islamaumaroc

الأندلس كانت مسلمة

  دعوة الحق

53 العدد

الحديث عن الإسلام في الأندلس، هو حديث، عن حضارة، عن عقيدة، عن فكرة إنسانية، عن تجربة عمرت زمنا ثم شاءت الظروف والأحداث أن يوضع لها حد، لقد كان الإسلام في الأندلس، في بداية الزحف الإسلامي الأول وخلال قرون تلته، يمتد زحفا إنسانيا استهدف أول ما استهدف الإنسان الضال، ليفسح له مجال النظر والتفكير والتأمل، في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان وعلاقة الإنسان من حيث هو كائن، من حيث هو مخلوق، بخالقه، وفي نطاق عقائدية الإسلام والفكرة الحتمية التي يدفع بها الإنسان لأن يعرف نفسه وبالتالي ليعرف مصير حياته الآجلة، وما يفضي إليه في حياته الأخرى الآجلة، في هذا النطاق سنحاول استعادة ذكريات إسلامية في الأندلس الإسلامية، كان الإسلام هو الدافع الأول للزحف نحو إسبانيا لنشر لواء العقيدة الإسلامية خدمة للإنسانية في هذه المنطقة، وتم الأمر كما جاءت الرغبة الإسلامية الصادقة الواعية المصممة، ولكن الأمر اختلف غاية الاختلاف حين فقد الإسلام محتواه العقائدي في نفوس المسلمين بالأندلس قبل النكبة، وحين استحالوا إلى مسلمين (جغرافيين) يعني مسلمين حين يتحدث عن هذه المنطقة في مجال الحديث عن تخطيط الأقاليم والبلدان، أما الإسلام كروح، كفكرة، كعقيدة، كمبدأ، كرسالة إنسانية خالدة، فقد خوت منه قلوب، وعقول الأندلسيين وخاصة الحاكمين وهكذا كانت النهاية الحتمية آتية لا ريب فيها منذ اليوم الأول الذي فقد فيه الإسلام نفوذه على النفوس، والعقول، والقلوب جميعا، وكان التاريخ، تاريخ الإنسانية، قد سجل بسقوط الأندلس أكبر نكبة عرفتها الإنسانية، فإذا كان المسلمون قد جاءوا غزاة فإن الإسلام جاء على العكس منذ ذلك منقذا للجماعات البشرية المستضعفة في الأرض، فكان الإسلام بالنسبة إليها منقذا في الحياة الدنيا، وممهدا السبيل لحياة أخرى أسعد وأهنا، والذي يزور الأندلس اليوم ويخالط أهلها ويعيش معهم وقتا ما، فسيجد الإسلام في الأندلس لم يختف كلية، فهو وإن ترك المكان للمسيحية فقد ظل نفوذه سائدا في شكل آخر، شكل عادات، شكل نظرة للحياة، أقصد أن الإسلام كعقيدة قد اختفى ولكن الإسلام كحضارة فلا تزال بعض آثاره قائمة في أهم المدن الأندلسية وخاصة غرناطة، وإشبيلية، وقادس، فالناس هنا لا تزال عاداتهم إسلامية وإن هم الآن يحيون حياة دينية صارمة شديدة تصل أحيانا إلى درجة التعصب الأعمى، حياة دينية ترعاها الكنيسة الكاثوليكية، تحاول منذ زمان أن تقضي على كل مظهر إسلامي في الأندلس، حتى بعض المآثر التاريخية لم تسلم من أذى رجال الكنيسة، حتى ليخيل للمرء أن شبح الإسلام لا يزال يخيم على الأندلس وأن رجال الكنيسة يخافون هذا الشبح ويرعبهم أينما وجدوا في الأندلس، حتى أنهم اندفعوا في تشويه الإسلام إلى تلقين الجماعات المسيحية في الأندلس معلومات تصور المسلمين الذين ظلوا في الأندلس ثمانية قرون صورة الجماعة التي جاءت وليست لها من رسالة سوى القتل وسفك الدماء، استباحة أموال غير المسلمين وحرمانهم، وأصبح اليوم في الأندلس ـ على ما لاحظت ـ كل مسيحي وخاصة الطبقة المتوسطة الثقافة ترى في المسلم اليوم رجلا يحمل تحت معطفه سكينا أو خنجرا وأنه مستعد لاستعماله ضد أي كائن آخر غير مسلم كلما وجد لذلك فرصة، وقد أسرفت الكنيسة في تهويل هذا الأمر أيما إسراف، وكان لها في ....ذلك هدفان : هدف أول هو النيل من الإسلام، وهدف ثاني هو تغذية روح التعصب في نفوس المسيحيين، وهذا ما يجعل إسبانيا اليوم أكثر البلدان المسيحية تعصبا يكاد يصل إلى درجة الحمق والعتوة.
والغريب أن الناس هنا في الأندلس رغم حملة الكنيسة ضد الإسلام خلال عدة قرون ظل الكثير منهم يحمل ذكريات طيبة نحو الإسلام والمسلمين، وأن طيبة طوية من يشاطرونه الحديث، ولعل الآثار الخالدة للحضارة الإسلامية الباقية حتى الآن في الأندلس توحي لأندلسيي اليوم عظمة الدور الذي قام به المسلمون في هذه الديار، ولا يستطيع حتى المتعصب منهم المرن في عصبيته أن يخفي إعجابه بقصر الحمراء، أو مسجد إشبيليا الذي حول إلى كنيسة، فالأندلسيون الإسبان اليوم لا ينكرون إطلاقا أن الإسلام في الأندلس حين غزا القلوب في هذه الديار مدة ثمانية من القرون إنما كان بجانب كونه فكرة ربانية تحمل للإنسان حيث وجد مشعل الهدى والتوجيه فإن هذا المشعل الروحي، قد رافقه مشعل آخر ينير الطريق نحو إقامة حضارة مادية تقوم على أساس من العلم، والبحث العلمي بوسائل وطرق منهجية، أثارت إعجاب الباحثين المنصفين من رجال علم التاريخ وعلم الاجتماع، ولعل نظام الري الذي أقامه المسلمون في إشبيلية وغرناطة آية ناطقة على مدى التقدم في ميدان العلوم ذات الطابع المادي، بجانب العلوم الإنسانية كالآداب والفلسفة، وعلم الطب، وغير خاف أن أروبا في نهضتها الحديثة مدينة بشيء غير يسير إلى العلماء المسلمين الأندلسيين، ويذكر التاريخ أن كثيرا من مؤلفات علماء أندلسيين قد نقلت إلى اللغة اللاتينية، لغة العلم في القرون الوسطى، وكانت هذه المؤلفات المترجمة عن العربية في الأساس الذي اعتمدته الدراسة في المعاهد العلمية في أروبا.
والفرد الأسباني الواعي لا يجهل هذه الحقيقة، ولكنهم لا يجهرون بها دوما لإسباب نفسية لها جذور عميقة في النفسية الإسبانية، وأهم هذه الأسباب أن الإسبان لايزال البعض منهم يتوجس خيفة من أي زحف إسلامي جديد، ولكن هذه الخشية الباطنة الخفية مصدرها التأثر بعظمة دور الإسلام، وقدرة المسلمين على الخلق والإبداع وعلى تأكيد وجودهم في ميدان الخلق الحضاري بجانب الوجود الإنساني الذي يتمثل في القابلية على المقاومة والبقاء حتى النهاية، والفرد الإسباني في هذا الميدان سجين التاريخ والماضي فيما يتعلق بفكرته عن العرب والمسلمين، بحيث ظل متأثرا بعظمة العرب والمسلمين وبخطورة الدور الذي قاموا به في الأندلس، ومع ذلك لا ينظرون إلى حاضر العرب والمسلمين وإلى مدى حالة الضعف التي يوجدون فيها، ومدى التخلفالروحي الذي يعانونه، فالإسباني في الأندلس لا يزال دائما يحمل في ذهنه فكرة تعني أبدا أن العربي يحمل دائما رسالة، وأنه مدفوع دائما بقوة إيمانه بهذه الرسالة إلى فرضها على الغير، واللجوء إلى السيف هو أيسر سبيل إلى ذلك، فالعربي من أجل نشر الإسلام لا يفتآ شاهرا سيفه في وجه كل معارض لقبول فكرة الإسلام، وأن قرون التخلف والجمود الفكري التي عاناها العالم الإسلامي والعربي على التخصيص كانت العامل الحاسم في وقف الزحف العربي الإسلامي، وأنه لا يستبعد عند ما يصحا المارد الإسلامي من غفوته في أن يحاول من جديد مد وجوده يمينا وشمالا، وحين تحاول إقناع الفرد الإسباني بأن زمن الفتح قد ولى وأنه لم يعد هناك من مجال لفرض عقيدة ما بالقوة حين تحاول إقناع الفرد الإسباني بهذه الحقيقة يجيبك جادا : بأن الإسلام قد أقام وجوده على السيف، وأن السيف سبب وجوده وانتشاره والإسلام فوق ذلك لا يقنع بالانكماش حيث هو، أن من طبيعته الامتداد والانتشار، أن الإسلام على حد تعبير محدثي الإسباني كالسرطان فحتميته التوسع والانتشار.
وحين حاولت إقناع مجدثي الإسباني بأن ملايين من الرجال والنساء اعتنقوا الإسلام في آسيا دون أن يكون للسيف وجود فراغ عقائدي لدى الجماعات الأسيوية التي التجأت إلى الإسلام لسد فراغ روحي.
والحق أن التحدي الإسلامي للنصرانية في الأندلس خلال ثمانية قرون قد أحدث آثارا بعيدة المدى في حياة الفرد المسيحي، وقد تمثل التحدي الإسلامي في الأندلس في عدة مظاهر كلها كانت صورة لعناصر إنسانية ومادية لها طابع التفوق والاستعلاء على العناصر النصرانية في ذلك العصر، فقد دخل الإسلام إلى الأندلس كعقيدة روحية، وقد حمل معه حضارة ومدينة لم تكن النصرانية بعد قد استطاعت أن تحقق مثلها، وقوة الإسلام هذه في الأندلس في عصره الزاهر كانت قد أشعرت الفرد الإسباني المسيحيي بنوع من الضآلة الشخصية سواء في مجال التقييم الروحي لسلوك الفرد، أو مجال التقدم العلمي فالإسلام ببساطته وتفسيره لظواهر الحياة الدنيا قد استطاع أن يثير اهتمام الرجل العادي الذي لا يتوفر على أية ثقافة فكرية تساعده على التفكير الحر المتعقد، والنصرانية نظرا للصفة التجريدية لقيمها الأخلاقية العقائدية، فكانت بطبيعة الحال بعيدة كل البعد عن متناول فهم الرجل العادي عكس الأمر بالنسبة للإسلام فهو لا يحاول أن يفلسف الكون وخالق الكون، ولا أن يفلسف علاقة الفرد بخالقه، فقد عرض الإسلام الأشياء عرضا بسيطا واضحا لا يحتاج في فهمها إلى الاستعانة بمنطق أرسطو وفلسفة أفلاطون.
وهكذا فبساطة الإسلام وغموض النصرانية، واحتكاك رجال الدين الإسبان بالإسلام والثقافة العربية في الأندلس قد مكنتهم من معرفة شيء غير يسير عن الفكر الإسلامي والقيم الإسلامية على وجه التخصيص، وكانت هذه المعرفة قد كشفت لهم عن سر انتشار الإسلام في كثير من مناطق العالم دون تبشير ولا جهود ترعاها الدولة، وهذا الأمر هو الذي حمل الخشية إلى رجال الدين الكاثوليك، وقد كان رد الفعل لديهم وقائيا في اعتقادهم، أي الخشية من أن تتصل الجماهير النصرانية في الأندلس وغير الأندلس بالإسلام مباشرة عن طريق الثقافة العربية التي كانت قد انتشرت في الأوساط المسيحية في الأندلس بشكل آثار قلق رجال الكنيسة، وقد أوردت بعض كتب التاريخ أن تيسا قد أظهر جزعه البالغ من انصراف الشبيبة المسيحية عن تعلم اللغة اللاتينية إلى العربية وإن هذا المرض يجب أن يعالج وإلا حلت الكارثة بما تبقى من فكر وعقيدة نصرانية في هذه البلاد.
وكان من جراء ذلك أن أسرفت الكنيسة في تشويه الإسلام، وأسرفت في الصاق أبشع الأوصاف والنعوت بالعرب المسلمين في الأندلس حتى لقد بلغ التشويه درجة لا يكاد يصدقها العقل، وفي المراكز الإسلامية السابقة في الأندلس كقرطبة، وغرناطة، وإشبيلية يوجد اليوم عدد رجال الدين ما يساوي نسبة عشرين في المائة من السكان أو أكثر.
حقا أن كثرة رجال الدين في إسبانيا أمر ملحوظ من طرف جميع الناس، ولكن كثرة هؤلاء في الأندلس تمثل نسبة أعلى بكثير من أي منطقة إسبانية أخرى، وعدد الكنائس هو الآخر اليوم في الأندلس له مغزاه التاريخي، فكل زنقة تقريبا في المدن الإسلامية السابقة يكاد المرء يلحظ وجود كنيسة ورنين النواقيس أمرا مدهشا حقا فيكاد جل الوقت عامرا بأصوات النواقيس التي تتجاوب في كل ناحية وهذه الظاهرة قائمة في الأندلس دون سواها من المدن الإسبانية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن التحدي للوجود الإسلامي الذي زال، لا يزال هذا التحدي قائما في الأندلس، وإن الكنيسة لا تزال ترعاه في أشكال مختلفة.
 والواقع أن غزو الأندلس أمر عسير للغاية لكونها محصنة بسلسلة من الجبال المتماسكة الأمر الذي يجعل تقدم أي غاز أو فاتح يواجه مهمة شاقة عسيرة، لن يستطيع تذليلها إلا بعد عناء لا يوصف، ومن غير شك فإن فتح المسلمين للأندلس كان عملا رائعا يدل على مدى الطاقة الروحية والمادية التي كانت سهلت عليهم أمر الفتح والغزو، وفي نفس الوقت فإن المسلمين الذين ضيعوا الأندلس كانوا من غير شك قد بلغوا درجة من الانحطاط الروحي والمعنوي، والمادي، لا تكاد توصف، وأنهم كانوا قد فقدوا تماما كل مناعة للمقاومة، أن يذل أيسر الجهد كاف لأن يحول دون سقوط الأندلس، أن طبيعة الأندلس محصنة بصورة تجعلها قلعة تقي نفسها أي عدوان خارجي.
إن الإفلاس الروحي لمسلمي الأندلس كان من غير ريب هو العامل الأول الذي مهد السبيل للإسبان لأن يجتاحوا الأندلس دون جهد أو عناء ودون أن يواجهوا مقاومة، لقد أسرف الأندلسيون على أنفسهم في اللهو والعبث فكان الجزاء هو الذي سجله التاريخ، كان الجزاء لعنة الأجيال.

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here