islamaumaroc

حول قصيدة "موكب الربيع"

  محمد الحلوي

11 العدد

 ليس من شك في أن المخلصين من شباب هذه البلاد والعاملين من أدبائها قد عقدوا القلوب والأيدي لبناء نهضة أدبية تواكب النهضة العلمية والاجتماعية، وتسد الفراغ المخيف الذي نشعر به جميعا، وتحول هذا الركود المطبق إلى حياة دافقة ونشاط فكري رزين ومن واجبنا ونحن نحاول بناء هذه النهضة على أساس صحيح أن تتلافى الأخطاء وتنشد الكمال منذ بداية الطريق وفي جميع المحاولات، وبذلك نستطيع أن نتضافر لخلق أدب مغربي صحيح، وانتاج نظيف يشرف الحاضر ويتلاءم وعظمة الماضي المجيد.
ذكرت بهذا لأني قرأت في العدد العشر من (دعوة الحق) الفيحاء قصيدة للشاعر الأستاذ عبد الكريم التواتي، يرحب فيها بالربيع ومباهجه. وينقلها معه في جو من الزهور والأحلام إلى ربوة الحب مهيبا بالحبيب أن يغوص معه على اللذات ويتركا معا دنيا المضحكات.
وقد وقفت مليا أمامها لأنها شعر ربيع هذا المغرب الجميل الساحر بطبيعته والغني بمفاتنه، وعشت لحظات في أجوائها التي تعج بالطيب والانسام والأحلام والعرائس والخرير والشحارير، وما شئت من هذه الأشياء التي احتشدت متدافعة، فكان تزاحمها على الذهن وتساوقها في اطراد وفي نفس واحد، مضعفا لجمال الصور الشعرية وعاملا في تقلص ظلالها.
قرأتها فوجدت نفسي انساق مع أجراسها الموسيقية، وانساب مع أغانيها وشطآنها، واستهواني-بحق- موكب الربيع تباركه عرائس الجنان، وتضفي عليه من سحرها سحرا ومن شبابها شبابا، تغنيه في إبداع، فيمضي الموكب وفي يمناه نايه السحري، وفي يسراه بسمات الفجر المطلولة. كانت هذه الصورة أجمل ما في القطعة وأبدع ما تفتحت عنه شاعرية الأستاذ...
وكان إلى جانب هذه الصورة الفنية البديعة-مع الأسف- أبيات فيها عثرات، كنت أتمنى أن يخلو هذا الموكب منها، ليكتمل فيه جمال الفن وحسن الأداء، وكنت أتمنى أن يكون الأستاذ أكثر يقظة وانتباها، فإن لشيطان الشعر كبوات طالما أودت بعباقرة الشعر، فهل يتفضل الأستاذ فيتقبل هذه الملاحظات المتواضعة، ويتسع صدره لمثلها، لست أدري ؟.
أحب أن اعرف أولا رأي الأستاذ في كلمة (ثاملات) التي هي أول ما يبدو في مطلع القصيدة، وما الحاجة إلى هذه الألف في مثل هذه الكلمة... وهو بالطبع سيسلم أنها من (ثمل) كفرح وطرب، ولن يصح أن نقول ثامل، إلا إذا صح أن نقول : طارب، ومن المفيد أن نذكر وجود (ثامل) وهو السيف القديم العهد بالصقل، والبلد الذي يتسع للإقامة... فالألف كما رأيت دخيلة، ليس في الاحتفاظ بها إلا مخالفة لنصوص اللغة، وليس في الاستغناء عنها ما بخل بالوزن الشعري الذي اختاره لموكبه.
ويتحدث الأستاذ عن خرير النهر في البيت السادس فيقول :
فيسر الشطآن والورد تحايا الربيع في همسات
أي أن الخرير يهمس بتحياته في أذن الشطآن والزهر كما لو كان يلقي إليه بسر، وهو هنا أيضا يتنكب الاستعمال اللغوي الصحيح لكلمة (يسر) فبعديها إلى مفعولين، وهي لم ترد إلا على نحوين أسر السر : كتمه، واسر إليه بالأمر : حدثه به سرا. وجربا مع اللغة التي ينظم بها يجب أن نقول : يسر إلى الشطآن بتحايا الربيع ولكنه لم يفعل.
ويذكر عرائس الجنان وهي تغني للموكب في البيت الحادي عشر فيقول :
ثم غنته في اتساق وإبداع مشوقين آبها المغريات ومحط النظر هنا يتوجه إلى كلمة (مشوقين) ذلك أن المعنى المفهوم، والذي قصد إليه الأستاذ ولم يقصد إلى غيره، ان غناء العرائس كان في إبداع وانسجام رائع معجب جذاب، يستهوي الأسماع ويأخذ بالاباب، فهو كما ترى معي إبداع واتساق معجبان شائقان وليسا بمشوقين...
ومرة أخرى يصر الأستاذ فيستعمل كلمة يسر في البيت الثاني عشر كما استعملها أولا فيقول : فمضى موكب الربيع يسر الكون ما قد وعى من الآيات
فهل يتفضل فيضع يدنا على نص بهذا الاستعمال ؟ وبماذا يجيب عن هذا البيت الموالي لهذا بالضبط وهو يتحدث عن الموكب فيقول : حاملا في يمينه نايه السحري يوحي الوجود لحن الحياة
هل سيكون في حاجة إلى أن نقرر أن أوحى لا تطلب إلا مفعولا واحدا في لغة القرآن والشعر، (فأحى إلى عبده ما أوحى) فكيف جاز للشاعر أن يسلطها على مفعولين معا، ويستدرك على العرب فيها وجها لم يعرفوه ؟
وفي جو الحب والنشوة العارمة يتحدث عن روحي الحبيبين فيقول :
وهنا-يادنياي- ذاقا أطاييب الأماني في صبوة الرنات
نقرا البيت فلا نلبث أن نتعثر بهذه الياء في الاطاييب، وهي ياء طفيلية لا تقرها العربية، إذ أن الشعري تحكم في الشاعر فضغط على الكلمة ضغطة تمضخت عن هذه الياء الغير الطيبة.
وابتعد بك قليلا عن جو النقاش العلمي لأعرض على ذوقك هذه الصورة الأدبية في معرض الهوى والصبوات، على شرط أن تسد اسماعك قبل أن تقرا معي هذا البيت الجشع :
      هاهنا فوق ربوة الحب نستعذب في لذة-صدى القبلات
أليس مما تتقزز منه النفوس وتمجه الأذواق السليمة يا أخي الأستاذ، هذه الأصداء الفظيعة، توحي إلى السامع بهزيم الرعد فرقعة القنابل ؟ ما أظن أن أحدا له حظ من دوق يستعذب هذه الجلبة الصاخبة ويستطيب هذه الأصداء، حتى ولو كان أدرد متهدم الأسنان ليس له إلى التخلص من الأصداء والتمطقات سبيل .
والذي يستعذبه الذوق الرفيع في هذا المقام، انما هو الهمسات، أما الأصداء فليست لغة الأدب والفن على كل حال.
وأخيرا ما الحاجة إلى قوله-في لذة- وقد قال قبلها-نستعذب- انه كما لو قال تماما نستلذ في لذة.
ولم يبق من ملاحظاتي على الأستاذ إلا أن ألفت نظره إلى سقوط بعض الأبيات واختلال وزنها، ما دام قد قيد نفيه بالوزن الشعري العربي، فله أن يعيد النظر في البيت الخامس والسابع وفي العشرين والتاسع والعشرين.
ومع احترامي للأستاذ أؤكد له كما قلت مقدما، اني لم أهدف من وراء هذه الكلمة إلا للتعاون على خلق أدب مشرف نظيف، واننا لن نبلغ هذه الغاية ما لم تتسع صدورنا وأخلاقنا للنقد النزيه والتوجيه البريء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here