islamaumaroc

ابن بطوطة الطنجي

  دعوة الحق

العددان 50 و51

هو أبو عبد الله محمد بن عبدالله بن محمد بن ابراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة والملقب بشمس الدين، حيث اشتهر بهذا اللقب في المشرق وكان يستعذبه.
وأسرة ابن بطوطة بربرية الأصل من قبيلة لواثه وهي فخذة كانت تسكن قديما بلاد برقة، ثم انتقلت إلى البهاليل قرب صفرو بنواحي فاس، وإليها ينتسب كثير من العلماء كابن سمجون وأبي جعفر اللواتي المعروف بابن القاصمي من المصامدة.
رحلت أسرته إلى طنجة فولد بها ونسب الى هذه المدينة فقيل له الطنجي أو الطنجوي، ويلاحظ أن الشرقيين يشددون الطاء في اسم (بطوطة) ولا يستندون الى حجة في ذلك الا ما كان مما ورد في المعجم، أما الجاري على الألسنة بالمغرب في اسم أسرته فهو بدون تشديد أيضا.
كانت ولادته في (17) رجب سنة 703 الموافق لـ (1304)، ونشأ بطنجة في أحضان أسرته المتدينة وربما  لم يكن لوالديه سواه فكان انسهما، وكانت طنجة في عهده تعيش في استقرار وأمن، تزدهر فيها حركة علمية لا شك أن صاحبنا اصابه منها شيء، وكان ملك المغرب آنذاك الناصر  لدين الله يوسف بن يعقوب المريني  محارب بني عبد الواد ومؤسس مدينة المنصورة عرف المغرب في عهده ازدهارا اقتصاديا منقطع النظير حيث شاهدت عاصمة المرينيين (فاس) تفاخرا في البناء والعقار والرياش،وهاجر كثير من الأندلسيين الى المغرب عن طريق طنجة وسبتة، وبعد ميلاده بأربع سنوات تأسست مدينة تطوان وكان تأسيسها بقرب مدينة طنجة لإيواء الأندلسيين الغرناطيين للتخفيف عن طنجة التي ضاقت بكثرة الواردين عليها من الأندلس.
ونشأ ابن بطوطة في هذه المدينة الزاهرة في أسرة دينية اشتهرت بالقضاء، فهو وليد أناس عريقين في المجد الديني، وآخر ما نعرفه  منهم محمد بن يحيى ابن بطوطة قاضي رندة ويذكر في رحلته (ان القضاء والمشيخة شغله وشغل آبائه).
فتعلق ابن بطوطة بأسرته، وبادلها  الحب والمودة ولولا أن داعي الحج دعاه لما  استطاع فراقها ولما إذن له والده بالسفر، ولكن مع ذلك فقد تحمل لبعدهما وصبا، ولقي من الفراق نصبا كما يقول في رحلته، ولكن الغريب من قصته انه لم يكاتب أسرته في رحلته أو على الأقل لم يشر إلى ذلك في رحلته، ولكن الغريب من قصته انه لم يكاتب أسرته أو على الاقل لم يشر الى ذلك في رحلته وما عسى ان يصله من أخبار استقاها من الحجاج عن أسرته كما ذكر في رحلته، ويظهر أن ابن بطوطة لم يأخذ بحظ كبير من الثقافة كما يبدو ذلك في مقدمة ابن جزي الذي كلف بأن يكتب كلامه ويهذبه ويعتمد ايضاحه وتقريبه، وكما ظهر في عبارة شيخ ابن الخطيب في الاحاطة.
وهذا يشعر أن بضاعته من التأليف كانت قليلة، على أنه بدون شك درس ببلدته النحو والفقه، وكانت دراسة يسيرة كما لاحظ ذلك ابن الخطيب في الإحاطة نقلا  عن شيخه ابي البركات حيث قال: (له مشاركة يسيرة في الطلب)وبذلك استطاع ان يلاحظ في مسجد البصرة لحن الخطيب الجلي وان يتعجب من ذلك فيذكره للقاضي  حجة الدين الذي وافقه على ملاحظته،كما أنه استطاع بما درس من فقه أن يتولى منصب القاضي المالكي في دلهي وهي من عواصم الاسلام في عهده، وان يتولى القضاء كذلك بجزائر الملديف Maldives التي كانت معروفة بديبة المهل، كما تولى القضاء في ركب الحجج المغربي وحسب ما يذكر ابن الخطيب في نفاضة الجراب فقد تولى القضاء في تامسنا بالمغرب، وأن اتصاله في كل مدينة  بالعلماء والفضلاء اكسبه استفادة من علمهم  وخبرتهم حتى خولت له نفسه ان ينتقد ابن تيمية ويتهمه في تفكيره وعقله، وأن يجيزه كبار العلماء كابن الشحنة الذي سمع عنه البخاري في أربعة عشر مجلسا بقراءة  البرزالي وأجازه اجازة عامة في دمشق، كما سمع عن مجد الدين اسماعيل بن محمد ابن حداد مسند الشافعي ومشارق الصاغاني في شيراز، وسمع في بغداد مسند الدار عن السراج القزويني.
وكان ابن بطوطة مسلما يثق في الكرامات وبالأولياء ولا يتعرض لذكرهم الا بالتقديروالإحترام، وجاور في المدينة المنورة سنتين كاملتين رغم ولوعه بالاسفار، وكان يابى أن يتناول عن كرامته كمسلم ولو كلفه ذلك غاليا، فقد ابى  أن يدخل الى كنيسة ابا صوفيا بعد شرط المترهب جرجيس ان يسجد للصليب وتجرا على الملك ايذج وتستر لما راه يشرب الخمر فأغلظ في نصحه كما يدل اعتزاله القضاء في ذيبة المهل عن مدى نزاهته واستقامته، وقد استكمل ثقافته في البلاد الهندية التي أقام بها كثيراحيث تعلم اللغة الفارسية واعانته ذاكرته القوية وحافظته المتينة على استظهار كلمات من شتى لغات الأقاليم التي زارها، ومارس الشعر أيضا  فكان من المتفقهين الشعراء، ثم لا شك ان نباهته ولباقته خولته مكانة السفارة في بعض الأقاليم  فسلطان دلهي محمد شاه بن طغلق ارسله في سفارة الى ملك الصين، كما خدم السلطان محمد اوزلك او (ايزبير) كسفير له حيث صحب زوجته Baylon  بيلون بنت اندرونيق Andronicus إلى القسطنطينية.

أخلاق ابن بطوطة:
يستفاد من تربية ابن بطوطة الدينية انه كان رجلا مسلما  متدينا يثق بكلمات الولياء وتوجيهاتهم فقد سافر بدافع  هذه الروح الدينية التي املت عليه ان يقصد البيت الحرام لأداء فريضة الحج، وأبى عليه شبابه ان يستسلم لمزالق الشهوات فعف وتزوج في طريقه"الى الحج مرتين، كما كانت الثقة بالزاهدين والفقراء المتعبدين راسخة في قلبه، وكانت كلمات اولياء الاسكندرية كعماد الدين الكندي والشيخ خليفة وأبي العباس المري والشاذلي أكبر معين له على تحمل أعباء السفر بل كانت موجهة له إلى الرحلة النائية وذخره وزاده كلما خلت يداه، لقد دعا له جلال الدين التبريزي في بنغالة ليصبح مسافر العرب والعجم  واخذت نبوآت الأولياء  تتحقق  فقد رأى في أول تجوله في الهند بهاء الدين القرشي وهو أحد الثلاثة الذين أخبره الشيخ برهان الدين الأعرج بالاسكندرية انه سيلقاهم في رحلته ولم يلبث ابن بطوطة المتدين الورع ان اصبح فقيرا  زاهدا خرج عن الدنيا واقبل على الله يوالي صومه خمسة ايام متوالية ويعتكف في المسجد، وأصبح في دلهي اذا أكل الطعام يؤذيه ولولا  ان سلطان الهند أخرجه من خلوته لاستعذب الحياة الروحية.
وابن بطوطة رجل عاطفي رقيق الشعور سريع التأثر ولقي من بعد والديه وصبا، وتكبد لفراقهما نصبا فهو يدعو لهما في كل مناسبة، تكفي كلمات عذبة لتوتق الصلة بينك وبينه كما قد تكون كلمة نابية كافية لقطع العلائق، وهوسريع التخلق بسكان البلد الذي يقيم فيه، فقد ركب العربات وأكل لحم الخيل وذاق البوزة يحفظ لغة أي  اقليم في يسر وسهولة ويتأثر  بعاداتهم وطعامهم لا يجد في ذلك حرجا أو مشقة، وقد تزوج في رحلته عدة مرات تزوج في طريقه إلى مصر مرتين كما في الرحلة، وتزوج في ديبة المهل من ربيبة السلطان، ثم تزوج من ثلاث نساء غير زوجته كما تزوج في الهند وتوفيت بها ابنته، يحب الاهتمام بهن فإذا لم يحفل  به أحد تصارعت عبراته كما حدث له عندما وصل الى تونس وبرز أهلها  للقاء الزبيدي فلم يسلم عليه احد، غير انه لم يلبث أن تعود السفر  واصبح جلدا صبوا لا  يضنيه البعد ولا يوجعه الفراق.
كان أمينا صادقا اذا نسي  اسم رجل او مكان  لا يخترع  له اسما، بل يقول في رحلته لك ببساطة "ونسيت اسمه"، وذلك وصفه دوزي بالرحالة الامين (انظر الروائع الخاص بابن بطوطة)، ولعل المستشرق فران Ferrand بالغ حين أتهمه بأنه لم يزر البلاد الصينية لأخطائه وأوهامه والغالب أن ابن بطوطة لم يهتم  كثيرا  بمشاهداته وارتساماته عن الصين حتى وقع في عدة أخطاء، واما شك ابن خلدون الغ في الإعتماد على العقل وارتكز كثيرا عليه وانكر ما لم يشاهده، وقد نبهه إلى ذلك الوزير فارس بن واردار، سيما  وقد ايد ابن بطوطة الرحالون الاوربيون الذين زاروا الشرق بعده مثل فريسكو بالدي، وماركو بولو، أما  ما ذكره دوساسي في المجلة الآسيوية من كونه اهتم بسرد الخوارق والمعجزات والكرامات فهو يتفق وعقلية ابن بطوطةوعصره الذي كان عصر الكرامات فهو يتفق وعقلية ابن بطوطة وعصرهالذي  كان عصر الكرامات والزوايا.
رحلته:
تحول ابن بطوطة من حاج إلى رجل جوال آفاق،  وقد طمح أن يطوف بالعالم المعروف في عصره فقد شاء في مقتبل عمره أن يحج غير أن طبيعته كانت تملي عليه أن يرحل الى أطراف المعمور، ولعل مسقط رأسه طنجة كان باعثا على هذه الاسفار لأنها  معبر للتنقلات ومدينةفي موقع يتصل بالعالم اجمع، وفي الرحلة انه التقى في عبدان باحد العباد الذي دعا  له بقوله بلغك الله مرادك في الدنيا والآخرة، وقد عبر ابن بطوطة عن مراده في الدنيا بقوله ان يجول العالم، غير أنه رغم وصوله الى أقصى العالم القديم في (خان بالق) فانه لم يتمكن من رؤية شمال الاندلس ولم يتجاوز الجنوب  الشرقي منها فضلا  عن فرنسا وانجلترا وايطاليا وصقلية، مع أن الكثير من سلفه قد تعرف على هذه البلاد وكتب عنها الشيء الكثير، وأظن أن الحروب المستمرة بين المسيحيين والأندلسيين حالت  بينه وبين تحقيق هذه الأمنية، وابن بطوطة اصبح بعد مغادرته المغرب سائحا متجولا همه ان يعرف العالم وسكانه، وأصبح شعاره كما قال في الرحلة ان لا يعود من طريق سلكها ما أمكنه ذلك.
ترك ابن بطوطة طنجة سنة 1325م ولم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره قاصدا مكة، غير أن هذه الرحلة الى الحج انقلبت الى جولة استغرقت أربعا وعشرين سنة شملت افريقيا الشمالية واسيا وتعرف خلالها على أهم عواصم العالم القديم وحج أثناءها ست مرات، وقد كانت هذه أهم رحلاته اذ فيها  وصل الى الصين والهند وفيها ولي القضاء مرتين مرة في دلهي ومرة في ذيبة المهل، وكان ابن بطوطة ينوي زيارة  الهند عن طريق  اليمن غير انه لم يجد  المركب والرفيق فذهب الى مصر ومنها الى العلايا ليسلك طريق البر.
أما الرحلة الثانية فابتدأت من فاس 1350م واستمرت سنة واحدة وكانت غاية ابن بطوطة أن يجاهد ويرابط ضد (الفونس11) ملك الدولة المسيحية بقشتالة وكانت دولته أخذت تنمو نموا مطردا على حساب الدولة الإسلامية في غرناطة ولكن ابن بطوطة لم يلبث أن أصبح متجولا كعادته فلم يقم طويلا ليجاهد ويرابط ولم يخض معركة وانما أخذ يتنقل من بلد إلى بلد ليصفها وصف السائح في السفر، ولما رجع الى فاس لم يقم الا فترة ليوالي سفره في افريقيا السوداء.
وأما الرحلة الثالثة والأخيرة فابتدأت من فاس في سنة 1352م  وتعتبر من أهم الرحلات نظرا لكون ابن بطوطة من القلائل الذين غامروا في ذلك الصقع النائي، والغالب أن ابا عنان أرسل ابن بطوطة إلى هذه الناحية ليتصل بملوكها  وأمرائها ويحيى العلائق التجارية والسياسية معها وقد كان ابو الحسن واصل ملك مالي منسي بن موسى، ابتدأ رحلته الى سجلماسة فتغازي زاعري كارسخو _مالي قرى منسي تنبكتو-كوكو-كهار-هكار. ثم رجع عن يودا إلى سجلماسة فدار الطمع ففاس.
والجدير بالذكر أن هذه البلاد قد استرجعت بعد استقلالها اسماءها التي احتفظت بها رحلة ابن بطوطة وقد حاول المستعمرون أن يطمسوا هذه الأعلام فكنا نجد صعوبة في فهم موقع مالي وغيرها لأن اسم ساحل العاج والكلمات الغربية غلبت على المصطلحات الأهلية.
وملاحظة ابن بطوطة في هذه الأصقاع ملاحظة رجل حنكته التجارب وخبر المجتمعات فكانت مفيدة جدا، اضف الى ذلك ما في رحلته بصفة عامة من معلومات عن الاقتصاد، وتبادل الإنتاج الفلاحي والزراعي والمواد الرئيسية المحجوبة من سائر الأقطار، ووصف الحيوانات النادرة ومكانها وقد خص فؤاد صروف هذا الموضوع ببحث دقيق، على أن ابن بطوطة ظل يخطئ في نهر النجير ويسميه نهر النيل رغم أن الإدريسي وغيره عرف ينابعه، ورغم ان المرابطين في الجنوب يعرفون الكثير عن أنهار افريقيا السوداء، مما يدلنا أن ابن بطوطة لم يكن يطالع  كتب الجغرافية والرحلات، وإنما كان جوالا مشاهدا فقط، والواقع اذا كان عمل المؤرخ هو سرد تجربة الأمم، وعمل الرحالة هو سرد تجربته الشخصية فقد وفقابن بطوطة إلى حد كبير في عمله، فعمل الرحالة هو إعطاء صورة لأحوال القوم الذين يجوب ديارهم وماجرياته الشخصية معهم، فالرحلة صفحة من التاريخ الاجتماعي الإسلامي في القرن الثامن.

نهاية ابن بطوطة:
لقد أنهى ابن بطوطة بالتعاون مع ابن جزي من إنهاء كتابة الرحلة في 3  ذي الحجة 756 وكانت  وفاته سنة 779 أي توفي بعد كتابة الرحلة بثلاث وعشرين سنة، فاين قضى ما بقي من عمره؟
يذكر ابن حجر أنه قرأ من خط ابن رزوق  فيما رواه ابن حجر في كتابه الدرر الكامنة ان ابن بطوطة بقي إلى سنة 77 ومات وهو متولي القضاء ببعض البلاد.
ويحدث ابن الخطيب في النفاضة انه كتب إليه رسالة بصفته قاضي  تمسنا يرجوه المساعدة على شراء قطعة أرض بجواره ليعدها للفلاحة عند الحاجة حين قرر الاستقرار بالمغرب، فكانت وفاته إذا وهو قاض سنة 777 أو سنة 779 حسب رواية كثير من المؤرخين وبالأخص من رجال الاستشراق.
ويتحدث عن ضريحه بطنجة ولكن لاسند لذلك لوفاته قاضيا بتمسنا، ولان اسم صاحب الضريح احمد بن علال وليس هو الاسم المعروف لابن بطوطة (المشاهير لكنون)، ولو احتفظ الصينيون برسوم الغرباء وهذا لا يستبعد لوجدنا صورة ابن بطوطة ضمن هذه القوائم لأنه ذكر في الرحلة أنهم صوروه عدة مرات.

عصر ابن بطوطة:
شاهد العالم الإسلامي في عصر ابن بطوطة شبه اطمئنان بعد الفورات المتوالية عن الغزو المغولي، فقد انتهت الخلافة العباسية من بغداد وتركزت السلطة الدينية في القاهرة التي تزعمت العالم الإسلامي  كخليفة لبغداد، أما العناصر التركية التي أودت بحياة الخلافة فقد انسحبت عن جوف الدولة الإسلامية إلى الأطراف وأصبح همها فتوحا جديدة تكسبها مجدا طريفا فادى ذلك إلى الفتوح الجديدة في الهند والسند.
أما المغرب فقد كان يعيش تحت ظل بني مرين الذين كانوا يسعون بدورهم الى توحيد شمال افريقيا تحت سلطتهم وارجاع الامبراطورية الموحدية تحت حكم الزناتيين، وكان بنو حفص بتونس يستمرون على الولاء للمغرب، أما تلمسان فكانت تحت إمرة بني عبد الواد تقاوم نزعة بني مرين وتضايق تونس والمغرب، ولكن بني مرين أصروا على تحقيق أمنيتهم، وفي عهد الناصر لدين الله يوسف بن يعقوب المريني تأسست مدينة المنصورة، ثم حاصر أبو الحسن تلمسان فقضى عليها  سنة 735، ثم دخل إلى تونس بحفاوة  سنة 748 فصارت  مملكته تضم الأقطار الثلاثة وتمتد إلى رندة بالأندلس حسب تعبير ابن خلدون، وقد تقدم المغرب اقتصاديا فشاهد رخاء  وتطورا صناعيا هائلا وبالأخص في صنع الساعات المائية كتلك التي كانت بمدرسة أبي عنان.
وقد هاجر الأندلسيون في عهد الناصر فسموا باقتصاد البلاد، واصبح  المغرب الأقصى جناح العروبة الغربي وأرسل ابوالحسن السفير فارس بن ميمون الى الملك الناصر ابن قلاوون صاحب مصر والشام والحجاز  حيث أعلمه بفتح تلمسان وتحسين المواصلات  وتنظيم مراكب الحج، كما أرسل عمر بن يحيى وعطية ابن مهلهل والمزوار الى الناصر ايضا مع هدية ثمينة فيها مصحف بخط ابي الحسن الى المساجد الثلاثة مع أوقاف عليها.
وكذلك واصل ولد الناصر ابا الفداء واتصل بملك مالي منسي بن موسى الذي لقيه ابن بطوطة في رحلته وكانت غانة من بلاد الإسلام العظيمة كما كان ملك من عظماءملوك الاسلام، ويروي ابن فضل الله العمري ان منسي بن موسى سلطان  التكرور من السودان المغربي حج سنة 724 وسأله والي مصر عن كيفية انتقال الملك إليه  فحدثه عن والده وتجهيزه لمئتين من السفن لتخبره بنهاية البحر ثم أرسل  له بعثة أخرى بعد ضياع هذه تحت إرشاده.
ويذكر الادريسي المشهور أن ملكها من العلويين من أسرة بني صالح، ويروي ابن سعيد المغربي المتوفى سنة 673 في كتاب الجغرافيا (موجود بخزانة باريس) ان بنغانة محل سلطان بلاد غانة وهو من ذرية الحسين بن علي عليه السلام.
وقال نجم الين الحراني المتوفى سنة 700 أن غانة مدينة عظيمة سميت باسم إقليمها وهي أكبر بلاد السودان وأوسعها قطرا ومتجرا، ولهم زوارق في النيل (النيجر) عظيمة، ولها ملك كبير كثير الجنود وله ممالك كثيرة.  وقد أيد ابن خلدون ما ذكره هؤلاء وشك في شرف أصحابها بدون سبب معقول، والمهم أن ابن بطوطة ذهب الى السودان  وتعرف بهذا الملك العظيم ويظهر أنه توجه الى هذه الناحية بطلب من ملك المغرب  في سفارة الى منسي سليمان ولذلك أمره بالعودة إلى المغرب وهو في تكدا  ولم يشر ابن بطوطة الى هذه السفارة، ترى الا انه كتمها؟ أم انه استدعاه ليدون رحلته أو هناك سبب لم يذكره المؤرخون.
وترجع محاولة ابن الحسن لتحسين صلته  بالقاهرة الى المكانة التي أصبحت تتمتع بها بعد بغداد، ويحدثنا ابن بطوطة عن وجود سلطان افريقيا المخلوع زكرياء اللحياني بالاسكندرية وعناية حكومة القاهرة به، وعن وجود محمد المراكشي الذي زعم انه ابن المرتضي  الموحدي وسنه 95 سنة في عذاب فقد أصبحت مصر ملجأ  النازحين من المغرب والأندلس بسبب اضطراب الأمور بها، وكانت دولة المماليك بلغت الأوج وامتدت حدودها شمالا حتى قليقلة، وجنوبا الى ما وراء الحجاز، وغربا  الى افريقيا  وشرقا الى الفرات. أما في العراق وفارس فكانت دولة ايلخانات المغول، وفي البلاد الشمالية حتى نهر الفلجا  فكانت دولة القيلة الذهبية المغولية، كما  كانت دولة مغولية أخرى (الثالثة) في بلاد ما وراء النهر حتى الصين، وفي الهند حكمت دولة إسلامية الى معظم شبه الجزيرة وصول هذه الدولة دويلات إسلامية مبعثرة في آسيا الصغرى وأفغانستان وشواطئ المحيط الهندي، وقد درس  العالم الاسلامي في هذا العصر  الدكتور زيادة في كتابه عن ابن بطوطة.   وأعانت هذه الوحدة الإسلامية المتناسقة ابن بطوطة على أداء رحلته في جل البلاد الإسلامية وكان المغاربة مبثوثين في عدة وظائف  ببلاد الشرق وذلك ما ساعده على التوغل في عدة بلاد، فديوان التفتيش  في قطيا  وهي مركز الحدود بين مصر ودول المغول كان به مغربي يقوم بمهمة التحقيق  في مغربية المسافرين، ولقي في  سجلماسة قاضيا عرف اخاه في الصين كما أنه يستأنس باليمنيين فيسجل التشابه بينهم وبين المغاربة في كثير من الاحوال مما يقوي القول بأن صنهاجة وسواهم من قبائل المغرب أصلهم من البربر، وكذلك أخبره منسي  موسى أن في خليج السودان قاض من البيضان يكنى بأبي العباس الدكالي في هذه البلاد النائية.

شاعرية ابن بطوطة:
كان ابن بطوطة شاعرا مقلا وهذا ما لا يعرف في ترجمته وقد أورد لنا في الرحلة قصيدة قالها  في ملك الهند ومع الأسف   لم يسرد منها  الا سبعة ابيات هي كل ما نعرف من شعره  ومطلعها:
اليك  أمير المؤمنين المبجلا
اتينا نجد السير نحوك في الفلا
فجئت محلا  من علائك  زائرا
ومغناك كهف للزيارة آهلا
فلو أن فوق الشمس للمجد رتبة
لكنت لاعلاها اماما مؤهلا
فأنت الامام الماجد الاوحد الذي
سجاياه حتما ان يقول ويفعلا
ولي حاجة من فصل جودك ارتجي
قضاها  وقصدي عند مجدك سهلا
أأذكرها أم  قد كفاني حياؤكم
فان حياكم    ذكره كان أجملا
فعجل  لمن وافى محلك زائرا
قضا دينه ان الغريم تعجلا

كتاب تحفة النظار:
هل كان ابن بطوطة رحالة بالمعنى العلمي؟ وهل كان ابن بطوطة عالما مفكرا؟ لعل من البديهي ان ابن بطوطة لم يكن الا رجلا متسع العقل راغبا في الجديد الغريب يشبع رغبته  بحبه للاسفار البعيدة، ثم صور ذلك في كتابه بجمل مقبولة واعجاب ساذج وملاحظة فاكهة لا  تخلو من دقة نظر، ولم يكتب ابن بطوطة  رحلته وانما  دونها شاعر وكاتب من بلاد فاس هو محمد ابن جزي احد أولاد العالم أبي القاسم ابن جزي المتوفى سنة 757 بامر من السلطان أبي عنان المريني بعد أن استمع السلطان الى روايتها فأعجب بها وخشي عليها الضياع، وقد نقلها  بثلاث أساليب، (الأول) أن ينقل كلام الشيخ بألفاظ موفية للمقاصد التي قصدها،(والثاني) ان يورد لفظه على وضعه، (والثالث) أن يرجع إلى المصادر القديمة ككتاب البكري ورحلة ابن جبير ويكون ذلك أول الفصول كحديثه عن الاسكندرية أو عن دمشق وغير ذلك، ولذلك يكثر ابن جزي من الأوصاف عندما يذكر أسماء البلدان والعواصم المشهورة كدمشق والقاهرة..الخ، وكتب  ابن جزي كذلك عناوين لبعض الامور المهمة في نظرة، وكان إذا شك اعتمد على الراوي فنسب اليه كل شيء، واجتهد في نفس  الوقت ان يقيد المشكل من أسماء المواضيع والرجال بالشكل التنقيطي وشرح ما يمكن شرحه من الأسماء والكلمات الأعجمية حتى لا تلتبس على الناس. وهذا التحرير على هذا النحو يظهر التناقض بين بحث نقدي وبحث يحاول سرد الحوادث فلذلك يكون تارة نقدا عابرا اخويا ولكنه في نفس الوقت جديا، ولا سيما عندما يكون المحرر ينقل عن ابن بطوطة بنفسه.
أما أسلوب الرحلة فتظهر فيه نفاسة التعبير عند ما يكب المحرر نقط الموضوع في أسلوب خاص أو عندما  يحاول أن يحسن العرض والوصف ولا شك أن ابن جزي هو الذي ضمن الكتاب عدة نقول عن ابن جبير وغيره، وعند ما يتوخى الكاتب عبارات ابن بطوطة يتهلهل الاسلوب الى حد كبير فيصبح يتجاوز  الانشاء المنحط أحيانا ويبدو خاليا  من التأليف والترتيب.

قيمة الرحلة:

للرحلة أهمية كبرى من جهة معلوماتها القيمة عن العالم الاسلامي في القرن السابع عشر حيث يتضمن وصفا للبلاد وحكايات، وقصص وخرافات وتحقيقات تاريخية مهمة، ولا سيما في الصلات بين أجزاء العالم القديم والمظاهر المتعلقة بالعوائد والتقاليد للسكان وابن بطوطة وان كان كثير الذكاء فهو كما يقول بروكلمان كثير الملاحظات وقد اغرق في الاعتقاد بالكرامات واقتناص الخوارق حتى اتهمه دوساسي في المجلة الأسيوية بالخروج عن الموضوع والتصديق الساذج بكل ما يقال (انظر الروائع)، ولا يخفى ان بن بطوطة كان صادقا فيما يروي من كرامات وخوارق لأنه كان يعتقد ذلك، وكان همه أن سرد ذلك وبالأخص في عصر كعصر بني مرين الذي حفل بالأولياء والصالحين ولهذا فقد ذكر في رحلته اسانيد العلماء، وما أخذه من مشاييخ الصوفية باصبهان وغيرها طبقا لما كان معمولا به في الماضي.

انتشار الرحلة:
لقد كتب ابن جزي رحلة ابن بطوطة في أسلوب سهل حتى يتأتى للجميع ان يقرأها بسهولة وتوخى الكلمات السهلة الفصيحة مما حدا بكثير من كتاب الشرق كالبستاني في الروائع والدكتور زيادة في كتابه عن رحلتي ابن جبير وابن بطوطة والمعلقين على مهذب الرحلة إلى اتهام أسلوب الكتاب، والغريب أن الجميع يعلق على كثير من الكلمات ويشرحها شرحا غريبا  لا يناسب  ما يقصده ابن جزي الذي كان ينتقي الكلمات العربية التي لم تستعمل في المشرق فتظهر عامية لمن لم يمارس العربية بدقة، وذلك لتسهيلها على القارئ المغربي وقد تصدى الاستاذ كنون للرد على الدكتور مصطفى زيادة.

ابن بطوطة ورحلته:
لست  أشك أن عودة ابن بطوطة الى المغرب أثارت فضول رجال الفكر والقلم، وقد تطوع ابن جزي أول الأمر بكتابة الرحلة كما يظهر في غضون الكتاب حيث ذكر أنه اجتمع في غرناطةبابن بطوطة وقال عنه: (ومتعنا الشيخ أبو عبدالله باخبار رحلته وقيدت عنه أسماء الاعلام الذين لقيهم واستفدنا منه الفوائد العجيبة)، ولا شك أن ابا عنان المريني اختار الأديب ابن جزي ليتقل الرحلة باقتراح ابن بطوطة كما يظهر من هذا النص، وكان ابن بطوطة يفتخر بجولاته فلذلك اهتم الناس بها كثيرا، ومما يدل على افتخاره بها ما قاله للسائح المصري الذي لقيه بالأندلس فذكر عنه أنه جال الأرض الا أنه لم يدخل الصين وسرندين والمغرب والسودان، أما أنا (يعني ابن بطوطة نفسه) فقد زدت عليه بدخول هذه الأقاليم.
وقد كان كثير من مواطنيه يكذبونه وبالاخص فيما كان يروي عن الهند، وشايعهم ابن خلدون في ذلك وان كان بعض مترجمي ابن بطوطة ظن أن نص ابن خلدون في الدفاع عنه لا في اتهامه، فالظاهر العكس وقد نهاه الوزير فارس بن وردار نهاه عن انكار ما لم يره،  وحاول ابن خلدون ان يضع مقياسا لاخبار ابن بطوطة حيث قال: فليرجع الانسان الى أصوله وليكن مهيمنا على نفسه ومميزا بين طبيعة  الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته، فما دخل في نطاق الامكان قبله، وما خرج عنه رفضه، وليس المراد الامكان العقلي وانما المراد بحسب المادة التي للشيءغير أن المقياس المنطقي هو مقابلة أقوال ابن بطوطة بمن جاء بعده من الرحالين ومن سبقه، يتضح من هذا صدقه حيث أن فريسكو بالدي الذي زار مصر بعده بنحو 60 سنة ايد اقواله تقريبا، وكذلك ماركو بولو في الصين والهند كان كلامه مصدقا لما جاء في رحلة ابن بطوطة، على ان ابن جزي كان يشك في بعض الأحيان فيما يكتبه من اقوال  ابن بطوطة فيقول: وأوردت جميع ما أورده من الحكايات والاخبار، ولم اتعرض لبحث عن حقيقة ذلك ولا اختبار، كما  شك المستشرق فران Ferrand  الإختصاصي  في الشؤون الصينية، وكاد يجزم ان ابن بطوطة لم يزر الصين لكثرة أوهامه وأخطائه، وقد ارتكب ابن بطوطة بعض أغلاطه الجغرافية نتيجة اعتماده على الذاكرة حيث فقد مذكراته في رحلته الأولى بعد سفره من بخارى، كوضع نهر العاصي في حلب بدل نهر القويق وخلطه بين بحيرتي برلس وتنيس، كما  اخطأ حين زعم انه رأى قبر أبي يوسف يعقوب المنصور في ضواحي بيروت والواقع ان هذا القبر ينسبه المؤرخون لأبي يعقوب يوسف وقد بسط مؤلف الروائع هذا الموضوع.
على أن هذا لا يطعن في امناته الواضحة في عدم التلفيق واختراع الأسماء، حتى أن دوزي سماه بالرحالة الأمين، بل دافع ابن مرزوق ما تهم به المعاصرون ابن بطوطة  من الكذب والاختراع وزاد قائلا: لا أعلم أحدا جال في البلاد كرحلته وكان في ذلك جوادا محسنا، وكذلك ذكر ابن الخطيب في الإحاطة نقلا عن خط شيخه أبي البركات ابن الحاج بان له مشاركة في الطلب وبعد أن أشار بإجمال إلى رحلته قال: انه حكى بالأندلس أحوال المشرق وما استفاد من أهله فكذب.
ولقيه ابن الخطيب في قبلة وسهر معه في بستان أبي القاسم ابن عاصم وأخبرهم في ذلك المجلس أنه دخل الكنيسة العظمى بالقسطنطينية، وهي على قدر مدينة مسقفة، وفيها  اثنا عشر الف اسقف، وعقب ابن الخطيب على هذا بقوله: قلت واحاديثه في الغرابة ابعد غورا من هذا الاجتماع الذي ذكره ابن الخطيب حضره كاتب الرحلة ابن جزي ولايصف  هذا الاغراق  والغلو الذي ذكره ابن الخطيب .. ولا  يجوزله كناقد أمين أن يبادر إلى التكذيب.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here