islamaumaroc

بؤس وضياء (ديوان شعر لمحمد عزيز الحبابي)

  دعوة الحق

العددان 50 و51

الشعر تعبير عن موقف معين تجاه كل المؤثرات الذاتية والمحيطة التي ينفعل بها الشاعر وتعتمل في اعماقه لتخرج بعد ذلك ملونة.. منغمة.. ذات صور وأبعاد مختلفة لكنها في الغالب غير متناقضة، فهو بهذا معاناة يعيشها الشاعر لحظة لحظة، وتجربة ابداعية يزخز بها وجدانه، وتتزاحم تياراتها في كيانه لتنطلق أثرا خالدا يسهم في ارساء الكيان الانساني المتطور.. وبهذا يصبح الشعر قريبا من الفلسفة لانها هي الاخرى موقف يتخذه الفيلسوف منبعا لافكاره وتأملاته، ومنطلقا لتجاربه ودراساته.
فالشعر والفلسفة كلاهما موقف هادف وكلاهما تعبير عن ذلك الموقف.. ومادامت الحياة والطبيعة والوجود مجاري تتدفق فيها التجربة والانفعال..
وميادين للتأمل والمعاناة، فالشاعر والفيلسوف هما اللذان يستطيعان التعبير بوضوح وعمق، عن مدى قوة الاشعاعات التي يطفح بها ذلكم الثالوث.. نعم قد نجد فرقا واضحا في التعبير عن كل منهما وهو فرق ليس بذي اهمية مادامت الفكرة او الانفعال بها هما اللذان يريد كل من الشاعر والفيلسوف نقلنا الى آفاقهما الرحبة عن وعي وحرية، قريبتين منا..أما عندما يتطرف الشاعر فيوغل في التوهيمات اللاواعية والشطحات الغير الهادفة البعيدة عن الفكر.. وعندما يجمد الفيلسوف ويصبح أسيرا للتعبير الجاف الغامض.. فهنا يغدوا الشعر والفلسفة كلاهما اشياء ذابلة لاتدعو الى الطمانينة ولا تبعث الارتعاشة الانسانيةالتي يجب توفرها في كل اثر انساني وبالتالي تصبح المقارنة بينهماضياعا للوقت وبحثا في العبث..
بعد هذا نخلص الى الحديث عن ديوان "بؤس وضباء" للدكتور محمد عزيز الحبابي للعلاقة الوثيقة فيه بين الفلسفة والشعر.. الديوان انشيء بالفرنسية وكانت طبعته الاولى بباريس سنة 1958، نال جائزة وزارة التهذيب الوطني بالمغرب عام 1959، ونقله بعد ذلك مؤلفه الى العربية وأصدرته دار عويدات ببيروت في حلة انيقة في اواسط الشهر الماضي.. وقبل أن نقدم عرضا موجزا للديوان يحس بنا أن نقف قليلا عند مؤلفه الدكتور الحبابي فهو من المغاربة الذين استطاعوا بالعمل الدائب الشاق أن يسهموا في بناء النهضة الفكرية الحديثة بالمغرب، درس في فرنسا الفلسفة وحصل على الدكتورة منها برسالته المعنوية –من الكائن إلى الشخص- والتي يعمل حاليا  على تعريبها وهي بحث في الشخصانية الواقعية. والشخصانية مذهب فلسفي  أرسى قواعده الفيلسوف ما نييل مونيي وتهدف الشخصانية الى تحقيق الفرد لانسانيته في ظل شروط خالية من الضغط المادي أو المجتمعي، والعمل على تفتحه نحو آفاق رحبة من الحرية والوعي الهادفين، والدكتور الحبابي وان كان تلميذا لهذا المذهب الفلسفي، فلقد عمل في رسالته السالفة الذكر على تحديد منهج مبتكر هو الشخصانية الواقعية ان لم نقل مدرسة قائمة الذات.. وجل مقالاته التي نشرتها له مجلة (اسبري).
توضح ذلك المنهج الذي يلتزم به.. فهو ملتزم لمذهب فلسفي، وظبيعي أن ينظر الى ديوانه "بؤس وضياء" على هذا الأساس الفلسفي.
الديوان في حوالي 158 صفحة موزع على شكل فصول شعرية، كل فصل يضم عدة قصائد.
والقصائد في مجموعها تعالج موضوعا واحدا هو الانسان الذي يدعو الى الخير والتعاطف والحب..
الانسان الذي يحاول جاهدا أن يحدد معالم انسانية وأن يضعها في اطار من المحبة والصدق والسلام..
الانسان الذي يكره الجوع والحرب يتوق الى البستان العالمي لينتشي بشذى أزهاره ووروده وينعم بنضارته.. لاتقف في وجهه الحدود ولاتتحكم في مصيره دوافع الشر ونوازع الميز العنصري..
الانسان الشخص الشاعر بمراحل نموه وتطوره..
الانسان الذي يغني:
           فلتنضب اودية الدموع 
           ولينقشع سواد الحداد 
           سنشيد على الارض 
           فردوس الوجود
           بأغاني الامل
           ونبل العمل 
           سنبدع مستقبل الصفاء 
           على أجنحة الاوتار 
           ونملأه أخوة
ان ديوان "بؤس وضياء" صفحة جديدة من صفحات ادبنا المغربي الحديث تبعث على الاعجاب والفخر.. لانها تعبر عن واقع الانسان الذي يريد ان يتحرر من الضغط المادي ليبني مجتمعا انسانا لاتكدر صفاءه مفازة الخطر.. ولا تراق فيه الدموع على مذبح اليتم والتعاسة..واقع الانسان الذي يطمح الى أن يكون سيد نفسه في غير اعتداء، لان الصداقة والاخوة ملكه المشترك... واقع الانسان الذي يؤمن بانسانيته ويصوغ مصيره بنفسه مدام يملك العقل ويتوفر على الادراك...
هذا هو ديوان "بؤس وضياء" في انغامه الانسانية الواعية شعر وفلسفة اجتمعتا على صعيد الفكر الصافي، والوجدان المرهف، لتضعا لبنة بجانب اللبنات الانسانية المؤمنة بنفسها الواثقة من مستقبلها النضير من أجل الاخوة والحرية والسعادة...
بقيت كلمة اخيرة وهي ان الغرض اقتصر على جانب المضمون فقط دون أن يتعرض لجانب الشكل، وذلك لان الديوان في الاصل وضع بالفرنسية على غرار قوالب الشعر الفرنسي –واما ترجمته العربية التي قام بها نفس المؤلف فانها لم تعتمد على الوزن والقافية مما هو متعارف في الشعر العربي..
وهذا ليس بعيب في الديوان مادامت جل كلماته..
كلمات شعرية ذات ظلال وابعاد وفيها من الجرس الموسيقي ما يجعلها مقبولة عند القاريء العربي وكدليل على هذا.. لنقرأ وأياكم هذه القطعة 
       صيحة واهنة..
       فهرع الزوجان وركعا وضحكا 
       فابتسم الوليد..
       ان للمهد عظمته وسموه..
       نم ياصغيري
       ان روحك من بياض الثلج ونقاوته 
       فلن تكون أبدا قطعة من ليل 
       نم 
       سنكافح من اجلك..
       سنضمن لك السلام والرياحين والمأوى 
       نم
       ستضحى لنا خميرة الغد 
       سيموت دعاة الحرب بغيظهم
       ولن تعرف الصوت الرهيب 
       صوت الرصاص 
       ولا الرائحة الفظيعة 
       تنتشر ممن دفنوا قلوبهم 
       مضمخة بالبترول 
       أن بسمتك المضيئة 
       وغضبتنا 
       ستمزقان الكفن 
       الكفن الاحمر 
       كفن قنابلهم الحالكة
هذه هي الصيحة الانسانية التي تنطلق من كل جوانب ديوان "بؤس وضياء"حاملة معها الامل القوي في المستقبل الافضل الذي يتحول منه ظلام البؤس الانساني الى ضياء السعادة والهناء...
   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here