islamaumaroc

جامع شفشاون

  دعوة الحق

53 العدد

كان القرن التاسع الهجري ـ الخامس عشر الميلادي ـ بالنسبة للمغرب، عصر الأحداث والآلام، وعهد التدهور والانحطاط، ففيه سقطت دولة الأندلس (الفردوس المفقود) وفيه تكالب العدو على شواطئ المغرب، واحتل أهم ثغوره كسبتة وطنجة وما أليهما، ولم يكن هناك حاكم حازم، ولا ملك رشيد، بل كانت الفوضى تضرب أطنابها في طول البلاد وعرضها، وساد الجهل وانتشر الفساد، وضعفت الهمم، واستسلم الناس للخرافات والأوهام.
في هذا الجو المضطرب، وفي هذا الظرف الحالك، قام جماعة الأشراف العلميين، بشمال المغرب، يذبون عن حوزة البلاد، ويطاردون العدو في الجبال والأوهاد، وأسسوا جبهة قوية، يحسب لها حسابها، وظلوا رافعين راية الكفاح نحو قرن كامل، وفي حدود سنة 876 هـ نزلوا بسفح جبل أشاون ـ والشاون في لغة مازيغ : قرون الجبال، واختطوا مدينة شفشاون على بعد مسيرة يوم من جبل العلم (مسقط رأسهم) بقصد تحصين المسلمين، ورد عاديات العدو، وكان من أشهرهم ذكرا، وأبعدهم صيتا الأمير أبو الحسن علي بن راشد المتوفى سنة 917 هـ الذي بنى مدينة شفشاون الحالية، وشيد قصبتها، وأوطنها بأهله وعشيرته، ونزل بها الناس فبنوا، وصارت في عداد المدن المغربية (1). ومن هذا الحصن المنيع كان بنو راشد يوجهون إلى العدو ضرباتهم القوية، وهجوماتهم المتوالية، وكانت لهم جولات موفقة في ميدان البطولة خلدت اسمهم إلى الأبد، قال في المرآة ص 86/187 : (ولم يزل أولاده بها بين سلم وحرب، إلى أن حاصرهم الوزير ابن القادر بن محمد الشيخ بجيوش عمه الخليفة محمد الغالب بالله وصاحب شفشاون يومئذ الأمير أبو عبد الله محمد بن راشد، فلما اشتد عليه الحصار، خرج فيمن إليه من أهله وولده وقرابته، وساروا إلى أن وصلوا ترغة (من غمارة) ومنها ركبوا البحر يوم تاسع صفر 969 هـ واستقر الأمير بالمدينة المشرفة إلى أن مات بها) وفي أيام الأمير أبي عبد الله ابن رشد هذا وحوالي منصف القرن العاشر الهجري بنى الجامع الأعظم بشفشاون، بناه الأمير في جملة ما بنى إلى جانب قصبة والده المولى علي بن راشد، وقد كثر الواردون على شفشاون،وهاجر إليها جماعات من الأندلسيين، وقد أمرهم الأمير محمد بن راشد أن ينزلوا فوق ساقية العنصر، حتى لا يضايقوا السكان الأصليين في السقي، وأسسوا حومة خاصة بهم تعرف ـ إلى اليوم ـ بريف الأندلس، وكان بالقصبة مسجد صغير، لم يعد يفي بحاجة المصلين، فأصبح الناس في حاجة إلى جامع كبير، ويقع الجامع الأعظم بجنب برج القصبة يفصل بينهما الطريق المار على ربوة عالية تتربع على وطأة الحمام (السويقة) الحومة الأولى للبلد، وتطل على المدينة من سائر جهاتها، وكانت في الأصل موضع (أندر) لرجل من بني جبارة يدعى اللحيح، والجامع يتألف من قسمين: بيت الصلاة، والصحن ويشتمل بيت الصلاة على أربع بلاطات عرضية من الجنوب إلى الشمال، يفصل فيما بينهما عقود من نصف دائرة، متجاوزة بعض الشيء (أقواس بيضية تقوم على أعمدة، وهذه البلاطات تختلف عن بعضها البعض في الطول والعرض هكذا : (1) 30 و 15 على 40 و 2 م ـ (2) 30 ، 17 على 40، 2م ـ (3) و 75 16 على 75، 2م ـ (4) 50، 15 على 50، 2م) وللجامع أربعة أبواب :
1) الباب الرئيسي : وهو إلى جهة الغرب، ويسمى باب الحمراء.
2) باب الجنائز : وهو إلى جهة الشرق، وكانت تخرج منه الجنائز بعد الصلاة عليها داخل المسجد.
3) باب الوضوء : وهو إلى جهة الشمال، ويخرج منه إلى مكان الوضوء، ويقابله من الخارج باب القصبة.
4) باب المدرسة : وهو إلى جهة الجنوب، وينفتح إلى صحن المدرسة المجاورة للجامع، وعلى يسار الباب الرئيسي للمسجد مكان الصومعة، وكانت في أول أمرها مئذنة صغيرة غير مرتفعة، وأسس الأمير أبو عبد الله ابن راشد ـ إلى جانب الجامع ـ مدرسة صغيرة تتصل مباشرة بالجدار الجنوبي منه، وتعرف عند العامة بالمدبرسة، وتذكرها بعض الوثائق الوقفية بمدرسة شفشاون (*)(2)، والمدرسة على شكل مربع تحيط به بيوت لسكنى الطلبة وتتألف من طابقين أعلى وأسفل، بتوسطها صحن كبير في نحو 16 على 17م.
وفي وسطه فوارة (خصة) وتتخلله بعض الأشجار ولم يبق منها الآن سوى أشجار اللرنج، وينفتح في الجدار الجنوبي للجامع ـ كما أسلفنا ـ باب إلى المدرسة، وكان هناك ممر من المقصورة إلى المدرسة، وكان بالصحن إلى جهة القبلة رواق ومحراب صيفي (العنزة) وفي الإصلاحات الأخيرة للمدرسة أزيل كل ذلك، وسد الباب الذي كان يؤدي إلى المقصورة، ودفن بصحن المدرسة إلى جهة الشمال أبو عبد الله محمد الغالي بن الشاهد العلمي، وكان من المدرسين البارزين، تولى قضاء شفشاون أيام ابن عبد الكريم الخطابي، وكتب على رخامة فوق قبره أنه توفي ليلة الأربعاء 18 صفر عام 1348 هـ وبالقرب منه ابن عمه محمد العربي العلمي.
والباب الرئيسي للمدرسة في الجدار الغربي ـ إلى جهة الجنوب، ويقابله من الخارج دار القاضي (أبو الحسن الشريف العلمي النوازلي).
ومدخل المدرسة على هيئة مرفق منحن في تخطيطه، شأنه في ذلك شأن مدخل الدور المغربية، وبجانبي المدخل محكمة القاضي، وبيت العدول، ويؤدي المدخل من الجنوب إلى الميضاة، ومراحض الطلبة.
أما الجامع فظل على صورته الأولى إلى أن ولي قضاء شفشاون أبو العباس أحمد بن الشريف العلمي سنة 1012 هـ، وقد اتسعت دائرة المدينة، وتعددت حومات البلد، فكانت هناك ـ زيادة على حومة السويقة الحومة الأولى كما سبق ـ حومة ريف الأندلس، وريف الصائبين، وحومة العنصر، وحومة السوق، والخرازين وما إليها..
وربما كان لكل حومة مسجده الخاص، ولكن الجمعة للعتيق، وقد أضحى المسجد العتيق لا يتسع للمصلين، فاستأذن القاضي أبو العباس ـ وكان إماما وخطيبا ومدرسا بالجامع ـ سلطان العصر في توسعته، ولعله زيدان بن المنصور السعدي، وكان زيدان ـ وهو العالم الأديب ـ في حاجة إلى الدعاية وإلى من يلتف حوله من العلم والفضل، وقد انتثر عقد الدولة السعدية، وتنازع الملك جماعة من أبناء المنصور وإخوته .. فأذن له زيدان في ذلك، وساعده بقدر كبير من مال الخراج واغتنمها فرصة لاستلال الضغائن ومحو الحزازات التي تركتها أعمال عمه الغالب بصفة خاصة فزاد القاضي في الجامع زيادة مهمة، وكان مما زاده في طول الجامع إلى جهة الشرق ـ أربعة بلاطات عريضة موازية لجدار القبلة.
وهي أطول من البلاطات الأولى، وعقودها أكثر ارتفاعا، وأوسع عرضا، وهذه البلاطات تختلف أيضا عن بعضها البعض في الطول والعرض هكذا : 5) 18م على 40، 2 ـ 6) 35، 19م على 40، 2 ـ 7) 20م على 45، 2 ـ 8 ) 65، 20م على 20، 3.
وتتقاطع البلاط الأخير المحاذي لجدار القبلة من المحراب إلى الجنوب عقود تتجلى فيها روعة الفن المغربي، وبطبيعة الحال فإن البلاطات الأربعة التي زيدت في الجامع، قد شغلت الصحن القديم، فكان من الضروري أن يقام للجامع صحن جديد، ويمتد الصحن على الجدار الشرقي في نحو 18م على 12م ومن أعلام شفشاون الذين دفنوا بهذا الصحن القاضي أحمد بن الحسين العلمي المتوفى سنة 1315 هـ وبجانبه ولده عبد السلام، وينفتح في الجدار القبلي للجامع بابان أحدهما على يمين المحراب، إلى المقصورة، والآخر على يساره إلى الصحن ويتوسط الجدار الشمالي مصلى النساء، وفي الإصلاح الأخير للجامع سد باب هذا المصلى، وجعل مكانه فوارة (خصة) للوضوء وقطع المصلى من المسجد وصار مع الأسف حانوتا لإسكافي، على أنه حجز النصف الشمالي من البلاط الأول لصلاة النساء بحاجز خشبي مما جعل المسجد يفقد شكله الهندسي، وصورته الفنية، وكم نود أن تكون هذه الإصلاحات التي تقام بالمساجد والزوايا تحت رقابة خاصة لإدارة فنية لها اختصاصها في الآثار القديمة، والفنون الجميلة، وكم يعز علينا أن يضيع الكثير منها بسبب التهاون والإهمال فمنذ سنتين أو ثلاث سقط جانب من صومعة مسجد (إشرافات)  على بعد 35 كلم من شفشاون، وربما كان أقدم نسجد بالمغرب، بناه طارق بن زياد أيام ولاية ياصف بن عبد الملك بن أباد بن عثمان على هذه الجهات أواخر القرن الأول الهجري (*)(3) وقد هدمت الصومعة بالمرة، وأعيد بناؤها على شكل جديد، لا يتفق وصورة هذا المسجد التاريخي، وكم له من نظير؟ وجدران الجامع والمدرسة مبنية بالطيبة) وسقفها كباقي دور المدينة بالقرمود الأحمر ومن الداخل بالخشب المنجور المزخرف.
وفي أيام سلطة القائد أحمد الريفي على تطوان وشفشاون وما إليهما (84/1090) أدخلت بعض الإصلاحات على المدرسة، ونذكر بعض المصادر الأجنبية أنه في هذا التاريخ نقل إلى مدرسة شفشاون قدر كبير من الزليج والرخام الأندلسي.
وفي عهد ولاية القائد أبي محمد عبد القادر البردون البوفراحي على شفشاون أواخر القرن الحادي عشر، صنع منبر كبير للجامع، وثريا خشبية على شكل هرمي، علقت أمام المحراب، وقد كتب على لوحة بالدرج الأخير من المنبر : (الحمد لله صنع هذا المنبر السعيد سنة 1098 هـ)، وجدد تنميقه سنة 1351 هـ ) وكان للقائد الريفي عبد القادر البردون اهتمام زائد بالمدرسة وبالطلبة الساكنين بها.
وفي أوائل المائة الثالثة عشرة، اتسع عمران المدينة، وغدا الجامع الأعظم ـ وهو الوحيد ـ لا يكفي بالطبع لمئات المصلين، بل الآلاف، فأحدثت أغطية بجامع الخرازين، ومسجد ريف الأندلس ومما يلاحظ أن شفشاون منذ هذا التاريخ أصبحت تابعة لتطوان سياسيا، ولم تزل كذلك إلى اليوم إلا في فترات من التاريخ. وفي أيام الناضر محمد بن قاسم شهبون بنيت صومعة الجامع الأعظم بشفشاون وباع الناظر من أجل إقامتها بعض حوانيت الحبس بالسويقة، وقد استغرقت مدة البناء نحو سنتين، ويقال أن الذي تولى بناء الأجداد يروون للأحفاد قصته مع ولده الذي أخطأ في شيء من البناء، وقد أشرفت الصومعة على الانتهاء، فلطمه الوالد لطمة ألقت به من أعلى الصومعة فبقي معلقا وقد أقيمت الصومعة بمكان المئذنة الصغيرة على يسار الباب الرئيسي للجامع إلى جهة الجنوب كما سبق، وقاعدة الصومعة مربعة، ولكنها بعد أن استوت مع سقف الجامع في نحو ستة أمتار صارت مثمنة، وبجدرانها من الخارج فتحة ضيقة تشبه منافذ السهام، الغرض منها مد الدرج بالضوء، وينفتح في وسط المئذنة إلى جهة الجنوب ـ باب إلى غرفة المؤقتين، وقد بينت في الطابق الأعلى من المدرسة، وعلقت بها مجانات (ساعات) ويلاحظ أن أقدم هذه الساعات يرجع تاريخه إلى سنة 1256 هـ وفي نهاية المئذنة شرفات ويعلو سطح المئذنة (صار) في نحو خمسة أمتار مثمن كالصومعة وقد صعد معه عمود من حديد تعلق به الرايات التقليدية.
والصومعة آية الفن الأندلسي المغربي، وفي سنة 1255 أدخلت إصلاحات على مراحض المسجد وجر ماؤها في القواديس إلى الخارج. وكانت هناك خزانة تابعة للجامع، حافلة بالكتب العلمية والدينية، الغرض من تحبيسها القراءة والمطالعة والنسخ...
وقد لقيت هذه المؤسسات، سواء منها الدينية والثقافية، عناية فائقة من مختلف الطبقات، فكانت هناك أوقاف الجامع، والمدرسة، والخزانة، وكان للإمام والمؤذن والمدرس والخطيب أوقاف، وللطلبة أوقاف، وللقيم أوقاف وهلم جرا... وقلما تجد عائلة من العائلات أو شخصية من الشخصيات ليس لها وقف على الجامع أو المدرسة أو عليهما معا.
ونجد في الطليعة أبناء راشد الأمراء، وأبناء عرضون قضاة شفشاون، وأبناء الشريف العلمي سدنة المسجد والمدرسة .. وقد تكاثرت الأوقاف داخل المدينة وخارجها، في القرية القريبة والنائية، وفي كل جهة من الجهات، اتسع نطاقها، وتنوعت مصالحها حتى لقد كان في بعض الأحيان، للجامع ناظر، وللمدرسة ناظر أخر. وإذا كان ملوك الدولتين الوطاسية والسعدية، حاربوا الأشراف العلميين، وهاجموا  المدينة الراشدية غير مرة، وضايقوا أهلها، وحطموا بعض دورها، فقد كان للملوك العلويين اهتمام بالغ وعطف خاص على هذه المدينة وأهلها، وكان لهم أوقاف على مساجد شفشاون عموما، والجامع الأعظم بوجه خاص، ومن مظاهر هذا الاهتمام وهذا العطف ـ ما جاء في ظهير للسلطان محمد بن عبد الله مؤرخ بـ 9 قعدة عام 1183 ـ : يعلم من هذا الكتاب الكريم أننا أمضينا الأمر في الحمام الذي بمدينة شفشاون للجامع الكبير الذي هناك، وجعلناه من جملة أوقافها بحيث لا يتصرف فيه إلا ناظر الجامع المذكور، وصرف مستفاده من ضرورية الجامع كغيره من الأحباس، من غير منازع ولا معارض وكل من يرد على المدينة الشفشاونية من جميع القبائل بقصد الاستيطان والإقامة فهو من جملة أهلها يلزمه ما يلزمهم إجمالا وتفصيلا، وإن أقام بين ظهورهم شهرا أو دونه فهو منهم، ولا يطالب بوظيف مع إخوانه خارج المدينة، وأهل شفشاون منهم إلينا ومنا إليهم، ولا واسطة بيننا وبينهم، فهم خدامنا ومحسوبون علينا، ولهم منا ـ إن شاء االله ـ ما يحمدون عاقبته في الحال والمال والسلام. (*)(4) وأصدر السلطان محمد بن عبد الرحمن مرسوما يقضي بأن يجعل للجامع الكبير عشرة مثاقيل في كل شهر من مستفاد ((الكنطردات)) ويدفع لناظر الجامع الكبير (*)(5) وفي ميدان تشجيع العلم وأهله فقد أصدر السلطان المولى سليمان أمره بتنفيذ ثلاثين أقية في كل شهر للفقيه عبد السلام بن الأستاذ سعيد زنبار الجباري).
ويدل على مدى عنايتهم بهذه الأوقاف، التي تعتبر كضمانة للشعائر الدينية، وحرصهم الشديد على أن ما يضيع منها ولو درهم واحد ـ ما جاء في مرسوم للسلطان محمد بن عبد الرحمن مؤرخ بـ 22 جمادى الأولى عام 1281 هـ وبعد : فإن ميزانا للأحباس بأشاون كان ناظرها يحصل فيه ما بين السبعين والتسعين منقالا، ولما بيعت المستفادات المخزنية، حيز من جملتها وبيع، ولا بد أن تأمروا مشتري المستفادات بالشاون أن يدفع مائة وعشرين مثقالا للناظر من ثمن كراء المستفادات (*)(6) والأمثلة من هذا كثير. وللقائد الريفي عبد القادر البردون السالف الذكر عدة أوقاف على الطلبة الغرباء الساكنين بالمدرسة وكانت تصرف فوائدها عليهم في شبه نظام الخبرة بجامع القرويين وأسهم في هذا الميدان كثير المحسنين والمحسنات مما شجع إقبال الطلبة على العلم، وازدهار الثقافة والمعرفة بهذه الديار.
أما الخزانة فقد تنافس العامة والخاصة في الوقف عليها، وهناك طائفة من علماء شفشاون جعلوا مكتباتهم حبسا معقبا على خزانة الجامع الأعظم، ومن الوثائق الوقفية في هذا الصدد : الحمد لله حبس الواضع إسمه عقب تاريخه (القاضي محمد بن محمد البرنوس) على أولاد الذكور دون الإناث. جميع ما هو ملكه من الكتب الفقهية، والنوازل الشرعية، والأحاديث النبوية.. وغيرها من كتب العربية واللغوية ينتفعون بها بالقراءة والمطالعة فإن انقرض الجميع رجعت للمسجد الأكبر بشفشاون ينتفع بها طلبة العلم بالمطالعة، والمدارسة، والمناسخة... حبسا مؤيدا في 2 حجة متم عام 1194 هـ. وحتى النساء والعوام فقد كانوا يشترون الكتب العلمية والدينية ويوقفونها على خزانة الجامع بقصد الانتفاع بها تعلما وتعليما، ومن هذه الوثائق الوقفية : الحمد لله بعد ما اشترى الحاج محمد بن العربي شابو، والحاج عبد القادر المسال.. حمع السفر الواحد المسمى بالدرر السافرة في أمور الآخرة، تأليف السيوطي، اشتراء تاما أشهد إذ ذاك المشتريان المذكوران أنهما حبسا الكتاب المذكور على خزانة 
*) الحوالة ج 1 ص 98 ـ وثيقة 62
*) الحوالة ج 1 ص 1  .......
الجامع من محروسة شفشاون ـ أمنها الله ـ ينتفع به في المسجد المذكور بالسرد الكرسي بالمسجد المذكور وغيره من أوجه الانتفاع.. في أواسط رجب الفرد الحرام عام 1208 هـ) وقد احتفظت لنا بعض دواوين الحبس بقائمة من المكتب التي أوقفتها فاطمة بنت المقدم وهذه طائفة منها :
ـ نسخة من صحيح البخاري ـ في عشرة أجزاء ـ بخط الفقيه ابن سودة.
ـ فتح الباري على البخاري للحافظ ابن حجر ـ في تسعة أسفار.
ـ التوشيح على الصحيح، حاشية للسيوطي على البخاري.
ـ شرح العمدة في الحديث لابن الأثير.
ـ سيرة الكلاعن بخط الفقيه ابن رحمون نسخة أخرى بخط القاضي محمد البرنوسي.
ـ السفر الأول من موطأ مالك، مجموع في الطب به منظومة لابن الخطيب في الطب.
ـ مجموع به شرح الأجرومية، ولامية الأفعال مع شرحها.
ـ مجموعة كبيرة من المصاحف.
ونجد قائمة أخرى في بعض الدواوين نذكر من بينها. التفسير لأبي طالب مكي، الفشني على الرسالة، أبو الحسن على الرسالة، الرصاع، سراج الملوك للطرطوشي .. وتذكر بعض الوثائق الوقفية أنه بتاريخ 1216هـ كانت مداخيل الجامع نحو مائتي مثقال يصرف منها على مصالح الجامع نحو النصف، ويصرف على تفسير الكتب نحو خمسة عشر مثقالا، وهو مال كبير بالنسبة لميزانية الجامع في هذا العهد. وكانت العادة أن تستعار هذه الكتب من قيم الخزانة كل يوم الجمعة بعد صلاة العصر (*)، وكانت تخرج عشرات الكتب ولا يرجع منها ولو واحد، وخصوصا منها ما كان للنسخ، وهذه الفوضى في الاستعارة هي التي أضاعت الكثير منها الكثير منها وخربت مكتبات المساجد والزوايا بالمغرب، أضف إلى ذلك المؤامرات التي كان يدبرها الاستعمار لاختلاس ما كان بهذه الخزائن من نفائس وذخائر، وقد أخبرت أن مجموعة كبيرة من كتب خزانة شفشاون توجد الآن بالمكتبة الوطنية بمدريد، وكم مر في تاريخ المغرب من هذه المآسي؟.
وقد دونت أوقاف الجامع الكبير والمدرسة في دواوين خاصة، وتعرف إلى اليوم بالحوالات الحبسية، لأن وثائق التحبيس قد حولت ونقلت إليها، وكان كلما تجمعت أملاك وأوقاف دونها القاضي بنفسه، أو أمر بعض العدول البارزين لديه بتدوينها ومر هذا التدوين بمراحل : وتبتدئ المرحلة الأولى من نحو سنة 980هـ/1012 هـ على يد القاضيين أبي العباس أحمد بن عرضون المتوفى سنة 1012 هـ وقد دامت ولايتهما على شفشاون نحو ثلاثين سنة وإليهما يرجع الفضل في تنظيم هذه الأوقاف، والسهر عليها كما يذكر ذلك القاضي أبو عبد الله مخشان المتوفى 1042 : (وقد تقر ضبطه ـ رحمه الله للأوقاف وغيرها ـ يعني أبا العباس بن عرضون ـ حتى أنه لم يدع وقفا من أوقاف عمالته الشفشاونية، حاضره وبادية إلا دونها، وجعل عليها عاملا يطوف عليها مدة دولته احتراسا لها من الضياع ولا شك أنه بعد موت القاضيين رحمهما الله وقع إهمال في الأوقاف ولا سيما ما كان منها بالبادية) (*)(6).
ويأتي في المرحلة الثانية من قضاة القرن الحادي عشر أبو عبد الله محمد مخشان وأبو زيد عبد الرحمان أمفرج وشارك في تدوين المرحلة الثالثة من أهل القرن الثاني عشر والثالث عشر أبو مهدي عيسى بن علي الشريف وولداه محمد وعلي، وعبد السلام بن علي الشريف وأخوه محمد ثم أحمد الشاهد العلمي ومحمد الصغير اليلصوتي وعبد الكريم الحضري والفقيه العدل محمد شابو (*)(7) وكان إلى جانب الجامع الكبير (العتيق) بشفشاون عدة مساجد وزوايا : كمسجد أبي خنشة، ومسجد ريف الأندلس، ومسجد السوق، ومسجد الصبانين، ومسجد العنصر.. ومن الزوايا ـ وقد تكاثرت في القرنين الثاني عشر والثالث عشر ـ الزاوية الناصرية، والزاوية التليدية، والزاوية الجيلانية، والزاوية الدرقاوية، وكان لكثرة هذه المساجد والزوايا ـ على صغر المدينة ـ أثرها القوي في الروح الدينية التي سادت هذه المدينة حتى صارت تعرف ـ فيما بعد ـ بالمدينة الصالحة، والجامع الأعظم ـ على الخصوص ـ ومعه المدرسة التي كانت بمثابة قسم داخلي له قد أدت مهمة مزدوجة، روحية وثقافية، دينية وفكرية، ويأتي في الرعيل الأول من الذين خلقوا الحركة الفكرية بهذه الديار، وبذروا البذور الأولى في أجوائها أبو عبد الله محمد بن عرضون 1012 ومن تلاميذه الأبرار أبو العباس أحمد بن الشريف العلمي المتوفى سنة 1027 الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لهذا المعهد الإسلامي، وكان الجامع للدراسة، والمدرسة لسكنى الطلبة، فكنت ترى حلقات الدروس تلقى هنا وهناك، وفي كل زاوية من زوايا الجامع، كان يجلس الشيخ فيلتف حوله الطلاب، ويلقي عليهم دروسا في الفقه والعربية والدين، على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم ويحدثنا أبو حامد الفاسي عن الدور الهام الذي قام به أستاذه أبو العباس بن الشريف العلمي، في حقل التعليم وفي ميدان الوعظ والإرشاد، بمعهد الجامع الكبير بشفشاون فيقول : (ولي أبو العباس خطابة الجامع الأعظم، فحسس موقعه من قلوب الخاصة والعامة، حسن بيان، وفصاحة لسان، ومراعاة ما يليق بكل زمان، وقام بحق تلك الخطة أحسن قيام، وشهد الجميع بأنه لم يتقدم مثله هناك خطيب ولا إمام.. وكان أبو العباس يدرس في الفقه وغيره، وانتفع به خلق كثير ..) وكتب إليه أستاذه الشيخ النصار ينوه بمدرسته الجديدة في شفشاون، ويثني على جهوده وإخلاصه، ويبدي رأيه في المنهاج الدراسي، الذي عرضه على أنظاره فيقول : (وفرحت غاية الفرح بختمك الصغرى فطالع كتب الشيخ السنوسي السبعة، وكتاب ابن مالك : الفوائد المحوية في المقاصد النحوية، فيه ما في الكافية، وأعجبني إقراؤك الرسالة، وفرحت به. لا سيما إذا اقتصرت على المحتاج إليه، وختمتها سريعا، وكذلك إقراؤك الخراز فقد أعجبني كثيرا، واعتمد عل ابن أجطا فإن نقله صحيح جدا، وكثير من شروح الخراز فيه تحريف، نفعك الله، ونفع بك.. ويشير الشيخ القصار في غضون كلامه إلى روح العلم، والطموح الفكري الذي كان عليه أبو العباس فيقول : وإذا  رأيت تأليفا لم تتحقق أني رأيته، فأعلمني به والمراد أن الإنسان بموت طالبا للعلم .. والسلام (*)(8)، وبلغ من اهتمام الإمام القصار بهذه المدرسة، أن كتب إلى الشيخ ابن ريسون بجبل العلم، بحته على أن يبعث بأولاده إلى مدرسة شفشاون، فيقول : (.. والله والله فيهم في طلب العلم، وعندكم اليوم ابن عمكم سيدي أحمد.. فقيه جليل، ولكم فيه عون) (*)(9) ويمكن أن نستنتج من النصوص السابقة أن المواد الدراسية التي كانت تدرس بمعهد الجامع الكبير بشفشاون في القرن الحادي عشر هي كما يلي : (1) العربية : بالفية ابن مالك : شرح المكودي أو المرادي. (2) التوحيد : بصغرى السنوسي وشروحها. (3) الفقه برسالة ابن أبي زيد وشرح أبي الحسن. (4) التجويد والقراءات بكتاب الخراز وشرح ابن آجطا ...
وقد تخرج من هذا المعهد علماء كان لهم صدى بعيد في ميدان العلم والثقافة، وفي ميدان التأليف والكتابة كأبي العباس بن الشريف العلمي تـ 1027 وله مؤلفات منها حاشية على الصغرى، وجزء في نقل الميت من قبر إلى قبر، وجزء في أنساب العلميين.. ومقيدات في الفقه والأحوال، والعربية والطب والتاريخ وما إلى ذلك..
وكأبي الحسن بن علي بن الشريف العلمي، صاحب النوازل المشهورة المتوفى 1126 هـ وغيرها كثير، وكان بين أساتذة جامع شفشاون، وشيوخ القرويين صلات علمية وثيقة ووشائج قربى ومودة، وكان أكثر علماء شفشاون يتخرجون من جامعة فاس، وإن درسوا أكثر العلوم في غيرها، فلا بد أن يتبركوا بها، ومع ذلك فقد كان هؤلاء العلماء يعتزون بآرائهم وأفكارهم، ويناقشون علماء فاس مناقشة الند للند، وكانت بينهم مساجلات ومناقضات تشتد أحيانا وتخف أخرى، ونجد صورا منها في كتب التاريخ والفقه، وتقرأ نماذج من هذه الأبحاث العميقة، والردود القوية لأبي محمد الهبطي المتوفى 963 هـ وأبي العباس ابن عرضون المتوفى 992 هـ واخيه أبي عبد الله ابن عرضون في كتاب مرآة المحاسن لأبي حامد الفاسي ونوازل الشريف العلمي، على أن كثيرا من علماء شفشاون والبادية تولوا التدريس بفاس، وتلمذتهم أبناء فاس كأبي العباس ابن الشريف العلمي فبعد أن تعلم بشفشاون مسقط رأسه انتقل إلى فاس، وأخذ عن شيوخها، وتولى الإقراء بها ومن تلاميذه أبو حامد محمد العربي القاسي تـ 1052 هـ.
وقد توارث الشرفاء العلميون الخطابة والتدريس بجامع شفشاون كما تعاقبوا على ولاية القضاء بشفشاون منذ أوائل القرن الحادي عشر الهجري، وكان أول قاض منهم أبو العباس ابن الشريف العلمي، وكان قبل ولايته القضاء خطيبا ومدرسا كما سبق وتذكر بعض الوثائق الوقفية أن الأحباس كانت تساعده على الخطابة التي كانت له فيها صولة وجولة بعشر أواق (*)(10)، ومن الذين تولوا التدريس والخطابة بالجامع الأعظم بشفشاون أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الشريف العلمي وكان بتاريخ 1088 قاضيا على شفشاون وأبو مهدي عيسى بن علي الشريف حفيد أبي العباس الشريف وهو من أهل القرن الحادي عشر وأبو الحسن علي بن عيسى الشريف العلمي النوازلي المشهور المتوفى سنة 1126 وأبو العباس أحمد بن محمد بن عبد السلام العلمي كان بتاريخ 1232 قاضيا على شفشاون وتذكر بعض المصادر من الذين تولوا التدريس بالجامع الكبير القاضي أبا عبد الله محمد الحوات وولده الأديب سليمان الحوات والقاضي عبد الكريم الحضري والقاضي عبد الكريم الورديغي ومحمد العربي الريسوني وعبد القادر الورديغي الرحالة المشهور وكانت هناك أحباس الرسالة وأحباس البخاري وأحباس التوريق بين العصرين وما إلى ذلك وكانت العادة ـ إذا دخلت الأشهر الحرم ـ أن يقوم كبار العلماء بتدريس البخاري بالجامع الكبير ومن الذين درسوا البخاري بالجامع الأعظم أبو الحسن (11)علي بن الشريف العلمي وكانت هناك نسخة من صحيح البخاري بخزانة الجامع تعرف باسمه ويتبرك بها في الأزمات وجاء بعده أبو العباس أحمد بن الشاهد العلمي كان في سنة 1177 قاضيا على شفشاون ودرس صحيح البخاري بعدهما العالم الأديب أبو محمد عبد الملك الخيراني الورديغي صاحب القصيدة المشهورة في مدينة شفشاون تولى قضاء شفشاون وكانت بينه وبين العلميين منافسات ومشاذة توفي سنة 1209 هـ ومن المدرسين البارزين في الطبقة الأخيرة، أبو عبد الله محمد الغالي بن الشاهد العلمي المتوفى سنة 1348 هـ وسبق أنه دفن بصحن المدرسة وفي سنة وكتب على لوحة فوق باب الجامع الكبير فيها ما يلي : الحمد لله قام بإصلاح هذا المسجد باشا المدينة الشريف عبد الوافي البقالي في عهد الخليفة الحسن بن المهدي في رمضان عام 1350 هـ وكان قاضي شفشاون في هذا التاريخ الحسن بن أحمد العلمي وهو آخر القضاة العلميين بهذه المدينة.
وفي سنة 1355 أصلحت المدرسة إصلاحا كاملا وزيد في غرف الطلبة، وأحدث في الطابق الأعلى مكتبة نقل إليها بعض ما تبقى من كتب الأحباس بمساجد شفشاون، ومن هذا التاريخ(12) أصبح الجامع الكبير بشفشاون معهدا دينيا خاضعا لنظم وقوانين جديدة، وعلى رأسه مدير وموظفون وأساتذة رسميون تدرس فيه أقسام الابتدائي والثانوي وتسير فيه الدراسة بصفة منتظمة، في كل بلاط فصل أو فصلان... والطلبة حلقات على الطريقة القديمة..
ومنذ عهد الاستقلال بدأت الدراسة تختفي من المساجد، وتنتقل من الجوامع تدريجيا ولا تزال بعض الفصول تدرس بهذا الجامع إلى اليوم، والمدرسة كقسم داخلي لسكنى الطلبة تابع لإدارة المعهد الديني وهكذا ظل جامع شفشاون ـ طيلة أربعة قرون ـ وربع قرن ـ المورد العذب، والمنهل الصافي، يرده الطلاب، ويكترعون من حياضه ومناهله، وقد وقف كالجبل الشامخ، يصارع الزمان، ويؤدي رسالته الخالدة، وكان منار إشعاع الفكر ويرشد العقل، ويهدي إلى طريق النجاة والسعادة..
ومن هنا نستطيع أن نتبين مقدار الرسالة الكبرى التي أداها ويؤديها المسجد للمجتمع، والدور الخطير الذي قام به في حياة الأمة الإسلامية، فهو المصنع الذي يصنع الجمهور، والسواد الأعظم من المسلمين، ويصقل عقولهم، ويهذب نفوسهم وأرواحهم وهو البلسم الشافي، والدواء الناجع لأمراض الجهل والجمود، وأدواء الانحلال والتفسخ الخلقي، (في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله).

مصادر البحث :
ـ الحوالات الحبسية بجامع شفشاون.
ـ مرآة المحاسن : العربي الفاس.
ـ نوازل الشريف العلمي.
ـ تقاييد خاصة.
ـ كتابات بالجامع الكبير، والمدرسة بشفشاون.
ـ بعض الآثار القديمة بشفشاون.
ـ مجلة النصر : العدد الرابع، السنة الثانية.
ـ سماعات.



(1) مرآة المحاسن ـ العربي الفاسي ص 186. .......
(2) حوالة الجامع الأعظم ج 1 ص 16 وثيقة 18 ـ ـ وص 61 ـ وثيقة 59.
(3) مجلة النص ـ العدد الرابع ص 14 ـ السنة الثانية.
(4) حوالة الجامع الأعظم ج 1 ص 202 وثيقة 199.
(5) حوالة الجامع الأعظم ج 2 ص 72 وثيقة 62.
(6) الحوالة ج الثاني ص 72 ـ وثيقة 62
(6) الحوالة ملحق ج في ص 139 وثيقة 120
(7) الحوالة الجزء الأول ص 146 وثيقة 74
(8) الحوالة الجزء 1 ص 146 ـ وثيقة 74 ـ وملحق الجزء في ص 146 وثيقة 104
(9) مرآة المحاسن ـ العربي الفاسي ص 69 ـ 170 .......
(10) مرآة المحاسن ص 70 ـ 171
(11) نفس المصدر ونفس الصحيفة 170
(12) الحوالة ص 107 وثيقة 73 ـ مصحف جزء لي.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here