islamaumaroc

الإسلام من جديد

  دعوة الحق

العددان 50 و51

أحيانا يسيطر على الإنسان بعض الأفكار، لغرابتها ونكران معظم الناس إياها قد تبدو له هو نفسه بأنها شاذة، خيالية إن أمكن لها أن تراود عقله فلا يتسنى لها أن تجد مكانها من الواقع الذي يلفظها عنه لفظا لأن التيار - كما يقولون - ليس في صالحها.
ولكن ليس كل ما هو خيالي محكوما عليه بأن يظل كذلك، بل إن كثيرا من خيالات الإنسان قد تحولت الى وقائع وحقائق ملموسة، فصفة "الخيالية" إذن لا تعني في كل حالاتها الاستحالة، فقد يكون مسوغ تلك الصفة ضعفا في التفكير، وقصورا في النضج، ومسخا في الضمير.. لقد كان أجدادنا يعيشون في الخيال عند ما اعتقدوا أن فلانا يطير وأن هناك أناسا يقطعون مسافات شاسعة بخطوات أو خطوتين، وأن فلانا يتكلم في المشرق فيسمعه الآخر بالمغرب، وكان من قبيل الخيال الحديث عن استيلاء العرب على الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، قبل الإسلام .. ولكن لو بعث القدماء أحياء لرأوا واقعا قد يكون أروع من تلك الخيالات وأسمى..
وما لي لا أقول إن كثيرا من تلك الخيالات - إن لم أقل كلها - إنما هي وليدة حقائق سابقة اندثرت وتركت في أعماق الإنسان وعقله الباطن آثارها، فأصبح هذا الإنسان يصبو إليها دائما، ويتصورها في فترات من حياته ويسعى لتحقيقها، وسرعان ما تحقق له بعض تلك الخيالات فيظن أنه حقق ما لم يكن موجودا قبل الخيال، وهكذا يعيش الإنسان بين الحقائق وخيالاتها والسعي إلى تحقيق تلك الحقائق عن طريق تلك الخيالات .. وقد قيل: لولا الخيال لما كان العلم.
ولكن الخيال الذي يمكن له أن يتحقق هو ذاك الذي يستمد قوته وخلوده وفعاليته من الأمل، فالأمل في تحقيق الأفكار المطاردة من دنيا الناس هو الضمانة الكبرى لذلك التحقيق، ولا ينبت الأمل إلا في تربية من الإيمان خصبة، وكلما امتد الإيمان واخترق الحجب نحو نور السموات والأرض أصبح أقوى صلابة، وأقدر على مواجهة الشدائد والخروج منها منتصرا .. لأنه يستمد من الخلود خلوده، ومن الحق أسراره، ومن كلمة الله سموها وعلوها.
وقد كان بدء الإسلام غريبا لأنه حقق أملا كان غريبا في دنيا الجاهلية من جهة، وفي دنيا الحضارة المتعفنة من جهة أخرى.. وسيعود ليحقق ذلك الأمل الغريب في دنيا تعفنت حضارتها وأسنت حياتها.
وهذه هي الفكرة التي تسيطر علي وعلى "ثلة" مبثوثة هنا وهناك وإن كان الإيمان بها قويا في أعماق الشعوب الإسلامية التي لم تعد "النخبة " تأبه لإيمانها، ومما يتيح لها السيطرة أكثر ما نراه الآن من فشل في التجربة الحضارية الجديدة..
فالعالم أصبح يعيش في خطر جسيم، وإن فرص الخطر لتتزايد كل يوم، وإن فلسفة الحياة المسيطرة على القوى العظيمة الحاكمة لترشح منها عصارة الموت والفناء، إنها لتدفع الكون كله الى الدمار والخراب، إنها تطلب مزيدا من القوة، من التقدم، من الازدهار، من الرفاهية، من التصنيع، من العلم والتقنية، ولكن من أجل ماذا؟ هل من أجل السلام؟ هل من أجل كرامة الإنسان؟ لا أبدا، بل إن كل ذلك ليتضافر من أجل نتيجة واحدة هي فناء العالم ..
إن المعسكر الشرقي قد فلسف الحياة فلسفة خاصة وأراد تحقيق آمال الإنسانية عن طريق القضاء على الطبقات والطبقية وتوزيع الثروة توزيعا - كما يقول - عادلا على أتباع الدين الجديد وجعل الدولة وكيلة عن المؤمنين، ولكن لا تتوصل إلى ذلك إلا بإقرار ديكتاتورية تسلب المؤمن كرامته الإنسانية وحقه في الحياة حرا يقول ما يشاء ويقرأ ما يحب ويفكر كيف يريد ويستمع لمن يهوى ... أرادت الفلسفة الشيوعية أن تسعد الإنسان عن طريق ملء بطنه وتجريده من الحرية، فاشترت منه تلك الحرية بأن له الخبز، أرادت أن تنقذه من ظلم القيصرية والإقطاعية والرأسمالية فأوقعته في قبضة الديكتاتورية والصرامة ومحاكم التفتيش من نوع جديد، كان قديما يستبد القوي بالضعيف، فاستبد الضعيف "بالقوي"، وهكذا ضاعت العدالة هنا كما ضاعت هناك، وأصبح حق الضعيف دائما مضيعا بانتقال صفة القوة من طبقة إلى أخرى، أرادت الشيوعية أن تشعر الإنسان بقيمته فساوته بالآلة، وأحاطته برعاية كالتي تستحقها الآلة، وبذلك استطاعت الشيوعية أن تخترع الصواريخ الموجهة وأن ترفع علمها على سطح القمر، ولكنها لم تستطع أن تدع الناس يتنفسون بغير رئتها، ويفكرون بغير فكرها، ويتكلمون بغير لسانها، وقد شاءت أن تصطنع السلام كما تشتهيه وتهواه، السلام تحت ظل الراية الحمراء الموشاة بالمطرقة والمنجل، ولكن هذا السلام بعيد عن تحقيق آمال الإنسانية مع العبودية والخنوع .
والراسمالية فلسفت الحياة فلسفة خاصة لتسعد "إنسانها" فأطلقت لهذا الإنسان حريته المحجورة، وحررت غرائزه المكبوتة، وألهبت مطامعه المجنونة، وجعلت الدولة حارسة لهذه الحريات حتى ولو تحولت الى انحراف في الغريزة وإلى شذوذ في الطبيعة وعدوان على حرية الضعفاء واستعمار بلاد الأبرياء، وامتصاص دماء الشعوب، وتسخير جماهيرها، ونهب خيراتها، وإذلال أعزائها وإعزاز أذلائها، ونتيجة هذه الفلسفة رأينا أسواقا من النخاسة جديدة تقام في العواصم الغربية لبيع الشعوب وشرائها والتآمر عليها فرأت الأجيال المستضعفة غطرسة، ووحشية، وأخلاق الغاب، وجبروتا وقساوة من أبناء العالم المتحضر وأممه التي كانت نهضتها ورفاهيتها وسعادتها على حساب انحطاط وبؤس وشقاء، وسفك وتعذيب، وخنق المستضعفين في الأرض.
واصطنعت الدول الرأسمالية "السلام"، ولكنها تعني "السلام" المغلق الذي خلق من أجل الرجل "المتحضر" ولرفاهيته، ولكن الشعوب الضعيفة مجت هذا السلام مجا كما مجت سلام الشيوعية.
وهل يمكن أن يحقق السلام من لا يؤمن به، ولا يتخذ له وسائله المشروعة؟
وكل يدعي وصلا بليلى     وليلى لا تقر لهم بذاكا
وإن وجدت الشعوب الضعيفة بعض الراحة في اختلاف الذئاب على الفرائس فإن هذه الفرصة قد لا تطول، فقد يتغيب هذا أو ذاك، أو قد يصل الطرفان لإقرار السلام على حساب المستضعفين أو قد يشركانهم في الخراب الشامل الذي سوف يعم الجميع.
ولهذا كان على هذه الشعوب أن تقضي على العوامل القاتلة والمعوقة لنموها وفاعليتها وتحررها الكامل حتى لا تضيع الفرصة من يدها.
ويجب أن تدرك هذه الشعوب أنها لا تعاني مشكلة ضعف في مواردها، أونقص في مواهبها أو ضآلة في إعدادها أو فقر في استعدادها بل المشكلة التي تعيق انطلاقها هي ضعف في روحها وعقيدتها، وتضعضع في إيمانها، وتبرز هذه الظاهرة المرضية في العالم الإسلامي الذي كان من الممكن أن يسهم في إنقاذ المستضعفين من الشعوب الأخرى لو أنه اختصر على نفسه الطريق وسلك سبيل التحرر من ربقة التبعية الثقافية والعقائدية، واستقل بفكره عن كل التيارات، وآمن بالفكرة التي تنسجم معه وتوقظ فيه كوامن العزة والقوة والخير.
لكن الذي يؤلم هو أن معظم القيادات الثقافية لا تعير للإسلام أي اهتمام، وتؤثر - لعوامل ذاتية- أن تسير في ظلال هذا التيار أو ذاك، وأن ذلك ليس في الواقع إلا تأريث أسباب الأزمات في الداخل والخارج وإسهاما في تعقيد الحياة الوطنية والعالمية، ولو أن هذه الطاقات التي تبدد في الدعوة إلى الغرب أو " الشرق" وجهت إلى الدعوة إلى الإسلام لاستطعنا أن نخلق -حقا- خير أمة أخرجت للناس، ولاستطنا أن ندخل الصراع العالمي مبشرين، ورسل حب وسلام ودعاة خير وجمال.
لقد استطاع العالم الإسلامي أن يتحرر من الاستعمار في معانيه الظاهرة، ولكنه ما يزال في الواقع مستعبد الروح، مقيد الفكر، مشلول الإرادة، مريض الكيان، مرتعش الحركة..
وإني لأعجب العجب كله عندما أجد "نخبة" حباها الله فكرا ونشاطا ونبوغا ومع ذلك ما تزال تجهل كل الجهل تراثها، وتتنكر لمبادئ أكثر تقدمية وثورية مما يبتغون، فإن حاول الإنسان أن يبين لها أخطاءها عن الإسلام، ويكشف لها عن عدالته وإنسانيته وعظمته وصموه أخذها العجب وظنت أن في القول اختلافا وأن في الأمر مبالغة أو تلفيقا، وبذلك تصر "النخبة" على جهالتها إصرارا، وهكذا يضيع من قيادة "عالم إسلامي سليم" عناصر مهمة آثرت الانضمام إلى معسكرات الشرق أو الغرب. وكان من الواجب على القيادات المختلفة للعالم الإسلامي أن تقدم فرصة للعالم لكي يستنشق رائحة السلام في الفكرة الإسلامية التي أقامت الدليل عبر التاريخ على قدرتها على حل المشاكل الإنسانية في ظل من السلام والحب والواقعية الكريمة.
أما الانضمام إلى فلسفة القوة وإلى التقليد للحضارة الأوربية واعتناق أفكار لا تستهدف أي خير للإنسان فهو نوع من الضعف النفسي والخور الإرادي، مما يبعث على الحسرة والرثاء.
ومن الحمق أن تقرر الشعوب الإسلامية انضمامها لهذه الإنسان "المتحضر" الذي فشل في تنقية ضميره وفي إيجاد إرادة سليمة تقود الإنسانية للخير والعدالة والأخوة الشاملة، وإنه ليجمل في كيانه وفي أعماقه أسباب فشله، إنه ما يزال تحت سيطرة فكرة القوة والسطو والغطرسة ولم تفلح الأفكار الجميلة التي أنتجها بعض المفكرين في تبديل ذلك الكيان الخبيث أو التخفيف من حدته الهوجاء.
ولهذا نرسلها نصيحة لقادة العالم الإسلامي في الثقافة والسياسة والحكم بأن يراجعوا التصميم الثقافي الذي فشل في حل مشاكل المسلمين وأن يضعوا تصميما ثقافيا مبنيا على الفكرة الإسلامية الخالصة ومزودا بوسائل التطبيق بكل إخلاص، إذ ذلك هو السبيل الوحيد للخروج بالمسلمين من حياة الفوضى والضعف الخلقي والفكري إلى حياة قوية سليمة تكفل لهم أن يحتلوا مركز القيادة في العالم، وأن يكونوا خير أمة أخرجت للناس.
ولنأخذ عبرة من غيرنا ومن تاريخ البشر الطويل ومن تاريخنا الحديث الذي دل على أن كل حركة لا تتسم بطابع الإسلام فاشلة، ولو أن هذا التاريخ كائن إنساني لأرسلها صحية في آذان القادة:
إلى الإسلام من جديد..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here