islamaumaroc

نظرية ابن رشد في التوفيق بين الشريعة والفلسفة -2-

  دعوة الحق

العددان 50 و51

ويلاحظ فيما تقدم تأثر  ابن رشد بالطراثف الفقهية، واستعانته بمعلوماته الفقهية، وهذا كان في الحقيقة مما ساعده على النجاح في محاولة استنباط أمر الشريعة بالنظر في الموجودات نظرا عقليا، خصوصا إذا عرفنا أنه كان متوجها بهذا القول –على وجه الخصوص- الى الفقهاء وعلماء الكلام، الذين كانوا يناوئون الفلاسفة ويعتبرون الاشتغال بالفلسفة حراما.
والعقبة الاخيرة التي تعترض ابن رشد وينجح في ازاحتها أيضا، هي انه قد يقال  أن هناك أناسا ينظرون في هذه العلوم ويكون ذلك سببا في ابتعادهم عن الدين، ولكن هذه المضار، انما تأتي في نظر ابن رشد من عوامل خارجية- أي عرضية في لغة الفلاسفة العرب وليست ذاتية. كسوء ترتيب النظر في هذه العلوم او نقص الفطرة أي الذكاء، أوالافتقار الى معلم غير ذلك، فالفلسفة نافعةالذات، وقد تكون ضارة بالعرض كجميع الاشياء "وليس يجب فيما كان نافعا بطباعه وذاته ان يترك لمكان مضرة موجودة فيه بالعرض "وهو يعتمد في تأييد رأيه الى ضرب الامثلة "فمن منع الحكمة "أي الفلسفة "من هو  اهل لها، كمن منع للعطشان الماء البارد العذب حتى مات لان قوما شرقوا به فان الموت بالماء عن الشرق امر عارض وعن العطش ذاتي وضروري " "ص7_6  "وهو يلاحق الفقهاء في هذه النقطة ويضرب المثل بالفقه ليعزز نظرته "كم من فقيه كان الفقه سببا لقلة تورعه وخضوعه في الدنيا، بل أكثر الفقهاء هكذا نجدهم، وصناعة الفقه انما تقتضي بالذات الفضيلة العلمية" ص7 فهل يستوجب هذا حذف صناعة الفقه وتحريمها ؟
يستنتج ابن رشد من كل ما سبق، وجوب الاطلاع على ما قاله السابقون "لملة الاسلام " في علوم المنطق والفلسفة وهو بذالك يجيب على السؤال الاول الذي طرحه أول الكتاب، هو يستنتج لا الاباحة فحسب، بل الوجوب، وجوب النظر- بالتالي- في مذاهب ارسطو وافلاطون وغيرهما، وذلك تطبيقا لامر الشرع وامتثالا له، يقول ابن رشد:"فقد تبين من هذا ان النظر في كتب القدماء واجب بالشرع  اذ كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو القصد الذي حثنا االشرع عليه، وان من منع عن النظر فيها من كان اهلا للنظر فيها- فقد صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس الى معرفة الله، وهو باب النظر الذي يؤدي الى معرفته  " ص6
ومن هنا نلاحظ الاتجاه العقلي الذي يصبغ فلسفة ابن رشد، فلا طريق للمعرفة الا طريق العقل.
ومما تقدم ايضا –نلاحظ الصبغةالفقهية التي تصطبغ بها محاكمات ابن رشد للوصول الى النتائج المتوخاة، فهو يرى أن الفلسفة كموضوع للفعل أو الترك –وهذه مفاهيم فقهية شرعية- لا تخرج عن احدى الاحكام الفقهية الخمسة: مستحب أو مندوب اليه، واجب (اجباري) مكروه، محرم، مباح. وكل حكم من هذه الأحكام يجر اما ثوابا واما عقابا واما لا ثواب ولا عقاب، وعندما استنتج ابن رشد في امر النظر في علوم المنطق انها واجبة بالشرع، فمعنى ذلك أن من هو اهل  للنظر فيها وهذا هو مفهوم القدرة أوالاستطاعة وهو مفهوم شرعي فقهي أيضا، ولم ينظر فيها فهو آثم يستحق العقاب، وكلك هو مذنب الاهل آثم من منع الاهل للنظر فيها عن الاشتغال بها .
لكن من هو هذا الاهل للنظر في الفلسفة وعلوم المنطق؟ أي ماهي الشروط التي بدونها لايكون الناظر كفؤا، بل يكون متطفلا على ميدان .غير ميدانه .من هو الشخص الذي يحق له ويجب عليه في آن واحد النظر في الفلسفة وعلوم المنطق؟
من هنا نلمح الحل النهائي الذي سيعطيه ابن رشد لمشكلة علاقة الدين بالفلسفة، لاشك ان هناك صفات يجب ان يتحلى بها الناظر في الفلسفة، وهذه الصفات لا توجد في جميع الناس .
ان هناك طبقة خاصة من الناس، هي التي يحق لها هذا النظر .فاذن ستكون الفلسفة وقفا على طبقة خاصة، وهذا ما سنراه بعد قليل.
لقد رأينا ابن رشد يشترط في هذا الشخص شرطين: احدهما ذكاء الفطرة  (1)تاني العدالة الشرعية والخلقية.
وهو يعمد الآن –في سبيل الاجابة على السؤال جوابا شافيا –الى نظرية ارسطية يقتبسها مستعينا بها في هذا الجواب . هذه النظرية، نظرية الحجج الثلاث التي تحوي من الناحية المنطقية قيمة منتجة ما.
وهذه الحجج هي الحجة البرهانية والحجة الجدلية، والحجة الخطابية، وابن رشد يفزع في هذا الى معلمه ارسطو والى الفلسفة التي يمارسها ليعطيانه الحل المقبول، وقد رأيناه من قبل يلجأ الى الشريعة الاسلامية والى ثقافتها الفقهية كي يعطيانه بعض الحلول التي هو في حاجة اليها، وسنرى كيف يطبق ابن رشد نظرية الحجج هذه الدين، وكيف سيحورها تحويرا ليجعلها ملائمة لغرضه، ناجعة في الوصول الى النتيجة التي يرومها اعني اقامة الصلات بين الشريعة والفلسفة على أسس علمية متينة
ولننظر اولا ماهي هذه الحجج.
كان أرسطو قد صنف الحجج التي تؤدي الى نتيجة منطقية ما، واعتبر أن الحجج التي لها هذه الصفة ثلاث.يأتي في القمة من ناحية القيمة المنتجة، الحجة البرهانية، وذلك انها تتكون من مقدمات يمكن ارجاعها الى مبدأ بديهي من مبادئ العقل، وهذه الحجة هي التي يقال عنها أنها يقينية، وهي آلة العلم والفلسفة.الحق.
وتلي الحجة البرهانية من ناحية القيمة المنطقية، الحجة الجدلية، اذ تحوى اقل،من اليقين، فهي تحوي احتمالا فحسب، ذلك انها لاتستند الى بديهيات العقل، بل مقدماتها شائعة فحسب، يسلم بها جميع الناس أو أغلبهم، أو الحكماء جميعا، أو اغلبهم، أو يسلم بها فقط، المخاطب في وقت معين .
هذه الحجة لايمكن أن تقوم مقام الحجة البرهانية في البحث الفسفي ففائدتها تقتصر على نجوعها في المناقشة، اواقامة الدليل على تناقص مذهب أو حجة.. الا أنها قد تحوي درجة كبيرة من الاحتمال اذا كان يمكن تكملتها- بمقدمات اخرى- حتى تصبح حجة برهانية.
اما الحجة الخطابية، فهي التي من مقدمات تحوي درجة قللة من الاحتمال، أقل من درجة احتمال الجدلية، وتكون بعيدة جدا، ابعد من مقدمات الحجة الجدلية، عن البداهة، هي لاتصلح لانارة المخاطب بالدليل والحجة المقنعة بل غرضها اثارته، هي مبنية على الحساسية أكثر منها على العقل، ونجوعها في حملها المخاطب على القيام بعمل، أكثر منه في اقناعه بالدليل.
وعلى هذا فالحجة الجدلية، متوسطة بين الحجتين البرهانية والخطابية، وكذلك فالحجة البرهانية هي التي تتصف وحدها بصفة اليقين، ولها وحدها صفة الاقناع الذي لايترك ادنى شك عقلي عند المخاطب.
هذه النظرية الارسطية في الحجج الثلاث، لعبت دورا كبيرا في الفلسفة العربية، لم يقدره الباحثون حق قدره كما يشير الى ليون غوتييه، كان من عادة الفلاسفة العرب اذا أرادوا أن يبينوا ضعف دليل أو خطأ نظرية أن يذكروا بأن هذا الدليل أو النظرية لاتبلغ مرتبة البرهان، أو يقولون أن هذا القول هو قول "جدلي أوخطابي فقط  على هذاالتصنيف الثلاثى للحجج، أقام ابن ابن رشد، ومن قبله الفلاسفة العرب "ويجب أن نتذكر أن نظرية ابن رشد في التوفيق هي في خطوطها العامة مشتركة بين الفلاسفة العرب"، أقام تصنيفا ثلاثيا للعقول، فهناك عقل برهاني كما أن هناك حجة جدلية وعقل خطاب، كما أن هناك حجة برهانية، وهناك عقل جدلي وعقل خطابي،كما أن هناك حجة جدلية وحجة خطابية.
بهذا التمييز الثلاثي الجديد،سيرينا ابن رشد من هم الاناس الذين يحق لهم اى الاشتغال بالفلسفة والقيام بالتأويل الجامع بين الدين والعقل أو الدين والفلسفة، وكذلك سيبين لنا حدود الدين وحدود العقل، أي الفارق بين مستوى الحقيقة الدينية ومستوى الحقيقة الفلسفية أي الحقيقة أي الحقيقة المطلقة الثابثة،وكذلك سيبين لنا من هم الناس الذين ينتمون الى كل صنف من هذه الاصناف الثلاثة.
فالعقل البرهاني، هو عقل الفيلسوف الذي يتمتع بذكاء الفطرة أي الفطرة الفائقة" أي بمواهب عقلية، تفتحت وتكاملت بالتربية والتمرين، فهو وحده القادر –من بين أصناف الناس –على متابعة البراهين التي تؤدي الى الحقيقة المطلقة، في تعقيدها ولفها اللذين يكونان صميم الفلسفة
وفي المرتبة الدنيا من هذه السلسلة أوالهرم، هناك الجمهور الغالب الذي يكون وحده أغلب الجنس البشري  وهذاالجمهور قوته العقلية قوة خطابية، أي يقنعه الدليل الخطابي.
وفيما بين هاتين المرتبتين، يقوم العقل الجدلي، الذي يتمثل في رجال الكلام، أي أصحاب المذاهب الكلامية وسنرى كيف يرد ابن رشد كل صنف من هذه العقول الى أصحابه ويلصقه به، وكيف يوسع ذلك على الشريعة فيما تستلزمه من تأويل يضطلع به احق الناس به ومن كل اليه هذا الامر في الحقيقة من جانب العناية الاهية.
النقطة الحساسة عند ابن رشد في هذه المناقشات،والتي نسمع فيها صدى الصراع الطويل بين الفلسفة وعلم الكلام، هي أحق الناس بالنظر فيما جاء به الشرع من أحكام –نظرية – وتمييز ما يحتاج منها الشرع من تأويل مما لايحتاج ؟
ذلك أن هناك حقيقة لاتقبل الشك،وهي أن الشرع قد دعا الناس جميعا الى التصديق به، دعاهم الى العلم ومعرفة الحقائق الاساسية كوجود الله وخلود الروح والسعادة والشقاء الاخرويين، والى العمل الحق –بناء على دلك العلم –أي الاقبال على الاعمال التي تؤدي الى السعادة وتجنب الافعال التي تورث الشقاء.
ولكن الناس متمايزون كما رأينا –سواء في التصور أم في التصديق،ذلك لان فطرهم متباينة، فمنهم من لايصدق الا بالاقاويل البرهانية –وهؤلاء هم الفلاسفة، ومنهم من يقتنع بالقول الجدلي، ومنهم من يكفيه القول الخطابي وهؤلاء هم الجمهور الغالب كما قدمنا.
ومن جهة اخرى ،لما كنا نحن معشر المسلمين نعلم علم اليقين ان شريعتنا هده حق وداعية الى الحق، فلذلك نحن نحكم  قطعيا أن النظر البرهاني "أي البحث العقلي المستقل " لايؤدي الى مخالفة ما ورد به الشرع، فان الحق لايضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له "ص7
فالشريعة والحقيقة الفلسفية، أي الحقيقة المطلقة الثابتة، لا يمكن أن يتضادا.
فإذا ادى النظر العقلي الى معرفة موجود أو موجودات ما، أي الى تقرير حقيقة ما، فلا يخلو الأمر، أما أن تكون هذه الأحكام مما عرف به في الشرع، واما أن يكون مما سكت عنه، فان كانت الأخيرة، فلا خلاف هنالك، لأنها تكون عندئذ كالأحكام التي سكت عنها الشرع وجاء الفقيه فاستنبطها بالقياس الفقهي – وهنا نلاحظ أن ابن رشد لا يني يضرب الأمثلة بالفقه كلما دعته الضرورة -  واما إن كان مما عرف به في الشرع فلا يخلو الامر من أحد شيئين: اما أن يكون النظر العقلي أو البرهاني يوافق ذلك المعرف به أو يخالفه. فان كان موافقا له، فلا مجال للمناقشة، وإن كان مخالفا "طلب هنالك تأويله" ان كان مما يصح فيه التأويل.
وهنا نصل الى نقطة هامة جدا، وهي مسألة التأويل، فالتأويل اذن يقع في الأحكام النظرية الشرعية التي تخالف ما يوصل اليه النظر العقلي. ولكن ما هو هذا التأويل ومن هم الذين سيضطلعون به؟
اما التأويل فهو "اخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية الى الدلالة المجازية من غير ان يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبهة أو سببه أو لا حقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عودت في تعريف أصناف الكلام المجازي"، ص8. فإذن، التأويل هو تأويل مجازي بلآيات والأحاديث التي تبدو متعارضة مع العقل. "ونحن نقطع قطعا ان كل ما ادى اليه البرهان، وخالفه ظاهر الشرع، انذلك الظاهر يقبل التأويل، على قانون التأويل العربي". ص8.
وقضية التأويل هذه ليست وليدة زمان ابن رشد- "فالمسلمون اجمعوا  منذ الصدر الأول من الاسلام على أنه ليس يجب أن تحمل الفاظ الشرع كلها على ظاهرها، ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل ص8.
وهذا يقود الى حقيقة لا تقبل الجدال، وهي أن الشرع يحوي ظاهرا وباطنا.
هذه الفكرة، نجدها في الحقيقة عند جميع  الفلاسفة العرب، وحتى قبل أن تدخل الفلسفة الى العالم الإسلامي، وقد لعبت دورا كبيرا سواء عند الفلاسفة أم عند  المتكلمين والمتصوفين.
فسبب التأويل هو ورود الشرع بالباطن والظاهر، معنى ذلك آيات وأحاديث ترد بلباسها الحقيقي أي تعبر عن الحقيقي الثابتة المطلقة، أو بعبارة اخرى الحقيقة الفلسفية، ولا تحتاج بذلك إلى تأويل، وأخرى تأتي مكتسية لباسا – شفافا أو كثيفا- من الرمزية، يحجب ما تخفيه من حقيقة ثابتة، وهذه الآيات والأحاديث التي على هذا الشكل، هي التي يأتي المؤول فينزع عنها ذلك الرداء الخفيف أو الثقيل، ويبرز الحقيقية الناصعة التي تخفيها.
ولكن ما سبب ورود الشرع فيه الباطن والظاهر أي ما سبب ورود الشرع بمظهرين للحقيقة الواحدة، حقيقة ناصعة، وأخرى مغلفة بغلاف رمزي.
السبب  في ذلك هو ذلك الاختلاف الثلاثي الذي تجده بين الناس والذي اشرنا اليه فيما سبق.
هنالك ثلاثة أصناف من الناس كل صنف منهم يتصور ويصدق عن طريق خاصة، فهنالك طريقان للتصور: أما لاشيء بنفسه، وأما مثاله أي ما يرمز اليه، فكان لزاما أن يمثل الشرع بعض الحقائق التي لا تصل اليها عقول الجدليين والخطابيين، وهم أكثر الناس، في صورة قريبة من صورتها الأصلية، اذ ليس في امكانهم تصورها كما هي في حقيقتها، ونتيجة هذا، احتوى الشرع على آيات وأحاديث متعارضة- كما في القضاء والقدر مثلا- وقد أراد الله بهذا التعارض- يقول ابن رشد- ان ينبه الراسخين في العلم إلى التأويل الجامع بينهما.
هكذا يحل ابن رشد مشكلة التأويل والظاهر والباطن في الشريعة والتعارض فيها، هذا الحل الجذري والطريف بأحكامه وتماسكه، والذي يكشف عن أصالة حقيقية.
ومن هنا نرى من هم الناس الذين يحق لهم التأويل، فليس هم الخطابيون، اذ لا شك أن هؤلاء أبعد الناس عن معرفة الدلائل العقلية والبراهين في تعقيداتها ودقائقها، وهذا الأمر ضروري لمعرفة الحقيقة  المطلقة وبالتالي للقيام بالتأويل الصحيح، بل من أجل هؤلاء –على وجه الخصوص- ورد الشرع بالباطن والظاهر، ووردت آيات وأحاديث كثيرة وهي مغلفة بغلاف الرمز والتمثيل، هؤلاء الخطابيون يصدقون بالآيات التي تعبر عن حقيقة مطلقة، وبالآيات التي تكتسي رموزا تخييلية من دون أن يلاحظوا أي تعارض بينهما.
هل هم الجدليون اذن، أي علماء الكلام عند ابن رشد؟ ان هؤلاء يدعون انهم احق الناس بالتاويل،وقد كتبوا المقالات الطوال وصنفوا وحرروا في الكشف عن إسرار الشريعة واستجلاء غوامضها، ولكنهم لم يصلوا إلى تأويل واحد، فهم تفرقوا  شيعا كل فرقة تدعي لنفسها الوصول الى الحقيقة والكشف عن مقصد الشرع، فكان ذلك سبب حروب ونكبات للإسلام.
ليس هؤلاء في نظر ابن رشد إذن من يحق لهم النظر في الشريعة عقليا ولا هم يستطيعون معرفة التأويل الصحيح، ان عقلهم متمرن ولا شك ومعتاد على أساليب المناقشة والنظر في البراهين، ولكنه عقل قصير، يشعر بالتعارض، وبهذا يمتاز عن العامة، ولكنه لا يستطيع له حلا، هو بالتالي لا يستطع الوصول إلى التأويل الحقيقي، وهو يظل يتخبط بدون نتيجة. وان وصل فإلى نتائج مضطربة مختلفة، ولذلك نشأت فرق علم الكلام المختلفة التي هزت الاسلام هزا وسببت البلاوي والشرور وفرقت كلمة المسلمين واشاعت الحروب وأقامت عروشا ودكت عروشا. وهذا العقل الجدلي، حتى  لو عرض عليه التأويل الصحيح  فهو لا يستطيع له فهما، لأنه لا يستطيع أن يتابع هذا الحل في دقائقه كما تقدم.
يبقى  أصحاب العقل البرهاني،  وهم في الحقيقة من خصم الله بشرف القيام بهذه المهمة الثقيلة والعظيمة، مهمة التأويل الصحيح والنظر في الشرع من الناحية العقلية، والتأويل الصحيح هو الأمانة التي عرضت "على السماوات والأرض  فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان. "أصحاب العقل البرهاني أو الفلاسفة أو المجتهدون في الشرع من ناحية العقائد هم المعنيون بقوله تعالى "الراسخون في العلم" في الآية "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه الآية".
فإذن الفلاسفة والمجتهدون المطلعون على الشريعة اطلاعا تاما، هم من يحق لهم النظر عقليا في الشريعة، وتأويل ما يصح تأويله منها.
والى هنا تنحل جميع العقد النظرية التي كان يمكن ان تقوم حائلا بين انسجام الدين والفلسفة وفي هذا كله نرى ابن رشد فيلسوفا ومتعمقا في أحكام الدين، يبني مذهبا غاية في الروعة والانسجام، فهو يتسم بالبساطة كما يتصف بالمتانة والقوة.

  (1)ح فلاسفة المغرب على ذكاء الفطرة وعلى" الفطرة الفائقة "وقد تجلت هذه الفكرة عند ابن ماجة في "تدبير المتوحد "اذا المتوحد هو الفيلسوف الفائق الفطرة الذي ينعزل عن الناس في مجتمع خاص، ويرى الباحثين –الدكتور عمر فروح "أبن باجة والفلسفة المغربية "بيروت-،أن فلاسفة المغرب هم أول من فصل العامة عن الفلسفة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here