islamaumaroc

التصوف الأندلسي مبادئه وأصوله -2-

  دعوة الحق

العددان 50 و51

وقد بدات الحركة الصوفية في الاندلس بما كان من الطبيعي ان تبدأ به أي حياة زهدية بسيطة، وهوأمر لايحتاج في نشأته الى أن يكون متأترا بعوامل خارجية،فقد احتفظت لنا كتب التراجيم بكثير من اخبارأفراد رغبوا عن الدنيا واتجهوا الى رياضات دينية قائمة علىقواعد زهدية، وقد كان لهؤلاء مكانة عظيمة بين الشعب الاندلسي في تاريخه المبكر، وأول ما نجده من ذلك لدى بعض التابعين الذين دخلوا الاندلس وكان فيهم للناس قدوة صالحة، فمن أمثلة هذا مايروى عن التابعي حنش بن عبد الله الصنعاني المتوفي في اوائل القرن الثاني من انه كان اذا فرغ من عشائه وحوائجه، قرب اناء فيه ماء فكان اذا وجد النعاس استنشق الماء حتى يظل يتلو من آي القرآن الكريم بقية ليله
وقد كان من الطبيعي ان يتجه الكثيرون من أهل التدين في هده الفترة المبكرة الى الجهاد ضد نصارى ألاندلس كما يذكرعن نعمان بن عبد الله الحضرمي وكان يسكن برقة، فاتفق أن وفد بعد اشتراكه في غزو الاندلس هو وصاحب الخليفة الاموي سليمان بن عبد الملك لابلاغه نبأ فتح قدر للمسلمين، فسألهما سليمان حاجاتهم، أما محمد بن حبيب فذكره له عدة حوائج فقضيت، وأما نعمان فانه قال للخليفة أنه ليس له حاجةالا أن يرده الىالثغر ليواصل الجهاد، وعاد نعمان ألى أقصى ثغور الاندلس حتى لقاه الله الشهادة وكان نعمان من أزهد الناسكان يتصدق بعطائه كله حتى لا يبقى معه شيءولا عليه ثوب ولا ازار.
وممن نعرفهم من هؤلاء الصالحين الاندلسيين في خلال القرن الثاني الهجري ثلاثة يتحدت المؤرخون عنهم باعتبارهم عباد الاندلس:أولهم ميمون بن سعد،وقد كان موضع اجلال من أهل الاندلس حتى من نصاراها المعاهدين،ذكر ابن القوطية من إخباره أنه دخل على ارطباش بن غيطشة القوطي وكان يتصدر مجلسه على كرسي مصمد من الذهب، وكان لديه سادة العرب، والموالي، فما أن رآى أرطباش الرجل الصالح حتى قام منه، ولكن ميمونا أبى إلا الجلوس على الأرض فجلس أرطباش معه، وكان لميمون هذا ابن يسمى داود يذكر ابن الابار أنه كان واحد عصره نسكا وزهدا، اما الزاهدان الثانيان فهما أبو الفتح الصدفوري وفرقد السرقسطي، وكانا صاحبين يرابطان معا في ثغري سرقسطة وقلنبرية (التي تقع الان في البرتغال) وتؤتر عن فرقد المذكور نبوءات حول الحرب التي دارت فيما بعد بين عبد الرحمن الداخل ويوسف بن عبد الرحمان الفهري وقد تحققت كلها على ما وصف:
وقد كانت رحلات الأندلسيين إلى المشرق مما أطلعهم على كثير من مظاهر الحياة الزوجية التي كان يحياها العباد والمتزهدون، وهكذا نرى في خلال القرنين الثاني والثالث صدى لهذه الحياة المتدينة مما سنعرض له أمثلة فيما يلي:
فعيسى بن دينار الفقيه الطليطلي الذي توفي سنة 212 ناشر مذهب مالك في الأندلس كان يذكر عنه انه ظل اربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العتمة، مما يدل على أنه كان يقضي الليل كله في العبادة والتهجد.
وابو العجنس القرطبي الزاهد لم يكن له طوال شهر رمضان الا ثلاث أكلات من سبعة أيام الى سبعة ايام ثم اكلة الفطر، وحفص بن عبدالسلام السرقسطي تلميذ الامام مالك ادام الصيام أربعين سنة، وكان الأمير الحكم يستقدمه كل عام في شهر رمضان لكي يؤم به، وخلف بن سعد القرطبي المتوفي سنة 305
كان يختم القرآن كل ليلة، وسعيد بن عمران القرطبي كان ابوه من التجار المياسير وكان في صباه منهمكا في البطالة ثم تاب وتصدق بأكثر ماله ثم خرج للحج وتعبد حتى اصبح منقطع النظير في النسك والزهد، وسعدون بن اسماعيل الربى كان من الزهد والتقلل بحيث لم يتزوج ولا اشتغل بشيء من الدنيا طول حياته، واحمد بن يوسف بن مؤذن الوشقي انفق اكثر ماله في استنقاذ أسارى المسلمين، فيذكر انه فك من اسر العدو مائة وخمسين سبية.
وقد تزايد وجود مثل هذه الشخصيات في الأندلس ولا سيما بعد أن اشتغل بعض الرحالين من الاندلسيين الى المشرق بجمع سير عباده وزهاده، ولعل أول كتاب في ذلك يؤلفه أندلسي هو كتاب محمد بن وضاح المتوفي سنة 287 وعنوانه "العباد والعوابد" ولعله هو أول ما فتح قلوب الأندلسيين وأرواحهم الى تلمس اخبار زهاد المشرق ومتصوفيه.
وفي هذا العصر بدأت معالم التصوف الأندلسي تتحدث شيئا فشيئا فنحن نرى الشعب يتجه بكثير من الإجلال والتعظيم لهؤلاء الصالحين، فتردد عنهم اخبار تؤكد أنهم كانوا مستجابي الدعوة، وتطور الامر حتى بدأت نسبة الكرامات اليهم، وبدأت تسميتهم بالابدال وأولياء الله.
ولعل من أول هؤلاء، الزاهد ايوب البلوطي الذي احتفظ لنا ابن سعيد في كتاب المغرب بخبر عنه يقول فيه: أن قاضي الجماعة بقرطبة مسرورا بن محمد في أيام الأمير عبدالرحمان الأوسط خرج بالناس لصلاة الاستسقاء فلما أتم خطبته قال: يا أيوب البلوطي عزمت عنك حتى كنت لتقومن، فلم يقم أيوب اليه الا بعد أن أقسم عليه في الثالثة وقال: يا هذا، أشهرتني، أما كنت ادعو حيث أنا؟ ثم رفع القاضي رأسه فقال: اللهم  انا نستشفع إليك بوليك هذا، والح بالدعاء وكثر الضجيج والبكاء، فلم ينصرفوا إلا وأخذ  يتهم في  أيديهم من كثرة المطر، وطلب أيوب بعد ذلك فلم يوجد، ويؤثر عن أبي العنجس الزاهد الاستجي خبر يماثل ذلك ويقال انه كان يركب اثانة حتى  ياتي مجشر حريش بقرب قرطبة فيطلق الآتان ترتع ويصلي إلى الصبح فلا يعدو عليها ذئب ولا غيره فإذا أصبح عاد إلى منزله.
ويقال أن عبدالله بن عبدالسلام بن قلمون القرطبي المتوفي في أواخر القرن الثالث أنه لقن العباد في المشرق وجاور بمكة فلم يزل على منهج الابدال حتى لقي الله وهو بأرض الغربة.
ويذكرون عن يوسف بن سليمان القرشي البطليوسي انه كان مقربا للثائر في هذه المنطقة على بني امية عبدالرحمن بن مروان الجليقي، ثم سعى به الى ابن مروان فهم بقتله، واقبل يتدبر امر اغتياله فما هو الا ان وقعت في ذلك النهار سبع صواعق على بطليوس وقعت إحداهما في ركن مجلس ابن مروان الذي كان يجلس فيه فارتاع لذلك ارتياعا شديدا وظن انه نذير للذي هم به في الرجل الصالح فكف عنه.
وكان أبو وهب القرطبي على ما يذكر المترجمون له معروف الكرامات معدودا في الإبدال، وقد ظل قبره في قرطبة مشهورا يتبرك به حتى فتح النصارى قرطبة سنة 633 بشهادة ابن الابار.
وكان قاسم بن ثابت السرقسطي ورعا ناسكا فاريد على أن يلي القضاء بسرقسطة فامتنع، وأراد ابوه اكراهه عليه فسأله أن يتركه يتروى في أمره ثلاثة ايام فمات في هذه الأيام سنة 302، ويقال انه دعا الله ان يقبضه اليه فاستجاب دعوته.
أما لفظ "الابدال الذي اشرنا الى شيوعه في هذه الفترة فلعله أول مظهر لدخول الاصطلاحات الصوفية المشرقية الى الأندلسن ويقصد به هذا النفر من الرجال الصالحين الذين يقون العالم شر غضب الله ونقمته عند فشو الخطايا فيهم، ولعل شر، ولعل من أول المباحث الاسلامية حول هذا اللفظ ما نراه فيما كتبه الجاحظ عنهم في رسالة التربيع والتدوير، وقد اختص الصوفية هذا الاصطلاح بكثير من الاهتمام، فأسهبوا في العصور المتأخرة في الحديث عن توزيعهم على الاجيال الزمنية وعلى الأقاليم السبعة وغير ذلك مما نرى تفصيله في الفتوحات المكبة لابن عربي.
ومن هذه المظاهر كذلك اقامة اربطة صغيرة يقيم فيها النساك والعباد افرادا وجماعات، للعبادة والتأمل، أو للجهاد والمرابطة، ويحدثنا الخشني في كتاب تاريخ قضاة قرطبة ان محمد بن بشير المعافري الباجي حينما دعى الى تولي القضاء بقربة في عهد الامير الحكم بن هشام (في أواخر القرن الثاني الهجري) اقبل وهو لا يعلم ما يراد به، فلما صار بسهلة المدور مال إلى متعبد هناك كان يقيم به صديق له من النساك، وتدور بين الرجلين محاورة ريفة يستشير فيها ابن بشير صديقه العابد في أمر قبول منصب القضاء الى آخر هذا الخبر الذي يمكن ان يراجع في ذلك الكتاب المذكور، ونرى من هذا الخبر كيف اقبل ناسكو الاندلس في هذه الفترة المبكرة على الاعتكاف في تلك المتعبدات المنعزلة، وقد توهم بعض المستشرقين أن هذا أثر مباشر للرهبانية المسيحية في الأندلس، ولو أن الأرجح ان ذلك لم يكن الا تقليدا لما بدأه في هذا الوقت متصوفية المشرق، بل ولما نراه في افريقية التي شاع فيها في منتصف القرن الثالث بناء الأربطة مثل سوسة والمنستير وغيرهما مما كان يوجد على امتداد الساحل الافريقي، وكان كثير من الصلحاء ينقطعون الى هذه ليواصلوا فيها حياة هي مزيج من التبتل والجهاد مما نرى تفصيله في امثال كتاب الدباغ "معالم الايمان" والمالكي "رياض النفوس"، وقد بحث هذه الأربطة المستشرق الفرنسي (جورج مارسيه)، والاسباني (خايمه اوايفراسين)، والاسباني (خايمه اوليفراسين) في بحثين شيقين، هذا ونود ان ننبه في هذا المقام الى أن طائفة من الأندلسيين قد انتقلوا الى افريقية واستقروا في تلك الأربطة مثل يحيى بن عم الكناني الذي توفي سنة 289 في سوسة والذي كان له أثر كبير على الثقافة الافريقية والأندلسية في عصره، وقد افردنا بحثا خاصا بيحيى بن عمر هذا وبينا أن عددا كبيرا من تلاميذه الاندلسيين كانوا من مناطق الثغور في اسبانيا مثل سرقسطة ووشقة وتطليه والى أن هؤلاء التلاميذ حرصوا على ان ينقلوا إلى بلادهم هذا التقليد الإفريقي فأنشأوا الأربطة كذلك، وانتهجوا فيها مثل حياة أساتذتهم في افريقية من تعبد وجهاد.
وقد بدأ يشيع في الأندلس لبس الصوف باعتبار ذلك مظهرا من مظاهر التقشف فقد كان ينسب الى عبد الرحمن الداخل انه كان يفضل لبس الصوف، وقد عد ذلك من فضائله ودلائل ورعه، على اننا نشك في صحة هذا الخبر اذ أن أول من يورده هوابن نباتة في كتاب شرح العيون وعنه نقله السلاوي في الاستقصاء وهما مرجعان متأخران، ثم انه لم يعرف عن عبد الرحمان ممارسة أي رياضة زهدية، اما الذي نعرف عنه أنه أول من ارتدى الصوف تقشفا ونزوعا الى خشونة المعيشة فهو قاضي قرطبةسعيد بن سليمان المتوفي سنة   240 اذ يذكر الخشني عنه انه كان يجلس للحكم وعليه غضارة وجبة صوف بيضاء وعلى راسه اقروف من الصوف كذلك، وينسب الى ابن طاهرالتدميري المتوفي في القرن الرابع انه كان ايضا يرتدي الصوف.
اما اصطلاحا "الصوفيية "فلم يعرف في الاندلس الا في اواخر القرن الثالث، وقدعرف هدا اللفظ في المشرق من قبل، اشرنا الى احتكاك الاندلسيين الريفيين الذين طردوا من قرطبة ايام الحكم بن هشام في اواخر القرن الثاني بتلك الطائفة التي كانت تعرف في الاسكندرية باسم الصوفية ولو اننا لاتعرف في الاسكندرية باسم الصوفية ولو اننا لانعرف لهذه الطائفة تعاليم صوفية بمعنى الكلمة، على ان الثابت هو ان هذا الاسم اصبح منذ القرن الثالث يطلق على هذه الجماعات التي كانت تزاول ما نعرفه اليوم من مدلول ذلك الاصطلاح، وقد عرف هذا اللفظ بعد ذلك في افريقية في منتصف القرن الثالث الهجري، وان كان بمعنى قريب مما رأيناه من قبل في طائفة الصوفية بالاسكندرية، أي دالا على طائفة من الرجال كانوا يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر احتسابا لله وزلفى اليه، يذكر المالكي في رياض النفوس ان قاضي القيروان سحنون بن سعيد أرسل يوما في طلب الف رجل من الصوفيةفاجتمعوا اليه من البوادي، فتخير منهم مائة رجل أرسلهم لفك ظلامه بسبب شيء ارتكبه أحد قواد بني الاغلب:
أما اول من نعرف أنه تقلب بلفظ الصوفي في الاندس فهو عبد اله بنصر القرطبي المتوفي سنة 315 وكان على ما يذكر ابن الفرضي مؤدبا في مسجد أبي علاقة، وكان ممن يسرد الصلاة والصوم، الا ان هذا الاسم الذي أطلق عليه ربما دل على أنه كان متصوفا بمعنى الكلمة لامجرد زاهدا يكثر من العبادات فحسب:
وإذا كانت هناك كرامات قد نسبت الى بعض الصالحين الاندلسيين في تاريخ مبكر فانها كانت بسيطة لاتتجاوب ما كان المترجمون لهم ينصون عليه من أنهم كانوا مجابي، الدعوات، على أنها في القرن الثالث اصبحت تتجاوز ذلك إلى مظاهر أكثر تعقيدا وأقرب الى ما كان يعرف عن كرامات الصوفية، وقد نسبت الى بقي بن مخلد القرطبي المتوفى سنة 276 احدى هذه الكرامات اذ يذكر ان امرأة جاءت الى بقي فقالت ان ابنها قد اسره الروم وليس لها مال لتفديه، فتمتم بكلمات فما كانت الا أيام حتى حضر الشباب الاسير الى أمه معلما الناس انه في الوقت الذي نطق بقي بن الله قد استجاب لدعوة أمه فيه، والغريب أننا نرى أن روايات هذا الخبر كلها تنتهي الى عبدالكريم بن هوزان القشيري صاحب الرسالة الى الصوفية دون أن يذكرها من ترجموا لبقي من قدماء الأندلسيين، وهو خبر قريب من كرامة تؤثر عن ذي النون المصري: فقد جاء في حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني ان امرأة اختطف التمساح ولدها فأسرعت إلى ذي النون فدعا الله بدعاء، رد إليها ولدها بعده سليما معافى، والكرامتان كما نرى متشابهتان لولا أن كلا منهما متأثر هذا ببيئة مصر وذلك ببيئة الأندلس.
ويذكر ابن الفرضي في ترجمة يحيى بن قاسم بن هلال القرطبي المتوفى في سنة 287 انه كان من العباد وكان يطلق عليه إسم "صاحب الشجرة" وتفسير ذلك أنه كانت في داره شجرة تسجد لسجوده إذا سجد.
على أنه كما بدا التصوف في المشرق بتلك العبادات أوالرياضات الدينية والميل الى حياة متزهدة متشقفة ثم انتهى الى أن اصبح تأملا عقليا وجدانيا خالصا، فكذلك كان الأمر في الأندلس، بدأ التصوف يستقل عن تلك الحياة الزهدية، وبدأت معالجة تتجسم بشكل واضح، واننا نرى أن ذلك انعكس في مظهرين:
الأول أن هذه العبادات بعد أن كانت مزيدا من التدين يزاوله افراد متفرقون لا تجمعهم صلة أصبحت منذ أواخر القرن الثالث رابطة تجمع بين نفر من العباد يقيمون في متعبد خاص بهم، فإننا نجد ابن الفرضي في ترجمة أحد هؤلاء وهو اصبغ بن مالك القبري المتوفى سنة 299 انه يجتمع إليه أهل الزهد والعبادة فيتذاكرون في داره، وكان يعيش في يشتر، وهي تلك القلعة المنيعة التي كان يتحصن بها عمر بن حفصون الثائر على الخلافة الاموية، بل ان هذه الرياضات الدينية لم تعد قاصرة على الرجال بل اشترك فيها النساء  كذلك، يذكر ابن الابار أن أم الحسن بنت أبي لواء سليمان بن أصبغ المكناسية وهي من بيت بني وانوس البربري كانت قد أقامت مسجدا لصق بيتها  في فحص البلوط شمال غربي قرطبة، فكان يقصدها صوالح نساء اهل ناحيتها يتذاكرون سير  العابدين والعابدات، ويقول انه كان لها ببلدها لذلك شان كبير، ومما يلفت نظرنا في هذين الخبرين ان هذه المتعبدات التي كان يقيم اهل الصلاح والعبادة من الرجال والنساء لم تكن مثل اربطة ثغور افريقية التي كان يقيم بها عدد من النساء يقومون بالجهاد والعبادة في آن واحد، وانما كانت اماكن للعبادةفقط اذ هي بحكم موقعها كما نرى بعيدة كل البعد عن ثغور المسلمين المتاخمة لبلاد النصارى، فيشتر تقع على الجبال المحيطة بغرناطة، وفحص البلوط في المنطقة الجبلية المحيطة بقرطبة، ومعنى ذلك أنها كانت أشبه  بالزوايا المخصصة لحياة تأملية روحية صرف، ثم اننا نلاحظ انه قد روعي في اختيارها أنها اقيمت في جهات جبلية وعرة تعين على الانقطاع والاعتكاف الكامل على نهج ما نرى في كل حياة صوفية خالصة.
اما المظهر الثاني الذي أشرنا الى بروزه في هذه الفترة دالا على تميز الصوفية عن العباد في الأندلس فهو بدء اصطدامهم بالفقهاء من المحافظين على سلامة العقيدة في جوهرها ومظهرها، وقد رأينا أن هذه الحياة المتعبدة لم تجد من الفقهاء في الأندلس اعتراضا ولا نقدا حتى الآن، بل ان هؤلاء الزهاد كانوا موضع احترام وتبجيل من الجميع اذ كانوا في نظرهم قوما صالحين مقبلين على العبادة دون أن يرى احد في أفعالهم أو أقوالهم ما يتعارض مع الشريعة، اما في أواخر القرن الثالث فقد ظهر من هؤلاء العباد ما بدا الفقهاء ينظرون اليه في ريبة وتشكك.
واول من يمثل لنا هذا الاصطدام بين الفقهاء وبين هؤلاء العباد الذين لا نسرف اذا سميناهم صوفية بمعنى الكلمة هو يمن بن رزق الطيلي الذي احتفظ لنا ابن الفرضي ببعض اخباره، وكان أصله من قرية بالثغر بجوار تطيلة أي في أقصى شمال الأندلس، ويبدو أنه كان من أهل السياحة اذ يذكر أن وفاته كانت بالمشرق بعسقلان وأن قبره هناك كان موضع تبجيل المسلمين بهذه المدينة، وقد كانت عسقلان في أرض الشام من المدن التي اشتهرت باربطتها ومتعبداتها، ويظهر انه استقر فترة من حياته في القيروان، إذ أن معظم أخباره ينتهي إلى مواطن له اندلسي عاش في افريقية حتى وفاته هو يحيى بن عمر الأندلسي تلميذ سحنون، ويذكر يمن انه لما أوشك على الاحتلام رأى كان قفل نحاس على قلبه ثم نظر الى مفتاح القفل بين يديه ففتح به ذلك القفل، ومثل هذه الرؤيا اشبه بما كان يعرض لأهل التصوف مما كان يتفق للزهاد، ويذكر يحيى بن عمر انه كان يعتكف في بيته النهار كله لا يخرج إلا للصلاة مع الجماعة ثم يعود، وانه لم يكن في داره الا حصير ينام عليه ومصحف ثم الكتاب الذي وضعه هو وسماه "الزهد" وانه كان إذا أراد شراء شيء أو التصدق بشيء أدخل يده تحت الحصير فأخرج دراهم صحاحا كبارا.
اما كتاب "الزهد" الذي وضعه يمن فلا نعرف عنه الا ما اثاره من حملة الفقهاء عليه سواء في القيروان أو قرطبة، أما في القيروان فقد افتى بالنهي عن قراءته محمد بن مسرور المعروف بابن الحجام، وأما في قرطبة فقد صرح بمثل ذلك احمد بن خالد المعروف بابن الحباب الذي كان يصف يمنا بانه "صاحب وساوس"،وعلى الرغم من هذا الحكم فقد عكف على كتاب "الزهد" نفر من صوفية الاندلس نذكر منهم زاهدا سجلماسي الاصل يدعى جساسا كان يذيع هذا الكتاب وينشره في متعبد له بثغر مجريط "مدريد الحالية" خلال القرن الرابع الهجري، وعن جساس المذكور رواه عبدالرحمن بن خلق الاقليشي المتوفى سنة 347، وليس لدينا شك في ان ما احتواه كتاب الزهد ليمن بن رزق كان أكثر  بكثير مما يدل عليه عنوانه اذ لو كان مجموعة من المواعظ الزهدية لما أثار ثائرة الفقهاء، بل يبدو لنا كتابا صوفيا بمعنى الكلمة.
وننتقل الآن الى أقدم شخصية اندلسية صوفية ظهرت خلال أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري وكان لها اثر كبير بعد ذلك في الحياة الروحية بهذه البلاد حتى ابن عربي المرسي في القرن السابع الهجري، ونعني بهذا شخصية ابن مسرة الجبلي القرطبي المتوفى سنة 319، ولا يتسع المجال هنا الى التحدث بما كنا نؤمل من تفصيل عن هذا المتصوف الاندلسي العظيم، وقد افرد بحثا لدراسته المستشرق الاسباني اسين بلايتوس استطاع فيه ان يعيد تكوين صورة لمذهبه الذي اندثر وان كان قد ترك آثارا عميقة في الفكر الأندلسي بعد ذلك.
وقد ولد محمد بن عبدالله بن مسرة في سنة 269، وكان ابوه رحل     الىالمشرق فسمع من علمائه قبل ذلك واتجه الى الآراء الاعتزالية والكلامية مع تدينه ونسكه ثم عاد فأودع ابنه محمد علمه ثم رحل ثانية الى المشرق فتوفى هناك، أما ابنه محمد فإنه واصل اتجاه والده وكانت له كذلك رحلة الى الشرق حيث درس مع كبار صوفيت هو أهل الكلام فيه، وينص ابن الفرضي على أنه كان يتكلم على تصحيح الأعمال ومحاسبة النفس على حقيقة الصدق وغير ذلك من اشارات الصوفية في نحو من كلام ذي النون الاخميمي وابي يعقوب النهرجوري الذي كان تلميذا غير مباشر لذي النون، وقد عاد ابن مسرة بعد ذلك الى بلده، فاستقر في دار له بناها على جبل العروس، أو الجبل الأسود في شمالي قرطبة، وكان يحيط به عدد من تلاميذه، حتى توفي سنة 319.
على أن كتب ابن مسرة وتعاليمه حينما عرفت وذاعت كانت موضع حملة الفقهاء في أيام هشام المؤيد بن الحكم المستنصر فأحرقت كتب المسريين بأمر قاضي الجماعة محمد بن يبقي بن زرب، وتعقبت السلطات أفراد هذه المدرسة متهمة اياهم بالزندقة.
وقد نص المترجمون لابن مسرة على تأثره العميق بآراء ذي النون المصري وتلاميذه من بعده والواقع أن الذي يتتبع ما حفظ لنا من آراء الصوفي الأندلسي في كتاب انفصل لابن حزم والفتوحات المكية لابن عربي وغيرهما من المراجع المتأخرة ليلاحظ بالفعل أن هناك تشابها بينها وبين آراء ذي النون.
وأول ما نلاحظه من ذلك أن تصوف ذي النون كان خطوة في سبيل تكوين فلسفة وحدة الوجود التي فصلها ابن عربي والتي أشار الى انها تستمد من رأى لذي النون في العرش.
كذلك نشير إلى كلام ذي النون عن اسم الله الاعظم الذي يعتبر العلم به قمة المعرفة، وقد كان هذا أيضا من أسس الفلسفة المسرية وتناوله محيي الدين بن عربي بحديث مفصل كان له أثر بعيد في التصوف المسيي في العصور الوسطى.
ونلاحظ أيضا أن ابن مسرة اتبع في سلوكه طريقة تشبه تلك التي استنها ذو النون، فقد اجتهد المتصوف الاندلسي في أن يكون له ظاهر يقتنع به العامة والفقهاء باعتباره عابدا ناسكا بينما يحتفظ لنفسه ولخاصة تلاميذه بأرائه التي قد تبدو للجمهور بعدا عن الشريعة أوخروجا عليها، وهوفي هذا يشبه ما كان يجري عليه ذوالنون كما سبق ان أوردنا من التفريق بين سلوكين واحد للعامة وآخر للخاصة.
على أن هناك فرقا واضحا بين تفكير الرجلين: فذو النون كان صوفيا بمعنى الكلمة عدوا للآراء المعتزلة، منابذا لأهل الكلام، مناهضا لارائهم في حرية الارادة حتى انه تعرض للاضطهاد من أجل ذلك، أما ابن مسرة فقد ابتدع منهجا غريبا مزج فيه بين التصوف والاعتزال، حتى ان التهمة الكبرى التي وجهت اليه هو وأصحابه كانت أخذهم بما قال به المعتزلة من نفي القدر، والاستطاعة أي حرية الإرادة.
على أن ابن مسرة لم يكن هو المفكر الأندلسي الوحيد الذي استمد لآراء ذي النون الاخيمي فقد ظلت قداسة الامام المصري تاسر الباب الاندلسييين بعد ذلك بمدة طويل، ولعل ذلك يرجع الى اعتدال ذي النون وعدم تطرفه في تصوفه اذا قسناه بغيره من متصوفة العراق، او ايران مثل ابي يزيد البسطامي، او الحلاج
وقد ألف ابن شعبان المعروف بابن القرطبي كتابا سماه "مواعظ ذي النون الاخميمي "متناقلا في الاندلس،وابن شعبان المذكور فقيه اندلسي الاصل استقر بمصر واصبح رئسا للمذهب المالكي بها خلال هذا االقرن الرابع الهجري،كما عرفت بالاندلس خلالا هذا العصر مؤلفات منسوبةالى ذي النون نذكر منها رسالة "سؤال ذي النون المصري بعض الزهاد عن صفة المؤمن "وهي رسالة اذاعها في الاندلس مسلمة بن القاسم القرطبي المتوفي سنة 353  والذي عرف عنه اهتمام بالفلسفة وعلوم التصوف، ولهذا فاننا نجد ان أخبار ذي النون واقواله يتردد صداها في الاندلس كثيرا في ذلك الوقت وتحتفظ بها المراجع الأندلسية كما نرى في كتاب جامع بيان العلم ابن عبد البر، والصلة ابن بشكوال الذي يقص علينا خبرتوبة ذي النون أي تحوله الي الطريقة الصوفية بشكل غريب يختلف عما تذكره كتب التصوف المشرقية :
وعلى الرغم مما كانت تبديه السلطات الرسمية والفقهاء المالكيون من ضيق بأقوال المتصوفية فقد ظهرت في خلال القرن الرابع شخصيات صوفية لها مكانتها،ولو ان الأغلب على هؤلاء هو انهم كانوا يذهبون الى تصوف معتدل مثل ما رايناه من الصوفي المصري الكبير، كذالك اتجه التصوف الى الجمع بين التأمل النظري والعبادة العملية ولاسيما الجهاد الذي كان متنفسا لهذه النزاعات الروحية ولا سيما في ذاك العصر ااذي بلغ الجهاد فيه ضد نصارى الشمال ذروته في ايام الحاجب  المنصور بن أبي عامر.
ومن هؤلاء مخارق بن الحكم بن مخارق القرطبي الذي يذكر ابن القرضي أنه كان من زملائه في الدراسة، وكان من العابدين المتهجدين ويقال انه كان مجاب الدعوة، وانه حج على قدميه ثم عاد فكان يتقوت من عمل يديه، وخرج الى أرض الحرب مجاهدا فاستشهد في الغزاة التي فتح فيها المنصور العامري قلنبرية (في البرتغال الآن) سنة 377.
ومنهم كذلك محمد بن طاهر القيسي التدميري الذي تسميه المراجع الزاهد الشديد، وكان قد رحل الى المشرق فسمع من الفقهاء والمحدثين والزهاد وجاور الحرمين ثماني سنوات، وظهرت له في المشارق دعوات مجابة وكرامات ظاهرة ثم انصرف إلى الأندلس مجيبا دعوة والده وكان لا يزال يكتب إليه مع حجاج الأندلس يستدعيه، فلما قدم تدمير تنكب نزول مرسية عاصمة الاقليم لسبب رآه لم يكن يستحل معه سكنى مرسية ولا الصلاة في مسجدها الجامع ونزل قرية بخارجها نسبت بعد ذلك إليه وابتنى لنفسه بيتا من الحطب والشعر كان يأوي اليه، وكانت له هناك جنينة يعمرها بيده ويتقوت منها، وكان مع ذلك لايدع الجهاد مع المنصور العامري وشهد معه فتح سمورة وقلنبرية ثم سكنى قريته واستقر بالثغر وواصل الرباط وكانت له في الباس والشجاعة حكايات عجيبة، ثم مازال يرابط في طلبيرة، وكانت ثغرا من اعمال طليطلة حتى استشهد في سنة 379 ، وتروى عن هذا الرجل الصالح قصص في جهاده باليد واللسان تسطر اسمه في سجل اعاظم الرجال، ويذكر عنه في مصر انه كان السبب في أن يهوديا من كبار رجال الدولة اعتنق الاسلام بعد رؤيا رآها الزاهد الاندلسي .
كذلك اهتم بعض متصوفة الاندلس بالتقليد الذي كان شائعا في المشرق وهو السياحة الصوفية، ومن هؤلاء عطية بن سعيد المتوفي سنة 409 والذي طاف بلاد المشرق حتى وصل الى بلاد تركستان وما وراء النهر وكانت له مكانة جعلت اصحاب ابي عبد الرحمن السلمي صاحب طبقات الصوفية يلتقون به حتى ضاق به الصوفي البغدادي واورد له مترجمون كرامات كثيرة، كما ألف في التصوف كتبا تناقلها الناس، وكان له اهتمام بجمع اخبار ذي النون المصري، وقد اورد الحميدي والخطيب البغدادي في ترجمته ابياتا ينسبها الصوفي المصري يقول فيها
اقلل مابي فيك وهو كثير
وازجر دمعي عنك وهو غزير
وعندي دموع لو بكت ببعضها
لفاضت بحور بعدهن بحور
قبور الورى تحت التراب وللهوى
رجال لهم تحت الثياب قبور
سأبكي بأجفان عليك قريحة
وارنو بالحاظ اليك تشير
ومن هؤلاء المتصوفة السائحين محمد بن شجاع الصوفي الذي رآه الحميدي في نحو سنة 430 وتوفي قريبا من ذلك، ويروى عنه خبر يصور اعجابه بتلك الحياة الروحية التي كانت منتشرة في مصر حتى بين فتياتها الصغيرات.
وقد دخل إلى الأندلس بعض صوفية المشرق برسم السياحة أيضا نذكر منهم ابراهيم بن علي الديلمي الخراساني دخل الأندلس سنة 358 بعد أن لقي بالشام أبا عبدالله الروذباري وبالمغرب ابا الخير التيناتي الاقطع وغيرهما من العباد، وجدير بالذكر أن أكثر من ذكرهم من مشايخ التصوف كانوا من بين من اتصلت روايتهم بذي النون المصري، على أن هذا الصوفي لم يقم بالأندلس الا قليلا ثم خرج عائدا إلى المشرق.
ومنهم ظاهر بن محمد البغدادي المعروف بالمهند وفد على الأندلس سنة 340 في أيام عبدالرحمن الناصر، وتكسب بشعره ثم نسك آخر عمره ويقول ابن الفرضي أن له في الزهد رسائل عجيبة ومقالات على مذاهب المتصوفة الا انه كان قليل الشهود بقرطبة وتوفي سنة 390، اما الحميدي فيقول انه حكيت عنه أخبار تشبه اخبار الفكرية وتقابل طريقة الحلاج وغلو في ذلك يسيء الظن به، ولعله كان لذلك منقطعا الى ضيعته قليل الشهود بقرطبة كما ذكر ابن الفرضي.
ومنهم حكم بن محمد القيرواني الذي تلمذ بمصر على بنان الحمال وكان من التلاميذ غير المباشرين لذي النون المصري، ثم عاد إلى افرقية فاضطهده الشيعة فخرج إلى قرطبة وظل بها حتى وفاته سنة 370، وقد نص ابن خير في فهرسته على أن حكما هذا اذاع في الأندلس كثيرا من كتب الزهد أو الرقائق لعبد الله بن المبارك، والرقائق للفضيل بن عياض، والزهد لأحمد بن حنبل، وفضائل التابعين لسعيد بن اسد بن موسى، وكتب ابن أبي الدنيا، على أن حكما كما نرى من حياته وخصومته للشيعة، ثم من الكتب التي نشرها  في الأندلس لم يكن من غلاة المتصوفة بل ربما كان أقرب  إلى الزاهد البسيط الورع منه الى الصوفية.
وقد انتشر في الأندلس في هذا العصر إنشاء الروابط، وقد رأينا أمثلة لذلك فيما سبق، وهي روابط لم تكن للجهاد على ثغور المسلمين فقط، بل لمجرد الاعتكاف والعبادة، ومن أمثلة ذلك رابطة اقامها الخليفة هشام بن الحكم المؤيد اثر رؤيا لاحدى جواريه في قرطبة، كذلك كثر انشاء الزوايا على ما يذكر ابن حزم في كتاب الاخلاق، وكان الغرض منها علميا دينيا فضلا عن اكرام الغرباء وتيسير المعيشة لهم.
وعلى الجملة فان التصوف الاندلسي ظل حتى انتهاء القرن الرابع كما عرضنا اقرب الى البساطة واشبه بالتصوف المصري البعيد عن التطرف، وكانت الحياة الدينية مقرونة دائما بالعمل الصالح ولا سيما بالجهاد، وفي ذلك يقول ابن سعيد: "وما طريقة الفقراء على مذهب اهل الشرق في الدورة التي تكسل عن الكد وتخرج الوجوه للطلب في الأسواق فمستقبحة عندهم إلى النهاية" وهو أمر يدلنا على أن الأندلس في تأثرها بالمشرق لم تخل حتى في حياتها الدينية والروحية من خصائص تميزها عن سائر بلاد الشرق الإسلامي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here