمان عصور الانحطاط واستيلاء العناصر الغربية على مقدرات بلادنا ولغتنا، فاعتصمت العربية وامتنعت على الزمن بعزلة المغرب لنحافظ على نقاوة تراكيبها وصفاء أسلوبها وعربية مفرداتها، والمغرب اليوم يقع على عاتقه دين إعادة هذه اللغة الصافية إلى حظيرة الوطن العربي كله نقية الأسلوب خالصة المفردات والتراكيب.
ومن أسرار استمرار العربية بالمغرب قدرة هذه اللغة النادرة على معالجة الأفكار الأدبية والآراء المعنوية بأسلوب حقيقي أو مجازي، بطريقة حسية أو معنوية، بأسلوب حقيقي أو مجازي، بطريقة حسية أو معنوية، والمتتبعون لتطور العربية منذ نشوئها متفقون جميعا على إن الفكر العربي الأول، الذي تمثله قصائد الجاهليين والمعلقات منها على وجه الخصوص، فكر مادي سطحي يتتبع المحسوس ويغرق في هذا التتبع، ويخترع لكل حالة محسوسة إسما جديدا حتى لتجد عندهم للمسمى الواحد أسماء متعددة.. ولما جاء الإسلام وقامت دعوته الروحية على الأخلاق والمثل ونبذ الإغراق في المادة تلقحت العربية بهذا اللقاح الحضاري الذكي وأثبتت قدرتها على سعة المعاني الجديدة، عن طريق الاستعارة والمجاز والاشتقاق والوضع.
إن العربية مادية التفكير والتعبير في الأصل وليس بصعب ولا شاق على العربي اليوم أن يشتق أو يضع لأسماء المخترعات الحديثة في مختلف العلوم والفنون أسماء مادية جديدة لأن ذلك من طبيعة تفكيره، أما ألفاظ الحضارة فالعربية من أغنى لغات العالم بها، وما جد منه في العصر الحديث يمكن أن تسعه كما وسعت ألفاظ الحضارة الإسلامية في القديم.
إن العربية بالمغرب لا تعجزها المصطلحات العلمية المادية أن تجد لمسمياتها أسماء مناسبة للمسميات العلمية الحديثة، ولقد حفظت لنا معاجم العربية كنوزا غنية من هذا القبيل، وبذلك أدت العربية ما عليها وبقي على أهل العربية أن يؤدوا واجب العربية الذي في أعناقهم.
ومن أسرار استمرار العربية بالمغرب أيضا ما لهذه اللغة من ماضي مجيد في أرضنا، فلقد مضى على العربية في بلادنا عهد كانت فيه مدراس للنحو ومذاهب في العربية، كما كان للمشارقة، فقد كان يشار إلى المذهب المغربي أو الأندلسي في النحو كما كان يشار إلى مذاهب البصرة والكوفة فيه وإلى مذاهب أهل الشام والعراق ومصر، ولقد كانت لنا إلى جانب هذا كله في علوم اللغة وفقهها أو « آلتها » ـ كما يقولون ـ مؤلفات وآثار.
إن العربية اليوم تقف على أقدامها سليمة بعد الكفاح الطويل المستميت الذي خاضته خلال العصور، وما على أهل المغرب إلا أن يأخذوا بيدها لتثبت لهم طواعيتها ومساعدتها لهم في سائر الميادين.
لقد قابلت العربية « التحدي » بصبر وثبات، وقاومت عوامل الضعف والفناء، وهي لا زالت على استعداد مقاومة كل تحد بتحد مثله أو أكبر منه، لتثبت عبقريتها وخلودها واستمرارها على مر العصور.
وصدق الله العظيم « أنا نحن نزلنا الذكر، وأنا له لحافظون » ولغة « الذكر » هي العربية لغة المغرب ولغة العرب أجمعين.

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here