islamaumaroc

المساجد وأثرها في إصلاح العقول وتطهير النفوس

  دعوة الحق

53 العدد

كان المسلمون فجر عهودهم الأولى وأيام فتوحاتهم المبكرة يؤدون صلواتهم بأمكنة يتخذونها في إحيائهم من خيام وأخصاص وما إليها يقيمون بها ما وجب عليهم من صلوات في اليوم والليلة، وكان سكان الأحياء والقبائل لذلكم العهد الإسلامي الفتي ينفقون على هذه المساجد البسيطة من حر أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وسعيا وراء ثوابه الذي يأمله كل مؤمن.
وبعر أن أخذت طاقة الإسلام تقوى وتعم البقاع – فكر الملوك والأمراء في تأسيس المدن وتهييء ما يلزم أن تتوفر عليه من مصالح ومرافق وكان في المقدمة المساجد والمعابد.
والمولى إدريس الفاتح الأكبر للمغرب – أول من انبرى للقيام بهذه المكرمة المقدسة – ما استقر به الإسلام في هذه الديار – توجه فاتحا تلمسان الشقيقة وغزا من بها من قبائل مغراوة وبني يفرن وفور وصوله إليها استبله أميرها محمد بن خزر بن صولات المغراوي وئطلب منه الأمان فآمنه ودخل إليها الخليفة إدريس الأول صلحا وآمن أهلها – وبنى مسجدها وأتقنه وضنع له منبرا وكتب عليه : ((بسم الله الرحمن الرحيم – هذا ما أمر به إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وذلك في شهر صفر عام 174.
هذه تلمسان التي عدها المؤرخون باب افريقية أو المغرب.
(تلمسان لو أن الزمان بها يسخو
         منى النفس لادار السلام ولا الكرخ)
كما يقول محمد بن خميس في قصيدته الخائية متشوقا إلى تلمسان بلده.
فها نحن نرى أعظم مسجد (كذا؟) من مساجد الإسلام يؤسسه الفاتح الأول بهذا البلد العزيز وعندما التحق بربه برد الله ثراه وخلفه ابنه ادريس الثاني الأنور وتكاثرت الوفود عليه بوليلي – إزاء مدينة زرهون – فكر قدس الله روحه في جمع من علية القوم في بناء مدينة تسع وفوده ورجال رعيته وفعلا أثمرت الفكرة وكانت النتيجة تأسيس فاس الفيحاء، وفي مقدمة المشروع تكوين أول مسجد بها هو- جامع الشرفاء الذي على غرار قبلته وضعت قبلة جامع القرويين عند تأسيسه، ونقلت الخطبة منه إلى جامع الجديد-ولم يعرف أول رجل أم بالناس فيه إذ لم تكن إمامة المساجد لذلكم العهد الفتي وظيفة دينية رسمية يتقاضى المشتعل بها أجرة كإمام بل كان يؤم المسلمين وقتئذ كل من توفر على سمت حسن، ودين متين، ومعرفة بتلاوة القرآن الكريم. وطبعا يطمئن المؤمنون وتطيب نفوسهم للصلاة وراء رجل تكاملت فيه هذه الصفات الحميدة التي تنشدها شريعة الإسلام وتدعو أليها مبادؤه.
وبالتالي فقد لعبت المساجد من أول تأسيسها شرقا وغربا دورا هاما في شتى النواحي دينيا وإحتماعيا وسياسيا إذ كانت تعتقد فيها الحلقات العلمية والثقافية فكان الرسول عليه السلام يرشد أصحابه ويعلمهم ما هم في أمس الحاجة لمعرفته، كما كانت تقع فيها المفاوضات والمخابرات لدعم الدعوة الإسلامية وتركيز تعاليمها في النفوس، وفيها كانت تعقد الوية السرايا – حيث لم تكن أسست مراكز لهذا الغرض الحربي الهام بعد، فكان المسجد والمسجد وحده المرجع الوحيد لسد هذه الحاجات الضرورية لكل الطاقات ماديا وروحيا، فهذا الأب الأول آدم عليه السلام يؤمر من تلقاء ربه تعالى بتأسيس بيت بوادي مكة التماسا للرحمة والمغفرة، كما أن الرسول محمدا عليه السلام بنى مسجده الذي انفرد بالدور القيادي على المساجد جميعها – فكان مركز الخلافة في أهم عصر من عصور الإسلام أيام أبي بكر وعمر وعثمان، وهو طبعا ثالث المساجد التي إليها تشد الرحال بل كان المكان المختار لمجلس عمر بن الخطاب في قضائه وتدبيره شؤون الدولة ومنه خرجت فتاويه للناس في وقت كان فيه مجلس شواره الخاص مع عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن، بن عوف، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عمر بن الخطاب وغيرهم من فقهاء الصحابة وذوي الرأي والرشاد فيهم.
فهؤلاء وغيرهم كثير ممن تكلفت بذكرهم كتب السنة والفقه كانوا طلابا وأساتذة في ءان واحد في جامعة الإسلام الأولى التي مقرها المسجد النبوي في المدينة المنورة خلال القرنين الأول والثاني من هجرة الرسول الأعظم محمد صلوات الله عليه.
وهكذا كان الحال في الحرم المكي حيث كان كبار الصحابة يجلسون لأداء رسالة التهذيب والتثقيف كمعاذ بن جبل، وعبد الله بن عباس، وغدا المسجد امتدادا لهذه الحلقات الروحية يلعب دوره الخطير في رفع لواء الإسلام خفاقا في عواصم الإسلام ومدنه كالبصرة والكوفة والشام بعد فتحه والسودان وجامع الزيتونة في تونس بعد جامع القيروان، والأندلس التي منذ فتحها العرب وهم ينشئون المساجد ويتوسعون في إقامتها لدرجة أن مدينة ((قرطبة)) وحدها كان بها سبعمائة مسجد وهذا وحده يبرهن في وضوح على مدى عناية الإسلام والمسلمين بالمسجد وتأسيسه لما وقع في صدورهم – أن المسجد كان مركز أشعاع للثقافة في كل الأصقاع الإسلامية المترامية الأطراف – نعم اهتدى بعض الخلفاء لأول عهود الإسلام المشرقة لتأسيس المدارس والمعاهد فكان هشام بن عبد الملك أول مؤسس مدرسة في الإسلام بالشرق تكلفت بضم طلاب المعرفة على اختلاف ألوانها كما كان الأستاذ وجاج بن زلو اللمطي الإفريقي أول مؤسس مدرسة بالمغرب الأقصى شعت أنوارها على المغرب العربي بواسطة أحد خريجيها – الزعيم الشهيد – عبد الله بن ياسين.
فكان هذا فتحا جديدا دعم المسجد وساعده شيء قوي حركة التأسيس المدرسي وحفز الملوك والشيوخ بوجه أخص لفتح الزوايا والمدارس إزاء المساجد خدمة للمعرفة والثقافة وسعيا وراء تكوين أجيال صالحة تضطلع بمسؤوليات الحياة في شتى ألوانها – واستمرت الحال هذه عبر العصور والأجيال بل استعت أيام الدولة المرينية بالمغرب حيث علا مؤسساتها الفن والزخرفة ويكفي شاهدا على ذلك أن يرى المعاصر مدارس فاس – وسلا، ومراكش، وغيرها وعلى هذا المثال سار السعديون في القرن العاشر وأوائل الحادي عشر الهجريين، غير أن طابع الفن ورقته تجليا بصفة خاصة في مقبرتهم بقصبة مراكش قرب جامع المنصور الشيء الذي اضطر معه الكاتبان الفرنسيات – الإخوان جروم وجان طارو أن يقولا : أن من لم يشاهد في حياته مقبرة الملوك السعديين في مراكش لم يدرك إلى أية درجة من الارتقاء بلغت المدنية الإسلامية.
واتصلت حلقات التأسيس وبناء المساجد في دولتنا العلوية الشريفة بأغزر وأروع مما عرفته الدول قبل إنشاء وتجديدا حيث اندفع جمهور من أبناء المغرب لوقف وتحبيس الأراضي والرباع على تأسيس المساجد وصيانتها (والناس على دين ملوكهم) بل امتازوا عن سواهم بحضور دروس العلم بأنفسهم فهذا المولى الرشيد العلوي يحضر حلقات الدراسة بجامع القرويين ويحض كلا من الأساتذة والطلبة على بث العلم وتلقيه بروح ملؤها الصدق والإخلاص، كما نرى أخاه المولى اسماعيل يحبس عدة كتب علمية قيمة على خزانة القرويين، وتلك سنة المنصور السعدي (الذهبي) قبله.
كما أن عالم الدولة العلوية المولى سليمان قدس الله روحه كان هو بدوره من أونة لأخرى يزور جامع القرويين مترددا على مجالس دروس الصدور عن الشيوخ، ولا ننسى أن المولى عبد الرحمن بن هشام كان له اعتناء خاص بالعلم وذويه واهتمام كبير بتنظيم التعليم وترتيب الدروس بل يعد ثاني مؤسس لنظام التدريس بالقرويين جملة، وهكذا إلى أن أخذ الجامع القروي وفروعه الحظ المرموق في عالم المعرفة والثقافة ترتيبا وتنظيما أيام الملك المقدس محمد الخامس طيب الله ثراه. وكل هذا يدخل في غمار العناية بالمساجد والعمل على تأدية رسالتها في جو يسوده التكريم والوقار، وهاهي وزارة الشؤون الإسلامية – لعهد الملك الشاب الحسن الثاني أيده الله تعد بتأسيس عدة مساجد في مدن المغرب وقرأه وبناء نماذج مثالية منها في جل المدن وتنظيم دراسة علمية وأرشادية بها بواسطة علماء أكفاء يخصصون لهذه الغاية النبيلة مضافا إليهم وظيفتا الإمامة والخطابة، الخطابة التي أصبح يتولاها اليوم في المجموع من هم في أمس الحاجة إلى مثاقنة الكتاب والعود إليه قصد المرور في مراحله ثاني مرة، حيث لم يستفيدوا من تجاربه الأولى ما يقيم ألسنتهم ويضعهم في صفوف الذين لازموا المساجد وتكونوا في أحضان أبهائها أمام مشايخ العلم ورجال الثقافة على اختلاف معارفهم وأفانين سلوكهم في التثقيف والتربية.
والأمل وطيد في الوزارة المعنية أن تجعل بالمشروع الذي غدا حديث الأندية العلمية وسواها في ترقب لإنجاز هذا الوعد الذي له أثره في إصلاح العقول وتطهير النفوس.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here