islamaumaroc

نظرات في البيان والتبيين للجاحظ -1-

  دعوة الحق

56 العدد

لا ريب في أن التراث العربي قد غنى بالمؤلفات الهامة المتنوعة ذات الروح العاكسة للشرق الملتقى بالغرب منذ حملة نابليون على مصر إن لم نقل منذ الحملة الصليبية الأولى، وقد جرت غزاوة هذه المؤلفات إنسان عصر النهضة إليها، وهذا الميل نحو التأليف المعاصر كثيرا ما وصم العقول بالنقض في معرفة حقيقة الحضارة العربية وجلالها، لأنها صدت ببنيها عن تمعن مظان هذه الحضارة والتماسها من ينابيعها الأولى.
لكن الانجراف خلف المؤلفات الحديثة ليس وحده المسؤول عن قلة الالتفات إلى كتبنا العربية الأولى، بل إن تآليفها اللامنهجي وتداخل مواضعها وغزارتها تجعل القارئ مضطرب الذهن مشتته لأنه لا يخلص إلى التزود من بغيته إلا بعد معاناة وقراءات مستطردة تطلعه على أشياء وأشياء قد تروقه ولكنها لا تجيب على سؤاله ولا موضوعه الذي يود البحث فيه.
وستعرض في هذا البحث المتواضع إلى الجزء الأول من كتاب البيان والتبيين للجاحظ محاولين تسديد النظر للاستفادة والانتفاع، لكننا قبل إجلاء هذه الخطة سنعرض في إيجاز لهذا المصدر الهام من مصادر أدب العرب ونبسطه كما وضعه مؤلفه الفذ أبو عمرو عثمان الجاحظ.

البيان والتبيين ج 1
عرض الكتاب :
يبدأ الكتاب بالدعاء للمهدى إليه ـ وهو أحمد بن أبي داود الوزير ـ فيعود به من الحصر والعي الذي ذمته العرب، ويورد لتثبيت رأيه طائفة من الشواهد النثرية والشعرية والقرآن، ثم يستطرد فيذكر « وأصل بن عطاء » الألثغ الذي تحايل على حرف الراء فأسقطه من جميع أحاديثه وخطبه لأنه كان لا يجيد نطقه، فكان إذا أراد كلمة البر قال القمح ثم يستطرد من الحديث عن كلمتي القمح والبر إلى الكلام عن المفردات التي غلبت على سكان المدينة، ولكنه ما يلبث أن يعود إلى واصل وسبب تسميته بالغزال.
ثم يخرج إلى القول المفصل عن اللثغة وأنواعها مثل السين المنطوقة طاء واللام المنطوقة ياء، ويذكر بعض من كانوا مصابين بهذه العاهة كما يورد طائفة من الشعر في ذم الخطباء المصابين بها ومدح الخطباء الفصحاء مثل قس الأيادي والبعيث المجاشعي والطرماح والكميت، وكانوا خطباء حكماء شعراء، وبعد أن يعود إلى آفات اللسان يقفز دون تمهيد إلى الكلام عن تجانس الألفاظ وتوافقها ثم يرجع الكرة إلى آفات اللسان ذاكرا بعض من اشتهروا بها مثل زياد بن الأعجم وسحيم وعبيد الله ابن زياد.
باب البيان:
بعد أن يعرف الجاحظ معنى البيان عند العرب والعجم ويحدد معناه يعتذر عن عدم إيراد هذا الباب في أول الكلام، ثم ينطلق إلى الحديث عن دلالات المعاني وهي خمسة : اللفظ والإشارة والإيماءة والعقد (أي الحساب) والخط، ويذكر شواهد لكل دلالة، ومن هذا الحديث يقفز إلى معنى البلاغة عند العرب والفرس والهند والروم. وكعادة أبي عمرو في الاستطراد يذكر أسماء البلغاء ثم تعريفاتهم واستحسانهم لأوصاف معينة في البليغ كالجهورة والتشادق وترصيع الكلام بالآيات والأبيات الشعرية ولكن الجاحظ يطفر بغتة إلى بقايا ثمود، ثم يفرد للصمت وفوائدها صفحات من كتابه، ولكنه يتركه إلى الكتابة عن النساك، والزهاد وعلماء النسب، وخلال حديثه عن البلاغة وما يتصل بها كان يجنح الفينة بعد الفينة لذكر الاستشهاد أي للخروج عن الموضوع بذكر ألوان الطعام مثلا.
ومن هذا المزيج العجيب في الموضوعات وتداخلها ينتقل الجاحظ إلى الألقاب وغلبة بعضها على الأسماء الحقيقية لأصحابها، ثم يتحمس في الرد على الشعوبية التي عابت على العرب اتخاذهم للعصى والقناة أثناء الخطبة، ثم يختم كتابه بما قيل عن فصحاء العرب وحزمهم وشدتهم مثل زياد بن أبيه والحجاج الثقفي.

محاولة منهجية لحصر مواضع الكتاب :
نستطيع من هذا العرض الموجز للجزء الأول من البيان والتبيين الذي تنيف صفحاته على 420 أن نتبين الصعوبات التي تعتري الباحث في تصنيفه فهو أشتات لأبواب مضطربة متداخلة، وسنحاول حصرها تحت ثلاثة عناوين رئيسية هي :
1) الكلام البليغ . 2) البلغاء. 3) الاستطرادات وهي نوعان :
أ‌) ـ استطرادات تتصل بالموضوع العام.
ب‌) ـ استطرادات لا تتصل بالموضوع العام.
ملخص لهذه الأقسام
1) الكلام البليغ :
قيل لليوناني : ما البلاغة؟ قال تصحيح الأقسام واختيار الكلام. وقيل للفارسي : ما البلاغة؟ قال معرفة الفصل والوصل. وقيل للرومي: ما البلاغة؟ قال : حسن الاقتضاب عند البداهة والغزارة يوم الإطالة. وقيل للهندي: ما البلاغة؟ قال : وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الأشارة (*)» ويقول الإمام إبراهيم بن محمد : « يكفي من حظ البلاغة إلا يؤتي السامع (*) » ويقول الجاحظ معلقا على قول الإمام إبراهيم : أما أنا فأستحسن هذا القول جدا.
وقد اتفقت أكثر أقوال البلغاء بأن البلاغة الإيجاز، وإن اختلفوا في تحديد مفهوم هذا الإيجاز فقد سأل معاوية صحار بن عياش العبدي: ما الإيجاز؟ فأجاب : هو حذف الفضول وتقريب البعيد، وقد مدح العرب الكلام الجزل الصافي الخالي من التكلف. وـ عن الجاحظ « إن الاستعانة بالحوشي من الألفاظ عجز وتقصير » وكان العرب يودون أن توافق الألفاظ معانيها فتحمل أو تسف في المحل المناسب لكل منهما، يقول الجاحظ : ومتى سمعت حفظك الله بنادرة من كلام الإعراب فإياك وأن تحكيها إلا مع إعرابها أو مخارج كلام المولدين والبلدين خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير، وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام فإياك وأن تستعمل فيها الإعراب أو أن تتخير فيها لفظا حسنا فإن ذلك يفسد الإمتاع (*) ».
وارتأى العرب أن يعتني البليغ بالأسلوب في غير صنعة أو تكلف فإنه « ليس للبليغ أن يهذب أسلوبه وينقحه ويصفيه ويروقه حتى لا ينطبق بلب اللب.. فإنه إن فعل ذلك لم يفهم عنه إلا بأنه يحدد لهم إفهاما مرارا وتكرارا لأن الناس كلهم تعودوا المبسوط من الكلام وصارت أفهامهم لاتزيد على عادتهم » وعابوا السجع في الكلام لأنه مدعاة للافتعال « ولأن كهان العرب الذين كان أكثر أهل الجاهلية يتحاكمون إليهم.. كانوا يتحاكمون ويتكهنون بالأسجاع (*) » واستحسنوا أن يتضمن الكلام البليغ استشهادات من المنظوم والمنثور إن كان قرآنا أو حديثا، وعابوا فيه وحشية اللفظ وغرابة المعنى.
2) البلغاء :
مدح العرب في البليغ ذلاقة اللسان وعابوا عليه اللكنة واللثغة والتقعير، والحصر والعي.. كما اشترطوا فيه موازنة اللفظ بالمعنى « فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني ويقسم أقدار المقامات وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات (2) » واستحبوا فيه أن يكون جهير الصوب، متشادقا « لذلك مدحوا سعة الفم وذموا صغره (1) » قال عمرو بن سعيد :
تشادق حتى مال بالقول شدقه
           وكل خطيب لا أبالك أشدق (3)
كما ذموا في البليغ الأطناب دون مبرر، والغوص في غرابة المعاني والصور، والنزوع إلى الوحشي من الكلمات بغية التستر من الوصم بالقصور والعجز، ومدحوا فيه الإلمام بالموضوع ووضع الكلمات المناسبة لكل حال، فقد تخير علماء الكلام مثلا الألفاظ الملائمة للمعاني المقصودة « واشتقوا لها من كلام العرب أسماء، واصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم فصاروا في ذلك سلفا لكل خلف وقدوة لكل تابع (*) ». وحبدوا في الخطيب البليغ حين يخطب أن يعتمد على القوس أو القضيب والتلويح به أثناء الخطبة اندماجا منه في الخطبة ومغالاة في الإقناع.
3) الاستطرادات :
أ ـ استطرادات في الموضوع : الاستطراد سمة من سيماء أسلوب الجاحظ (وستعرض لذلك فيما بعد) لذلك نجده يتحدث في مواضع كثيرة عن واصل بن عطاء لآفات لسانه من جهة ولقيمته كمفكر وخطيب، ونجده في جزء آخر يسهب في ذكر الشواهد عن حسن التخلص من الخصوم بحسن التفكير وجيد القول لأنه يعطي صورة للكلام الموجز المقنع...
ب ـ استطرادات زائدة : وهي شوائب لا تخدم الموضوع مثل حديثه عن بقايا تمود، وعن الحمير وأصناف المأكولات والألقاب.

 (1) البيان والتبيين ص 111. *) نفس المصدر ص 120. *) أيضا ص 172.
(2) */*/*
(3) /*/*) البيان والتبيين ص : 168 و 307 و 166 و 146 و 147 و166.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here