islamaumaroc

السوق الإفريقية المشتركة

  دعوة الحق

العددان 50 و51

وافقت اللجنة السياسية لكتلة الدارالبيضاء وهي التي تضم رؤساء الدول المتحررة في افريقيا خلال اجتماعها الاخير على انشاء سوق افريقية مشركة تضم بصفة اولية الدول الست الموقعة على الميثاق التحرري، وهي المغرب والجزائر والجمهورية العربية المتحدة ومالي وغينيا وغانا، وبمجرد أن يصار الى تصديق الوثائق من طرف المجالس التشريعية حسب المسطرة المتبعة في كل دولة من الدول الست، فان هذه السوق ستعتبر واقعا اقتصاديا في مستهل شهر اكتوبر المقبل،كما جميع الاوفاق التي سبق للجنة الاقتصادية ان اتفقت عليها في  اكرا والمغرب والقاهرة ستدخل في حيز التنفيذ اعتبارا من فاتح يناير 63.
وان دول الميثاق –بهذه الخطوات المادية الجبارة _لتقيم الدليل على انها لاتكتفي برفع شعارات التحرر، والتحدث باسم مقاومة الاستعمار ورواسبه، ومناهضة التبعيات على اختلاف اشكالها كما يدعي ذلك الكائدون لها والمتطلعون الى فشلها، ولكنها بالفعل مجموعة من الدول التي آمنت ايمانا حقيقيا بالتحرر وسعت بكل ماتملك من جهد وماتدخر من الامكانيات لتكريس ذلك التحرر في مجالاته الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية.
واذا كانت المؤتمرات في هذه الأيام تقدس ايجابيتها وصدق المشتركين فيها، بمقدار ما تحققه في الميدان الاقتصادي، فان اجتماع اللجنة السياسية الأخير وجميع المؤتمرات الفرعية المنبثقة عن الميثاق، تعتبر كلها مثالا فريدا من بين المؤتمرات الاقليمية التي تعقدها المجموعات القارية، كمجموعتي منروفيا، ودول امريكا اللاتينية، أو المجموعات ذات الروابط الخارجية ككتلة برازافيل، أو المجموعات القومية كالجامعة العربية، فدول الميثاق لم تكلف نفسها عناء تحضير الخطب وعقد الندوات، وإخراج الكتب ولكنها وهي تؤمن بأن التحرر يقتضي العمل والجد والتضحية لم تدخر شيئا في جعل الميثاق أكثر من جملة مكتوبة بالحبر.
وان قرار احداث سوق افريقية مشتركة بين دول فتية تطبق الاشتراكية في بلادها او هي سائرة في طريق الاشتراكية في بلادها أو هي سائرة في طريق الإشتراكية المنبثقة عن واقعها وعن احتياجها، ليعد في ذاته عملا هائلا  وخطيرا لا يمكن مقارنته الا بثورة ضخمة قامت بها عشرات ملايين  من البشر ضد السوق الرأسمالية التي تضم مصالح العالم المتصنع الذي يحرك 60% من الرساميل الموظفة في العالم بأسره، وتلك الثورة لا يقصد منها طلب العزلة ولكنها تستهدف تنصيب الذاتية الافريقية الاقتصادية وجعلها تتوفر على وسائل التصرف في مقدراتها، وعلى الطرق التي تفضي بها إلى تطور مجتمعاتها تطويرا تفرضه المصلحة الافريقية لا مصلحة من يبحثون عن الأسواق وعن الربح.
وان انشاء هذه السوق بين دول يزيد سكانها على 60 مليونا من البشر سيمكن ولا شك من اقامة قوة اقتصادية متكافلة تستطيع –بالنظر لتنوع منتوجاتها وتباين احتياجاتها الاستهلاكية وقوة مركزها الاقتصادي وشيوع الوعي بين شعوبها- ان تقف بعزيمة لا تغلب امام مختلف التكثلات الخارجية، وتستطيع متى ارادت أن تبني علاقات جماعية مع الدول الست المكونة للسوق الأوربية المشتركة، أو مع مجموعة فرسوفيا الاقتصادية او مع الاسواق الحرة لاخرى ولكن على أساس مصلحة القارة الفتية المتخلفة لا على أساس امتصاص خيراتها الأولية وغزوها بالمنتوجات المصنوعة أو المحولة، وقتل كل جهد لانشاء صناعات محلية أي على أساس احترام الكيان الاقتصادي والطموح الافريقي للنمو في اطار التحرر وعدم التبعية الاقتصادية.
وان موافقة رؤساء دول ميثاق الدار البيضاء الست على إنشاء سوق متحررة في افريقيا، تعتبر فوق ذلك عملا لا مندوحة عنه بالنسبة لدول أرادت أن تشق طريقها بحرية، وان تفهم كل من يعسر عليه فهم المرحلة التاريخية التحررية التي تجتازها القارة الفتية، بأن تلك الدول قد وضعت وسائلها وامكانياتها وضحت بكل منفعة فردية في خدمة المبدأ الذي امنت به وصدرت عنه عندما اجتمعت لأول مرة  في مدينة الدار لابيضاء، لقد عرفت تلك الدول أنها – في الوقت الذي تبرم فيه أوفاق هذه السوق الافريقية- لا تفعل اكثر من دفع تهديدات لم يكن هناك مفر منها، فالضغط الاقتصادي والتمييز التجاري ضد كل دولة لم تقبل الاندماج في التكتلات الاقتصادية  الاجنبية، والحصار الخانق المضروب على المنتوجات التي ترغب في البحث عن سوق غير مشروطة  بتدابير الدخول اليها والتعامل معها، كل هذه الأشياء كانت تقف في وجه كل دولة من دول الدار البيضاء على حدة، وكل واحد من تلك العوائق كان يمنع التنفس عن اقتصاد أي من تلك العوائق كان يمنع التنفس عن اقتصاد أي من تلك الدول ويجعله امام اختيارين، اما الرضوخ واما الموت.
وكانت كل دولة من دول الميثاق ترى ان التهديد الذي يوجه الى الروح الثورية الافريقية والى الوحدة الافريقية والذي يتمثل في السوق الأوربية المشتركة، على الرغم مما تظهر به هذه السوق من الكرم والايثار والتساهل – لم يكن اقل شؤما ولا نحسا من التدخل المباشر في شؤون القارة كما قال نكرومة، وكانت كل دولة  من تلك الدول ترى أن الجانب الاستعماري بعد أن عجز عن المضي في إخضاع الافارقة عسكريا  وسياسيا اخترع ما سماه (بالوحدة الافريقيةالاوربية) لتكون ستارا لتخليد الامتيازات الرأسمالية في هذه القارة.
على أن كتلة الدار البيضاء  تعلم أن دول السوق الأوربية المشتركة ومن خلفها اكثر من الفي شركة، لا يمكن أن ترضخ بسهولة لتدبير اقتصادي تتخذه دول افريقية يوجد بها 60 مليونا من المستهلكين وتشتمل على منتوجات متكاملة يمكن –مع بعض الوقت- أن تأخذ بها نحو الاكتفاء الذاتي والاعراض عن 90 في المائة مما تصنعه اروبا من الاجهزة والالات الخفيفة والمتوسطة، ولذلك فإنها لم تتخذ قرارها في جو من الحماس أو الخطب، ولم تخلق سوقها بدافع من التحدي أو التعصب  الاعمى، بل انها فعلت العكس، وسارت في خطى مدروسة يحوطها  التدبر والواقعية.
وكان أول الضروريات هو القيام بخطوات أولية تجريبية تكون مقدمة للخطوة الجبارة القادمة، وهكذا كان على مؤتمر اللجنة الاقتصادية الفرعية التي عقدت في اكرا والدار البيضاء والقاهرة أن تحضر المشاريع الآتية، لتكون كدرجات يمكن ارتقاء عليها للوصول الى الوحدة:
اولا- اقامة وحدة للمواصلات البريدية والبحرية والجوية والهاتفية والبريدية.
ثانيا- مد خط مدني لخدمات الجوية يقع تدشينه فورا.
ثالثا- احداث مصرف للتوسع الاقتصادي تموه الرساميل الوطنية.
رابعا – الغاء  الحواجز الجمركية تدريجيا ابتداء من فاتح يناير القادم.
خامسا –الاستشارة الفورية والمباشرة عندما تعرض مساعدات على أي من الدول الست أوعندما يقع التفكير في إنشاء مؤسسة اقتصادية.
سادسا- فتح مكتب افريقي للدراسات الاقتصادية والشؤون التي ترجع للنمو.
وهكذا فان أول عمل قام به رؤساء دول الدار البيضاء في جلستهم الثانية هو التوقيع على مسودات تلك المشاريع التي لا غنى عنها لضمان نجاح السوق، وبعد ذلك خطوا الخطوة الحاسمة والجبارة في نفس الوقت.
ولعلنا اذا قمنا بتشريح لهذه السوق والدعائم التي تقوم عليها والمنافع التي ستعود بعد بدء العمل بها، فسنخرج بنتيجة وهي انها لم تكن تلبية لحاجة ملحة ولضروريات اكيدة، ولكنها كانت، قبل كل ذلك عملا وقائيا، وذا فوائد لا يمكن حصرها.
إن أول شيء يتبادر الى الذهن عندما يذكر الإنسان كلمة (سوق)هو جمهرة المستهلكين الذين شترون مختلف المعروضات، واذا أخذنا اية سوق محلية تقام في قرية أو مدينة ووسعناها بحيث تشمل دولا متعددة بدلا من حيز صغير من الأرض، وعددا من الملايين بدلا من بضع مئات فاننا لن نكون قد اخطأنا المقارنة أو التشبيه.
 ان السوق سواء كانت بالمفهوم الاول او الثاني لا يمكن ان تنجح وتتطور ما لم يكن هناك مستهلكون فالمعامل لكي تضاعف انتاجها والمواد الاولية لكي تدخل طور التحويل يجب أن يوجد زبناء يعملون على تصريف المصنوعات وضمان دوران العجلة.
والسوق الافريقية تضم ما يقرب من نصف سكان القارة الافريقية، 25 مليونا في الجمهورية العربية المتحدة، واثنى عشر مليونا في المغرب ومثلها تقريبا في الجزائر، واثنى عشر مليونا آخرين في غانا وغينيا ومالي فالمجموع هو واحد وستون مليونا من مستهلكي السوق الافريقية المشتركة، يتوفرون على قوة شرائية مرتفعة بالنسبة لأي مكان  آخر في القارة.
ثم هنالك الانتاج، فلو كان هذا الانتاج واحدا في كل دولة لكان التفكير في خلق سوق مشتركة من باب الخرافات، لأن منتج القطن في مصر لا يحتاج الى شراء القطن من المغرب أو غينيا اذا كان موجودا بهما مثلا، وهكذا، فان من أسس نجاح السوق الجديدة هوتنوع المحاصيل وحاجات كل سوق محلية على حدة فالقطن في مصر (وهي تعد ثالث دولة عالمية في انتاجه) والحبوب والخمور واللحوم والصوف في المغرب والجزائر، والمنتوجات المدارية وتحت الاستوائية في غينيا وغانا ومالي، فكل منطقة تختص بانتاج لا تحتاج اليه المنطقة  الأخرى فحسب، ولكنه ضروري  لها وكانت تتكبد خسارت أكيدة وتلزم بخوض معمعة المضاربات للحصول عليه.
وما يقال عن الانتاج المعدني، ففوسفاط المغرب ومعادنه المختلفة (والمغرب ثاني دولة في انتاج الفوسفاط في العالم) وحديد مالي، وماس وحديد غينيا،وذهب غانا، وبترول وغاز الجزائر، كل هذه المواد يمكن أن تنهض بصناعة عظيمة تسد حاجات سوق واسعة قوامها ستون مليونا من المستهك
لكن، فلو فرضنا أن اية دولة من دولنا عزمت على إنشاء صناعة ما، فهي ستضع في حسابها منذ الآن وجود المواد المكملة في بلد آخر داخل السوق المشتركة، ووجود سوق واسعة للتصريف تقوم على أساس التسهيلات والأسبقية داخل السوق، من شأن كل هذا أن يوجد سياسة تمويلية واحدة ويخلق تصميما منسجما، وينشط الصناعة والاتجار بالمصنوعات ويقلل من ارقام الاستيراد التي تشكل اكبر الاخطار على ميزان المدفوعات ويزيد في أرقام المدخر من العملة الصعبة.
على أن هناك مشكلا أساسيا تواجهه دول المجموعة بنسب مختلفة وهو اضطراب التجارة الخارجية، وكما يرجع ذلك الى ضعف التصنيع، فانه يرجع أيضا الى تزايد الطلبات على مواد الاستهلاك، فبمجرد القاء نظرة عجلى على التجارة الخارجية – كما تقدم احصائيات عنها منظمة الامم المتحدة –نتبين الى أي حد تفوق ارقام الواردات أرقام الصادرات، وذلك يتحدث ارتباكات حقيقية في جميع اوجه النشاط الاقتصادي:

الواردات بملايين الدولارات

دول الدار البيضاء

1958

1959

1960

الجزائر.....................

المغرب ................

الجكهورية ع م ........

مالي .....................

غانا ......................

غينيا .....................

11.104

4، 397

7، 661

4، 120

9، 236

9، 61

9، 140 1

1، 335

8، 615

2، 102

5، 316

60

1260

7، 413

1، 632

100

1، 362

الصادرات بملايين الدولارات

دول الدار البيضاء

1958

1959

1960

الجزائر.....................

المغرب ................

الجكهورية ع م ........

مالي .....................

غانا ......................

غينيا.....................

5، 488

2، 345

5، 471

70

8، 292

2، 23

6، 365

7، 331

443

؟

4، 317

28

3، 394

354

1، 550

؟

8، 324

؟

واذا احذنا بعين الاعتبار أن اسعار المواد الاولية نتيجة لتكتلات الدول المتصنعة اخذت غي النزول منذ 1950 نجد أن الدول المتخلفة تتكبد خسائر جسيمة تفوق ما تحصل عليه من مساعدات ولا يمكن ان تواجه الا بحلول تكتلية، ولا يمكن أن تعالج الا بالتدابير الاقتصادية الوحدوية التى تجعل بالمستطاع ايجاد نمو اقتصادي مستجيب للطلبات المتزايدة، وخلق صناعة مزدهرة داخل هذا السوق الواسعة التي ستفتح ابوابها بعد اسابيع قليلة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here