islamaumaroc

مع قصيدتي التواتي والحلوي

  دعوة الحق

56 العدد

مجرد رأي، هذا الحديث المقتضب عن قصائد العدد الثاني، إنه مجرد خواطر.. وليس نقدا، بالمعنى المألوف لكلمة نقد، إنه، وبإلحاح، مجرد رأي.. رأي رجل عادي يستهلك الأدب، ويتذوقه..
وقد حفزني إلى كتابة بواعث عدة، منها أن القصائد المنشورة بهذا العدد، خرجت على العموم، عن الكليشية الدائم الذي يكاد أدباؤنا، ولا سيما الكبار منهم، يكرسون له كل نشاطهم الأدبي، وأعني به أدب المناسبة، أية كانت هذه المناسبة..
إن ثلاث قصائد من الأربع المنشورة، لا تتصل، بسبب ما، بأية حركة أو زمن، بل هي تجارب تعالج قضايا يمكن معالجتها في أي زمان أو مكان.. أو هي تجارب تعالج قضية ما..
العدد إذن، يضم بين دفتيه أربع قصائد، وقد وعد العنوان أن نتناولها كلها بالحديث، إلا أننا في الحقيقة، لن نتحدث إلا عن قصيدتين من أربع..
وهما « سر الحياة » للشاعر التواتي و « عذراء » للشاعر الحلوي. (1)
لعل تقديم الأستاذ التواتي لقصيدته بعد بأن تكون القصيدة رمزية، ثرية الصور، كثيفة عميقة... فهل يوجد شيء من الرمزية والتصوير الشعري في هذه القصيدة؟
أهي كثيفة المضمون، عميقته، كثافة وعمق التقديم؟ أتضم بين تضاعيفها شيئا عن هذا التقابل الجميل بين الخلايا البانية، والخلايا المحطمة؟ بين الأنماط البشرية المنتجة، والأنماط الأخرى المستهلكة
إن الفكرة الرئيسية التي تستند إليها القصيدة، وتأخذها كمنطلق إلى التجربة، فكرة تمس المشكلة الأخلاقية في الوتر الحساس، فالقصيدة، تستند، وتساند بوضوح، نظرية الخير المطلق، الخير لنفسه، بقطع النظر عن الجزاءات.
فالشاعر، في قصيدته، ملتزم، إذن، وهو يعتنق فيها، وعى أم لم يع، مذهب الفن للأخلاق..
ورغم أن فكرته هذه عظيمة، إلى حد أنها ربما كانت أبرز أساس لظهور الفن الملتزم الهادف، أو كما يسميه النقاد الفن للحياة، رغم عظمة هذه الفكرة فنحن لن نقيم القصيدة تبعا لها، لأن الفن العظيم، ولا سيما في ميدان الشعر، ليس بذي ارتباط بالفكرة أو الموضوع الذي يعالجه، بل بالعناصر الجمالية التي تكمن فيه، ولو كان يتناول أتفه الموضوعات..
كما أننا لن نؤاخذ المنتج على أن الفكرة تناولها الفن، في شتى ميادينه، منذ شيوع مذاهب الالتزام، بل وحتى قبل شيوعها، لن نؤاخذ الأديب على ذلك أبدا، لأن هذه المؤاخذة ليست من حقنا، فالموضوع، عادة مادة خام مشاعة للجميع..
إنما الذي نؤاخذه عليه، هو مدى أصالة تجربته، ومدى تكافئها مع الموضوع الضخم الذي أراده.. نؤاخذه على مدى جودة العناصر الجمالية والأجواء النفسية التي بسطها لنا على مائدته الشاسعة..
نؤاخذه على مدى ترابط القصيدة العضوي كما يقول النقد الحديث، أو وحدة القصيد كما يقول النقد الكلاسكي..
فهل هناك وحدة؟ هل هناك ترابط عضوي بين أبيات القصيدة، هل تم ائتلاف وانسجام بين تضاعيفها، هل تخلق في قارئها جوا نفسيا معينا.. هل كان الشاعر موفقا في ملء الثغرات عبرها؟ أو بأبسط تعبير، هل عاش الشاعر تجربته وعاناها بالصبر والأناة اللازمين؟ لنعبر القصيدة إذن لنرى ماذا فيها من عناصر جمالية شكلا ومضمونا:
يبدو لي أن الشاعر يرمز بالبحر إلى « المجال » أي إلى « الأنا » في احتكاكها بالأنوات الأخرى وبالأشياء والأحداث، مؤثرة ومتأثرة، في دينامية مستمرة.
كما يرمز بالنهر إلى الأنا، أي إلى الشاعر نفسه، لأن الشاعر ينصهر في « المجال » بالمفهوم الذي أشير إليه، ومنه ينطلق، وإليه يؤوب، كما ينطلق النهر من البحر ويؤوب إليه.
وليس ضروريا أن يكون الشاعر رمى، واعيا، إلى الحلولية العميقة الإيحاء، التي تشيع في الرمز المشار إليه، ولا يعنينا هل قصد إلى اتخاذ هذا الرمز كخط رفيع يربط بين سطح القصيدة وخلاياها الخفية... أم لا..
لا يعنينا أكان الشاعر واعيا أم لم يكن، فمن حقنا، إن لم يكن من واجبنا، أن نؤول أثرا أدبيا ما على النحو الذي نرتئيه، مادام هذا التأويل لا يتجنى على الأثر.
بل أن مطلع القصيدة يوفر لنا بعض الدلائل التي توجب علينا الأخذ بهذا الرمز.. وتكاد تؤكد أن تأويلنا للأثر على هذا النحو لم يكن اعتباطا...
...وشكا النهر للمحيط فأصغى في سكون ويقظة وأناة فهذه الواو والمسبوقة بنقط، والتي تأخذ بقفا المطلع، تدل بعمق على استمرار الحياة، أي أن النهر (الشاعر)، الذي يتحدث، لم يأت إلا بعد قطع أشواط بعيدة مما يتحدث عنه، ويشير بالواو والنقطتين إلى أنه لا يستطيع أن يتحدث أو يعبر عنها، ويترك للمتذوق أن يتخيلها عملاقا يمتد من النقطة الأولى إلى الوراء...
وكلمة المحيط، التي استعملها الشاعر « النهر » في المطلع بدل البحر؟ أليست مرادفة للبيئة التي يقرب مفهومها من مفهوم المجال، حتى عند علماء النفس، وعلماء المجال، الذين يحرصون على تحديد مدلول الألفاظ.
وأخيرا، هذا الإصغاء الساكن اليقظ المتأني الذي يصف به البحر « المجال » هل الشاعر مخبول حتى يسوق مثل هذه الأوصاف لبحر حقيقي، وهو يعلم أن نسبة كبيرة من صائدي الأسماك، ينتهي بهم الأمر لفقد السمع، لصخب البحر، أو يبتلعهم شبابا لعدم أناته.. واستحالة سكونه..
نحن، إذا، إزاء بيت من الشعر قد يستهان به، ويعتبر من أسف أنواع الشعر، لو أغفلنا هذه الرمزية القوية الإيحاء التي تسربله..
فلنتمسك بها، رمى الشاعر أم لم يرم إليها، ولنحاسبه فقط عن مدى احتفاظه بهذا المستوى العالي في قصيدته، عن مدى وفائه أو تنكره للرمزية في تضاعيفها، عن مدى ارتجاله؟ وأناته وهو يعانيها.
يبدأ « النهر » شكاته مباشرة بعد هذا المطلع الجيد، فانظر إلى شكواه كيف بدأها، وهي منسجمة مع المطلع :
قال : يا أصل مالنا نغرق الكون دواما بمغريات الحياة؟
إنه لازال ذا صلة بالرمزية التي تلهب المطلع، لولا هذه « الدواما » التي يلوح، من بعيد، أنها احتلت مقعدا لم يهيأ لها إلا اضطرارا حتى ليخيل إلي أن مكانها شاغر..
ويستمر الشاعر في شكواه، ثم تتدفق عليه، وتكتسحه، تماما كما يكتسح الطوفان النهر، فتمتد مياهه المشوبة بالقش، والشوك، والجثث، وتصبح جسما ملتحما مع النجد والصفصاف.
إن الشكوى  أجفلت بالشاعر فلم يستطع أن يكبح جماحها، فإلى أية هاوية ساقته؟ إن جماح شكواه أدى به إلى التنكر إلى نفسه، فكررها، وناقضها، وانحط بها إلى الأرض، بعد أن انطلقت من أجواء عالية..
سطر الشاعر بضعة أبيات يمكن اعتبارها، على نحو ما، منسجمة مع أجواء التجربة كما انطلق بها :
ونحيل الحياة غراء تسبي بسناها ضمائر الكائنات؟ والبرايا لولا حمانا هباء والوجود الجميل لحن شكاة؟
ربما أغرانا بالوثوق من أن الشاعر لا زال ينشد التكامل لرمزية أغرانا بالوثوق من أن الشاعر لا زال ينشد التكامل لرمزية قصيدته، ما في « نحيل الحياة غراء » من إشارة إلى تضافر، المجال، والشاعر، في خلق الفن الجميل، الذي يسبي ويسحر ضمائر الكائنات.. وما في « البرايا، لولا حمانا هباء » فالإنسان الذي لا يتوفر على العاطفة الاستاطيقية، إنسان غير متكامل، والشاعر، ومحيطه، أو بالتعميم الفنان ومحيطه، هما اللذان ينميان هذه العاطفة ويرعيانها..
ولكنه لا يمضي إلا قليلا حتى يتنكر إلى تجربته، وإلى نفسه، كما سبق، فيضطر إلى تسجيل أبيات في القصيدة لا مبرر لها.
ثم لننظر إلى البيتين التاليين، إنهما معنى واحد في قالبين، مع استعمال اسم الفاعل من ضاع يضوع وهو غير مستعمل.. ثم أنظر إلى هذا البيت :
أترى الأرض يا أبي والبرايا عرفوا سرنا وسر الحياة؟ إنني أكاد أجزم أنني لم أكن موفقا في تأويل مطلع القصيدة، لأن في البيت تنكرا بينا.. لأن الشاعر لو رمى ولو نصف واع، إلى الرمز بالبحر والنهر إلى ما أشرنا إليه، لكان يدرك في قرارة نفسه، تلقائيا، أن البرايا هي أهم عناصر « المجال » وهي التي تلهمه، ثم تستهلكه، ولما تساءل هل هي تعرف سر الحياة، لأنها هي نفسها وهو ضمنها، سر الحياة.
إن هذا البيت قطع صلة ما بعده بما قبله، بل وخلق موضوعا جديدا، يصلح لقصيدة أخرى.. وليست هذه هي المرة الوحيدة التي يتملص فيها الشاعر من موضوعه، وينخرط في موضوع آخر، بل إن ذلك يتكرر بكيفية توحي بأن الشاعر يعمد إلى ذلك بإصرار، كأني به يريد أن تكون قصيدته طويلة، حتى ولو على حساب أعصابنا.
أيريد الشاعر أن يثبت لنا أنه متوفر على ما كان يسمى في النقد الكلاسكي بطول النفس.. إذا كان الشاعر يريد أن يثبت لنا ذلك فليتأكد من أن طول النفس لم يعد يفيده إلا إذا كان من هواة صيد الأسماك بالحربة، أما في الشعر، فلم تعد الأثار الشعرية تقيم بالكم، بل بالكيف، لأن الزمن الذي كان فيه الشاعر يرتجل قصيدته على أناس بسطاء، ساذجي الثقافة الفنية، قد مضى، مضى الزمن الذي لم يكن يتاح للمستمع فرصة إمعان الفكر في بيت، حتى يفاجأ بآخر.. فلا يكاد يفطن إلى أن الشاعر انتقل من موضوعه، أو ناقض نفسه.. مضى الزمن الذي كان الناقد يجعل رجلا أشعر الناس من أجل بيت.. وأتى زمن انتشرت فيه الطباعة وعمت فيه الثقافة، وتمت العاطفة الجمالية بين كافة الطبقات، وارتبط العلم والفن والثقافة بالخبز.... فما معنى انتقال الشاعر بقرائه في قصيدة واحدة من موضوع إلى آخر، في هذا العصر، إلا إحدى حالتين : إما أن يكون الشاعر يحتقر مستهلكيه، أو أنه ليس عنده ما يقول: وإلا فما معنى أن يأتي الشاعر التواتي بعدة موضوعات في أثر واحد، هل نحن لازلنا في عصر طرفة والنابغة؟ وما معنى أن يكرر المعنى الواحد في عدة صيغ:
وأرانا ـ أبي ـ نواصل، لا أدري لماذا، طريقنا في صمات نحن مازلنا ـ في جنون ـ نحث السير لاننثني عن الخطوات نصل الليل بالنهار دؤوبين على السير في خطى ثابتات
هل هناك أي فرق بين مدلول أي بيت وآخر من الأبيات الثلاثة السابقة، وليتها كانت المرة الوحيدة التي يرتكب فيها هذا، عبر قصيدته، أنها تتكرر بفظاعة.
فما الذي دعا الشاعر إلى تكرير معانيه هل يتصور أننا لن نفهم ما يقول لو صاغه في قالب واحد.. فليثق أننا، كمتذوقين، حتى إزاء الشعر الغامض، نلتذ بالاحتراق في سبيل فهم ما يرمي إليه الشاعر، ونعتبر بالشاعر الذي يرمز إلى المعنى، ويترك لنا المجال لمتابعته، أقول نعتز بهذا الشاعر لأننا نشعر أنه يشركنا في أجوائه، ويعتبر قدرتنا على الفهم.
أم أن الشاعر التواتي يريد فقط أن يثبت لنا أنه متوفر على ملكة لغوية واسعة تساعده على أن يصوغ المعنى الواحد في عدة أشكال..
إذا كان هذا ما يرمي إليه، فليتأكد من أننا مقتنعون به، ونزيد في تقديرنا لملكته اللغوية لو قال لنا، بدقة، ما يجمل أن يقال، ولم يملأ علينا جسم قصائده بكل ما يخطر له.
وليتأكد الأخ التواتي أنه لو اكتفى بموضوعه، وقصد إلى التكامل والتكافؤ بين تجربته، والجو الذي بداها به، لأتانا بتجربة ناجحة، ولما أوقعه ارتجاله في هذه الهفوات التي شوهتها كانتحاله جموعا غير موجودة في قواميس اللغة كسافنات بدلا من سوافن، وعزمات بدلا من عزائم اضطرارا لوزن أو قافية أبيات هي نفسها، بمدلولها وشكلها مما شوه القصيدة : ولما أتى بمثل هذه العبارة العامية : « ومضت ساعة وأخرى تلتها »، ولعله لو عاد إلى تجربته، متأنيا كإصغاء بحره، ومتخليا ـ ولو مؤقتا ـ عن « نرجسيته » ومتهيئا نفسانيا، لهذه العودة، كما يتهيأ المرء لقراءة غيره، أقول لو عاد إليها وحاول جادا أن يشذ بها مما اكتنفها من أعلاق، لجعلها أسلم مما هي عليه.. لأن شاعريته لو أراد تسمح له بذلك.
ونكتفي بهذا القدر من الحديث عن قصيدة الشاعر التواتي، وننتقل إلى الحديث عن الشاعر الحلوي.
والشاعر الحلوي لا يحتاج إلى تقديم، ومكانته في الأدب المغربي المعاصر تعلن عن نفسها، فقد عاش فترات قاسية، وظروفا أخرى متناقضا بعد الاستقلال وعبر عنها، وهو في شعره الحماسي يصول ويجول.. وقصيدته « عذراء » التي نشرها في العدد الثاني، رغم أنها ابتعدت عن الميدان الذي يملك فيه الناصية، إلا أنها اتسمت بنفس القيم التي تتوفر في شعره، من قوة في التعبير، ووضوح في المدلول، مع تخير لللفظة المناسبة، ومحافظة على مستوى الأثر من الناحية الشكلية على الأقل..
أما من حيث المضمون فأفضل أن نناقش مع الأستاذ الحلوي بقدر الإمكان..
منذ قراءتي الأولى لقصيدة الشاعر الحلوي « طالعتني » ثغرة فادحة في مطلعها، لدرجة أنني تمنيت لو استغنى الشاعر عن هذا المطلع، سيما وأننا لن نخسر شيئا، فالعنوان ينوب عنه بما فيه الكفاية.
يقول الشاعر :
تلفتت ظبية (كدت أكتب مطلع شوقي): 
                     تلفتت لفتة الظبي الذي ذعرا
عذراء تنفر ممن مس..
إلى حد هنا لا زالت الأمة بخير، فالثغرة المشار إليها تكمن في قفل البيت: .. أو نظرا.
إذ أن العذراء، والأنثى عموما، لا تنفر أبدا ممن ينظر إليها، بل هي تقضي الساعات الطوال في التزين والتحلي قبل أن تخرج.. وهي تعلم أنها لا تفعل ذلك إلا لتجلب الأنظار إليها..
ولعل الأستاذ الحلوي أعلم منا بامرأة جميلة، عاشت في صدر الإسلام، حفظ التاريخ أنها كانت « تتبرج » عمدا، ليراها الناس، وتعتذر لمن يلومها بأنها حباها الله مسحة من جمال ومن الكفر بنعمته أن تخفيها عن الناس.
فكيف بالعذراء في عصر السفور والتبرج، أضف إلى ذلك أن النظر إليها يفرض غاية نفعية، لأنها عذراء، وكل عذراء تنتظر خطيبا، وخطاب اليوم لم يعودوا عميانا.
فحبدا لو حذف هذا البيت، لأنه، حتى لو لم تخترمه هذه الثغرة، لا يليق أن يجاور ما بعدها :
تلفتت فرات صبا يلاحقها
       بطرفه وجرت مرتاعة فجرى
إن التصوير الشعري الجميل، الذي يشيع في هذا البيت، يكاد يجسم المنظر أمام القارئ كأنه يراه... ثم انظر معي إلى البيت الذي بعده، وما فيه من خطابية وتقرير، فضلا عن انتقال الشاعر من التحدث عن العذراء بضمير الغائبة إلى مخاطبة ملاحقتها ثم انظر إليه كيف انتقل، مباشرة، إلى إتمام أوصاف العذراء. ثم أمعن معي النظر في هذين البيتين:
مرت أمامك في تيه وفي خفر
            وأطعمتك فلم تلحق لها أثرا
وطفاء وارفة الأهداب ترمق كالـ
            ـوسني لتحجب عن عشاقها الحوار
فبعد أن وصف الشاعر العذراء بأنها تنفر ممن ينظر إليها، عاد فاتهمها، وبكل وضوح، بأنها أطمعت صاحبها، وبأنها تعرف أن لها عشاقا كثيرين تتصنع وضعا معينا لعينيها لكي تخفي عنهم حورها.. أتكون الفتاة لا ترتاح إلى من ينظر إليها، وتنفر منه، ثم في نفس الوقت، تغرر بفتى، وتطمعه، ثم تهرب وتعرف أن لها عشاقا يرموقونها وتمر بينهم كأنها نائمة.
إن هذا التناقض ليس بينه، عند الأستاذ الحلوي إلا ثلاثة أبيات من الشعر.. ثم هذا البيت :
حوراء ضاقت برضوان وجنته 
               والحور والحسن منظوما ومنتثرا
لعل الشاعر يريد برضوان وجنته، أبا الفتاة وبيتها، ولكن كيف نحلل اللغز الذي يكمن وراء عجز هذا البيت هل اضطره إتمام البيت إلى حشد شطر كامل، ليس له مدلول.
ثم انتظر، إنني أكاد أصعق، أنظر إلى هذا البيت :
تبسمت فأضاء الليل مبسمها :
العل الفتاة التي تنفر من النظر قد استغفلت أبويها، وخرجت من البيت، وبالليل، لتسابق الشبان في الأزقة المظلمة.
أن أن الشاعر انتحل الليل، فقط، ليهول علينا بهذه المبالغة التي جعلت ابتسامتها تضيء الليل كله.
ولنكمل البيت :
سبحان الله، تحول إشعاع العذراء فجأة وبدون مناسبة، وشع لي من الصب الملاحق، إلى الشاعر الهادئ، وباليته وقف عند هذا الحد، بل إنه جعل الشاعر مدنفا مريضا : بها، أي بحبها :
ـ وأنا المضني بها ـ قمرا
يخيل إلي أن الشاعر انتقل بنا من تجربة إلى أخرى... فلنمض :
كبرت لما رأيت الفجر قد سطعت 
                  آياته، ولمحت البشر قد غمرا
كنت أوشك أن أنتهي من الحديث، حين انتقل الشاعر، بدون مناسبة، من تجربته.. ولكن الشاعر كبر، فلا أقل من أن ننتظر الصلاة معه.. فلننظر إليه كيف شبه أسنان العذراء بالبتلات :
فم تفتح عن ماس كما انفتحت
             براعم الزهر عن بتلاتها دررا
إنني خلال كل انطباعاتي عن الزهور وبتلاتها لم أعرف من الزهر إلا الذي بتلاته داكنة سمراء كأسنان الحشاشين.
وينهي الشاعر أوصافه التي زفها إلى العذراء، أو تنتهي به الأوصاف التي يمكن أن تقال في مثل هذا المقام إلى هذه الصورة الشعرية المتكاملة.
ربيبة الشمس لا تلقاك كاسفة
                 ولا ترد إليك الطرف منحرا
فهنا نجد شاعرية الحلوي قد وقفت إلى خلق تشبيه ينبض بالحياة والعمق، فالفتاة الجميلة سافرة لا يستر وجهها النقاب، ولكنها لا ترد الطرف منحرا.
وفي البيت ما يناقض المطلع، ولعل الشاعر رجع إلى الواقع فعبر عنه، ثم يستمر الشاعر في قصيدته يتحدث عن أشواقه، وعن حبه المثالي، وعن عذابه في هذا الحب العذري إلى أن يصل إلى هذا البيت الذي يفضح التكلف الذي تتسم به القصيدة كلها :
حملت صدري منها ما يضيق به 
                     صدر الولوع، وما يهذي به الشعرا
إنه حمل قلبه فوق طاقته، في حبها إلى درجة أنه أحبها حب الشعراء، وهو يعلم أم وفاء الشعراء في الحب العذري نادر جدا، ولم يعرف منه تاريخ البشرية إلا حالات معدودة...
ثم يستمر الشاعر ينشج على هذه النغمة إلى نهاية القصيدة.. ونحن لو أعدنا قراءة القصيدة وأمعنا فيها النظر، رغم أنها تنفر من النظر إليها، سنتأكد من أن الشاعر كتب لنا قصيدتين كل منهما لم يلق حظه من اهتمام الشاعر، ولعل السبب في ذلك، أن الشاعر لا يجد صعوبة ما في نظم قصائده، فيكتبها وبمجرد انتهائه من تسويدها يدفعها للنشر، وذلك لطول ممارسته للنظم، والقارئ المتذوق يستطيع أن يستشف من إنتاج الأستاذ الحلوي أنه لا يعاني مشقة ما في قرض الشعر.
فليعلم الأستاذ الحلوي أن السهولة علامة سيئة، في عرف علماء الجمال، إذ هي دليل قطعي على أن الشاعر لا يتجاوب نفسانيا مع ما ينتج، ثم إنني أتساءل هل يكلف شاعرنا نفسه مشقة إعادة أثره، بعد انتهاء فترة الإبداع، محاولا أن يكون متذوقا عاديا، يحاول أن يكيف ما وقع فيه، في اللاوعي، من تناقض أو تشويش في صلب تجربته المحققة، أم يكتفي بسهولة النبال الشعر عليه.
وأرجو أن يطالعنا الأستاذان بتجارب عانياها بعناية أكبر.

(1)راجع القصيدتين في العدد الثاني من هذه السنة

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here