islamaumaroc

نبذة تاريخية عن المسجد الأعظم بمدينة سلا

  دعوة الحق

53 العدد

في الربوة العليا من مدينة سلا المشرفة على البحر المحيط من جهة وعلى وادي أبي رقراق من جهة أخرى يوجد المسجد الأعظم الذي أسس بنائه عيون أعيان سلا بنو القاسم بن عشرة وذوو الصولة بها  صدر المائة الخامسة الهجرية جوار دورهم وقصورهم عام 420 وذلك على عهد دولة مغراوة التي خلفت دولة الأدارسة بعد تطهير المغرب من البرغواطيين وكانت تلك الربوة قبل أن تعرف بطالعة سلا تسمى حومة الجامع وبها كانت دور بني العشرة كما كانوا يعرفون بالعشريين حسبما في كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار وهو مجموع مفيد.
وكان من جملة قصور بني العشرة القصر الشهير الفخم الذي بناه أبو العباس أحمد بن القاسم بن عشرة والذي قيل أنه كان من أعجب المباني وأحسنها وأنزهها قيل لما أكمل بناءه هنأته الشعراء ومدحته ودعت له ووافق إتمام بنائه أن دخل سلا الأديب الشاعر أخر فلاسفة الإسلام بالأندلس الحكيم أبو الحسن علي بن الحمارة ولم يكن أعد شيئا ففكر قليلا وأنشد :
يا واحد الناس قد شيدت واحدة
        فحل فيها حلول الشمس في الحمل
فما كدراك في الدنيا لذي أمل
       ولا كدارك في الأخرى لدى عمل
وقد صار هذا القصر يعد بانيه منزلا لملوك الموحدين وخصوصا عبد المومن فإن غالب نزوله كان به كما في كتاب حدائق الأزهار للمؤرخ الشهير السيد محمد بن علي الدكالي السلاوي الذي قال أنه لايعرف لهذا القصر اليوم بسلا عين ولا أثر والظاهر أن بمحل هذا القصر بنيت المدرسة المرينية مستدلا على ما استظهر بالعثور على جدار عتيق بجاور المدرسة المذكورة غربا يتراءى من قدمه أنه كان لدار قديمة جدا قبل بناء المدرسة بكثير وصورة باب تلك الدار شاهقة في الجو يغلب على الظن أن ذلك من بناء القصر المذكور.
وأبو العباس أحمد بن القاسم بن عشرة هذا هو واسطة عقد هذا البيت وواحد فخرهم الذي طبق ذكره الآفاق فاشتهرت مزاياه حتى بلغت الشام والعراق إذ كان مقصد الوارد وبغية القصاد لا يمر فاضل إلا عرج على مثواه فيظهر له من الاحتفال والاحتفاء فوق هواه وقد ذكره الفتح ابن خاقان في قلائده، وشهرة بني القاسم ببني عشرة ـ كما ذكر عدد كثير من الفضلاء البررة ـ أنهم ولدوا من بطن واحد فاشتهر عقبهم بذلك كما نص عليه صاحب الحدائق مع بيان مزيد لذلك ولم يعرف تاريخ لوفاته وإنما كان في أوسط القرن السادس الهجري والله أعلم. ثم قامت بعد بني العشرة دولة الموحدين وملكها السلطان الأعظم ذو المزايا الكثيرة والغزوات الشهيرة أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي فجدد بناء المسجد المذكور عام خمسمائة وثلاثة وتسعين فأصبح من مساجد الإسلام العظام ومن أكملها حسنا وأحسنها شكلا وأفسحها مجالا وأنزهها منظرا، قال المؤرخ عبد المنعم الحسيدي، كان يعمل في بنائه ونقل حجارته وترابه في عهد الملك المذكور 700 أسير من أسارى الفرنج في قيودها، وبنى يعقوب رحمة الله لهذا المسجد مدرسة تجاوره من جهة الجوف وميضاة تسامتها وأجرى لها الماء الذي جاء به من عيون البركة التي بغابة المعمورة على مسافات من مدينة سلا حتى أوصله إليها، وكان جلبه في قنوات من طين مطبوخ يقال أنها لا زالت ظاهرة للعيان تحت سور الأقواس وحناياه التي يدخل منها إلى سلا.
ثم اعترى هذه المادة خلل فجددها بعد الموحدين الملوك المرينيون الذين قاموا بإصلاح المسجد المتحدث عنه فخرموا محرابه وجوانبه وبنوا مدرستهم البديعة القائمة العين والأثر إزاء المسجد المذكور.
وجاءت الدولة العلوية الشريفة فكان من آثارها لجانب المسجد المذكور جلب الماء من عين البركة في قلب مادة متينة البنيان صارت سورا عظيما جعلت فيه عدة أقواس عظيمة لمرور الناس بهندسة عجيبة إلى أن ساوى مجرى الماء بها ربوة الطالعة فدخل جامعها المذكور وتوابعه. وفي طرة منقولة من خط يد الفقيه العلامة الصالح سيدي أحمد بن عبد الرحمن الحافي السلاوي، قال فيها ما نصه : الحمد لله وصل الماء الجاري لمحروسة سلا وجرى بخصة جامعها الأعظم عمره الله بدوام ذكره يوم الاثنين سادس عشر ذي الحجة متم عام 1123 بأمر من مولانا اسماعيل الشريف وأنفق عليه جملة وافرة من المال نفعه الله بذلك هـ.
ومن عناية السلطان الأعظم والملك المجاهد الأفخم مولانا اسماعيل قدس الله روحه بهذا المسجد السلاوي صدور ظهيره الشريف بقصر مشارع الشابل على الماء الجاري لسلا على وجه الحبس، فقد وقفت على نسخة من نسخة منه بالحوالة الحبسية حبب إلي لعموم الفائدة أن أذكر نصها، وهاهي بنصها وفصها : ((الحمد لله وحده نسخة ظهير كريم مولوي اسماعيلي مبارك عميم وأمر مؤكد صميم بطابعه الشريف الذي تضمن اسمه المنيف بعد الحمدلة والافتتاح. الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أثيرا مباركا فيه حبسنا بحول الله وقوته وشامل يمنه وبركته جميع الوادي المشرع المعهود لصيد الحوت الشابل بعدوة سلا حرسها الله على الماء الذي تفضل الله علينا بإجرائه إلى المسجد الجامع من الحضرة المذكورة في إصلاح مجاري الماء المذكور وقنواته ويعد ما فضل من المستفاد المذكور لمصالحه ومنافعه وقدمنا للنظر في أمره هذا الوادي وقبض ما يجب قبضه وصرف ما يصرف في مصارفه المذكورة خديمنا الأنجد الأرشد السيد ج محمد معنينو لثقته وأمانته عندنا وبسطنا له اليد عليه وفوضنا له فيه دون معارض له ولا منازع، وعليه في ذلك بتقوى الله العظيم وأداء الأمانة فيما أسندنا إليه تحبيسا مؤبدا ووفقا مخلدا لا يبدل عن حاله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، قصدنا بذلك نفع المسلمين والله لا يضيع أجر المحسنين بفضله وكرمه والواقف عليه يعمل به ولا يحيد عن جميل مذهبه والسلام. وكتب في الأول من صفر الخير عام أربعة وعشرين ومائة وألف 1124 هـ.
ومن مآثر الدولة العلوية الشريفة لجانب المسجد المذكور أيضا إعادة بناء منارته التي تصدعت بصاعقة أولى وثانية بعد أن كانت رفيعة أيام المنصور فنقضت سنة 1255 عن إذن أمير المؤمنين مولانا عبد الرحمن ابن مولانا هشام الشريف العلوي قدس الله روحه وأعيد بناؤها من جديد فجاءت في غاية الأحكام والحسن والإبداع والإتقان، وفرغ من بنائها عام 1256 وجل المصروف عليها من بيت المال وبعضه من الأحباس وقد قيل أن ما صرف عليها وقتئذ ثلاثة آلاف ريال على ما للمؤرخ الشهير الفقيه السيد محمد بن علي الدكالي السلوي في كتابه الإتحاف الوجيز في تاريخ الرباط وسلا المهدي لمولاي عبد العزيز ومن ذلك الحين وهي قائمة البنيان متينة الأركان لم يطرأ عليها أي تغيير اللهم إلا ما وقع من إصلاح مدارجها أيام مولانا الملك الراحل فخر السلاطين العظام وبطل التحرير الهمام سيدي محمد الخامس قدس الله روحه، فقد أبت أريحته الشماء إلا أن يشارك أسلافه المعظمين بجعل أثر ظاهر وعمل باهر يرد المسجد المذكور إلى شبابه ويحليه من قشيب الإصلاح أنفس ثيابه، فأمر قدس سره بإعادة سائر برشلاته المتلاشية والمتداعية وتنظيف ما عداها وتقشير حيطانه وتجبيصها وفتح باب آخر به أمام سيدي أحمد الطالب لتسهيل الدخول والخروج حيث يقع ازدحام عظيم للمصلين في الجمع والأعياد في مساحته البالغة خمسة آلاف وسبعمائة متر ونيف ثم إصلاح باب ضريح الولي الصالح سيدي عبد الحليم الغماد المتوفي سنة 590 والذي يوجد في الصف الأول من المسجد قرب باب العقبة الكبيرة وغير ذلك، جزاه الله أحسن الجزاء، وكان الأمر بقيام عملية تلك الإصلاحات عام 1358 ولما أجاب مولانا داعي ربه وانتقل إلى جوار جده عليه الصلاة والسلام قام ابنه عاهلنا المفدى الأمجد أمين أسراره البطل الأوحد جلالة مولانا الحسن الثاني المكلوء من الله بالسبع المثاني فأصدر حفظه الله ووفقه أمره الشريف لوزارة عموم الأوقاف الإسلامية بتأسيس بناء مساجد أخرى في جميع أنحاء مملكته الشاسعة الأطراف وإصلاح ما افتقر مما كان موجودا منها بواسطة وزيرها الحالي الفقيه الأرشد الغيور الأسعد سيدي الحاج أحمد بركاش الرباطي فقام بعملية البناء والإصلاح يوالي جهده وعنايته واهتمامه في الغدو والرواح لإنجاز تلك الأوامر المولوية الشريفة طبق التعليمات الملكية المنيفة فكان من حظ المسجد المتحدث عنه أن أدخلت عليه في هذه السنة 1381 تحسينات مهمة كإعادة تجبيصه ودهن جميع سقفه وتسقيف مقصورته وإحداث أبواب زجاجية لأقواس صحته الخارجي لوقاية المصلين من ضرر البرد وشدة الرياح وغير ذلك أبقى الله مولانا ذخرا لهذه الأمة المغربية المتعلقة بأذياله ووقاه كيد الكائدين وشرور بعض الملحدين وحسد الحاسدين، وأدام وجوده حتى يحقق لهذا المغرب العزيز ما يصبوا إليه من أعمال الخير والسعادة والرفاهية والازدهار.
ومسجد له هذه الأهمية بين مساجد المدينة ويحظى بتلك العناية من الملوك المتعاقبين كان طبيعيا ـ في وقت اتخذت فيه المساجد مدارس ـ أن يلعب دوره الأكبر في نشر العلم والعرفان، فتوارد إليه المتواردون، وارتوى من معينه الطلبة المتعطشون، وقصد حلقاته من هم إلى المعرفة متشوقون، فتخرج منه علماء أكابر، وأساتذة انجلت بنورهم الدياجر، وتفتحت بهم البصائر.
فما كانت تقوم به مدينة سلا وقتئذ في الميدانين الثقافي والروحي من العسير استقصاؤه في هذه العجالة سواء بالنسبة لعلماء تلك العصور وما قاموا به من بث روح ثقافتهم المفيدة أو بالنسبة لأدبائها وصلحائها وأشرافعا وفضلائها فإنها قد أفردت بالتأليف الكثير وحلى بها السادات المؤرخون كتبهم القيمة في كل عصر منها ويكفي ما كتبه في آخر عصر من عصورها العلامة الأشهر والمؤرخ الأكبر سيدي أحمد بن خالد الناصري السلاوي في كتابه الاستقصاء في تاريخ المغرب الأقصى وقام بها بعده تلميذه الفقيه الأديب المؤرخ سيدي محمد بن علي الدكالي السلوي في كتابيه الإتحاف الوجيز وحدائق الأزهار وغيرهما مما يدل دلالة قطعية على أن سوق الثقافة بسلا كان حافلا زاهيا رائجا رابحا لم يركض زلال معينة ولن يرجع القهقري في أي زمن من أزمانه ونظرا لرغبة الراغبين وإتحافا لأسماع من لا يزالون ظاهرين اخترت أن أذكر نبذة وجيزة من أعيان علماء هاته المدينة العاملين وجها بذتها المحققين تبركا بذكرهم واستنشاقا نعرف باقة فنون أزهارهم الدالة على علو كعبهم وعظيم مقامهم وعرفانهم مما يعطي صورة عما كانت عليه الثقافة في تلك الأزمنة بسلا مقتصرا على بعض الأعلام منهم فقط مبتدئا بعميدها أبي العباس أحمد بن قاسم بن عشرة، بأني المسجد الأعظم وهو المترجم له صدر هذه الكلمة، وثانيهم الشيخ الكبير والعلامة الشهير سيدي عبد الله اليابوري الأندلسي الأصل السلوي المقر الرباطي المدفن، كان رحمه الله على قدم كبير من المعرفة بالله أخذ عن شيوخ أعلام، ومحققين عظام ورد من بلدته بابورة إحدى مدن الأندلس وحل بمدينة سلا واستوطنها، وقد ذكر له العلامة الفقيه أبو العباس أحمد بن عاشر الحافي أبياتا يتشوق فيها إلى بلدته بابورة تدل على عظيم مكانته في الأدب والشعر وطول باعه فيها مطلعها :
سل البرق إذ يلتاح من جانب البلقا 
             أقرطى سلمى أم فؤادي حكى خفقا
ولم أسبلت تلك الغمامة دمعها 
             أربعت لوشك البين أم ذاقت العشقا
غريب يا قصى الغرب مزق قلبه 
             فأوت سلا فرقا ويابورة فرقا
إذا ما بكى أو ناح لم يلف مسعدا 
             على شجوه إلا الحمائم والورقا
ومنها :
 حياء بغض الطرف إلا عن العلا
            وعرض كماء المزن في الخرق بل أنقى
وفضل نمير الماء قد خضر الربا
           وعدل منير النجم قد نور الأفقا
بلغنا بنعماك الأماني كلها 
              فما بقيت أمنية غير أن تبقى
توفي رحمه الله برباط الفتح في أوائل المائة السابعة، وضريحه بظهر العلو، معلوم.
ومنهم الفقيه العلامة الشيخ المقري أبو الحسن علي بن موسى بن اسماعيل المطاطي ذكره سيدي يحيى السراج في فهرسته من مشايخ أشياخه في ترجمة أبي عبد الله محمد بن سعيد بن محمد بن عثمان الرعيني الأندلسي الفاسي قائلا أن الرعيني أخذ عن الشيخ المقري أبي الحسن علي بن موسى بن اسماعيل المطاطي لقيه بسلا في تاسع جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ومن مشايخ هذا الفاضل أعني المقري أبو الحسن علي بن بري الرباطي، ومن تلامذته الأستاذ العلامة الحافظ عبد الله بن يوسف العثماني المعروف بابن الصباغ السلوي وغيره توفي في ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة ودفن خارج باب المعلقة أحد أبواب سلا كما في الإتحاف.
ومنهم أبو الفضل عبد الله بن المجراد السلوي المحدث الحافظ الراوية العلامة الصالح القدوة محمد بن محمد بن محمد بن عمران الفنزاري السلوي الشهير بالمجراد، قال في بلغة الأمنية كان رجلا صالحا حسن السيرة صادق اللهجة انتفع الناس به وظهرت بركة نيته الصالحة على كل من عرفه أو لازم مجلسه أو قرأ عليه من صغير وكبير. توفي بسلا على الصحيح يوم السبت رابع جمادى الأولى عام ثمانمائة وخمسة عشر ودفن خارج باب المعلقة قريبا من برج الدموع، له تآليف مفيدة في النحو والتصريف والقراءات غالبها متداول بأيدي الناس معروف له القدم الراسخ في سائر العلوم أخذ عن مشايخ عدة كلهم أعلام من أهل سلا وفاس وسبته، وترجمته واسعة رحمه الله رحمة واسعة.
ومنهم العلامة الفقيه القاضي الخطيب المشارك أبو سعيد ابن أبي محمد بن أبي سعيد السلوي من أعيان مدينة سلا وأدبائها وأكابر علمائها، ذكره أبو العباس المقري في نفح الطيب في ترجمة الإمام ابن عياد وذكره أيضا معاصره الإ‘مام ابن غازي في شرح الفية ابن مالك في باب الفاعل. قائلا : ورد علينا أيام كوننا بمكناسة من أعيان سلا الأديب محمد المجيد أبو سعيد محمد بن أبي سعيد وذلك زمن الشبيبة ففاجأني بقوله :
يا قارئ النحو من الفية جمعت 
              في النحو معظم ما في النحو قد قيلا
إن كنت تفهمها فهما تجيد به 
              أسرارها حيث تخفى الأقاويلا
فأي فعل بها قد جاء فاعله 
              فعلا وما فاعل قد جاء مفعولا
 قال ابن غازي فألقى الله في روعي أنه أراد ويرفع الفاعل فعل فقلت مجيبا :
فدتك نفسي لقد أحسنت تمثيلا 
              وفقت كل الورى نظما وتسجيلا
يا حسن أحجية في باب فاعلها 
              من بعد أربعة في النظم تكميلا
فأقر رحمه الله أنه ما أراد إلا ذلك وأظهر استعظام العثور على ذلك.
ومنهم الولي الصالح والبركة الواضح أبو محمد عبد الحليم الغماد المرسي السلوي، كان رحمه الله عجيب الحال له كرامات ومكاشفات، قال في التشوق أنه عبد صالح يمشي إلى المكاتب ويستوهب الدعاء من الصبيان ويبكي الإتحاف الوجيز كان سيدي عبد الحليم الغماد رضي الله عنه من أشياخ الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي ذكره في كتابه، الفتوحات في أخر باب منها وهو الباب 560 بما نصه وكان شيخنا عبد الحميد الغماد بمدينة سلا إذا رأى شخصا راكبا ذا إشارة يعظمه الناس وينظرون إليه، يقول له ولهم تراب راكب على تراب ثم ينصرف ويقول :
حتى متى وإلى متى تتوانى 
                    أتظن ذلك كله نسيانا
ومنهم أبو القاسم الإدريسي السلوي، قال السوداني في نيل الابتهاج أبو القاسم الإدريسي السلوي به اشتهر من أكابر تلامذة ابن عرفة وأخذ عن أحمد بن ادريس البجالي وغيرهما، وأخذ عن أبو القاسم بن ناجي ونقل عنه في شرح المدونة، ومن تآليفه تقييد في التفسير عن ابن عرفة في مجلدين اثنين وأكمال الأكمال على مسلم في مجلد ضخم كبير اقتصر فيه على أبحاث ابن عرفة وأصحابه نفيس للغاية.
ومنهم أبو عبد الله السلوي التلمساني، قال القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون في تاريخه العبر الفقيه المشارك أبو عبد الله السلوي التلمساني ورد على تلمسان خلوا من المعارف ثم دعته همته إلى التحلي بالعلم فعكف في بيته على مدارسة القرءان فحفظه ورواه بالسبع ثم عكف على كتاب التسهيل في العربية ثم على مختصر ابن الحاجب في الفقه والأصول ولزم الفقيه عمران المشدالي وتفقه عليه وبرز في العلوم إلى حيث لم تلحق غايته وقتل يوم فتح تلمسان ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة كما في الإتحاف الوجيز رحمه الله.
ومنهم الفقيه العلامة أبو بكر الفرجي السلوي المراكشي الأصل، قال الحافي كان رضي الله عنه عالما بالفقه والبيان والبديع والمنطق والنحو والمعاني والتصريف وأصول الفقه أصول الدين وعلم العروض وعلم الجدل وغير ذلك، وكان معظما لآل النبي (ص) وربما يستدين ما يواسيهم به، وكان ناظما ناثرا حافظا للتاريخ مستحضرا له، وله ملكة تامة في العلوم كلها، له تآليف، منها شرح على السعد وشرح على السلم وغير ذلك من التقاييد، من عمدة مشايخه شيخ الجماعة بمراكش، أبو العباس سيدي أحمد العطار المراكشي الأندلسي وغيره من مشايخ مراكش ذكره الحافي، وقال أنه قرأ عليه النحو والبيان والمعاني والبديع والمنطق والأصول والعروض والحديث والتفسير والمديح والفقه ولما حانت وفاته احتضر لقنه بعض أصحابه الشهادة فأنشد :
وغدا يذكرني عهودا بالحمى 
              ومتى نسيت العهد حتى أذكرا
وفتح عينيه وقال الحق ما تقول ثم قال أمنت بالله وبملائكته وبكل ما جاء به سيدنا محمد (ص) جملة وتفصيلا ثم تشهد وتوفي رحمه الله، وذلك ضحى يوم السبت ثامن قعدة عام تسعة وثلاثين ومائة وألف، ودفن بزاوية سيدي مغيث، وقد رثاه الحافي بقصيدة ذكرها في الحدائق المؤرخ سيدي محمد بن علي الدكالي.
ومنهم الفقيه العلامة القاضي أبو عبد الله السوسي المنصوري من حفدة الولي سيد محمد بن منصور، ذكره الحافي في فهرسته، وقال أنه قرأ عليه وكانت قراءته جيدة، وعبارته بينة جامعة في النحو والتوحيد والمنطق، ولي القضاء بسلا، له شرح على مختصر السنوسي في المنطق وأخر على كبرى السنوسي توفي رحمه الله في شعبان عام 1142، ودفن بزاوية الولي الصالح سيدي مغيث بطالعة سلا.
ومنهم الفقيه العلامة المجاور أبو عبد الله الدقاق الشيخ النحرير الدراكة الشهير سيدي محمد بن العدل الفقيه محمد الدقاق السلوي، كان رضي الله عنه عالما مدرسا متفننا لين الجانب معظما لجانب أشياخه كثير الثناء عليهم، ذكره الحافي أيضا، وقال أنه قرأ عليه الفقه والبلاغة، واستفاد منه فوائد كثيرة أخذ عن مشايخ فاس كأبي عبد الله سيدي محمد بن عبد القادر الفاسي وقاضي الجماعة سيدي العربي بردلة وسيدي محمد بن أحمد المسناوي الدلادي وسيدي محمد بن ناصر الدرعي توفي رحمه الله بالمدينة المنورة بعد أن جاور بها أكثر من عشرة أعوام، كان فيها ملازما لمسجد مولانا رسول الله (ص) يدرس الحديث ويحج كل عام ثم يرجع للمدينة إلى أن قبضه الله بها إليه سنة ثمان وخمسين ومائة وألف كما في الإتحاف الوجيز.
ومنهم الفقيه العلامة أبو عمر عثمان التواتي قاضي سلا، كان رحمه الله من أعلام سلا وأعيانها، ذكره المؤرخ العلامة سيدي أحمد بن خالد في الاستقصا وقال أنه توفي زوال يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شوال سنة 1158، ودفن داخل روضة سيدي الحاج أحمد بن عاشر رحمه الله.
ومنهم الفقيه الأديب الشاعر الأريب أبو محمد عبد القادر السلوي، ذكره العلامة النسابة سيدي سليمان الحوات في الروضة المقصودة والحلل الممدودة في مآثر بني سودة وحلاه فيها بالفقيه النبيه العدل النزيه الحسن الأخلاق والمخطط بخطوط ابن مقلة في كل مهراق الشاعر المطبوع الذي لا يعثر في وند مفروق ولا مجموع، أبو محمد عبد القادر بن محمد السلوي الذي أربى بإبداعه على كل حاضر وبدوي وأنشد له قصائد ثلاث، افتتح إحداها بقوله :
أو من بلى الإطلال دمعك هاطل 
               أم من سهاد الليل جسمك ناحل
أم من محيا كالصباح وحاجب
              يرمي لمن هو عن سناه غافل
إلى أن قال :
كلف الفؤاد بحبها لكنها 
             تهدى الصدود لكل قرم باسل
يا ليتها عطفت بأيسر مطلب 
             ليبوح بالشكوى إليها الأمل
قالت وقد علمت بفرط صبابتي 
             فز، واغتنم، فالدهر عنكم غافل
ثم تخلص لمدح شيخه الفقيه سيدي العربي بن أحمد بن التاودي بن سودة الفاسي المري، فإنه لازمه وقرأ عليه، وكان له خط رائق، قال مؤاق الحدائق رأيت أجزاء من تاريخ صلاح الدين الصفدي المسمى بالموافي بالوفيات بخطه في غاية الحسن والإبداع، قال أنه فرغ من نسخه في فاتح عام ثمانية وخمسين ومائة وألف.
ومنهم الفقيه العلامة الأديب الحافظ الرواية المحدث أبو العباس أحمد بن عاشر بن عبد الرحمن الحافي السلوي علامة عصره ووحيد مصره صلاحا وجلالة ودنيا وعلما، قرأ على الشيخ الفقيه العلامة سيدي على العكاري بالرباط كان يعبر إليه ويحضر مجالسه في فنون شتى وعلوم مختلفة وانتفع به النفع البين مع صدق طلبه وصفاء نيته وجودة نباهته وشدة اعتنائه وكمال محبته، وله مشايخ عظام كالإمام أبي زكي الفاسي شارح النصيحة وأبي علي بن رحال المهداني المكناسي والقاضي سيدي عبد السلام الرندي والقاضي بن ناجي وأبي بكر الفرجي والعلامة سيدي أحمد بن عبد القادر التستاوتي وأبي عبد الله محمد المسناوي وغيرهم ألف في مناقب الإمام الشيخ بن عاشر الأندلسي تأليفا لطيفا سماه تحفة الزائر بمناقب ابن عاشر، قال فيه تلميذه القاضي أبو عبد الله زنيبر شارح الهمزية من قصيدة بعث بها إليه :
حوى كل علم كل عن جمعه الورى 
                 مفيد ذوي التحقيق عزي وناصري
وحاز فنونا من معارف قلدت
                 بصالح أعمال وحكمة قادر
أمام سما قدرا وطاب فخاره
                 به يهتدي حقا لنيل المآثر
لقد أشرقت شمس المعالي بأفقه 
                 فأصبح فردا في العلا والمفاخر
وله أشعار رائعة وقصائد محبرة فائقة له طرر نفيسة على شمائل الإمام الترمذي وتقاييد في فوائد علمية وبالجملة فهو ممن تفتخر لهم مدينة سلا على غيرها، عاش سنة 1160، قال صاحب الإتحاف الوجيز ولم أتحقق وفاته بالضبط، ولكن دفن بالروضة الكبرى مما وراء الجامع الأعظم وراء سانية الحناء المعروفة في عصرنا هذا، وقبره عليه حوش رحمه الله رحمة واسعة.
ومنهم الفقيه العلامة الشيخ المحدث البركة أبو عبد محمد بن الطاهر المير السلوي البحر العباب في معرفة الحديث وتفسير الكتاب، كان رحمه الله من أفاضل عصره في العلم والدين والاجتهاد في الطلب والعقل الرزين، رحل لحج بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه عليه الصلاة والسلام، واتصل بمشايخ تلك الآفاق وشهدوا بفضله وعلو مقامه وأجازوه، ولما رجع من الحج تصدى للتدريس بمدينة سلا، وكان يدرس التفسير، ولما وصل إلى قوله تعالى ((سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين)) قبضه الله إليه، وذلك في التاسع عشر من شوال عام عشرين ومائتين وألف، ورثاه تلميذه سيدي الزين بن رضوان المباركي التستاوتي السلوي بقصيدة رفيعة مطلعها :
لله في خلقه حكم وتدبير 
               والمرء في ما قضى الإله مجبور
فكل خطب وإن طالت نوائبه 
               لا بد يعقبه لطف وتيسير
والمرء إن عاش وامتدت سلامته 
                   حينا فمرجعه في التراب مقبور
يسعى الفتى في أمور ليس يدركها 
                      حرصا وما مسه في الحرص تقصير
هون عليك فإن ما تحاوله 
                     لابد يلحقه في الكون تغيير
إن الجهابدة الأعلام من سلمت
                    منهم صدور وبيت الرب معمور
إلى أن قال :
مات الفقيه الوجيه الصدر قدوتنا
                     عن النها والدها محمد المير
وهي طويلة ذكرها صاحب الحدائق ولصاحب الترجمة اتصال كبير بأمير المؤمنين سيدي محمد بن عبد الله حسبما بالإتحاف الوجيز رحم الله الجميع بمنه وكرمه وغيرهم كثير ممن أفردت تراجمهم بالتآليف.
أما المسجد المسمى بمسجد الشهباء بمدينة سلا فلم أقف على تاريخ بنائه بكامل الدقة والتحقيق وغاية ما عثر عليه بخط المؤرخ الفقيه سيدي محمد بن علي الدكالي السلوي في الإتحاف أن أقدم مسجد بسلا المسجد المسمى بجامع الشهباء القريب من ضريح سيدي علي بن أيوب، والغالب على الظن أن الذي بناه هو يوسف بن تاشفين اللمتوني، فإنه أمر ببناء المساجد بفاس وغيرها من مدن مملكته في كل حومة وكان هذا الجامع هو المسجد العتيق وبه كانت تقام الخطبة قديما قبل أن يبنى الجامع الأعظم بطالعة سلا ثم نقلت إليه وفي دولة عبد المومن الموحدي بنيت المساجد بسلا، وقد بسطت الكلام على جامع الشهباء ووصفت حاله القديم في كتابنا الحدائق هـ.
نعم أفادني بعض علماء سلا أن وجه تسميته بجامع الشهباء هو أن عمده أي سواريه الحاملة لأقواسه وحناياه كانت شهباء اللون من حجر صلد شبيه بالرخام ولازال بعضا موجودا الآن بالمسجد المذكور.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here