islamaumaroc

لماذا نكتب؟؟؟

  دعوة الحق

العددان 50 و51

ان الفرق الجوهري بين الكاتب الناشئ، والكاتب الناضج، هو أن الأول لا  يعرف على وجه التحديد محورا لنشاطه الادبي، ولا  هدفا يسعى اليه ويجند له كل امكانيته الأدبية، في حين أن الثاني قد وضحت عنده الغاية واستبان الهدف، وهذا التباين بينهما يؤثر في خطواتهما وأسلوب سيرهما، فبينما ترى الأول يقع في كثير من التناقض والاضطراب والضياع بين مختلف السبل، اذا بك تجد الثاني راسخ القدم متزن الخطا، يتقدم في الميدان في عزم وصمود، ذلك لأن من عرف الغاية عرف الطريق، ومن لم يعرفها توزعته السبل، واكتنفته الحيرة، واحاطته ظلمات بعضها فوق بعض.
وبناء على ذلك فالأديب لا يواجهه هذا السؤال: لماذا نكتب؟ الا  بعد أن يكون  قد قطع مراحل واشواطا ضائعا عن نفسه، ليس له موضع خاص يقف عليه في  محيطه، ولا  يعرف  مسوغا لوجوده في الميدان الأدبي، ولم تتحدد بعد رسالته التي خلق من أجلها، فالتساؤل والقلق الفكري، والنظر التأملي، والتوري من الجانب الفلسفي للأدب، كل ذلك يأتي بعد نضال طويل، المتخلص من قيود الجمود،ـ والانعتاق من ربقة التقليد، والاهتداء الى الذات، فعندما يصل الاديب الى درجةمن التفكير تؤهله لمعرفة ما خلق له، مما يتفق مع مواهبه، ونوع استعداده، ولون ثقافته، فحينئد يقف ليتساءل تساؤلات من هذا النوع: لماذا أكتب؟ فوقوف تفكير الأديب عند نقط استفهام كثيرة من هذا النوع، وشكه، وقلقه، ومحاولته تعليل كل ما يصدر عنه، ان هو الا دليل خصب فكري، وتفتح ذهني، واجتياز لمرحلة التصديق، وسهولة الانقياد.
وحري بالأديب أن يعرف لماذا يكتب، فالكتابة صورة  من صور العيش، ونمط من أنماط السلوك، وطريقة من طرائف  الحياة، وليست مجرد جمل تصاغ، أو تسلية تزجي بها  أوقات الفراغ، فهي لا تنصرف الى هذا المعنى البسيط الا عند اللاهين، العابثين، البعيدين عن الأدب كرسالة انسانية واجتماعية وقومية، اما عند الجادين من الادباء، فهي تعني هوى نقيا ينعش الرئتين، ودما متجددا يحفظ الحياة، وقاعدة تصحح على ضوئها حياة الانسان، حري بالأديب الحق أن يعرف لماذا يكتب، ليعرف لأي غاية يعيش، ولأي هدف يحيى، فالأديب طاقة روحية زاخرة، وفكر متوقد لماع، وموهبة مبدعة، خلاقة، وخيال سامي مجنح، ولذلك فهولا يجيئ الى الحياة ويخرج منها كما يجيء اليها ويخرج منها ملايين البشر، إذ أن شعوره بالحياة أدق، وفهمه لها أعمق، وادراكه لأسرارهاومغازيها شامل، وهو اذا مات يعيش، ليمتاز عن ملايين البشر مرة أخرى ، أولئك الذين يخلقون ويعيشون ثم يموتون و لايعرفون لماذا، وانه لجميل جدا ان ترقى هموم الانسان الى هذا المستوى الرفيع مستوى التساؤل عن مغزى وجوده، فهؤلاء هم رسل الانسانية، وحماتها الروحيون.
هناك فريق من الأدباء، لا يرون معنى لتساؤل من هذا النوع، فعندهم ان الادب يصدر عن الاديب، كما يصدر الشعاع عن النجم، والاريج عن الزهر، والتغريد عن البلبل، والخرير عن الغدير، فإذا صح ان تتساءل هذه عن رسالتها عندما ينبعث عنها ما ينبعث،  صح كذلك  ان يتساءل الاديب عن رسالته في الحياة وهؤلاء ينسون حقيقة بسيطة، وهي أن الأدب فن ارادي،  بقدر ما هو قوة طبيعية، فالأديب إنسان يفكر، ويريد، ويضع الخطط، ويرسم البرامج، ويكمل عمل الطبيعة، ويعيد ترتيب عناصرها، ويعطيها منطقا، ويخلع عليها من ذات نفسه ما يعيدها خلقا جديدا، ويلاحظ أن انصار هذه الفكرة، انما هم أولئك الذين استغنوا بالموهبة عن الثقافة، وبضباب الأحلام عن وضح الفكر، ذلك أن القلق الفكري، والنزوع الى التأمل، والالحاح على اسرار الأشياء، إنما هي فيض العقل الواسع، والفكرالممتليء، والثقافة الغنية، وهذا هو السر في كون ارفع الأدباء مقاما هم أولئك المثقفون حقا، المستفيدون من خلاصات العلوم، والوان المعرفة المختلفة.
ونحن الآن نعيش في عصر من مميزاته هذه الفتوح العلمية البعيدة المدى، وما لها من أثر كبير في تطور الشعوب ومصائر البشر، الأمر الذي زعزع عرش الأدب الذي تربع عليه قرونا طويلة، فالعلم قد نازعه السلطان، واستطاع أن يظهر عليه،وقد شكك الكثيرين في قيمة الدراسات الأدبية، وأصبح ينظر إلى الأديب في كثير من ألأوساط على أنه إنسان خيالي حالم، لا يعلق عليه امل في رفع مستوى امته.
وهكذا يقف الادب في قفص الاتهام، فنجاحه أو فشله، منوط بمدى قدرته على الدفاع عن نفسه، في محكمة الضمير الانساني،واعتقد أن أحسن ما يدافع به الأدب عن كيانه، هو ابراز رسالته في الحياة والمجتمع، وقدرته على المساهمة الفعالية في تدعيم كيان الأمة، ورفع معنوية الشعب، ودفع الانسانية خطوات إلى الأمام، وهكذا نجد أن هذه الموجة العلمية المكتسحة، تفرض على الأديب أن يتفهم رسالته، ومغزىأعماله التي يقدمها للناس لا يستطيعون أن يفهموه جيدا الا إذا كان مفهوما عند نفسه أولا، بوجهته وخطته وهدفه.
واذا كان على الأديب أن يعرف لماذا يكتب باعتباره أديبا فقط، فان عليه ذلك أيضا باعتباره أديبا ينتمي إلى أمة وإلى محيط أدبي خاص، عليه أن يعرف مكانه بين نماذج البشر أولا، ثم مكانه بين أفراد مجتمعه ثانيا، أن يكون له وجود عام يشارك به أمثاله في أقطار أخرى من الأرض، ووجود خاص، داخل البيئة التي يعيش فيها، وأقول عليه أن يعرف، لقصدي أن هذه المعرفة لسر الكتابة، يجب أولا أن تصدر عنا نحن القراء لما يقدم لنا من فنون الكتابة، ذلك أن معرفة الأديب سر صناعته، وهي الضمان لنجاحه وبقائه في عالم اليوم، وهي الضمان أيضا لتجاوبنا معه، وفهمنا عنه.
على الأديب أن يعرف على وجه التحديد: ماذا استطاع أن يقدم للإنسانية جمعاء، باعتباره اديبا أن يقدم لهذه الأمة التي هو عضو فيها، وأشد أعضائهاحساسية بمشاكلها وأزماتها نواحي ضعفها وقوتها، وعوامل نجاحها، وعومل فشلها، فتساؤل الأديب عن سر كتابته، والباعث عليها، والغرض منها، يجب أن ينصرف إلى هاتين الناحيتين: الانسانية والقومية.
وشيء اخر، وهو أن الأوساط الأدبية كلها تتساءل اليوم عن مدى  حرية الأديب،ـ وعن نوع العلاقة التي يجب أن تكون بينه وبين مجتمعه، وهنا تتقدم فكرة الإلتزام في الأدب لتحتل مكان الصداة، وهذا من شأنه أن يحمل الأديب على أن يحدد موقفه من هذه القضية، فإذا لم يفعل، فإن قراءه يظلون منتظرين منه الكلمة الا إذا وجد الجواب الدقيق عن هذا السؤال:لماذا كتب وما من قضية أدبية كبرى معاصرة الا ويتحتم على الأديب أن يدلي فيها برأي، حتى يكون ممثلا لعصره، متجاوبا مع ما يعج به من مشاكل وقضايا ادبية بارزة، وإلا كان غير متصل بقراءه في المواضيع التي تهتم وتشغل بالهم، ويلتمسون الاهتداء فيها إلى الرأي السديد، والفكرة الموفقة، ومن لهم بذلك اذا خذلهم اديبهم الذي يجب عليه نحر قرائه، ما يجب على الأستاذ من توجيه وهداية نحو تلاميذه.
وإذا عرف الأديب لماذا يكتب، عرف الميدان الذي خلق له، واتضحت امامه مجالات مواهبه، فلا يبقى حاطب ليل، ومترددا بين ألوان  من الكتابة، وصنوف من القول، لا يجمعها هدف واحد، ولا تنتظمها خطة موحدة، بحيث لا  يعرف بدقة هل ميدانه الحيوي هو القصة، أو المسرحية، او المقالة أو القصيدة، أوغير ذلك، وبالعكس من هذا إذا عرف غايته، وعرف ميدانه، اذ ينصرف الى لون من ألوان الأدب، يراه كفيلا بتحقيق أهدافه، فيوفر له كل عناصر الجودة والاتقان، ويصل  به إلى ذلك المستوى الرفيع الذي ما كان ليصل اليه لو أن الأديب وزع نفسه بين فنون أدبية  كثيرة، اختلفت وسائلها  وطرق معالجتها، نعم قد نجد للأديب مشاركة في فنون أدبية مختلفة، لأن الأديب قد يكون متعدد المواهب، ولكن لا بد أن يكون عنده لون غالب اذا هو كان أديبا متمكنا من فنه، واثقا بنفسه، واعيا لرسالته.
قديما لم يكن الأديب بحاجة الى أن يلقي على نفسه هذا السؤال: لماذا اكتب؟ بقدر ما هو بحاجة الى ذلك في هذا العصر، ذلك لأن الأدب لم يكن يفهم كرسالة، وانما كان ينظر اليه غالبا على أنه ترف فكري وعاطفي، وزينة تتجمل بها الحياة، واناقة تزدان بها المحافل، وحلية يتبرج بها المجتمع، وهذا هو السر  في كون المدارس الأدبية القديمة كانت تعنى في الغالب بالناحية الشكلية للأدب من عبارة وأسلوب، أكثر من اعتنائها بالفكرة والمضمون، فكان الأديب قرين  الرسام والموسيقار، واذا به أصبح اليوم قرين المفكر والفيلسوف، حتى ليتساءل عن الفلسفة التي يستطيع أديب اليوم أن يقدمها للناس من خلال أعماله، ونرى أن هذه الأعمال انما تسمو وتحترم بحسب الفلسفة التي تتكشف عنها.
ولعل السر في هذا التغير في قيم الأدب وقيمة الأديب، راجع الى تطور الثقافة، وتقدم العقل، وفتوحات العلم، وارتقاء الشعب الى وجدان الاديب فالثقافة أصبحت ممعنة في الواقعية، والعقل اصبح مسيطرا على كل نواحي النشاط الإنساني، ونتائج العلم أحدثت أثرا عميقا في تفكير الإنسان المعاصر، فأصبح يخضع كلشيء لمقاييس عملية دقيقة، والشعوب أصبحت اليوم تحتل مكان الصدارة سواء في السياسة أو الأدب، وهذا الوضع فرض على الأديب أن يعرف بدقة ماذا عساه يستطيع أن يقدم للناس، وما الغاية من هذا الذي يقدمه، وماهي وسيلته الناجعة، ومما يؤسف له أن أدباء العرب في هذا العصر، لا يستجيب اكثرهم لمتطلبات العصر ومقتضياته، ومنهم من لا يزال يفهم الادب كما كان يفهم في العصور الوسطى، في حين أن كل شيء تغير من حوله، فنحن اذ نلتمس ادب الفكرة في ألادب العربي الحديث، لا نكاد نجده إلا  عند القلة القليلة من أدباء العرب المعاصرين، اما الأكثرية فلا زالت تجعل من التلاعب باللفاظ، والاصباغ اللفظية، والبهلوانية الأسلوبية، سبيلها الى الشهرة ونباهة الذكر، وليس هذا التخلف في النظرة الى الأدب الا لونا من ألوان التخلف العديدة، التي يعانيها العرب في نواحي أخرىمن حياتهم.
وانه لمن الطبيبعي أن يسبق ادب الالفاظ ادب الفكر الى الوجود، ذلك لأن الجمال الحسي للأدب هو أظهر جوانبه وأقواها سطوعا واشراقا وتنبيها للحواس، ولهذا كان طلبة كل متأدب، وكل شعب ضيق افاق التفكير، فهو الناحية السهلة للأدب، سواء  بالنسبة للمنتج أو المستهلك، لا يستلزم أكثر من بعض المهارة في استخدام اللغة، واستخراج صور الجمال من اساليبها، وتركيبها على هذا النحو أو ذاك، لتؤدي نغما خاصا، أما أدب الفكرة، فيأتي  بعد هذه المرحلة، لأنه رشد أدبي ان صح التعبير، يمثل طور النضج والقوة، وعدم الانخداع بزخرف اللفظ، والارتفاع عن التلاعب بالألفاظ، الذي هو مظهر من مظاهر الأشياء، دون الوصول الى حقائقها وأغوارها.
وتساؤلنا: لماذا نكتب؟ له مغزى آخر، وهو وعينا لحاضرنا الأدبي، ومراقبتنا لصيرورته وتحوله،وجعلنامدركين لصنعه ونملك فيه أن نغير ونبدل، عن وعي منا  وإدراك لمشاكلنا، والعقابات التي تواجهنا والقيود التي تثقل أقدامنا، وباختصار فإننا نسيطر على أنفسنا حينما ننتج، ولا  تكون مجرد شيء مسخر، توجهه الظروف، وتقوده الأيام وتلعب به المصادفات، دون أن يكون له قوة على خلق الفرص، وتوجيه الأحداث، وصنع التاريخ.
وان أخص ما يميز أديب هذا العصر -في أغلب البيئات  الأدبية- عن أديب العصور الوسطى والقديمة انه أعمق وعيا لكل ما صدر عنه، لا ينتج وكأنما هو منقاد لقوة خفية لا يعرف لها مصدرا، أو مدفوع بروح غريبة لا يدري لها مأتى، ولكنه مدرك لنفسه، وامكانياته، ومواهبه، ومجاله، وغاياته ووسائله، الا  أن الأديب هنا    اديبان:أحدهما عرف نفسه، فاختط لها طريقا، ورسم لها هدفا، وحملها على ما ارادها عليه،واديب آخر عرف نفسه، ولكنه اثرها بالعافية، وجنبها طريق الوعر، والغاية البعيدة، والمرتقى الصعب، فكانت النتيجة ان استطاع الأول اثبات الذات، والمساهمة في تغيير الواقع، وتوجيه التاريخ في حين أن الثاني استسلم اللمصادفات تفعل به ما تشاء، فكان نقطة من نقط الضعف في التاريخ الادبي لامته، ونحن هنا لسنا  بحاجة الى ضرب امثلة، فالقارئ الكريم يمكنه أن يجدها كثيرة بين أدباء الشرق والغرب.
والادباء الواعون لانفسهم ورسالتهم وعيا ايجابيا هم الذين يمدون أدب امتهم بدم جديد، وينفخون في حياتها روحا جديدة، ويقفزون بها ادبيا خطوات، إلى الامام، ويظهرونها كأمة ذات رسالة أدبية في طور من أطوار تاريخها الادبي.
وليس المراد بالوعي هنا مجرد ذك الوعي الموقت المحدود، الذي يبدو من أديب تجاه قصة أو مقالة أو مسرحية، يضع لها نظاما، فهذا الضرب من الوعي الفني- وإن كنا لا ننتقصه ولا ننسى مزاياه- ليس وحده الكفيل بتحقيق النتائج التي نتوخاها في هذا الصدد المراد بالوعي هنا ذك الوعي الشامل، المستمر، العميق، الذي يسيطر على حياتنا الادبية كلها، ويلقي نورا على  جوانبها، وعلى أسلوبها وخط سيرها، فتبرز لديه  نقط الضعف، ونواحي القوة، ووجوه النقص، ووجوه الكمال، وعوامل التقدم، وعوامل التخلف،يقف عند الاجزاء ليفحصها ولكن لاليقف عندها، بل ليتجاوزها الى الكل، والى خط السير العام الذي تكون فيه الاجزاء كالانغام التي تنسجم لتؤدي بمجموعها لحنا كبيرا، وانسجامها هذا لاينافي أن بينها تفاوتا من نوع ما، فنحن عندما نتساءل: لماذا نكتب؟ لايكون تساؤلنا بعد فراغنا منه، ولكنه تساؤل عن رسالة شاملة، ومبدأ عام، وهدف بعيد.
تلك كانت بعض الخواطر التي أثارها عندي هذا السؤال: لمذا نكتب؟ واعد القاريء الكريم بالعودة الى هذا الموضوع، لاجيب عن هذا السؤال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here