islamaumaroc

الضمان الاجتماعي في الإسلام

  دعوة الحق

العددان 50 و51

في شهر رمضان الكريم شهر الصيام، يمنحنا الاسلام فرصتنا السنوية لان نلتقي كاخوة، مكتملي الاخوة، الاخوة الدينية التي قررها القرآن الكريم:
انما " المؤمنون اخوة" وأكدها الرسول العظيم:
"المسلم أخو المسلم، لايظلمه ولا يحقره ولايخونه"
"المومنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد اذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى"،"من فرج على أخيه كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة"، " من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة"، "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه"، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه"، " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
هذذه هي الخطوط العامة العلاقات الاخوية التي فرض الاسلام قيامها في المجتمع الاسلامي، ودعمها بكل الوسائل، سواء الميدان النظري أو في الميدان العملي، ذلك لان الاخوة هي احساس نبيل وعميق باشتراك المسلم مع أخيه المسلم في السراء والضراء، وبارتباط
وبارتباط مسؤوليتهما في جلب الخير ودفع البلاء
"لايؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه"،بيد أن هذه الاخوة، أوهذا الاشتراك الاخوي لم يكن ليتحقق في مجتمع تسوده الامتيازات العنصرية والطبقية، أو يقوم نظامه على أسس تنافي العدالة الاجتماعية، لذلك فرض الاسلام مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات على جميع المسلمين، واعتبر العدالة الاجتماعية عنصرا أساسيا لقيام مجتمع اسلامي فاضل.
بيد أن تحقيق هذه العدالة كان من أكبر المشاكل التي واجهتها الإنسانية منذ وجدت على ظهر الأرض، إذ كان يتوقف على إيجاد حل لمشكلة المال، نقطة النزاع والتنافس الدائم بين الأفراد والجماعات والشعوب.
ولما كان الإسلام دينا عمليا، وأسلوبا للحياة فقد أقام مجتمعه ليس فقط على الإشراك الديني العاطفي، بل وأيضا على أساس الاشتراك المالي، حيث فرض قانونا للضمان الاجتماعي سماه الزكاة، وجعله ركنا من أركان الدين، لايتم الإسلام، ولا تتحقق الأخوة بدونه " فان تابوا وأقاموا وآتوا الزكاة فاخوانكم في الدين).
وهكذا فإننالا نكاد  نجد آية من آيات الأمر بالصلاة إلا وذكرت مقرونة بالزكاة (واقيموا الصلاة وءاتوا بالزكاة)، وهذا يعني ان الأمر بالزكاة لا يقل أهمية وخطورة عن الأمر بالصلاة، ولذلك وقف ابو بكر الصديق رضي الله عنه مواقفه الشهيرة ضد الممتنعين عن أداء الزكاة وقال: والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة.
ذلك أن الإسلام لم يكن في الواقع دين عبادة وصلاة فقط، وانما هو دين عمل وحيلة ومال، وأحكامه لذلك تعتبر كلا لا يقبل التجزئة، ومنذ أن وقعت هذه التجزئة، وتخلت الدول الاسلامية عن استخلاص الزكوات من الاغنياء وردها الى الفقراء، منذ ذلك التاريخ بدأ الخلل الاجتماعي في كيان الشعوب الاسلامية يتسع جيلا بعد جيل ، ولم يشرع الاستعمار الغربي في شن هجماته على هذه الشعوب، حتى كان متأكدا من ضعف نظامها الاجتماعي والاقتصادي.
والواقع أن الإسلام سبق الحضارة المعاصرة ثلاثة عشر قرنا عندما فرض قانون الضمان الاجتماعي بالزكاة وغيرها من الأحكام، التي تعتبر المال مال الله، استخلف فيه الأمة لتقوم على إنفاقه بالقسط والعدل، قال تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم= (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) ونحن نعلم أن الاستخلاف غير التمليك والمستخلف لا يملك حرية التصرف المطلق، بل هو مقيد بالخضوع للاحكام المرسومة، ورعاية المصالح العامة، ولم يكن من باب الصدفة ما جاء في وصية الرسول "ص" لمعاذ حينما بعثه واليا على اليمن: "انك تاتي قوما من أهل الكتاب فادعوهم الى شهادة ان لا اله الا الله. فان هم أطاعوك لذلك، فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخد من اغنيائهم فترد الى فقرائهم
هذه الآيات والاحاديت تدل كلها على أن عملية الزكاة نقل بعض اموال الامة الى الامة نفسها، لهدف واحد هو توزيع هذه الاموال على الامة كلها توزيعا عادلا يمنع تكديسها في جانب، وحرمان الجانب الآخر، ويضمن للامة الحد الادنى للتوازن الاجتماعي الدي هو شرط أساسي لسلامتها وأمنها.
هذه هي الاشتراكية الاسلامية التي لاافراط فيها ولا تفريط، ولكن الدول الاسلامية باهمالها العمل بهذا الركن الاجتماعي الخطير، خصوصا في العصر الذي امتاز باعلان حقوق الانسان، انما فتحت فراغا في شعوبها تملأه الان مختلف المذاهب الغربية، وخاصة منها الشيوعية
ان البلاد الغربية التي بينت قوانين الضمان الاجتماعي، لم تعد تعتبر مساعدة الطبقات الفقيرة والعاجزة، وضمان عيشها ومستقبلها، عملا من أعمال الاحسان والصدقة وانما تعتبره مبدءا ديموقراطيا أساسيا للمحافظة على كيان الدولة ونظامها، وحماية ابنائها وطبقاتها الفقيرة من الوقوع تحت تأثير المذاهب الثورية المتطرفة، وهذا يعني ان سيا سة الحكم في القرن العشرين وفي عصر الذرة والاقمار الصناعية، هذه السياسة الايجابية الواقعية التي بلغت قمة التفكير الاجتماعي، انما انتهت في تخطيطها لنظام المجتمع الى النقطة التي ابتدأ منها الاسلام منذ أربعة عشر قرنا .
واذا كان الغرب قد وضع الانفاق على الطبقات الفقيرة في مستوى المبدأ اليمقراطي على الطبقات الفقيرة في مستوى المبدأ الديمقراطي السياسي، فان الاسلام يضعه في مستوى الايمان بالله، وهذا مصداق قوله تعالى :" وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الاخر وأنفقوا مما رزقهم الله " "انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا باموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ".
ويزيد القرآن في شرح الاهمية البالغة التي يعطيها الإنفاق على الطبقات المحتاجة، اذ يعتبر الامساك عن ذلك دليلا على التكذيب بالبعث والجزاء وعلى الرياء في آداء الصلاة، قال تعالى: "فلا اقتحم العقبة،وما أدراكما العقبة، فك رقبة أو اطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة، أومسكينا ذا متربة، ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، أولئك أصحاب الميمنة "وقال عز وجل:
أرايت الذي يكذب بالذي، فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون ويمنعون الماعون"
ثم يحدثنا القرآن عن جواب المجرمين الذين يسألون يوم القيامة:" ماسلككم في، سقر قالوا لم نك من المصلين، ولم نك "نطعم المسكين، "وينتقل القرآن من أسلوب الترهيب في هذه الآية الى أسلوب الترغيب في آيات أخرى فيقول: "من ذا الذي يقرض الله حسنا فيضاعفه له اضعافا كثيرة ""مثل الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله كمثل حبة، والله يضاعف أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم، الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لايتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا يحزنون.
وبالجملة فان القرآن لم يتحدث عن ركن من أركان الاسلام بما في ذلك الصلاة والحج، بأسلوب الترغيب والترهيب الذي خصه للزكاة وللانفاق في سبيل الله ثم لايتبعون ما انفقوا منا ولاأذى لهم أجرهم الاجتماعي عنصر أساسي في كيان المجتمع الاسلامي، وان مشاكل هذا االمجتمع لن تحل أبدا مادام هذا العنصر مفقودا، فمتى سنعيش مع الاسلام والاسلام ؟.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here