islamaumaroc

تجربة أدبية جديدة على ناصية الطريق

  دعوة الحق

العددان 50 و51

من بين مدارس الادب الحديثة واتجاهاته السائدة تطالع الباحث مدرسة اواتجاه نفسي في الادب، تبرعمت اكمامه في بلاد سكشبير وحملت الكلمة سحره الحلال وعطره المضواع الى غير بلاد سكشبير من تلك البلاد التى تقع في غرب اوربا وغيرها.
هذا الاتجاه النفسي في الادب لايريد من عباد الحرف أو الهته –كما تشاء- ان يخلقوا الموضوعات بالقوة والاجبار، ولكنه فقط يريد منهم ان يسجلوا خواطرهم كما تقع في شعورهم دون أن يتخيروا منها شيئا آخر، ذلك لان زعماء هذا الاتجاه لايفرقون بين شيء اسمه =خاطرة خاصة) وبين شئ اسمه (خاطرة تافهة )، انهم يعتبرون خواطر الانسان كلا لايتجزأ، فهي الخامة الخالدة لكل الفنون التي عرفها الانسان والتي سيعرفها فيما بعد، وهذه الخواطر كالماء لالون لها، ولكن لها رائحة ولها طعام، بعبارة أخرى:
الخواطر ليست قسمين: تافهة وهامة –وهذا لونها المزعوم –فتهمل الاولى وتؤخذ الثانية، ولكنها ذات طعوم وروائح، ولما كانت النفس الانسانية تشبه الى حد  ما سمفونية تحتوي على الحان مختلفة، فيها ما هو تافه (بطبعه) وفيها ما هو هام (باصله) ولن تكون السمفونية سوفونية الا اذا احتوت على كل تلك الالحان فان الادب، أي ادب، يعني بتصوير النفس الانسانية لن يكون ادبا بالمعنى الدقيق والدقيق جدا لهذه الكلمة الا اذا جسد لنا هتافات تلك النفس التافهة والهامة ونداءات اعماقها التافهة والهامة ايضا، باختصار: البناء الادبي النفسي (الخالد) و (الرائع) الذي نستطيع بقراءته ان نلمس الواقع بخيره وشره، بجماله وقيمه، هو الذي يعجن –دعنا من لغة الخبازين _يشيد من خواطر ذات طعوم مختلفة وروائح متباينة..
ودعوة هذا الاتجاه النفسي في الادب الى تسجيل كل الخواطر التافهة والهامة التي تسيل في شعاب النفوس ليست دعوة (فارغة) وليست دعوة عابثة، وليست –ثالثا –دعوة كل همها ان تخالف ما اصطلح عليه الناس لتعرف بمدرستها وزعمائها عملا بمبدأ (خالف تعرف)، ولكنها دعوة (جميلة) اقصد انها تنطوي على الحقيقة، وهي اجمل شيء في هذا الوجود سواء كان طمعها حلوا او مرا ووجهها مشرقا أو قاتما ..
فماهي هذه الحقيقة....؟
انها تكمن في الاشياء الصغيرة، التي لها دلالة كبيرة، وترقد في الامور الدقيقة، التي لها معنى رفيع.
ان الخير والجمال والفضيلة والنور و(سببا) من اسباب اسعاد البشر ونشر السلم في "كرتهم"..
كل ذلك قد نقول عنها نحن "تافهة" وقد يتركها الاديب ولا يسجلها، لانها تافهة..
وثمة شيء آخر.. ان
ان الخواطر تنساب في نفس المرء مفككة، لارابط يجمع بينها في "وحدة موضوعية "غالبا فهل  على الاديب ان يسجلها كما انسابت: في نفسه....؟
اصحابنا زعماء هذا الاتجاه النفسي وانصاره لا ييحفلون بالوشي اللفظي والوضع الغوي ولا يعيرون كبير اهتمام لترصيع الكلمات وتنعيم الالفاظ فيما تنفثه أقلامهم منى جائشات انفسهم وخواطرها...
أقول: لايحلفون بكل ذلك بقدر ما يحلفون بتسجيل خواطرهم كماى تنساب في مفازات شعورهم بدونى ترتيب مقصود ولاتنظيم مصطنع...
وأنا أزعم لك أن هذا لا يمت من قريب ولا من بعيد الى فتوغرافية الأدب الأمريكي كما أنه ليس  "فوضى" ادبية وليس  "سريالية نفسية" ولكنه شيء آخر، شئ جميل وجميل جدا، لأنه يتيح لنا فرصة نرى خلالها نفسية الانسان الاديب على حقيقتها في فترة من الزمن قد تطول وقد تقصر، بل ان ذلك يمكننا من قراءة أثر ادبي يصور واقع نفس الأديب في كينونته لا في صيرورته تصويرا دقيقا، صادقا، وبذلك ..بذلك فقط يكون ادبا انسانيا، عميقا، بعيدا عن السطحية والضحالة، بعيدا عن الغش والكذب والنفاق النفسي... ولن اتعرض هنا بالكلام الى شرح "الغش" و "الكذب" و "النفاق النفسي" فان ذلك لا محالة سيفضي بنا الى موضوع: "الالتزامية في الأدب أو اللا التزامية في الأدب".
ولهذا الاتجاه النفسي في الأدب زعماء ومعضدون اذكر لك منهم على سبيل المثال لا الحصر الشاعر الانجليزي "ت.س.اليوت" وله لفتات بارعة عن هذا الاتجاه وطريقته في التعبير، استمع اليه يقول:
لتكن (كتابة الاديب) كالسحابة تزجيها الرياح  الشمالية الشرقية منسابة في غير شكل...
حياة الانسان مجموعة من حوادث عابرة
لقد ملئت ايامنا بالتوافه الضئيلة ...
يشغلنا هذا، وذلك، ثم ذاك وما يتلوه
يشغلنا ما قاله فلان هنا، وما قاله فلان هناك، وما دار في ظن العم المكتهل.
نسأل: هل أمطرت السماء أو لم تمطر؟ ومتى امطرت؟ وهل عجنت الفطيرة ببيضتين أو ثلاث؟
ولهذا الاتجاه من الجنس اللطيف مناصرات ومعضدات، منهن الكاتبة الانجليزية "فرجينيا وولف" التي تقول:
"علينا ان نسجل الخواطر كما تقع في الذهن وبالترتيب الذي تقع به مهما يكن من التفكك في ظاهرها .. ان الحياة التي محياها لا تتمثل في الذي يسمونه فكرة أو خاطرة عظيمة بأكثر مما تتمثل فيما يزعمونه تافها حقيرا..."
ومهما يكن من أمر فان الكلام عن هذا الاتجاه التفسي يطول ويتشقق، وقد سبق لي أن حدثتك عنه بشيء من التفصيل في مقالتي "اتجاه" و "تجربة" المنشورة في صفحة الأدب والثقافة بجريدة "العلم" منذ شهور .. اما الآن فليس لك الا أن تقرأ هذه المقالة التي هي في الحقيقة "ربورتاج" لمجرى خواطر انسابت في منطقة شعوري خلال برهة زمنية كنت واقفا  خلالها على ناصية طريق..

على ناصية طريق....
الساعة الخامسة مساء...
الكآبة في المساء تؤذن بنزول مطر غزير .. بعد نصف ساعة ستكون هنا بقامتها الهيفاء، بالجمال الذي يرتعش رائعا في أعماق عينيها، "بالفينوسية"  التي تترقرق على تقاسيم وجهها المشرق، على هذه الناصية تعودت ان اقف دوما انتظر قدومها في لهفة مفعمة بالشوق، لست ادري لماذا تصبح اللحظات –عندما أكون أترقبها- ساعات عريضة.. تقيلة، وأيضا  لست أدري لماذا تصبح الساعات-عندما نكون معا- لحظات قصيرة كعمر نور النيزك.. العواطف، الامال، اللهفة، الشوق، قد .. قد يكون لهذا دخل في الموضوع...
لادخن سيجارة. سيخيل الي وانا أنفث دخانها الأسود انني ابدد.. الزمن من حولي.. ابدا "نصف ساعة" الباقية، نبضات قلبي عنيفة، ومتلاحقة.. عند ما نجلس جنبا الى جنب سأطلب منها أن تضع رأسها الصغير على صدري لتستمع الى النبضات العنيفة، المتلاحقة، كلما وقفت هنا الا ورأيت هذا الرجل يطل من نافذة غرفته، انه عديم الذوق والا لما "امطر"  الرصيف ببصقاته المتوالية.. انني لا أعجب  كيف وصل هذا "الشر" الى السكنى في مثل هذه العمارة، "م" كلما حدثته عن الزواج الا  ولاحظت انه يحاول ان يغير مجرى الحديث، انه ينفر من الزواج  ويكره الحديث عنه.. يبدو لي أن في قلبه يرقد طيف انسانة لا يستطيع أن يصل اليها...
الفتاة التي "تتبختر" على الرصيف الآخر حيتني منذ ايام وأنا واقف في مكتبة "ن"..انها ساحقة الجمال، الحق، لقد خفق لتحيتها قلبي، "الابيقورية" لذة لا تنتهي ومتعة لا توصف .. شيء جميل أن يحيا الانسان ابيقوريا، ولكن لن يتسنى له أن يحيا في ارحب وارفع مستويات "الابيقورية" الا إذا كان ذا مال كثير وكثير جدا، شك ما لا يمكن أن يوجد عندي في أن "س" كان يعبد "أ" عبادة، ولكنه لم يتزوج بها، تسمرت في مكاني وأنا اراهما مساء  امس يلتقيان تحت جنح الظلام.. كل منهما قد تزوج فما عاد ينفع غير الظلام لخنق الفضيلة...
كم يروقني أن أتحدث عن الحب، وافيض في الحديث ولم لا؟ أليس هو سر الكون وجوهر الوجود؟ بغير خلجة شك لو نبض الحب في عين الانسان، أي إنسان، وأوراق  في مقلتيه أخضر، جميلاكحلم الربيع لسعد سعادة، تصويرها عسير جدا، عند ما قلت لها ذات مساء:
- لو أن الناس، كل الناس، هللوا للحب وكبروا له لقادهم ضياؤه حتما الى مشارف الحقيقة.. اتفهمين؟
- اجابتني في صوت "مزماري" مدغدغ:
- لا .. لم أفهم، انا امة في الفلسفة...
.. واطلقت ضحكتها  البيضاء التي تكشف عن روعة قلبها الاخضر، الصغير.. كل مباهج الحياة ورونقها وبهائها وفتنتها احسها  تعربد من حولي وانا أنظر الى ثغرها وهو ينغم:
- أجبك ... أحبك...
- سبحان الله.. هذا الرجل يشبه تماما صديقي الاسباني (ك- ل).. يا ما أروع الامسية التي قضيناها معا في مقهى "الربيع" ببرشلونة.. كم هو معجب بالشاعر (كرسيا لوركا) وكم تنتفخ أوداجه وهو يتحدث لي عن (سرفانطيس) ويجلل اسمه بهذه العبارة: أمير الادب الاسباني.
بعضهم يقول له: "الطأطا" وبعضهم يقول له "فيدل كاسترو" كجلمود صخر ينقض على هذا الإنسان كلما جلت في تلك المقهى، يظل لحظات يثرثر و "يخطب" ولا ينصرف حتى "يسلبني" سيجارتين أو ثلاث...
صديقي (...) فنان .. لتعرف ذلك حسبك نظرة قصيرة العمر الى عينيه المتحركتين دوما، الباحثتين أبدا عن شيء، مجرد شيء ليخلق منه لوحة زاخرة بالحياة، نابضة بالصدق، اذا استفسرته:
- إلى أي مدرسة يمكن أن تنسب هذه اللوحة ...؟ ضاق بسؤالك ذرعا و "تفضل" عليك بنظرة:
- قسما بروعة (بيكاسو وفوضي سلفادوردالي) ما عرفت معناها يوما، ثم يشفعها بكلمات يلقيها على مسمعك القاء:
- الفن، فن، يعني انطلاق، حرية ... لا ... لا أعترف بالمدارس في الفن...
غير ما مرة قلت:
 سمه "مرسما"...
ولكنه كان يجيبني دائما وفي عينيه اصرار:
- لا .. لا ... استوديو..
جنازة تمر ... كم احزنني خبر موت..
الدحمان .. كانت طفلا هادئا وادعا.. كان صديق الجميع.. ما زلت اذكر، لقد همست في أذن صديق لي ونحن نسير مع الجنازة:
- هذا الحشد الحاشد من الموتى لم لا يعود لي دنيانا واحد.. واحد منهم فقط وعلى محياه وعناء السفر ليحدثنا عما رأى وعما أبصر...
- ابتسم الصديق، ولم  يعقب على كلامي...
"أن من يزرع الريح يحصد العاصفة"...
كلمة رائعة، لم أعد أذكر في أي كتاب قرأتها...
في فترة مبكرة جدا من مطالعاتي عرفت أن لكل فنان ملهمة، ومنذ أن عرفت (ن) وسؤال يلح على خاطري: هل تكون (ن) ملهمتي...؟
ولكن سؤالاآخر يتراقص على شاشة ذهني: هل أنا فنان..؟ لست أدري...
قليل.. قليل جدا من أدبائنا من يرفع راية ديكارت في نقده.. ليس هناك شك في أنه لا يوجد الا القليل والقليل جدا من الأدباء الذين يحكمون على الاثرالادبي أوله في تعقل وبنوع من الاحتشام الفكري والذوق السليم، صديقي الشاعر د.ر. عندما سردت علي قصتي "الجوع لابشع" هز كتفيه، وعلق ببساطة: انها باردة...
نحن نحيا في باستيل ثقافي.. نجتر كلام الآخرين، ونلبس افكار الناس ثيابا مهلهلة تبعث على الضحك وتثير السخرية... جنس يحدثني عن الالم الاسود الذي يقض مضجعه ويجعله يسلخ ليالي كلها كليلة امرىء القيس التي زعم انها كانت كموج البحر
- فراغ... فراغ مخيف، مرهق.. ان في نفسي فراغا تستطيع ان تدحرج فيه كرة..
قلت لصديق كان يجلس بجانبي: انها فلسفة..
ابتسم... وعلق: ولكنها للاسف ليست مغربية.. انها روسية...
ابتسمت.. وفهمت.. كالببغاء.. تماما كالببغاء اصبح المثقفون في بلادي يتحدثون..ويكتبون
بعد عشر دقائق ستكون هنا.. لكم أود أن اضمها الى صدري ونظراتي تحبو في بطء على صدرها المرمري...
امس عندما اسلمت وجهي للحلاقة يعمل فيه الموسي ويمر به على حنجرتي شعرت بقلبي يرتعش بين حناياه... ترىماالسبب....؟
المرة الثانية ارى هذا الشيخ الطاعن يمر من هنا،"ينقل" قدميه من الارض في بطء واناة شديدين... لها الثمانون تثقل كاهله و"تجرجر"خطواته، كلما اطلت النظر اليه وهو يقف معتمدا على عكازته، يسترد الا وتواردت على ذهني خواطر شتى
.. ما الحياة.. ؟انها تفاهة وتمثيل دور هزيل، مضحك في المسرحية الطولة التي كتبها القلم الازلي.. السلحفاة تحيا عمرا اطول من عمر الانسان، انه لايكاد يعتقد أنه سيؤكد وجوده حتى يتتهي.. يموت ..مرات عديدة احس بالحزن دونما سبب يتدفق من اعماقي فيريني كل شيء من حولي أسود، قاتما ..
لكم اتمنى لوكان مثل السي (ح. ص. )... انه يضحك دائما... ولكن .. لا.. .. الضحكة ككل شيء في الحياة تفقد اشراقتها وعمق سحرها وروعة "فلسفتها" من كثرة الاستعمال.. عندما قالت لي امس: اجمل ما فيك ياعزيزي شرود عينيك، تذكرت كلمة مثيلة قالتها لي "انسانة" ونحن نسير على "كوبري الجامعة" بالقاهرة...
الساعة الخامسة والنصف مساء.. المطر يتساقط رذاذا.. لم تأت بعد.. ترىلما تأخرت
...لقد اخذني ثمل عميق وانا اسمعها تسرد علي بعض انتاجي المنشور في صحف كانت تصدر هنا منذ سنوات.. لاشك انها لم تستطع أن تتخلص من صديقتها (ك) هذا "الشر" مازال يمطر الرصيف ببصقاته.
ما اروع ان ينتصر الحب على الموت.. بالحرف الواحد تلك هي الجملة التي لفظتها وانا انفض يدي من قراءة "فاوست" لجوته...
                      آ... آه.. لقد اقبلت...
                     ما أروعها... ماأجملها...
    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here