islamaumaroc

سيبويه

  دعوة الحق

العددان 50 و51

سيبويه الكاتب .. وسيبويه امام النحو والنحاة في اللغة العربية.. طوي الحديث عنهما او كاد.. فالكثير من رجال العلم والبحث لا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن هذا الكتاب .. الذي هو كتاب النحو العربي الأول .. والكثير منهم لا يكلفون أنفسهم     عناء البحث عن مؤلفه.. وهو الإمام الذي ظلت أقواله وآراؤه محور أحاديث ودروس رجال اللغة والنحو والأدب عدة قرون.. وظل كتابه محور الدراسة والشرح والتعليق والنقد في عواصم الحضارة الإسلامية شرقا  وغربا عدة قرون.. وظل كتابه محور الدراسة والشرح والتعليق والنقد في عواصم الحضارة الإسلامية شرقا  وغربا عدة قرون.. فهل يتاح لسيبويه ان يحيا في معاهدنا العالية من جديد..؟ وهل يتاح لكتابه أن يطبع من جديد ويدرس من جديد...؟

إذا كان النحاة واللغويون والمؤرخون متفقين على امامة سيبويه الكتاب.. وسيبويه المؤلف.. فإنهم مختلفون أشد الاختلاف في أشياء  أخرى من حياة الكتاب، وحياة المؤلف، وصلة الكتاب بمؤلفه، والكيفية التي تم بها انجازه على الصورة التي بين أيدينا..
وسنحاول أن ندرس معهم حياة سيبويه المؤلف –في ايجاز- لنصل  إلى حياة سيبويه الكتاب – اذ هي الهدف الذي نرمي اليه من هذا البحث ..
فالمؤرخون لا يكادون يختلفون في أن سيبويه فارسي الدم، وأنه ولد في  قرية –البيضاء  (1) شيراز.. المدينة الفارسية الشهيرة .. وان تاريخ ملاده مجهول .
. بسبب انه نشأ  في وسط لا يمت الى الجاه والشهرة بصلة.. في عصر كان ينظر فيه الى –الموالي-  نظرة خاصة معروفة ...
ويحدثنا الزبيدي في الصبقات  (2)سيبويه كان مولي بني الحارث بن كعب .. ولكنه لم يشرح لنا نوع هذا الولاء .. أكان ولا ء عتق .. أم ولاء إسلام..؟ ولكل منهما نظام خاص في المجتمع اذ ذاك.
وينتقل سيبويه من وطنه الأول في شيراز الى وطنه الثاني في البصرة في عصر كانت فيه الثقافة الإسلامية تتمخض لتنتج علوم الدنيا والدين ..
ويحدثنا القفطي: (3)ن سيبويه صحب في ايامه الفقهاء وأهل الحديث.. ويردد كثير من المؤرخين  قصته مع شيخه حماد بن سلمة التي كانت السبب في نحو اتجاهه العلمي من علم الفقه والحديث الى علم اللغة والنحو .. حيث اتصل بالخليل  بن احمد وأصبح من أخص تلامذته.
وفي حلقة الخليل عرف سيبويه نابغة العرب الأول، واقتبس من معينه الفياض... غي أنه لم يقطع الصلة بينه وبين شيوخ  (4)ين في اللغة، والحديث، والنحو .. بل انه خرج من حلقات الدروس للسماع من فصحاء الأعراب.. وأهل الرجز منهم، وكثيرا ما يذكر  في –الكتاب- سماعه من العبر الموثوق بعربيتهم  (5)
ولهذا يقول الزبيدي: (قد تعلق من كل علم بسبب، وضرب فيه بسهم  (6)و إذن ليس نحويا فقط بل ان له ثقافة واسعة في الفنون التي كانت سائدة في عصره ..
ومن الكتاب نعرف مقدار تأثر سيبويه بشيوخه، كالخليل ويونس بن حبيب، وابي الخطاب الاخفش، وأبي عمرو بن العلاء وغيرهم...
فهو حينما  يروي عن الخليل يقول: قال الخليل، وسألت الخليل. وحينما يعقب عليه يقول: وقال غيره.. وقد تكرر ذلك في الكتاب مآت المرات..
وحينما يروي عن الأخفش يقول: قال أبو الخطاب ويعني به الأخفش الأكبر، وقدتكرر ذلك في الكتاب عدة مرات أيضا  فالحظ الأوفر هو بدون جدال للخليل عمدة سيبويه وإمامه..
وكما  اخذ سيبويه عن شيوخ البصرة، فقد اخذ عنه طلبتها اللذين أصبحوا بعده شيوخا، وتأثروا بطريقته في النحو العربي.
غير أن موته في ريعان شبابه قد حال دون نمو عدد هؤلاء فأصبح سيبويه –الكتاب- هو الشيخ وهو العمدة وهو الأستاذ.. بعد موت سيبويه –المؤلف-.
ولا يستطيع دارس حياة سيبويه أن يغفل تلك المناظرة التي نظمت في بغداد بين الكسائي  شيخ الكوفة، وسيبويه شيخ البصرة.. فهي مناظرة لها ما قبلها في الدسائس السياسية، والمؤامرات الحزبية كا لها ما بعدها في الحياة العلمية والمذهبية في كل من البصرة وبغداد.
فنحن على علم أن سياسة العباسيين كانت ضالعة مع الكوفة والكوفيين، بسبب أن أهل الكوفة كانوا منذ ظهر التحزب في الاسلام يميلون نحو أهل البيت كما أن أهل البصرة كانوا نحو العثمانية والاموية يميلون...
فليس من المنتظر من العباسيين ان يتخدوا من اهل البصرة اساتذة أو شيوخا لابنائهم... وليس من المنتظر ان يرفعوا من شانهم بتشجيع او تاييد. وقد اتخد الرشيد من الكسائي أستاذا لابنيه الامين والمامون.. وصار من بعده من الخلفاء في نفس هذا الاتجاه وهذا الاختيار..
والنصوص التاريخية التي بين أيدينا كلها تدين يحيي بن خالد بن برمك الذي جمع بين شيخي البصرة والكوفة، ودبر المآمرة لغلبة الكسائي، باعداد جماعة من الاعراب تناصر الكسائي عند المناظرة، وقد انفرد الخطيب البغدادي –فيما أظن- بالطعن في رواية المؤرخين، وزعم أن المناظرة سارت سيرا طبيعيا وان الكسائي فاز مناظره بعمله واطلاعه، لابالتأييد السياسي، من البرامكة، العباسيين.
وعلى أي فقد خرج سيبويه مخذولا من بغداد، وقد انهدم أمام عينيه شبح المجد الذي كان ينتظره في عاصمة العباسيين.. فالى أين قصد..؟
هنا يخيم الظلام على يقية حياته.. فيحدثنا ابن الانباري أنه:"سأل عمن يبذل من الملوك ويرغب في النحو فقيل له: طلحة بن طاهر فشخص اليه خرسان فلما انتهى الى ساوة مرض مرضه الذي مات به من هنا نجد الخلاف كبيرا بين المؤرخين في تاريخ وفاته ومكانها.. ونقل نصوصهم والمقارنة بينها يستدعي وقتا طويلا نحن في حاجة اليه لدراسة الكتاب...
والذي يظهر أن سيبويه عاد الى وطنه الاول –البيضاء- قرب شيراز وأنه توفي بها بجوار اخيه الذي حضر هذه الوفاة 180 هـ
ولننتقل الآن الى الحديث عن سيبويه الكتاب وهو التراث الذي بقي بين أيدينا شاهدا على عقلية ومنهجية غريبتين في بابها..
كتب ابن النديم في المقالة الثانية من كتابه الفهرست فصولا قيمة في أخبار النحويين واللغويين وأسماء كتبهم.. ونشأة النحو العربي، وتطوره منذ فجر الاسلام الى عصره.. وأهمية هذه الفصول من الناحية التاريخية ترجع الى أنها تحدثنا عن عمل النحاة ومؤلفاتهم قبل سيبويه.. كما انها تحدثنا عن عملهم بعده يوم أصبح كتابه اماما لهم.
ولكن شيئا من مؤلفات النحاة قبل سيبويه لم يصلنا فلم نطلع على أسلوبهم ولم نعرف طريقتهم الاولى..
وبذلك ظل –الكتاب- محتفظا بمكانته كأقدم كتاب في النحو العربي وصل الينا حتى الآن..
وأول ما نلاحظه على الكتاب أنه لامقدمة له تشرح لنا أنه مقدمة له تشرح لنا خطة المؤلف واتجاهه في التدوين.. كما أنه لاخاتمة له تلخص ما وصل اليه المؤلف من أبحاث وهذا يعني أن المؤلف توفي والكتاب لم يأخذ صيغته النهائية.. وحتى التسمية مهملة.. فلم يسم المؤلف كتابه اسما خاصا.. وانما سمي بعده ب "الكتاب" و "كتاب سيبويه"، وبسبب ذلك هم بعض النحاة أن ينسب الكتاب لنفسه وأن يدعي أنه من تأليفه.. لولا افتضاح الامر.
اما مادة الكتاب التي تطالعك في سائر الابواب، فهي مادة غزيرة فيها ايات من القرآن الكريم.. وفيها امثال وجمل تروى بين النالس.. والفاظ لغوية منها العربي الفصيح ومنها المعرب، ومنها الاعجمي.. وشواهد من الشعر، منها ما ليس له نسب الى قائل معين.. وامثلة للأعراب وبيان التراكيب المستعملة لتطبيق قاعدة من القواعد..
ولعلك تلاحظ أن سيبويه لا يستشهد بالحديث النبوي الشريف، ولا يأتي به لتفسير مفردة لغوية أوتطبيق قاعدة نحوية.. وهذا غريب .. مع أنه طلب الحديث في شبابه المبكر، فلعله كان يتقي ذلك بسبب تساهل الرواة في نقل الحديث بالمعنى لا باللفظ.
أما الطريقة التي يعرض بها سبويه هذه المادة لقراء كتابه ودارسيه فهي طريقة تكاد تكون متفقة مع طرق التعليم العصرية.. فهو يعرض أمامك المادة اللغوية: تراكيب والفاظ، عرضا وافيا ثم يفتتح المناقشة ليستنتج النتائج المطلوبة من القواعد النحوية وأحكامها، وكثيرا ما يترك لك فرصة الاستنتاج بنفسك بعد أن يمدك بالعناصر الكافية، فهو اذن ينتقل من التفصيل الى الاجمال ومن الامثلة الى القاعدة.. وتجده أحيانا يعكس هذه القاعدة تماما.. فيذكر الاحكام ويعقب عليها بعدة أمثلة وشواهد توضح مجملها وتنشر خفيها.. وهذا كله معروف في طرق التربية والتعليم الحديثة...
والذي يدرس كتاب سيبويه يرى الفرق الواضح بينه وبين الجامدين من النجاة الذين ظنوا خطأ أن النحو هو الاعراب فقط، فراحوا لا يكادون يهتمون الا بالناحية الشكلية لاعراب آخر اكلمات..
مع أن النحو في كتاب سيبويه هو البحث عن الجمل والتراكيب من حيث استقامة المعنى والتركيب واللفظ، فهو اذن نحو حي مفيد يربي ملكة الفهم في الطالب من جهة، وملكة البيان والتعبير من جهة اخرى
وإذن لا غرابة في أن نجد النحاة الذين درسوا النحو بكتاب سيبويه شعراء وكتابا وخطباء، بينما نجد الذين درسوا النحو بكتب النحو المتأخرة لا يكادون يخرجون عن نطاق الجدل في الاعراب وعلله واوجهه، الصحيح منها والسقيم...
فكتاب سيبويه ونحو سيبويه كان مادة للنحاة الاولين،، كما كان مادة أساسية لعلماء البلاغة الذين وجدوا فيه ضلالتهم المنشودة في البحث عن اسرار البيان والجمال في الشعر والنثر..
واقرأ كتابي اسرار البلاغة.. ودلائل الاعجاز لترى كيف استفاد الجرجاني من نحو سيبويه وكيف جعل من ابحاثه في النحو منهاجا  سار عليه لابرازبلاغة الأسلوب العربي واسرارها..
وقد اصيب النحو العربي والبيان العربي بنكسة كبرى يوم هجر كتاب سيبويه ونسي في زوايا الاهمال، لتحل محله هذه المختصرات والمنظومات التي تعلم الناس نحوا ميتا غامضا عقيما..
ودراسة كتاب سيبويه لا تزيدنا الا يقينا بهذه الحقيقةوهي أنه ليس  كتاب نحو بالمفهوم  المعروف الآن، ولكنه كتاب نحو بالمفهوم القديم الذي يجعل من النحو علما وفنا يعني بالأسلوب العربي وتقويمه ليسير وفق المنهج الذي تستعمله العرب في شعرها ونثرها.
ونقاد سيبويه قديما وحديثا لم يستطيعوا أ يخرجوا في دائرة نقدهم عن ناحيتين:
الأولى: ناحية الالتواء والغموض في التعبير عن بعض القواعد وهؤلاء النقاد يريدون أن يعبر سيبويه عن كل شيء في النحو بالألفاظ والتعابير الاصطلاحية التي جدت بعده بقرون.. وفاتهم انه كان رائد النحو والبيان يجمع الاشباه والنظائر ليأخذ – ولأول مرة- القاعدة العامة..
الثانية: ناحية التكرار والتقطيع، فهناك أشياء كررت كما أن هناك قواعد قطعت، فنجد جزءا منها هنا، وجزءا منها هناك، وهذا يرجع بالطبع الى ان المؤلف لم يتمكن من النظر في كتابه وتهذيبه وقد عاجلته المنية في ريعان الشباب...
وبعد فاذا كان هذا الكتاب قد هجر في هذا العصر هجرا يكاد يكون تاما فلا نسمع له وجودا الا  في  بعض المعاهد العليا في الشرق والغرب ... فانه كان محور الدراسة اللغوية والنحوية في عواصم الحضارة العربية- ولا سيما  في المغرب والأندلس- ونعثر في تراجم العلماء الاندلسيين والمغاربة على  كثير منهم كتبوا شروحا أو تعليقات أو انتقادات على الكتاب أو شواهده...

(1)بغية الوعاء، ص366.
(2)ات النحويين واللغويين، ص66.
(3)قات النحويين، ص 66.
(4)ظ شيوخه في بغية الوعاة، ص 366.
(5)لكتاب جزء1، ص 450.
(6)بقات، ص 68.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here