islamaumaroc

الفن المعماري في المساجد المغربية حسب العصور [تر.ع.ل.ملين]

  دعوة الحق

53 العدد

في مقدمة الأستاذ هنري طيراس على كتاب السيد بوريس ماسلا ((مساجد فاس وشمال المغرب))، نظرات جد هامة على الفن المعماري في مختلف مساجد فاس وشمال المغرب، وفي المغرب عموما، وآراء جد قيمة فيما يخص تطور هذا الفن في مختلف العصور والجدير بالذكر أن للأستاذ هنري طيراس مشاركة هامة في تاريخ المغرب على وجه العموم، وقد قام بمجهود كبير في الكشف عن كثير من المساجد ودراسة كثير غيرها من الوجهة الفنية وتطور الفن المعماري، منشورة في مختلف المجلات والنشرات.
أما كتاب السيد ماسلاو، فيحتوي على ((وصف لتسعة وثلاثين معبدا وخاصة على مستندات مصورة واضحة ودقيقة عن أبنية يترتب تاريخها بين القرنين الثاني عشر والثامن عشر)). وفي ذلك ما فيه من الجهد والفائدة.
ونقتطف الآن في ما يلي بعض الفقرات الهامة من مقدمة السيد هنري طيراس، التي تلقي نظرات على الفن المعماري المغربي وعلاقته بالفن في إسبانيا المسلمة والمسيحية وبأوربا.
يتحدث هنري طيراس بادئ ذي بدء عن نظرة الأروبيين إلى المساجد المغربية، إلى عهد قريب فيقول : (( كان من المسلم به تقريبا، في السنوات الأولى للاحتلال الفرنسي، أن المساجد المغربية ليست بذات جمال كبير. لقد كنا (الفرنسيون) في ابتهاج باكتشاف المدارس، فإلى جانب هاته العجائب ذات الفخامة الرخوة والكمال المتناسق، لم يكن لمساجد لا تعرف إلا من جدرانها المتهدمة وأبهائها البيضاء ذات الأعمدة الثقيلة التي تلمح من انفراج إحدى الأبواب، وصوامعها التي تكاد تخلو جميعا من الزخرف، لم يكن لهذه المساجد أن تكون إلا أبنية من الدرجة الثانية، محكوم عليها أن تظل على الدوام فقيرة. لقد تنوسي أن الجوامع كثرة كثيرة إلى جانب العدد القليل من المدارس، وتنوسي أن الحكم على أمكنة لا تولج مغامرة ـ وتنوسي أيضا أن الإسلام كان دائما ـ وهذا شرف له ـ يضع أحسن ما عنده من الفن في أعظم وأشهر معابده.
وهذه الإدانة القديمة الشاملة، لم يعد النظر فيها بكاملها من جانب الجمهور الأكبر : لقد كانت هناك نظرية سياسية عجيبة في مبدئها وتطبيقها، احتفظت للجوامع المغربية بغموضها وحالت بينها وبين أظهار جمالها لأعين الأروبيين)).
وبعد أن يتحدث عن تعرف الأروبيين أخيرا على هذه الجوامع بفضل الإصلاحات التي قاموا بها في البعض منها، وأن المساجد، موضوع بحث السيد ماسلاو، ترجع بتاريخها إلى ما بين الرنين الثاني عشر والثامن عشر، إلى القول بأن هاته القرون الستة تنقسم، فيما يخص الفن الإسباني المغربي في  .....شمال المغرب، إلى فترتين كبيرتين : فحتى القرن الخامس عشر عاش الفن الفاسي في اتحاد وثيق فن إسبانيا المسلمة. وابتداء من القرن الخامس عشر انفصل عن أصله الإسباني : فالفرع المقتبس لن يعطي بعد ذلك إلا أزهارا يزيد فقرها شيئا فشيئا، وحيث يبقى مع ذلك، في الأغلب، الانعكاس الشاحب للجمال القديم.
فالفن الإسباني المغربي إذن، يتبع ـ ما دامت إسبانيا المسلمة ـ خطأ الفن الأندلسي ويعكس تطوره، بيد أن المغرب في بعض الأحيان، يظل وحده محافظا على أعمال فنية ترجع لبعض العصور، بينما لم يعد في شبه الجزيرة الإيبيرية أي شاهد عليها....)).
ويتابع السيد طيراس متحدثا عن الفن في فاس :
((لقد كان القرن الثاني عشر بالنسبة لفاس فترة نشطت فيها البناءات. فالمرابطون والموحدون الذين كانوا قد اتخذوا مراكش عاصمة لهم لم ينسوا المدينة الكبرى في الشمال. فقد كان تكوين امبراطورية واسعة، المغرب مركزا لها، يفتح أمام التجارة الفاسية أفاق جديدة. فتحت حكم السلاطين الذين كانوا يسيطرون على هذا الجانب وذاك من المضيق (العدوتان)، كانت فاس توجد، أكثر مما كان عليه الحال في عهد الأمويين والعامريين، على اتصال وثيق ومستمر بالأندلس. بيد أن الأثر الأساسي لهذه الحقبة : القرويين لازال يفلت منا. ففي اليوم الذي يصبح من المستطاع دراسة القرويين ونشرها (وثائق عنها) بكاملها، فستفيدنا بالكثير ـ أكثر حتى من جامع تلمسان ـ عن فن المرابطين. وسنشاهد أن المعبد القديم، الذي نراه من خلال أزقة مظلمة، هو من أجمل الصروح في إفريقيا الشمالية. وأن للقرويين، بالنسبة إلى فاس، وفوق جمالها، قيما أخرى متعددة. فهي منذ عدة قرون، جامعة المغرب الوحيدة، ومركز الحياة الإسلامية ومستقرها في هذه البلاد. وهي كالمسجد الأم في المدينة : فجميع الصوامع في فاس مبنية على شكل يمكن معه أن يرى من أعلاها، صعود الشعلة التي تعطي الإشارة بـ (أوقات) الصلاة من أعلى برج القرويين القديم)).
ويتحدث السيد طيراس بعد ذلك بقليل عن فن القرن الثالث عشر، فيقول :
((أن هذا الفن أنتج، في شمال المغرب، أمهات آثاره : فإسبانيا المسلمة كان قد أعيد احتلالها في الجزء الأكبر منها، ومملكة غرناطة لم تزل منهمكة في أعمالها التنظيمية والدفاعية. بينما، في المغرب، كان في إمكان سلطاني بني مرين الأولين، أبي يوسف يعقوب وأبي يعقوب يوسف، أن يقوما ببناءات فخمة واسعة. وهما يجدان لذة في تجميل المدينة الجديدة التي جعلا منها عاصمة لهما : فاس الجديد، وكذلك القلعة التي، بعد أن كانت استناد أجدادهما، لم تزل تحرس حينئذ مملكتهم في الشرق : تازة ..
وهناك مسجدان وصلا إلينا بكاملهما، ويخبراننا عما كان عليه الفن المريني الأول : المسجد الكبير في فاس الجديد، الذي بناه أبو يوسف يعقوب في السنوان التي أعقبت تأسيس المدينة (1276)، والمسجد الكبير في تازة، الذي كبره وأعاد بنائه، اعتبارا من أحد الأبنية الموحدية، أبو يوسف يعقوب. وأن مسجد الحمراء في فاس الجديد، الذي يبدو لاحقا على المسجدين الأولين، هو من نفس الصنف، وينبغي أن يدرس معهما.
ومن الدراسات والصور التي صنعت لهذه البنآءات، تبرز نتيجة واضحة كل الوضوح : يوجد نموذج للمسجد الكبير من القرن الثالث عشر، يختلف كثيرا عن المساجد الكبرى الموحدية، ولكن المعابد التي على غراره من القرن الرابع عشر لن تكون إلا تبسيطا عنه. فبينما شاهدت نهاية القرن الثاني عشر بروز مخططات للمساجد لم تعرف من قبل، أصبح الفن الإسباني المغربي، الذي ضاع بعض الوقت في طريق التجديدات الجزئية، يميل نحو الانحباس في تقليد محدد جيد التحديد. وتعطي هذه البساطة ......المنسجمة، بعد جميع محاولات فن القرن الثاني عشر، تعطي رغم كل شيء شعورا بالجدة)).
ويعطي السيد طيراس توضيحا لهذا التغيير فيقول :
((بينما كانت المساجد الموحدية الأولى أكثر اتساعا منها عمقا، فإن هذه المساجد الراجعة إلى نهاية القرن الثالث عشر، هي بكل وضوح أكثر طولا منها عرضا. والذي زاد منها في الاتساع أكثر من غيره هو الصحن خاصة، فهو يشغل ما يقرب من نصف البناء. وأن لهذه الساحات الواسعة المفروشة بالزليج لجلالا حقيقيا. وتوسيع الصحن يرجع بدون شك إلى أسباب عملية : فقد جرت العادة أن تقام الصلاة في فصل الصيف، في صحن المسجد، وقد خصص لذلك، في مدخل البهو المحوري، محراب ثانوي، هو ما يسمى بالعنزة)).
ويفصل السيد طيراس في أمره هذه التغييرات الفنية التي أدخلت على الجوامع في عهد المرينيين، أي بالنسبة لفن القرن الثاني عشر، فن الموحدين والمرابطين.
ومما يقوله في ذلك :
((إن مقاصد فناني القرن الثالث عشر أصبح في الإمكان قراءتها بكل وضوح في الرسوم الجميلة التي عرف السيد ماسلاو كيف يخلع عليها كل الصفاء المتأنق الذي تتميز به الصروح المرينية. وعلو هاته المساجد علو جميل جدا ونموذجي للغاية. فأقواس الأبهاء ذات ارتفاع مساو لارتفاع أعمدتها. وقد ترك نهائيا القوس المتجاوز (الذي يتجاوز عرض ما بين الأعمدة) والمنكسر، الذي كان معمولا به في المساجد الموحدية : أي رجع إلى القوس ذي الانحناء نصف الدائري المتجاوز، وفي هذا أيضا ما يجعلنا نفكر في قرطبة.
((ولم يعد الفنانون المعماريون يبحثون عن القوة والانطلاق، كما كان شأنهم في القرن الثاني عشر : فهم يجتهدون من أجل (الحصول على تأنق أكثر هدوءا). والإطار المستطيل للأقواس أقل ارتفاعا منه في القرن السابق، بينما الجدران تظل، بصفة محسوسة، بالارتفاع ذاته. وكل هاته المعابد تمتاز بدقة نسبها وانسجام توزيع المبنى مع الفراغ. ودراسة القبب تكشف عن أن المرينيين كانوا يستخدمون معماريين حقيقيين وأن هؤلاء لم يتركوا أي شيء للصدفة.
فالربط بين القبة أمام المحراب ونصف قبة المحراب نفسه، وهذا النصف أخفض من القبة الأولى، يبين أن أساتذة القرن الثالث عشر كانوا يعرفون كيف يعالجون، بقدر متساو من الصراحة والسهولة، الترتيب الصعب بين الأحجام غير المتساوية)).
ومن موضوع الفن المعماري ينتقل الباحث إلى موضوع الزخرفة. ومما يقوله بصدد ذلك :
((وتكشف زخرفة هذه المساجد أكثر من الفن المعماري ذاته، عن نزعات جديدة. فالفن الموحدي كان قد أبعد، في المعابد الإفريقية الأولى للدولة، الزخرف المغطي (أي الذي يكسوا الجدران والسقوف). وكان الفنانون الأندلسيون، مراعاة منهم لتدين أسيادهم الجدد، قد عرفوا كيف يخلقون زخرفا أكثر تخلخلا، وكيف يصنعون أثارا رائعة بزخرفة واسعة. وفي عهد المرنيين نرجع بكل تأكيد إلى الزخرف المغطي. فتحت القبتين الكبيرتين تنتشر زخرفة بالجبص المنحوت تنزل حتى خدود الأعمدة ولا تترك أي فراغ. والباقي من المصلى، في الحق، قليل الزخرف : فمساجد القرن الثالث عشر تتبع على هذا الشكل الزخارف الكثيفة الموزعة توزيعا منظما قويا، بأمكنة كبيرة فارغة)).
ويعطينا هنري طيراس نظرة وافية عن الفن المعماري في القرن الخامس عشر والعلاقات الجديدة بين المغرب وإسبانيا، ويكتب قائلا :
((منذ بداية القرن الخامس عشر، تضعف الاتصالات بين المغرب وما بقي من إسبانيا المسلمة. ففي الوقت الذي كادت تضطرب فيه الدولة المرينية وتنقسم، كانت غرناطة النصرية، أمام خطر الغزو المسيحي الصاعد، منهمكة في تحصين دفاعها. ويبنما أدالت أخيرا عائلة من الوزراء هم الوطاسيون، المرينيين، واستطاعت، مع احتفاظها لفاس بنوع من الازدهار، أن تسيطر على شمال المغرب، من دون لمعان يذكر، سلمت غرناطة، المعزولة والمحاصرة، لملوك المسيحيين. (بهذا) سيموت الفن الإسباني المغربي في إسبانيا. وليس معنى ذلك أن الملوك المسيحيين قد قضوا عليه ببغضهم له، فرؤساء إسبانيا المسيحيون نذوقوا دائما سحر هذا الفن الإسباني المغربي الذي كان طيلة القرون الوسطى بأكملها، الفن الوطني لشبه الجزيرة الإيبيرية. وفي جميع الأراضي المستعادة في القرن الثالث عشر مدد الفن العربي (تحت الحكم الإسباني) التقاليد الأساسية للبلاد، بأيد مسيحية في بعض الأحيان، في وقت طغت فيه الأشكال الجديدة، أن يحافظ على روحه، ووسائله الفنية. لكن لم تفتا إسبانيا أن عبرت، في مجموعة من الأعمال الفنية الكلاسيكية بالمرة، عن مثلها الأعلى الفني الخالد. ففي فن القرنين السابع عشر والثامن عشر (الخارج عن التقاليد الكلاسيكية : الفن الصاخب)، نلقي نفس التأرج بين النزعات وهو ما كان يكون الحياة العميقة للفن الإسلامي في إسبانيا. والفن الصاخب نفسه يستسلم دائما لإغراء الزخرف المغطي الغزير حيث يجد لذة في ترتيبه (ويمكن أن نقول، في إعطائه الانسجام التام)، بموهبة فنية واعية. ولكنه في بعض الأحيان يستلذ ببساطة اختيارية تعشق الإتقان. فروح إسبانيا التي برزت، عن اختيار، طوال قرون عديدة، بثوب الفن الإسباني المغربي، ستعبر من الآن فصاعدا عن نفسها بلغة الفنون اللاتينية.
((لكن الفن الإسباني المغربي الذي كان قد أنهى مهمته في إسبانيا، سيظل بعد ذلك في المغرب. إن هاربين إسبانيين قد أتوا من دون شك يعززون أوراش فاس : وتلك هي الدفعة الأخيرة والمصطنعة للنسخ الحي. وسيلقى الفن بعد ذلك نفس المصير الذي صارت إليه الحضارة الإسبانية المغربية في المغرب بأكملها، هذه الحضارة التي سيكون عليها أن تعيش بين أسوار المدن والقصور، في معزل عن أغلبية البلاد الكبرى التي ظلت تارة بربرية، وتارة أفقدها الغزو الهلالي شخصيتها. وفي أوراش فاس أخذت التقاليد الإسبانية المغربية تتلاشى شيئا فشيئا.
((ومع ذلك فقد عاش هذا الفن. فالمغرب كان قد انعزل عن العالم الخارجي. وهاهم المويسكوس وحدهم ـ هدية إسبانيا الأخيرة وغير الاختيارية ـ يحملون إليه بعض عناصر فن النهضة. ولن يأتي أي منافس ليبعد هذا الفن الوسيطي، الذي يفرض نفسه على المغاربة بما له من دالة اكتسبها من أمجاده السابقة وكإشارة إلى حضارة أرقى. ولهذا فإن أساتذة الفن والصناع المغاربة، رغم اضطراب الطلب، نجحوا في إطالة حياة فن كان كل حياتهم وفخارهم. فتاريخ المغرب المضطرب قد أعفى نسبيا مدينة فاس. وحتى حين فضل عليها السعديون مدينة مراكش، وخلق لها المولى اسماعيل منافسة مكناس القريبة منها، ظلت فاس المدينة بمعنى الكلمة وملجأ أرقى التقاليد. ونفس الملوك الذين جردوها من الأولية السياسية، التجؤوا غالبا إلى أوراشها. ومع المولى اسماعيل ونهاية القرن الثامن عشر، استعادت فاس مكانتها كعاصمة أولى، وأقبل السلاطين بلذة على تجميلها، دون أن يهملوا المدن الأخرى في البلاد. وفضلا عن بنآءات المخزن، فأوراس الشغل لم تتوقف. وقد ظلت فاس، بوصفها مدينة العلم والتقوى، المدينة ذات المعابد التي لا يحصيها عد : فكثير من المساجد الصغيرة بنيت أو أعيد بناؤها في القرون الأخيرة. ولم يبن في أي مكان أخر في المغرب بصفة مستمرة على الشكل الذي كان عليه البناء في فاس. والأبنية الأقرب عهدا والتي نشرها السيد ماسلاو، تسمح لنا أذن بإعطاء حكم عام على الفن المعماري الإسباني المغربي في المغرب من القرن السادس عشر حتى أيامنا.
((ومن هاته الصروح، يمكن أن نكون مجموعتين. قبل كل شيء هناك مجموعة من مساجد الحي الصغيرة : تلك التي لا تكاد تبدو للمار إلا من بروز محراب أو من قوس باب. وأغنى هاته المساجد تعلوها صومعة من الآجر بدون زخرف. وبعض المصليات تختفي وراء بعض المنازل ولا تتصل بالشارع إلا بواسطة زقاق طويل مظلم. وهاته المعابد المتواضعة لها مع ذلك بهاؤها الخاص.
فحين نقارنها بالمعابد المرينية الصغيرة، نلمس المدى البعيد لانحطاط لا محيص عنه. ليس هناك ذرة من التجديد : فالمخطط المعماري يبقى هو هو، نفس الملحقات دائما : قاعة النظافة، سقاية، مسكن المؤذن، مسجد الأموات، وكلها متجمعة حول صحن ضيق أو أسبقية ظاهرة. والأشكال التفصيلية تخشن دون أن تتجدد. وتبرز المخططات والمقاطع ضعف حياة هذا الفن المعماري المنحط. وغالبا ما كان ينبغي إقامة البناء على أرض ملتصقة وغير مستوية، لكن بينما كان المعماريون المرينيون يعرفون كيف يتخلصون بمهارة من هذه الصعوبات وينظمون مخططهم بكل ما يمكن من المنطق والتناسب، نحس بالنسبة لهذه المساجد، أن بعض تعديلات، بدون دقة، قد أجربت في المكان. أن هؤلاء الصناع، الذين كانت إرادتهم الطيبة وخيالهم أكثر من عملهم، لم يحاولوا أن يحلوا بلباقة مشاكل عقمها أكثر من صعوبتها. وحتى الصوامع لم يعد لها، لا في مظهرها، ولا في هندستها خاصة، القوة المتوازنة للبروج المرينية)).
(( على أننا نصادف أحيانا بين هؤلاء البناة المتوسطي القيمة، رجلا له مزاج معماري ويظهر قادرا على إعداد مخطط. لكن هذا الفنان الاستثنائي يخرج دائما تقريبا عن التقليد. فمسجد العباسيين، ببهوه الوحيد الذي يحده صفان من الأقواس، ومسجد مدين الصغير بأبهائه الثلاثة وبهوه الرئيسي الوحيد، الذي يذكر بكندرانية مصغرة، رغم عدم اتصافهما بالكبر، يمتازان بالوضوح. وزاوية السي التادلي بن سودة، بأبهائها السبعة الرئيسية التي يتقلص عرضها ابتداء من البهو المركزي، هو أعجب مثال من بين هذه المحاولات النادرة في الحصول على الأصالة والمهارة خارج التقاليد الملقنة.
((وإلى جانب هذه المساجد الصغيرة، يعطينا السيد ماسلاو نظرة عن بعض المعابد الكبرى التي بنيت على نفقة بعض السلاطين العلويين. وبنايات المخزن هذه ذات اعتبار أشد. ومسجدا مولاي عبد الله وباب الكيسة الفاسيان ـ اللذان لهما مخطط منتظم مبتذل نموذجان جيدان للمساجد العلوية. فالسقوف تتطاول بتطاول الأبهاء، والقبب تختفي، ولا تبقى للبهو المحوري ألوية نظرا لعرضه الزائد. وهذه المصليات (أمكنة الصلاة المسقفة). حيث لا يبقى للأبهاء تدرج في القيمة، يعوزها العمق : فالصحن يتسع على حساب قاعة الصلاة ولكن يبقى محاطا بأبهاء مسقفة . أن هذه المخططات الصحيحة وغير المعبرة علامة على فقدان هذا الفن لحيويته. وتنتظم قرب هذين المسجدين وحولهما، بكثير من التبعثر، بل حتى من قلة المهارة، وقليل من المنطق، ملحقات مختلفة : مدرسة في باب الكيسة، ومقبرة أميرية في مولاي عبد الله. على أن الصوامع، التي تحتفظ تقريبا بالتقليد المريني، تظل ذات مظهر محترم. غير أن واجهاتها الخالية تقريبا من الزخرف تترك شعورا بالافتقار.
((ومسجدا مكناس اللذان تحويهما هذه المجموعة، أكثر لطافة : ويبدو أن معابد المولى اسماعيل وخلفائه المباشرين أحسن من قصورهم. وليس من قيمة لمسجد الروا الذي بناه السلطان سيدي محمد بن عبد الله، والذي يحوي أربعة أبهاء وثلاث عشرة قبة كلها متماثلة، إلا باتساعه، لكن الصحن، وهو مربع كبير طول ضلعه أكثر من خمسين مترا، ومزين كله بمربعات مصبوغة خضراء، ذو عظمة حقيقية. فالمهندس المعماري قد جدد، بحذفه الأبهاء الجانبية وجعله هذا البساط الواسع من الزليج ذي اللون الواحد محدودا بثلاثة جدران عالية تخترقها أبواب ثلاثة. والمدرسة التي تحاذي المسجد في الشمال الشرقي والتي تحاول أن تنتظم حسب مثلث جد متطاول، ليست في مستوى المسجد. على أنها تنجح، بغرابة شكلها، في البقاء خلابة المنظر في عدم توازنها. ومسجد التوتة، رغم رداءة مخططه، يجمع في مظهر خلاب، بين قبة بالآجر الأخضر، والأسطح المتطاولة لأبهائه، وصومعة ذات نسب جميلة. أن صوامع مكناس هذه المبنية بالآجر، بعناية ومتانة، والمجملة تجميلا مختصرا بالأعمدة، رغم قلة غناها، ذات جمال شريف وبسيط.
 ((وهكذا ففي فاس نفسها، وهي أفضل ملجأ للفن الإسباني المغربي، لم يستطع هنا الفن أن يستمر إلا كما تستمر حياة فن مهاجر، أي حياة نصف مصطنعة وذات انحطاط بطيء. ولم تستطع المدن المغربية أن تستقبل غير آخر مظاهر الحضارة الإسلامية في إسبانيا من دون أن تستطيع امتلاك فكرها الخلاق. وإخلاص هذه المدن للتقليد الأندلسي، رغم عاطفيته، قد ظل بدون قوة ولا أمل. فالمدن التي استمر فيها هذا الفن المستورد كانت جد مختلفة عن البلاد الصعبة والجميلة التي كانت تحيط بها : فلم يستطع الفن الإسباني المغربي أن ينمي في وسط أرض البربر الجذور العميقة التي وحدها كان بإمكانها أن تيسر له التجديد والخصب. ولهذا فإن جميع مساجد فاس وشمال المغرب هذه تحمل إلينا، في نهاية التحليل : قبل نهاية القرن الخامس عشر، شهادات عن إسبانيا، وابتداء من القرن السادس عشر، انعكاسات عن الأندلس.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here